islamaumaroc

التعليم العتيق هيكلته وتقنينه، ودعوة الحق رسالته وأمانته

  هاشم العلوي القاسمي

العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002

إن تقنين المؤسسات الوطنية وهيكلتها وتطبيق مسطرة تنظيمها يعتبر علامة مشرقة من علامات الإقلاع والانتقال من الشفوية إلى تفعيل الحياة العامة، وتحديث دواليب الدولة بجميع منشأتها ونظام حياتها العامة، كما يعتبر نقلة حضارية لتجديد الحياة فيها وإعادة النظر في مسيرتها على جميع المستويات. وفي هذا الصدد جاء التفكير الفعلي والانتقال من القول إلى الفعل والعمل في موضوع التعليم الديني في المغرب، وجاءت الانطلاقة في إعادة النظر بتنظيم وهيكلة مؤسسة «التعليم العتيق» هذه المؤسسة التي تبنتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حيث عملت جاهدة على إعطاء التعليم العتيق وضعية قانونية منظمة تنظيما يوافق المطالب الوطنية في الحفاظ على نظامه التعليمي الأصيل، ويساير التوجهات التي رسمتها له السدة العالية بالله التي ترعى الدين والوطن والمواطنين، وتحافظ على حقوقهم العليا التي استمدوها من أصولهم الحضارية والتاريخية والوطنية.
وبذلك سهرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على حفظ هذه الأمانة والإشراف عليها، وتسييرها انطلاقا من أن الأوقاف الدينية مؤسسة مقدمة في مجتمعنا المغربي المسلم، أنشئت في أصولها وأسسها لرعاية تلك الحقوق والقيام بتلك الواجبات التي رسمتها الشريعة الإسلامية دفاعا عن التماسك الاجتماعي والديني، وتمسكا بالمحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.
فجاء أخيرا خطاب السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية معالي الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، الذي ألقاه بجامع القرويين يوم 12 محرم 1423 هـ موافق 27 مارس 2002 م، أمام علماء المغرب ورجالات الدولة المسؤولين على الحياة العلمية والتربوية وفعالياته الفكرية، من أساتذة وباحثين ومربين. معلنا فيه صدور «القانون المنظم» للتعليم العتيق رقم 13.01،  وصدور الظهير الشريف رقم 1.02.09 بتنفيذه. فكان هذا الخطاب معلنا عن تأسيس وتنظيم هذه المؤسسة العتيدة ونقلة تنظيمية مهمة وجديدة، من شأنها أن تحول المسار التعليمي الديني من واقعه العفوي إلى قلعة قانونية رصينة ومنيعة، تحفظها من المكاره التي تحف بها وتحميها من الإكراهات التي تعوق مسيرتها وقيامها بواجبها المقدس في وطننا المغربي المسلم، الذي يعمل جادا على أن يرقى بوسطيته الدينية الإسلامية إلى مستوى الشعوب المتحضرة بكل ما لديه من الوسائل المادية والمعنوية.
وعندما عزمت مجلة «دعوة الحق» على القيام بنشر ملفات علمية من شأنها أن تعرف بالتعليم العتيق وبجامعة القرويين، وجامعة ابن يوسف والمؤسسات والمراكز التي انتشر فيها هذا النموذج من حياتنا التعليمية التربوية في مجتمعنا المغربي؛ قامت بمراسلة العلماء والباحثين ليساهموا بأبحاثهم في هذا الموضوع، وكانت النتيجة توصلها بعدد من الدراسات التي توفرت فيها الشروط العلمية لنشرها، وأدى ذلك إلى تخصيص عددين خاصين بالتعليم العتيق. وقد نشرنا القسم الأول الذي تضمن النصوص التنظيمية والإعلان عن إحداث «مديرية» التعليم العتيق في وزارة الأوقاف، هذا الإعلان الذي تضمنه خطاب معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية. والملف الثاني هو الذي تضمنه هذا العدد من دعوة الحق الذي خصصناه أيضا للأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع. وتتعهد المجلة بنشر ما تبقى.
  من المقالات في الأعداد اللاحقة. ثم إن هذا العدد الذي نضعه بين يدي القراء الكرام، يعتبر في جملته مادة علمية أمينة تدور كلها حول الدراسات الإسلامية التي تغطي جهات متميزة في المغرب، بحياتها المعرفية وباهتمامها بالدراسات القرآنية، مثل زاوية سيدي الزوين بأحواز مراكش وأهميتها في القراءات بالروايات المعروفة التي اهتمت بها هذه المؤسسة، كما ركزت المقالات في هذا العدد على بعض الجهات من البادية المغربية. وكان الغرض من ذلك هو إثبات حقيقة مؤكدة يجهلها الكثير، وهي أن المشهد العلمي المغربي، لم يكن محصورا في المدن وحدها، وإنما كان في مجموع البوادي قاصيها ودانيها. ساهمت في كل ذلك الزوايا المغربية التي انتشرت قبل القرن العشرين في مجموع التراب المغربي. وكانت الأحباس والأوقاف هي التي دعمت تلك المؤسسات ومولتها بعناية وأريحية أهل البر والإحسان من المغاربة عموما، الذين حبسوا ممتلكاتهم وريعها المادي على خدمة الدين ورجاله والعناية به، ودعما للقرآن الكريم وحفظا لسنة نبيه الصادق الأمين.
إن التعليم العتيق إذن يعتبر مؤسسة، من الخطأ تجاوزها وتهميشها، وتقزيمها، لأن كل ذلك يعتبر تحريفا ونكرانا للتاريخ المغربي، وما أسسه حماة الدين الإسلامي في هذا الوطن وعلى رأس كل ذلك أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، في شخص جلالة الملك المحفوظ بعناية الله، مولانا محمد السادس وأسلافه الملوك الميامين، الذين حافظوا على الأمانة وأدوا الرسالة، وصانوا بيضة الإسلام في هذا الوطن الكريم. و«دعوة الحق» تسير وفق هذا الخط الذي رسمه لها مؤسسها محمد الخامس طيب الله ثراه. ولذلك تتطلع هذه المجلة إلى أبحاث جديدة وأصيلة وأمينة ومتفتحة لتواصل مسيرتها المرسومة والموسومة.
حفاظا على الروح الوطنية وعلى المقدسات الدينية والعقيدة السمحة المبنية على الاتجاه السني الأشعري المالكي، اللذين يحققان فعلا وعملا الوسطية التي اختارتها أمتنا المغربية الإسلامية.
إن العصر الحديث يعرف في وقتنا الراهن مشهدا من الحوار والعلاقات التي تطرح قضاياه على الحياة الفكرية والاجتماعية والدينية، موضوعات شائكة لم تكن مطروحة في العصور السابقة، واتجه النقاش فيها إلى حد إدراجها في العلاقات الدولية، مما جعل المسألة الدينية في المجتمعات الحديثة والمعاصرة قضية من قضايا العلاقات الدولية. فصار حوار الحضارات موضوعا للمنتديات الدولية، ومبدأ الحوار هو الذي تدافع عليه وتسير في اتجاهه مجلة دعوة الحق، تمثلا بقوله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن ...» الآية. وقوله تعالى: «وجادلهم بالتي هي أحسن» لهذا كانت مسيرة تعليمنا العتيق عبر تاريخه الطويل المنتشر في جميع ربوع المغرب، يقوم بوظيفة التربية الروحية الدينية لجميع المغاربة، ويؤدي رسالة الإسلام المبنية على التسامح والتضامن والتكافل والتماسك.
فيوم أن كان علماء المغرب في مساجده وزواياه يقومون بالنصح والتوجيه، ويدرسون منظومة تعليمية منطلقة من كتب علماء أهل السنة من فقه وتفسير وحديث وأصول وعلوم العربية وتصوف، كانوا يقومون بذلك اعتمادا على نصوص معروفة منتشرة. غير أن معظم تلك المتون لم تكن من إنتاج أهل المغرب وإبداعهم، واستمر علماؤنا يلقنونها ويشرحونها وينشئون الحواشي على شروحها، فكانت المراكز كلها تسير على هذا المنوال. فالتعليم العتيق الآن الذي أعلن عن تنظيمه معالي وزير الأوقاف الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، وعمل على إحيائه قانونيا وتنظيميا تنفيذا للتعليمات المولوية السامية، يراد له أن يكون جسرا بينه وبين التعليم العمومي بغية فتح السبيل أمامه لتنميته وتطويره، وجعله دائما تعليما شعبيا قائما على القرآن والسنة وتنمية الأخلاق الفاضلة، ومدافعا عن مقومات «الشخصية المغربية العربية الإسلامية».
وفي هذا الصدد تتطلع بلادنا إلى تكوين علماء مؤهلين مجتهدين لتأطير حياتها الدينية تأطيرا يحافظ على الأمن الروحي الضروري لاستتباب الاستقرار والاطمئنان (خطاب معالي الوزير). وإن هذا المطلب لم يعد مطلبا رسميا فقط، وإنما هو مطلب جميع المغاربة، ولا يتحقق ذلك إلا إذا عمل علماؤنا على إبداع النصوص الفكرية والمساهمة في الحوار العلمي، والمساجلات في المنابر العلمية، وبهذا يزكو العلم وتنمو شجرته الزكية ودوحته الوارفة في بلدنا الحبيب، وإنها لأمانة ملقاة على عاتق الجميع ورسالة يجب تبليغها للقوى الحية العالمة في بلادنا.
وكل ذلك، هو ما تعهدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للقيام به، وتضمنه خطاب معالي الوزير المشار إليه، مما يحملنا على أن نتفاءل خيرا، ونستبشر بما سيثمره المستقبل القريب من نصوص علمية جديدة وإبداعات فكرية معاصرة تعطي للتعليم العتيق دعما جديدا ومكانة كبرى، وهذا ما تضافرت من أجله مجهودات السلطات الحكومية، تنفيذا للتوجيهات المولوية السامية.
حفظ الله أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وأبقاه ذخرا للبلاد والعباد، حاميا للملة والدين، منافحا عن العلم والعلماء، وشد أزره بسمو الأمير السعيد المولى الرشيد والأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب.                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here