islamaumaroc

النقد والمساجلات في المدارس العلمية العتيقة

  عبد الحميد محيي الدين

العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002

ثمثل المدارس العلمية العتيقة قلاعا حصينة لنشر الثقافة الإسلامية في مختلف ربوع المغرب، لا سيما في الجنوب، وظلت على هذا النحو طيلة قرون، ومازالت كذلك، بالغرم من ضعف مواردها، وقلة مصادر تمويلها، ومازال القيمون عليها من العلماء والفقهاء يتحدون الصعاب والمثبطات للحفاظ عليها، والفقهاء يتحدون الصعاب والمثبطات للحفاظ عليها، ولمقاومة التيارات المعادية لوجودها واستمرارها، ومع أن تلك المدارس العلمية لم يدخل عليها تغيير ملموس حتى الآن، إلا ما ندر، فإنها استطاعت بصمود العلماء واستماتتهم أن تبقى شامخة رائدة، يشهد الجميع بآثارها المحمودة على الثقافة الإسلامية؛ ومنث م ظهرت الحاجة من الغيورين على هذا النوع من الثقافة المهدد بالإندثار إلى احيائها وبعثها لتنهض من جديد برسالتها النبيلة، وتواصل مسيرتها في مغرب اليوم، كما كانت بالأمس، والمرجو أن تؤدي الجهود المشكورة حاليا إلى تحقيق الغاية منها، وأن تؤتي أكلها بإذن ربها في المستقبل المنظور، بما يعيد لها الإعتبار، ويكفل لعلماتها الكرامة والعيش المناسب لمقامهم :
وانطلاقا من هذه التلميحات، أقف في هذه المقالة على جانب من الحياة العلمية والأدبية التي كانت تزخر بها المدارس العلمية العتيقة، إذ على الرغم من كثرة ما كتب حولها، وحول مناهجها ومقرراتها، فإن هذا المنحى لم يبرز الإهتمام به، ولم يقع الإلتفات إليه، حتى ليفهم أنها خلو منه، على حين أنها رائدة فيه، وسباقة إلى ارتياده، ذلكم هو النقد الأدبي والمساجلات الأدبية في مدارس العلم بسوس، هذا أمر بديهي، لأن الأدب العربي في منهج الدراسة في سوس، يمثل أكثر الفنون برزوا وأفواها حضورا، ولا سيما في بعض المدارس (1) ذات الإتجاه الأدبي في الجنوب عموما :
وأشير هنا إلى أن المدارس العلمية الأخرى،(2) التي لا تجعل الأدب والنقد في أولوياتها،(3) لا تخلو من  الإهتمام به، كما أن التي تعني بالأدب ونقده، لا تخلو من العناية بالعلوم التي تكتمل بها مناهج الدراسة، كما في مدرسة (إلغ) المعروفة باتجاها الأدبي، حتى إن مؤرخ سوس : «المختار السوسي»، يذكر : « أن الإلغيين لا يقرون لأحد بالتفوق التام، إلا إذا كان متفوقا عربية وفقها وفرائض وتاريخا وأدبا واطلاعا».
لكن  ينقل عن أحد شيوخه (4) قوله : «كل من ليس بأديب، فلا يكتسي أبهة العلم عند الإلغيين، وإن جمع علوم الوليين والآخرين».
وكانت تلك المدارس تزخر بالمحاورات والمفاخرات الأدبية، ليبرهن المشاركون فيها، على مستواهم الأدبي، وكانت تعقد لهذا الغرض منتديات، وتقام مسامرات، نجد كثيرا منها متبثا في كتب مؤرخ سوس المذكور، وخاصة «المعسول»، ويتبين من بعضها أو جلها أن الهدف هو بعث الطلبة على المنافسة، ليبلغوا شأوا بعيدا في قرض الشعر ونقدء، ومن ثم كانت المساجلات تقع أحيانا بين جماعتين متباريتين، وتقوم حينا بين فردين قصد افحام الخصم، وجعله مقرا بغلبة الطرف الآخر، وإلا فإن الإقرار بتفوق أحد الطرفين يصدر من جهة محايدة، إن تمادى الطرف المغلوب على عناده واستكباره، إلا أن الهدف الأساس لا ينحصر في تحقيق هذه الغاية (الغلبة) وإن كانت هي الظاهرة، وإنما المراد هو تحريك القرائح، واكتشاف المواهب، واستخراج القدرات، لتكون الحصيلة هي ما يكسبه ميدان الإبداع من نصوص جديدة، لا سيما عند الطلبة المبتدئين الذين ينسجمون على منوال أساتذتهم، يحاولون التزام طرائقهم في الصور والتعابير.
بالإضافة إلى أن المصادر الأدبية التي يعتمدونها، ويلازمون مطالعتها وسردها أمام الشيوخ والأدباء الكبار، تقودهم إلى محاكاتها، وتقليد النصوص الواردة فيها، وتلك المصادر في الأعم الأغلب أندلسية المنزع، «كنفح الطيب للمقري»، و «قلائد العقبان»، «لابن خاقان» إلى جانب « مقامات الحريري»، وبعض المجموعات الشرقية، سواء أكانت متعلقة بالأدب الجاهلي « كالمعلقات»، أم بالأدب الإسلامي الأموي أو العباسي.
فلا غرابة إذن أن نجد مؤرخ سوس « المختار السوسي» يؤكد : «أن الإلغيين، وإن كان لهم بالأدب الأندلسي».(5)
ويذكر في هذا السياق «أنهم أكبوا عليه حتى امتزج بلحمهم ودمهم أدب «ابن الخطيب»، و «ابن جزي»و «ابن سهل» و« ابن شهيد» و«وابن زيدون» و«ابن عبد ربه» و«ابن خفاجة»، و«ابن عباد»، و«ابن عبدون»، و«ابن خاقان»، و«ابن بسام»، و«ابن اللبانة»، فلا يشذ عن غالبهم شيء في كل أجزاء (نفح الطيب) الأربعة الضخام،(6) فكان (النفح) مصحفهم، وكل الأبيات اللطيفة، ومطالع المقاصد البارعة، والقضايا النادرة يستحضرونها كأنها مرسومة أمامهم »... « مع استحضار كثير من شعر الجاهلين والمحدثين» «فقد درسوا الدواوين، وطالعوا من كتب الأدب العامة كل ما وجدوا أمامهم».(7)
يتضح من كلام المؤرخ المذكور أن الأدباء السوسين، وخاصة المنتمين إلى مدرسة (إلغ) يجعلون هذا المصدر وغيره من كتب الأندلسيين، تكأة لهم وسندا للمحاكات والمنافسة، وبالنظر إلى أن المدارس العلمية العتيقة، تختلف حسب درجات اهتمامات بالأدب والنقد، فإنها مع ذلك تتفق على ان ميدان الإبداع يمثل مجالا للتياري والمطارحات الأدبية، ويعكس مبلغ الرصيد اللغوي لدى الطرفين المتباريين، كما يدل على القدرة على تطبيق علوم الآلة، والعلوم المساعدة التي كان الإهتمام بها عند علماء وأدباء المنطقة منقطع النظير، سعيا منهم إلى محاربة العجمة، اللهجة الأمازيغية السائدة في بيئتهم، إذ تعلم اللغة العربية هو الهاجس الأول الذي يشغل الطالب في تلك المدارس، ودون اتقانها، تظل طريق الأدب والنقد غير معبدة ولا مسلوكة، بحيث يقضي مدة مديدة، يواصل ليله بنهاره، ليدرك أقصى غاياته من قواعد اللغة العربية، حتى يتخلص من آثار العجمة الأمازيغية، ويكون باستطاعته التحدث بها، والكتابة، بعيدا عن الأمازيغية التي تبقى مع ذلك، وسيلة التخاطب، بل وسيلة التعليم والتدريس في المدارس العلمية العتيقة السوسية.
ومما يستدعي التنويه والإعجاب أن أدباء تلك المدارس العلمية وعلماءها استطاعوا تجاوز آثار العجمية الأمازيغية، والإرتقاء بمستواهم في ميدان المطارحات الأدبية، فأبدعوا قصائد ورسائل، تذكر «بابن الخطيب»، و«ابن زيدون» على نحو ما نجد عند العلامة الأديب : «مولاي عبد الرحمن البوزكارني»(8) أو الشاعر «الطاهر ابن أحمد الإفراني»،(9) وعند تلامذتهما في بعض المدارس العلمية كمدرسة (الجمعة) في آيت باعمران؛ ويتيح الرجوع إلى تراجم هؤلاء، خاصة عند «المختار السوسي» في كتبه ولا سيما «المعسول»، الإطلاع على ما بلغوا شعرا ونثرا، علما فلبعضهم دواوين كانت موضوع رسائل جامعية في كليات الآداب، لا سيما كلية آداب أكادير، «كالطاهر الإفراني»،(9م) وبعضهم كان موضوعا لندوة علمية، نظمتها كلية آداب أكادير في الموسم الجامعي الماضي (مارس 2001) بمدينة «إفني»، حول مجالات آيت باعمران، حيث أبرزت جوانب في حياة قاضي القضاة «محمد بن عبد الله»(10) (أبلوش) سواء في الأدب أم في القضاء، وكان موضوعا لرسالة جامعية في كلية الشريعة بأكادير، اهتم صاحبها بآثار القاضي وأحكامه في مجال القضاء بآيت باعمران، وقد تمت مناقضة هذه الرسالة قبل سنتين بإشراف الأستاذ الدكتور حسن العبادي.
وقد لفتت ظاهرة العجمة، مع النبوغ في اللغة العربية، عند علماء سوس، نظر الأديب «محمد بن العباس القباج» في كتابه الأدب العربي في المغرب الأقصى، وهو يتحدث عن مؤرخ سوس « المختار السوسي» إذ يقول : «ليس بغريب أن ينبغ فن بين أمة بعيدة عن لغة الضاد أفراد يرفعون ذكر أمتهم، ويحفظون لها بين صحائف التاريخ، أثرا مجيدا يبقى ما بقيت تلك الأمة، وذكر إسمها في الوجود ...[......] المعروفة ببعدها عن لغة الضاد، تنجب لنا بضعة أفراد، هم نهاية ما تفتخر به الأمة، وتباهي بهم في عالم العبقرية والنبوغ.(11)
وهذه شهادة من الأديب «محمد بن العباس القباج»، تؤكد ما ذهبنا إليه، لولا أنها تتضمن عبارة (بضعة أفراد) مع أن المختار السوسي الذي قال هذه الشهادة في حقه، يذكر من نبغاء السوسيين في الأدب عددا كبيرا، لا يقل عن مائة، بالنسبة لمدرسة واحدة، يقول في كتابه : سوس العالمة «خرجت المدرسة الألغية كثيرين ينيفون على المائة، يندر فيهم من لم يضرب بسهم في الأدب»(12) وذكر أسماء قبل الشاعر الإفراني الطاهر الذي أشرنا إليه آنفا، وقاضي القضاة محمد بن عبد الله (أبلوش)، والأديب الكبير مولاي عبد الرحمن اليوزكارني اللذن أشرنا إليهما كذلك؛ ويقول : «وكثيرون أمثالهم، فمن الإلغيين وغيرهم ممن درجوا، وممن لا يزالون أحياء،(13) وكلهم ممن تشبع بروح أدبية فائقة، وغالبهم جيد القول مقبول المنزع إن وزن بميزان بيئته، وما أجمله مؤلف «سوس العالمة» في كلمته التقويمية النقدية هذه فصله في تراجم العلماء خلال كتابه المعسول، حيث قال فيهم ما بقي في ميزان النقد الأدبي السوسي، نموذجا صالحا للإستشهاد به حالا واستقبالا؛ وقبل إيراد بعض النماذج التي أراها داخله في إطار النقد الأدبي أسوق بعض الأحكام النقدية التي صدرت من المختار السوسي نفسه في مؤلفاته، خاصة أنه من أبرز أدباء ونقاد الحقبة التي اختار أمثلة منها، وهي الحقبة المراوحة بين الثلث الأخير في القرن الهجري الثالث عشر، وبداية النصف الثاني من الرابع عشر، أي حتى 1352 هـ وهي التي تؤرخ للنهضة الأدبية الثانية في سوس. كما حددها العلامة المذكور، علما بأن الذين يمثلون هذه الحقبة، امتد إبداعهم بعد ذلك، أي ما بعد هذا التاريخ بثلاثة عقود تقريبا، إن اعتمدنا تاريخ الوفيات.
ومن هذه الأحكام النقدية، ما قاله المؤلف السوسي في حق العلامة الأديب «علي بن عبد الله الإلغي(14)» وهو ذلك الأديب الحي الأريحي، الذي وصل بالأدب الإلغي إلى هذه الغاية التي يشاهدها المغرب اليوم، فقد قام على اللغة العربية، والعلوم التي تدرس بها خير قيام. من حين أن تولى المدرسة إلى أن التحق بربه، فقد كانت حياته العلمية كلها آدابا وأبحاثا، ودراسات ومحاورات ومكاتبات، وفتاوى رائعات، وقصائد ومقطعات، ورسائل محبرات، تتسم بسجع يخف على السمع ...».(15)
وحلاه في آخر ترجمته بأنه «الأستاذ العالم الأديب المفتي القاضي المدرس».(16)
ومن الأحكام النقدية في الدارس العلمية العتيقة، ما ذكره صاحب المعسول، نقلا عن أحد علماء سوس، من أن «الشيخ أحمد الهيبة» سأل هذا العالم السوسي عن الموازنة بين الأديبين الكبيرين : «علي بن عبد الله» المذكور و«الشاعر الطاهر بن محمد الإفراني» الذي مرت بنا الإشارة إليه في الهامش(9) فأجابه بما يدل على مكانتها الأدبية، فقال له « الشيخ أحمد الهيبة» : «صدقت، غير أن الأستاذ الإلغي في النثر أبرع، ولا يشق له فيه غبار، وليس دون وادي أم الربيع إلا شنكيط من يوازيه في الترسل، والأديب الإفراني شاعر مصقع، فاق في براعته وبلاغته كل من يتعالى إلى النزع في القوافي في الغرب كله».
وعلق المختار  السوسي على هذه الموازنة بقوله : «هذا هو حكم هذا الشيخ العلامة الصحراوي الذي لا ينكر نظره السديد في الأدب لما له به من ولوع».
وللمختار السوسي نقد أدبي لشعر أحد اللبنانيين المشاهير وهو الشاعر الكبير «لاشيد المصوبع» كما قال المختار السوسي، وذلك حين صادفه وهو حديث العهد بالبينة السوسية ومدارسها سنة 1338 هـ بمدينة مراكش،
حين عرفه الشاعر البناني بنفسه وأسمعه بعض شعره، فمما أنشده داليته الفخرية، التي مطلعها :
( هجمت ولم أخش الحسام المهندا)
وهي التي يقول فيها :
إذا شئت أمرا كان البحر ركوبه
                جعلت العدا جسرا فسرت على العدا
إذا شئت أما لم اكن متــرددا
               وأقبح ما في المرء أن يتـــرددا
يقول المختار السوسي «وهذا ما استحضر منها، وقد أنشدنيها كلها، فسمعت من البلاغة والفصاحة ما بهرني» لكنه يقول عنه أيضا : «ورشيد مصوبع أشهر من نار على علم في الحواضر، وكان شعره سجيه، ولا إلمام له بالقواعد أصلا، وكان دنئ الهمة إلى الغاية؛ فكان ذلك سبب سقوطه، فقد مدح كبارا من المغاربة كالحاج التهامي، وابن عمه القائد عمر بن المدني، ولكن ما يجيزونه به لا يلبث أن يذهب بين الطاس والكاس [.....] وقد مات في الدار البيضاء بعد 1340 هـ(17) والمختار السوسي كان يزاوج بين النقد الأدبي، والنقد التاريخي، والأول عنده أكثر، لأنه أديب ومؤرخ ضليع؛ ثم إن هذا النقد لإنتاج غير الأدباء السوسيين، من مشارقة مشاهير، هو الذي صحبه معه من المدرسة العتيقة، إذ كان مكرا، قبل أن يخالط أدباء فاس والرباط ومراكش.
على أن المختار السوسي لا يغمط الأدباء حقوقهم، ولا يبخس الشعراء بنات أفكارهم، وإنما هو- كما يشهد على نفسه- يقول الحق في المبدعين المبرزين، وفي غير المستحقين للثناء، ونجده أحيانا ينتقد شخصا بعينه، حين يرى ما يستوجب النقد، وحين يرى العكس، فهو يبرز الجودة والرداءة على السواء، يقول مثلا في أحد أدباء المدرسة العلمية العتيقة :
«كان ذا همة كبرى في الميدان الأدبي» ثم يتساءل : وهل هو في الحقيقة ذو مكانة في الأدب ؟ أما قرناؤه فلا يسلمون له أي تفوق في الميدان الأدبي» وذكر أن الذين يعرفون مستواه يتهمونه بالتقصر في كلامه.(18)
ويبرئ ذمته من نقده عندما إطلع على شعره ونثره فقال : «لا نبرثه من كثير مما وصفوه به، إلا أننا وقفنا له على ما يستجاد بعضه». وينقل نقد أحد أدباء المدرسة السوسية لأدب «محمد بن الحسين بوكرع» المذكور حين قال : «أديب حسن، ممن كرع من المدرسة (الألغية) ونجب، شارك العلماء في مثاقنه المعاني، والأدباء في المناضلة بالقوافي، وهو وسط في كل ذلك ... « وله في المولى عبد الحفيظ سلطان المغرب إذ ذاك، عينية، وصفها مطلعها :
حفيظ نظمت الدين بعد تضعضع
                 وأقعمت بالنصح الشــذي كل مسمع
وعقب على ما أورده في إنتاجه بقوله : «هذا كل ما عندنا لهذا الأديب، يجمع الحشف وغيره»(19) لكنه يقول عنه أيضا، إعتمادا على نقد غيره من أدباء المدرسة العلمية العتيقة : «وقد أثنى عليه مولاي عبد الرحمان البوزكارني،(20) وفضله على كثير من أقرانه، ووصفه بأنه ترقى في الأدب بعد ما غادر (الغ)؛ وكذلك القاضي
سيدي محمد بن عبد الله أوبلوش البعمراني،(21) وقد وجدت عنده من أدبياته ما انتقيت منه».
واختصر  نقده لأحد مترجميه بقوله : ... «ومداركه الفقهية واللغوية متوسطــــــــة»(22).
وإذا كانت معرفته بالنقود قاصرة فإنه يعتمد على ما يقول عنه عارفوه بمثل يقوله : « والذين يعرفونه يفهم مما يقولونه أنه من المتوسطين من بين أقرانه»
ولو تتبعنا نقده لشخصية واحدة ممن ترجم لهم لوجدنا أنه متناسق في أحكامه، خلال كتبه المتعددة. فهو يقول عن أحد الأدباء آيت باعمران منوها «علامة فائق» فكانت له أيضا في الأدب يد وقد تصدر للتدريس والإفتاء والقضاء، وعلا شأنــــــه ... »،(23) قال هذا في كتابه : (رجال العلم العربي في سوس) وقال في كتابه: (مدارس سوس العتيقة، نظامها وأساتذتها) وهو يتحدث عن مدرسة (الجمعة) الباعمرانية : عن الأديب نفسه:« الأستاذ الفقيه الجيد التحصيل، أخذ بالمدرسة الإلغية أخذا حسنا، وأتقن ما أخذ، وله آداب حسنة».(24) ويقول عن هذا الأديب كذلك في كتابه : المعسول «هذا أحد رجالات سوس العلمية الآن، وفد من الأفذاذ الذين تخرجوا من المدرسة الإلغية، وقد تكونت له هالة من الشهرة بعلمه وأدبه، وتدريسه، ثم بتوليه خطة القضاء في «إيفني» سنوات كثيرة». (25).
وقال عن أخيه الفقيه الحسن أوبلوش البعمراني، وهو ينقده، مشيرا إلى أنه لا ينتظر أن يكون باعه طويلا لأسباب أشار إليها، ثم أردف قائلا : « ومن جاور مثل أخيه العلامة التحرير، البحر الخضم، فأنى يتاح له الشفوق والظهور بما في يديه؟ وهل تظهر الآضاء إزاء البحور الزواخر؟ أو تشرق الشموس مع الكواكب في علياتهـــــا؟(26= وفي أواخر ترجمته قال : «وله عقل واع، وفهم ودراية» ويمثل لهذا الإتجاه النقدي في المدارس العلمية العتيقة، ما يعقد فيها من ندوات أدبية، يتبارى فيها الناشئون المتأدبون، ارتجالا وسجيه، دون إعداد سابق، وهنا يتبين المستوى الذي بلغته تلك المدارس، مما لا يتوفر حتى في المدارس والجامعات العربية، أو يندر وجوجده؛ وهذه إحدى تلك الندوات التي انعقدت عام 1342هـ/ حوالي 1922 وممن شارك فيها «الطاهر بن علي، والأديب سيدي محمد بن عبد الله أوبلوش البعمراني (القاضي بإيفني اليوم) وهذا الكاتب يعني نفسه، وعلى رأس الندوة شيخ الأدباء الجدد مولاي عبد الرحمن البوزكارني» هكذا يقول مؤرخ سوس، الذي حضر الندوة وشارك فيها، ذلك أنه كان إذ ذاك في مراكش، ومنها ذهب إلى بلده، فصادف هذه الندوة الأدبية، وقد جاء ذكرها خلال ترجمة الفقيه (موسى بن الطيب السلماني)،(27) وعندما كانت هذه الكوكبة مجتمعة، إذا بالمترجم المذكور يدخل عليهم، علما بأنهم شباب لم يتجاوزوا العقد الثالث، ومنهم من لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، كالقاضي محمد بن عبد الله أوبلوش المولود سنة 1320 هـ، وكذا المختار السوسي المولود 1318هـ ويبقى رئيس الندوة الذي لقبه كاتب محضر هذه الندوة، وهو المختار السوسي، بشيخ الأدباء منفردا بالسن التي تجاوزت خمسة وثلاثين عاما؛ وأكبرهم هو (الفقيه موسى بن الطيب) الذي جعلوه موضوع الندوة فقد تجاوز ثلاثة وأربعين عاما والمقصود من المقارنة بين أعمار المشاركين في هذه الندوة، تأكيد ما كتبه المختار السوسي حين قال عنهم :
« جماعة من الناشئين المتطاولين إلى الأدب»(28) وحين قال «فطرقنت صاحب الترجمة،- يعفي الفقيه موسى بن الطيب السليماني- وقد انتظمنا انتظام الدرر في سلكها، وأدارت عليه أريحية الأدب كأسها المشعشعة، ونحن نتنقل بغرارات الشباب التي لا يحلو لي التصابي إلا بها :
دعني على منهـج التصابي
              ما قـام لي العذر بالشباب
وكانت نتيجة الندوة النقدية السجالية هذه، قصيدة عفوية، ابتدأها رئيس الندوة الأديب الكبير مولاي عبد الرحمن البوزكارني، الذي اشترط على المشاركين من الشباب، الذين لا يتجاوز عددهم أربعة، ألا يرووا في الاجادة، ما دام المعنى مستقيما، والوزن قويما، وأن تلقى الأبيات والأشطار على عواهنها، وأن يكون موضوع القصيدة : مدح سيدي موسى بن الطيب الذي حضر معهم، دون أن يشارك في القريض، ثم تبعوه على شرطه، وأحدهم بكتي تقريرا عن الندوة، قال المختار السوسي : « وانتظمت الأبيات من غير أن أعلم ما لكل منا منها، أو نسيت ذلك».(29) ابتدأها إذن رئيس الندوة بهذا المطلع :
غصن المسـرة يانـــع الثمرات
               في حضرة أربت على الحضرات.(30)
ثم قال أحدهم :
وخمـائل الحسن البهيج تزحرفت
             فاقطف زهور مناك بالنظـرات
ثم قال أحدهم :
وتنشقن ريـح الصبـا متعطـرا
             وتمتعـن بأطيـب تانفحــات
ثم قال أحدهم :
فالريح إن هبت على أهل الهوى
              طاروا على أنفاسهـا العطرات
ثم قال أحدهم :
يا أيها الساقي أدرها (صـرفـة)
            فبكـل ما نشهي الزمـان موات
ثم استمروا على هذا المنوال الذي يدل على الإنساج الكامل بين الأبيات، وكأنها من شاعر واحد؛ إلى أن وصلوا بيت القصيد، المتمثل في مدح الفقيه موسى المذكور وذلك في قول أحدهم :
إن كانت الأوقات تشرف باللقا
                 فالـوقت هـذا أشرف الأوقات
وقول آخر :
لـم لا ؟ إذا موسى الكليـم ممـدح
                 ما بيننـا بعرائـش الأبيـات ؟
وقول ثـالـث :
لـم لا وقد نثرت بـه مـدح الرضـا
               موسـى الرفيـع الشـأن ذي العظمات؟
وعدد الأبيات التي وقفوا عندها، ثلاثة وأربعون بيتا، لكنهم بعد هنيهة، حدث ما جعلهم يواصلون المساجلة، بقافية أخرى، ذلك أن إناء من آنية الطعام أفلت من يد الخادم، وهم في ضيافة احد إخوة المختار السوسي، واسمه الحبيب، فقال أحدهم :
انشق من هيبات موسـى حينـما
              أبدى الجبيـن الآنيـات الـفاخـرة
وقال آخر :
لا تعجبوا فسميـه انفلقـت لـه
             لما تحمـل كـل فلك ما خره
وقال آخر :
جعلـت له أطـواد بعـدما
                الدأمــاء واحدة تـدفق زاخره
وقال آخر :
وكـذا الإنـاء يـعود أفلاقا وأو
             ل أمره شمتم وشمتــم (31) آخره
وقال آخر :
ما هذه أولى مفاخر سيـدي
            موسـى ومن يحصـى لدته مفاخـره؟
ثم استمروا أيضا على هذا المنوال، وهم يلقون الكلام على عواهنه، لا يبالون مادام شيخهم العلامة الأديب قد أباح لهم ذلك، لا سيما أن المجلس عقد ابتداء للمفاكهة والمؤانسة، وليس للجد والمحاسبة، كما يفهم من قول أحدهم :
الله يـعـلــم أن ذا جـد وإن
             قلنـاه في أوقـات أنس ساخـرة
وفي اليوم الثاني عرضوا وقائع الندوة على الأستاذ علي بن عبد الله، والذي نوه بصنيعهم، وقال : «هكذا تكون المحافل الأدبية».
وعن مثل هذه المحافل قال أحد الأدباء السوسين :
 سقـى الله هـاتيك الليـالي إنها
                   مجـول لها الآداب في وجهها غرر
تجـاذب فيها الناشئون قوافيهـا
                    كأطـراف طاقات يفوح بها الزهر
تبسم فيهـا الدهـر عن رغد كما
                      تبسمــت الحسناء عن ثعرها العطر
فما شئـت من بحـث لذيذ مشعشـع
               ومن أدبيـات تروق ومـن سمـرت
هكذا إذن يتبين أن المدارس العلمية العتيقة، كانت لها قدم راسخة في العلوم والفنون، وكان روادها يتمتعون بنصيب وافر من المعرفة والإطلاع، ولو أتيح لهذه المدارس اليوم ما يمكنها من الإستمرار، لقدمت عطاء سخيا لا يقل عما تقدمه الجامعات الحديثة.

1) من أشهرها : مدرسة (إلغ) و (وتينكرت) ومدرسة (الجمعة) بآيت باعمران، ومدرسة الرميلة في مراكش، ومدرسة (بن جرير) في الرحامنة.
2) كمدرسة (أدوز) مثلا ومدرسة (سيدي بوعبدلي)
3) المعسول ج 10 / 229.
4 ) هو العلامة «سعيد بن محمد التناني» (تـ : 1924) ترجمته ومصادرها، في (معلمة المغرب / 6 / حرف التاء /  «لعبد الحميد محي الدين» كاتب هذا المقال ).
5) المعسول ج 7/ 72.
6) يتحدث « المختار السوسي » حينذاك عن الطبعة الأميرية الأولى، قبل ظهور الطبعات المحققة الآن.
7) نفس المرجع المذكور، ونفس الصفحة ( ببعض تصرف )
8) توفي رحمه الله في الرباط، رمضان 1380 / 1961، وهو من أساتذة «المختار السوسي».
9) توفي رحمه الله في بلدة «لإرن»، بسوس 1374 / 1955، وهو من أشهر أدباء المنطقة.
10) اشتهرت هذه المدرسة بالأديب قاضي قضاة إيالة إفني : « محمد بن عبد الله» (أبلوش) المتوفي بأكادير 1379 / 1960رحمه الله. وهو من تلامذة المذكورين آنفا.
 11) نقلا عن مجلة ( الإيمان) عدد خاص « بالمختار السوسي»: مزدوج 113 – 114/ربيع الأول 1402، يناير، فبراير 1982 / ص: 119.
12) سوس العالمة ، ص : 100 – 101.
13) هذا في الوقت الذي ألف فيه الكتاب، وإلا فمنهم من صار إلى رحمة الله وعفوه.
 14) من أبرز أدباء منطقة سوس، وقد ترك آثار أدبية،  شهد لها النقاد بالبراعة والتفتن، كما ترك تلاميذ، ذكر منهم صاحب«المعسول» عددا، اقتصر فيه على النبغاء، والمشاهير من مختلف مناطق سوس، وبلغ بهم، 132، ينظر ج 1/ 367 – 372، وكانت وفاته في 1347هـ.
15) المعسول، ج 1 / 326.
16) نفسه ، ص : 376.
17) المعسول. ج 3 / ص : 223 -224.
18) هو محمد بن الحسين بوكرع البوعمراني ( تـ قبل 1330 هـ) ترجم له في المعسول 10 / 213 وما بعدها وفي ( معلمة المغرب ) نرجمة له بقلم عبد الحميد محي الدين الباعمراني، حرف / ب، مادة « بركراعي».
19)  المعسول 10 / 216 – 217.
20) هو شيخ كثير من أدباء المنطقة سبقت الإشارة إليه في الهامش (8) من هذا المقال.
21) أحد تلامذة « سيدي علي بن عبد الله، وشيخ الأدباء « البوزكارني» المتقدم، راجع الهامش (10) من المقال.
22) المعسول ج 10 /228.
23) في كتابه ( رجالات العلم العربي في سوس) تحت رقم 10 / ص : 237.
24) عن كتابه ( مدارس سوس العتيقة، نظامها وأساتذتها) تنظر ص : 26 / تحت رقم 14.
25) المعسول، ج 10/ 232، ومعه تراجم ( معلمة المغرب) حرف / ب / مادة ( بلوش بقلم: « ولده عبد الحميد  محي الدين الباعمراني»، كاتب المقال،.
26) انظر ترجمة المذكور في نفس المرجع / ص  : 239 – 240، توفي رحمه الله مع أخيه 1379 / 1960 م.
27) توفي رحمه الله 1361 هـ / المعسول، ج 2 / ص: 33.
28) المعسول، ج 2 / ص : 45.
29) المعسول، ج 2 / ص: 45 بتصرف يسير.
30) تلاحظ هنا أن رئيس الندوة، وهو شيخهم جميعا،  قد ألزمهم بنسق شعري لا يستطيعون أن يحيدوا عنه، بحرا وقافية  وعروضا، والتزام الأدباء الشباب يذل على مبلغ رقيهم وتقدمهم رغم صغر سنهم، مما أهلهم بعد ذلك للمنزلة التي تبوأوها.
31) يقال « شام مخايل الشيء : تطلع نحوها ببصر منتظر له، وشام البرق: نظر إلى سحابته أين تمطر، وبايهما باع» مختار الصحاح، وتنظر معه المعاجم الأخرى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here