islamaumaroc

أبعاد فريضة الزكاة

  أحمد امحرزي العلوي

العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002

لقد أوضح الحق سبحانه وتعالى البعد الأسمى الذي من أجله فرض الزكاة وجعلها عبادة مالية، لا تصح العبادات إلا بها وذلك في قوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها»(1) والتطهير والتزكية لا يقتصران على شخص الغني والفقير بل يشملان كل نواحي الحياة، التربوية والاجتماعية والاقتصادية.
ففي الوقت الذي تربي فيه الزكاة نفس المسلم على البذل، وترفعها عن التعلق بالمال والضن به، تطهر المجتمع أيضا من شتى الأمراض التي تذهب بتماسكه وتخل بتلاحمه، وهي أيضا تطهير للاقتصاد الإسلامي من كل ما من شأنه أن يعرقل نموه، أو يجعله عاجزا عن توفير الحاجات الضرورية للإنسان.
وهنا تأخذ الزكاة بعدها العام في النظام الإسلامي، في أنها ليست قسطا من المال يصرف للفقير ومن به حاجة يسد به رمقه، بل هي ركيزة من الركائز تبني عليها الحضارة الإسلامية أسسها، وتحقق بها الأمة الإسلامية وجودها كخير أمة أخرجت للناس.

- البعد التربوي:
- تطهير النفس من الشح والبخل:

إن شح الأغنياء والضن بقسط مما في أيديهم على الفقراء والمحتاجين كان مقويا لظاهرة الفقر فيهم ومنميا لها، من أجل ذلك فرض الله عز وجل الزكاة وجعلها حقا في مال الغني تؤخذ منه كرها إن لم يدفعها طوعا.
والقرآن حين تحدث عن البخل اعتبره داء يصاب به المجتمع فيشل حركته، قال سبحانه: «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشبة الإنفاق، وكان الإنسان قتورا»(2) وقال صلى الله عليه وسلم محذرا أمته من الشح: «إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا».(3) وقال أيضا: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».(4)  فإذا كان الفقر طريق الفجور والموبقات وبه هلاك الأمم والجماعات فإن الشح لا يقل عنه خطورة وما اجتمعا في أمة إلا كان هلاكها بهما، لذلك كان من الضروري كلما ذكر الفقر أن يذكر الشح والبخل إلى جانبه، والإسلام لا يحارب الفقر فقط بل يحارب كل ما من شأنه أن يزيل صفة الإنسانية عن المسلم، أو يزرع في نفسه حب الأنانية. كالبخل فإنه شر ما بعده شر قال عليه السلام: «وأي داء أدوى من البخل»(5) وقال سبحانه: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم»(6). يقول أبو الحسن الماوردي: «ويحدث عن البخل من الأخلاق الذميمة وإن كان ذريعة لكل مذمة أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقــــوق»(7). فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في طلب الدنيا فيفوت الكادح على نفسه ما أمره الله به من العبادة وقد قيل: «ما رأيت إسرافا في شيء إلا وبجانبه حق مضيع»، وهذا الإسراف يدفع بصاحبه إلى جلب المال من أي جهة كان، لا يفرق بين ما يحل منها وما يحرم.
وأما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة، فعن ابن مسروق قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يجزيه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما يغنيه»، وقال بعض الحكماء: «الشره من غرائز اللؤم»(8).
وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال، وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا، لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره، وإن رأى فيها سوء اعتقده في الناس وقد قيل: «كل إناء ينضح بما فيه».
وأما منع الحقوق وهنا هو الأخطر (فإن نفس البخيل لما جلبت على حب المال واستعصى عليها تركه فلا تذعن معه لحق، ولا تجيب إلى إنصاف، بل تكون طائعة لكل فحشاء وفسق»(9)، وقد عبر الله عن ذلك بقوله: «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»(10).
يقول ابن القيم: قيل: «يعدكم» يخوفكم به، يقول إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، «ويأمركم بالفحشاء» هي البخل في هذا الموضع خاصة، فعن مقاتل قال: «كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا في هذا الموضع فإنها البخل»(11)، يقول سيد قطب: والفحشاء وإن كانت قد غلبت على نوع من المعاصي ولكنها شاملة. وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة، والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة، على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله فاحشة(12) وتهلكة قال تعالى: «وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»(13) التهلكة الفردية بالعذاب في الآخرة، والتهلكة الجماعية بما يشيعه عدم الإنفاق في المجتمع من تفاوت وظلم وفتن وأحقاد وضعف وانحـــــــــلال(14).
إن ما يقوض المجتمع ويذهب بتماسك أفارده أن يشيع فيهم روح البخل فيقول كل عضو فيه نفسي نفسي ولا يقول أمتي، أمتي وهذا ما عملت الزكاة بمبادئها العادلة على محوه والقضاء عليه.
والزكاة كما تحقق معنى التطهير للنفس، تحقق معنى التحرير لها من ذل التعلق بالمال والخضوع له، وقد جاء في الأثر: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهـــــــم»(15). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم ولا أراهما إلا مهلكاكم»(16).
انطلاقا من هذا كله حارب الإسلام الشح، ودعا المسلم إلى التجرد من حب المال، وما ذلك إلا لضبط السلطة القائمة في طبيعة التملك ليقيم التعاون الإنساني على أساسه العملي، وليقيم محاجزه بين المصالح الاقتصادية الطاغية حتى لا تأكل مصلحة مصلحة فتهلك، بها ويوجب أن تلد مصلحة مصلحة لتحيا بها.
- تزكية النفس بالبذل والإنفاق:
فكما أن الزكاة تطهير للنفس من البخل والشح فهي تزكية لها بالإنفاق والبذل، ولقد دعا القرآن الكريم في آيات شتى إلى الإنفاق، قال سبحانه وتعالى: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه»(17)، فالمال مال الله، وإنفاق الإنسان منه الذي استخلفه من جهة، وبآصرة الإنسانية من جهة أخرى، فوق ما فيه من تحرر شعوري من ربقة الحرص والشح. وهو في الوقت ذاته ضمانات اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها، وبهذا تكون الزكاة ذات دلالات شتى في عالم الضمير وعالم الواقع، وهذا يقرر «أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق. فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادها حتى إذ نضجت واحلولت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها لغيرها، فإذا هي أمسكت الحلاوة على نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد.
المال مثل الحصى في يدنا
                     فليس ينفع إلا حين ينتقل
في عالمنا المادي يسير كل أمر بالسرعة والفاعلية التي تتيحها الوسائل المادية، فالاقتصاد يعني تجميع المال، والناس فريقان: فريق يجمعه بالشح المضاعف، شح انتظار الفائدة، وفريق يجمعه بالغصب والاحتيال، وفي الطريق الإسلامي يكون برهان الصدق وعلامة الإيمان البذل، قال عليه السلام: «الصدقة برهان»(18)، ونهوض الإسلام إلى أن يبلغ غايته في حمل الرسالة يريد تربية النفوس على البذل والعطاء حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه. والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله(19)، قال الإمام الرازي: إن النفس الناطقة يعني تلك التي صار بها الإنسان إنسانا، لها قوتان، نظرية، وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم رافعا للآفات عنهم، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:
«لا تختلقوا بأخلاق الله»(20)، وهو تخلق أيضا بأخلاق النبي عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم»(21).
وفي البذل وإيتاء الزكاة شكر لنعمة الله عز وجل، يقول الكساني «ودفع جزء من المال إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس من الشح ومن الذنوب، وتزكيتها بالبذل والإنفاق، وكل ذلك لازم عقلا وشرعا».(22) ويقول الغزالي: «إن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه»(23) قال عليه السلام: «الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر»(24)، والزكاة بكونها شكرا لنعمة الله كانت نصف الإيمان.
وإيتاء الزكاة فوق أنها شكر لله هي ابتلاء أيضا، قال تعالى: «وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرا»(25)، أي أتصبرون على شهود الحقيقة التي هي لب الثروة والبهجة، أو تجاذبكم سطحية النظر، وحسية الذوق، وخضوع إلى أنانية البشر، فلا يذكر الغني إلا امتيازه على سواء، ولا يذكر الفقير إلا لوعة الحسد في تمني القائلين: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون)(26) ، ولهذا كان من صفات المؤمنين أنهم ينفقون ابتغاء وجه الله «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله»(27).
إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله خالصا مجردا، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه جزاء الإحسان لعباده، ويرتفع ويتطهر ويزكى بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل»(28).
والمراد بالإنفاق أن يبذل المرء ضمن حدود وسائله الاقتصادية لا أن تبذر أمواله ليصبح عالة على غيره، ولهذا كانت الزكاة هي أخذ قسط من المال للفقير على وجه لا يصير به الغني فقيرا، قال تعالى: «يسألونك ماذا ينفقون قل العفو»(29)، أي ما زاد عن الحاجات الأصلية. ولعمري أن من ضحى في سبيل الفقراء بدريهمات كفيل بأن يضحي في سبيل أمته بنفسه في وقت تئن فيه الأمة تحت وطأة الفقر وشدة أضراره. يقول مصطفى صادق الرافعي مخاطبا المسلمين: «لقد كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك فافتحوا أنتم أيديكم، كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهيم، ولنعلم جميعا أن كل قرش يبذله المسلم لأخيه المسلم يتكلم يوم الحساب، يقول أنا إيمان فلان»(30).
- البعد الاجتماعي:
- تطهير المجتمع من الترف والغنى الفاحش:

لقد شرع الله عز وجل الزكاة لمحو الفقر وما يثيره من فوارق في المجتمع، واغتناء طبقة على حساب أخرى، قال سبحانه: «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكــــــــــم»(31).
وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين آخى بين الأنصار والمهاجرين وخص هؤلاء بأموال بني النضير حتى تتحقق المساواة كاملة، ولهذا ذم الإسلام الترف والغنى الفاحش لأنه تبذير لثروة الأمة في غير محلها، وإثارة للأحقاد والضغائن، ومن ثم ربط القرآن بين الترف والفساد في قوله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا»(32) فكثرة المترفين في بلد من البلدان أو أمة من الأمم لابد وأن يؤدي إلى الهلاك والفساد، لأن الترف يؤدي إلى الفراغ وهو طاقة، وهذه الطاقة والقوة مع الفراغ يدفعان الفرد إلى طرق الفساد والرذيلة، وعندما تنتشر الرذيلة في أمة من الأمم فإنما تعلن عن فنائها ودمارها، قال سبحانه: «وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم»(33).
ولقد تنبه ابن خلدون إلى هذه السنة الإلهية، ففي الباب الثالث من مقدمته وهو يتحدث فيه عن قيام الدولة ونموها، ثم تدهورها وسقوطها، يورد تأكيدات مستمرة، ومن خلال زوايا، رؤية مختلفة ومتكاملة عن الدور الذي يلعبه الترف في دمار الدول وانحلالها(34).
وحين يتحدث القرآن عن تاريخ المترفين نلاحظ أنهم كانوا يقفون دوما في وجه حركات الأنبياء ودعاة الإصلاح، لأن دعوتهم كانت ترتكز على الرفع من مستوى الفقراء وكبح جماح المترفين. ومن ثم كان المترفون عائقا أمام عقيدة التوحيد. فخطورتهم إذن لا تقل عن خطورة الفقر، وضررهم لا يقل ضررا عنه لذلك كانت حرب الإسلام على الفقر هي في نفس الوقت حرب ضد الغنى الفاحش والترف المفظع، قال تعالى: «وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون»(35).
ولما كان الترف مخلا بالتوازن الاجتماعي فقد أهاب الله بالجماعة المسلمة أن تتحرك مقاتلة مجاهدة لإنقاذ المستضعفين في الأرض من أيدي ظالميهم، وجعل السيف الحكم الأخير عندما تعجز كل الوسائل عن وقف الظلم وتخليص البائسين، يقول ابن حزم: «والترف والغنى يدفع بصاحبه إلى منع حقوق الفقراء، ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر ما نعي الزكاة»(36)، قال عز وجل: «ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها»(37)، ومحاربة الإسلام للترف لا تعني أن يقتر الإنسان على نفسه وأن يعيش عيشة الشظف والشغف، وإنما هو دعوة لسلوك طريق الوسط والاعتدال روى الأحوص الجشمي عن أبيه قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعليّ أطمار (ثوب خلق) فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ قلت: من كل قد أتاني الله من الشاة والإبل.
قال: إذا أتاك الله مالا فلير أثر نعمته وكرامته عليك»(38).
إن أعظم آفة تصيب المجتمع وتهز كيانه هزا، وتنخر عظامه نخرا من حيث يشعر أو لا يشعر هي أن يوجد الثراء الفاحش إلى جانب الفقر المذقع، أن يوجد من يملك القناطر ومن لا يملك قوت يومه، أن يوجد من يلعب بالملايين ومن لا يجد الملاليم، أن يوجد من يموت من شدة التخمة، وآخر يموت من عضة الجوع.
لذا كانت مهمة الزكاة القضاء على هذا الفارق، وإشراك البشر جميعا فيما خلق الله لهم من نعم، قال تعالى: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا»(39)، وسواء أكانت لفظة – جميعا- تأكيدا للبشر أم الأرض، فكل فرد يجب أن يملك كفايته. والأرض كلها مائدة أزلية، لكل فرد فيها حظه الذي يعيش به ولابد، وبعدها يبقى لكل أحد الحق في امتلاك ما شاء حسب قدرته وعمله بضابط الصالح العام، ومقاصد الشريعة الإسلامية القائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهذه سنة إلهية، والترف والغنى الفاحش خرق لهذه السنة، لذلك استحق المترفون عقاب الله.
إن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، وستبقى تعمل عملها في حركة التاريخ وتتخذ من المترفين – الذين لا يراعون لغيرهم حقوقا- أداة تسوق بها الدول والقرى والجماعات نحو مصائرها المفجعة، «وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين»(40).
- تطهير المجتمع من رذيلة التسول:
إن الإسلام وهو يقدم الزكاة للفقراء والمحتاجين لا يجعل لهم من ذلك مطية للقعود والخمول ومديد التسول للبشر أعطوهم أو منعوهم، وإنما ليحرك الهمة للعمل والكسب والكد، وليعلم الناس أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وقد اتفق الفقهاء على أن الزكاة لا تعطى للأقوياء المكتسبين حثا لهم على العمل(41)، وإن أعطوا منها ما هو إلا تعويض مؤقت عن العمل الذي حرموه.
إن التسول فتح باب الفقر الذي جعل الله الزكاة علاجا له، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر»(42) وقال أيضا: «لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا»(43). يقول ابن القيم: وإنما كان هذا التحذير وكل هذا التشديد لأن مسألة الناس ظلم في حق السائل(44)، الأول فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطافه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده، في الحديث «من تذلل لغني لأجل غناه، ذهب لثلثا دينه، فليتق الله في الثلث الآخر».
لا تخضعن لمخلوق على طمع
                    فإن ذلك مضر منك بالدين
واسترزق الله مما في خزائنه
                    فإنما هي بين الكاف والنون
أما الثاني: (أي ظلم المسؤول) فلأنه عرضه لمشقة البذل، أو لوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه على استحياء وإغماض.
لا تسأل بني آدم حاجة
           واسأل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله
          وبني آدم حين يسأل يغضب
أما الثالث: فلأنه أراق ماء وجهه، وذل لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزة تعففه وباع توكله واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه(45).
يقول الماوردي رحمه الله: «وإما أن يسأل من غير ضرورة مست لا حاجة دعت، فذلك صريح اللؤم ومحض الدناءة، وقلما تجد مثله ملحوظا أو لئيما، لأن الحرمان قاده إلى أضيق الأرزاق، واللؤم ساقه إلى أخبث المطاعم، فلم يبق لوجهه ماء إلا أراقه، ولا ذلا إلا ذاقه.
أي ماء لحر وجهك يبقى
           بين ذل الهوى وذل السؤال(46)
إن الإنسان خلقه الله كريما عزيزا «ولقد كرمنا بني آدم»(47)، حثا لنا على أن نبقيه كذلك، وكل نقص في مادة حياته ووجوده يذهب بكرامته ويشين بإنسانيته، لذلك شرع الله الزكاة حفظا لهذه الكرامة، وصيانة للإنسانية، وحتى لا يتذلل من حلت بهم الفاقة أو نزلت بهم الحاجة لذل السؤال وخزي الفقر، وقد قيل: «الفقر مخذلة والغنى مجذلة، والبؤس مركلة، والسؤال مبذلة»(48)، والتسول مطية لكل الجرائم، ولهذا قرن الإمام الغزالي التسول باللصوصية والسرقة والقتل والنهب وغيرها من الشرور التي تصيب المجتمع فتفقده حلاوة الاستقرار، وكما حرم الله الزكاة على الأقوياء حرم عليهم السؤال حثا لهم على العمل والسعي في مناكب الأرض طلبا للرزق، ومن ثم كان طلب الرزق عن عبادة قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة درجة لا ينالها إلا أرباب الهموم أي في طلب المعيشة»(49).
إن الإسلام جعل العمل المعيار الأساسي في الحياة فكل مغنم أو مال لا يكون ناتجا عن جهد بشري (فكري أو عقلي أوعضلي) يبذل فهو مرفوض(50) لأن الإنسان المستخلف يثبت بعمله حقيقة وجوده وإنسانيته ولذلك حرم عليه التمتع بثمرات أعمال غيره لأن ذلك يؤدي على الاستغلال وتعطيل الطاقات ونقص العمل وإلحاق أضرار عظيمة بحركة التقدم الحضاري(51).
- تزكية المجتمع بالتكافل:
تعتبر كلمة التكافل من الكلمات المستحدثة التي لهج بها المصلحون، ودعاة حقوق الإنسان وأداروها على ألسنتهم خلال مناداتهم بالعدل والمساواة. ولكن هذه الكلمة لم تأخذ بعدها الحقيقي لديهم بل كانت عندهم ضربا من الكفالة، يشبه ما تقيمه بعض الدول الرأسمالية من كفالة قاصرة يأوي إليها العاطل، أو يستظل بظلها العاجز والمريض. وهي على قصورها تقوم على أن هناك كافلا ومكفولا، فإذا سلمت من أذى المنة وزراية التفضيل، فلن تسلم من أحقاد الرأسماليين الذين يرون فيها مغرما دعا إليه تطور وعي العامل، وخوفهم أن ينقض على مصالحهم بالنقمة والاضطرار. وهي معان لا يرى فيها المكفول كرامة موقورة، ولا يشعر معها بمعنى الشركة، أو بإحسان الاشتراك العام الذي يدرك به أنه جزء من كل، لا أنه عضو مفرق الأجزاء(52)، وإذا تفهمنا حكمة فرضية الزكاة وجدنا أن هذه الكلمة «التكافل» لم تأخذ بعدها الحقيقي والأساسي إلا في ظل الإسلام وأحكامه العادلة، وذلك انطلاقا من أساسين:
1- الأساس الاقتصادي: لقد شرع الله الزكاة في مال الغني، وجعلها حقا وواجبا لإشعاره أن المال كله لله، وأنه ليس له الحق في الانفراد به، ومن ثم فالناس كلهم مشتركون في هذا المال فقيرهم وغنيهم، قادرهم وعاجزهم، لذا كانت فريضة الزكاة تلاؤما مع العدل الإلهي قال تعالى: «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم»(53)، فما دام المال مال الله فقد أوجده لجميع عباده القادر منهم والعاجز على حد سواء، ويعني ذلك أن القادرين إنما يعملون في أموالهم وأموال العاجزين منهم عن العمل، ولهذا فمن حق العجزة أن يحصلوا على جزء مما أنتجه القادرون، لأنهم يشتركون معهم فيما يعملون فيه»، وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال، فما دام المال مال الله، فهو خاضع لكل ما يقرره بوصفه المالك الأول، سواء في طريقة تملكه، أو في طريقة تنميته، أو في طريقة إنفاقه»(54).
وبهذا ينحل كلب النفوس على المال، وتذوب في الضمير فواصل الأنانية، ويغدو الشركاء إخوة روحيين تتصافح قلوبهم بالود، وأيديهم بالتكافل على الأمر كله، يحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، وتلك لعمري حقيقة التكافل وروح التضامن(55).
2- الأساس الروحي: لم يكن الأساس من فريضة الزكاة أو تقرير أن الناس كلهم مشتركون في المال هو إشباع رغبات الفرد وحاجياته من مأكل وملبس وغيرها مما تفعله بعض الأنظمة الوضعية، وكأن الناس لديها قطيع غنم، وإنما هو الارتفاع بالإنسان من دركات أسر المادة إلى أفق حرية الاستخلاف التي من أجلها خلقه الله، لذا كان مبدأ التكافل في الإسلام هو مبدأ رعاية الروح الإنسانية، يقول أبو الأعلى المودودي: «وليست الصلاة والزكاة والصوم إلا تمرينات تعد الإنسان للعبادة الرئيسية التي تسمو بحياته، وترفعها من دركات الحيوانية إلى أرفع ما يكون من درجات الإنسانية، بل إنه لينال الشرف الذي لا قبل لمخلوق في الكون أن ينازعه، ولا يكون حتى للملائكة أن يغالبوه فيه، فيكون خليفة لله في الأرض بالمعنى الحقيقي التام، محكوما لله وحاكما لمن سواه»(56). فالإنسان كما يقول البهي الخولي:(57) «ليس مجرد بدن تنحصر مهمته في مطالب الطعام والشراب واللباس، وإنما حقيقة أزلية أتيحت له هذه الحياة ليستمد من آياتها ودلالتها على الله ما يزكي به وجوده، ويعد نفسه لرحلة الخلود الذي هو صائر إليه لا محالة»، وتزكية هذا الوجود لا يمكن أن توتي ثمارها إذا قضى الإنسان حياته في طلب اللقمة أو عدمها، لذلك شرع الله الزكاة، وأوجب الإحسان، وجعل المسلم لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ويكره له ما يكره لها، وكما يكره الإنسان الفقر في حقه فهو في حق غيره أولى، وكما يحب الإنسان العيش الكريم لنفسه فهو لغيره أولى، فالقاعدة الإسلامية تقول: «كل ما هو حق للفرد هو واجب على غيره، سواء أكان الغير فردا أوجماعة(58)».
وهكذا لا مجال في الإسلام للأنانية الفردية، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه»(59)، وهذه أعلى صور التكافل الاجتماعي.
وبهذا يتضح أن الأساس الاقتصادي والأساس الروحي هما ركيزتا التكافل، وعليهما تبني الأمة وجودها، وعلى أنهما ليسا منفصلين بل متلازمين لا يقوم أحدهما إلا بوجود الآخر(60)

(1) - سورة التوبة، الآية: 104.
(2) - سورة الإسراء، الآية: 100.
(3) - أبو سليمان الخطابي معالم السنن 2/ 83.
(4) - إحياء علوم الدين 1/ 214.
(5) - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3/ 122.
(6) - سورة آل عمران، الآية: 180.
(7) - أدب الدنيا والدين 163.
(8) - نفس المرجع 163.
(9) - نفس المرجع 163.
(10) - سورة البقرة، الآية: 267.
(11) - إغاثة اللهفان من مصائب الشيطان 1/ 107.
(12) - في ظلال القرآن 2/ 312.
(13) - سورة البقرة، الآية: 194,
(14) - العدالة الاجتماعية في الإسلام ص: 69.
(15) - أخرجه البخاري 4/ 41 وابن ماجة 2/ 1386 رقم 4136 واللفظ له.
(16) - مجموع الزوائد ومنبع الفوائد 3/ 122 وقال وفي إسناده يحيى بن المنذر وهو ضعيف.
(17) - سورة الحديد الآية: 7.
(18) - صحيح مسلم 1/ 140 – سنن النسائي 1/ 331 – سنن الترمذي 2/ 266.
(19) - فقه الزكاة 2/ 862.
(20) - التفسير الكبير 16/104.
(21) - الترغيب والترهيب 2/140 رقم 1186.
(22) - بدائع الصنائع 2/54.
(23) - إحياء علوم الدين 1/214.
(24) - التفسير الكبير 16/105.
(25) - سورة الفرقان، الآية: 20.
(26) - القصص 79 وانظر الثروة في ظل الإسلام 173-174.
(27) - سورة البقرة، الآية: 271.
(28) - في ظلال القرآن 3/315.
(29) - سورة البقرة، الآية: 217.
(30) - وحي القلم 2/242.
(31) - سورة الحشر، الآية: 7.
(32) - سورة الإسراء، الآية: 16.
(33) - سورة القصص، الآية: 58.
(34) - راجع المقدمة ص: 167.
(35) - سورة سبأ، الآية: 34.
(36) - المحلى 6/ 456 وانظر الضرورة الشرعية «لوهبة الزحيلي» ص: 294.
(37) - سورة النساء، الآية: 74.
(38) - رواه أبو داود 4/ 51 رقم 4063.
(39) - سورة البقرة، الآية: 28.
(40) - سورة الأنبياء، الآية: 11.
(41) - راجع المجموع للنووي 6/ 198 – مغني المحتاج 3/106.
(42) - أخرجه الطبراني في الكبير 11/ 405 – الترغيب والترهيب 2/ 137.
(43) - كنز العمال 6/ 621 رقم 17133 وانظر الترغيب والترهيب 2/ 128 رقم 1155.
(44) - مدارج السالكين 1/ 232-233.
(45) - مدارج السالكين 1/ 233.
(46) - أدب الدنيا والدين ص: 177.
(47) - سورة الإسراء 70.
(48) - أدب الدنيا والدين 196.
(49) - كنز العمال 6/ 482 رقم 15639.
(50) - يستثنى من ذلك الحالات الخاصة: كالإرث والهبة والصدقة ومساعدة غير القادرين وغير ذلك.
(51) - حركة التغيير الاجتماعي في القرآن ص: 88.
(52) -  الثروة في ظل الإسلام 235.
(53) - سورة النور، الآية: 33.
(54) - في ظلال القرآن 19/ 2772.
(55) - راجع الثروة في ظل الإسلام 239.
(56) - مفاهيم إسلامية ص: 42.
(57) -الثروة في ظل الإسلام 237.
(58) - فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي ص: 181.
(59) - صحيح البخاري 1/11 – مسلم 1/49 – أحمد 3/ 177.
(60) - راجع الثروة في ظل الإسلام ص: 239.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here