islamaumaroc

حياة كلمة: الجامور

  عبد الهادي التازي

العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002

في فهرس المصطلحات الحضارية التي استعملها الرحالة المغربي «ابن بطوطة» (ت 770 هـ /1369 م) نجد ذكرا لكلمة «الجامور» مرتين اثنتين(1)... وبالعودة إلى المجلد الأول من الرحلة التي نشرتها أكاديمية المملكة المغربية نجد أن الهامش رقم سبعة، من الفصل الثاني المتعلق بمصر يتحدث عن الجامور الذي شاهده العبدري (ت 688 هـ / 1289 م)، على رأس المنار الإسكندرية التاريخي عند رحلته الحجازية(2)، هذا المنار الإسكندري الذي تقوم على قاعدته اليوم «قلعة قايتباي» بالإسكندرية، والذي تذكره «عبد الواحد المراكشي» في كتابه «المعجب») عندما تحدث عن منار حسان «بالرباط» وقال: إنه على هيأة منار الإسكندرية(3) ...
وقبل «العبدري» و«ابن بطوطة» وجدنا مؤرخ الدولة الموحدية «أبا مروان عبد المالك» ابن صاحب الصلاة (594 هـ / 1198 م) عند حديثه عن جامع إشبيلية يذكره تحت اسم العمود العظيم قاصدا به ما يصطلح عليه بالجامور(4). وقبل جامع إشبيلية وجدنا المؤرخين لجامع القرويين التي جددت في الفترة ما بين عهد الأدارسة والمرابطين عندما أمست فاس حليفة لبني أمية بالأندلس، وجدناهم يتحدثون (345 هـ / 956 م) عن سيف «الإمام إدريس» الذي جعلو منه جامورا لمنار جامع القرويين(5) ....
والجامور في المصطلح المعماري المغربي (ويجمع على جوامير) مجموعة زخرفية تتكون من عمود تنتظم فيه ثلاث كرات، تكون في الأغلب من ذهب خالص أو معدن مموه بالذهب أو من فضة، مختلفة الحجم تندرج من الكرة الأولى السفلى الكبرى إلى الثانية التي تليها في الحجم ثم إلى الثالثة العليا التي تكون أصغر، تتوج بهذه المجموعة «صومعة الصومعة» كما يسميها «ابن صاحب الصلاة»، يعني القبة الصغيرة التي تعلو الصومعة، ويسميها «المغاربة» بلهجتهم الدارجة (العزري)(6).... وهي التي قد يوجد في جانب من جوانبها الصّاري الذي يحمل الفانوس الذي يضيء للناس عند أذان العشاء والصبح، كما يحمل العلم الأبيض الذي يرفع عند حلول وقت الظهر والعصر، والعلم الأزرق إيذانا بيوم الجمعة...
ومن الملاحظ أن هذه «المجموعة الزخرفية» قد تستعمل لتزين رأس خيمة ذات ميزة خاصة، كأن تكون للسلطان، بين خيام متعددة تحمل اسم (أفراك)، وهو وزن بالبربرية يعني سياجا يكوّن تقريبا مدينة كاملة متحركة من الخيام المتنوعة الأحجام، فيها ما هو خاص بحريم الخليفة ... ويحتوي على القبة العظمى الخاصة بالخليفة نفسه، كما يحتوي على بيوت للوزراء والكبراء ... هذا إلى المسجد وما يتصل به ...
ومن الطريف أن نجد «ابن الحاج النميري» (ت بعد عام 774 هـ) يخصص صفحات طويلة في كتابه (فيض العباب) لهذه المنشأة التراثية العظيمة التي تحمل اسم آفراك: «وآفراك السعيد كالبلد الواسع الأقطار، القائم الأسوار، البديع الاختطاط، الشريف الاستنباط المحكم الارتباط، وهو في وضعه مستدير الساحة بدري المساحة، قد صنع من شقاق الكتان الموضونة، وفضلاته الفاضلة المصونة وضوعفت طاقاته، وحذيت حذو القذة بالقذة مسافاته ...
إلى أن يقول: وله بابان أحدهما جوفي وهو المسمى «باب الصرف»، وهو مفتوح لبيت علا سمكه علو السماك، وأشرف على المحلة إشراف البدر الأحلاك ... والباب الثاني بقبليه أمام البرج الذي يكاد يبلغ عنان السماء، ويزحم النجوم المختومة كؤوسها بمسك الظلماء ... فسيح مجال الإطناب، عالي سادل الجلباب شديد الأركان يفوق شامخ البنيان ... وزهى بجامور تحسد الثريا اجتماع تفافيحه، ويود الشفق لو كان بعض ذوائبه المرسلة إلا هز ريحه(7) ....
ونحن إذا استشرنا كتب اللغة، «ابن منظور» مثلا، في تأليفه (لسان العرب) فإننا سنجد أولا اللفظ عربي أصيل، وهو لغة في «الجمار» بضم الجيم وتشديد الميم المفتوحة وهو قلب النخل ولبه: يكون رخويا لينا يتناوله الناس ويكون في أعلى النخلة.
ونقرأ عند «ابن منظور» أيضا، مما يعبر عن معنى القمة، أن الجامور يعني الرأس تشبيها بجامور السفينة يعني أعلاها، وهكذا نرى أن الكلمة تعني شحمة النخلة تكون في قمة رأسها، تقطع وتكشط فيوجد في جوفها لُبّ كأنه قطعة سنام، وهي رخصه تؤكل بالعسل والكافور ... وجمر النخلة قطع جمارها أو جامورها، وجمرت المرأة شعرها: جمعته وعقدته في قفاها ولم ترسله.
ومن المعلوم أن الجامور متى قطع فإن النخلة تموت على نحو ما يحصل إذا فصل الرأس عن الإنسان(8)، ولذلك فإن أهل النخيل لا يقربون إلى الجامور اللهم في حالة ما إذا أصبحت النخلة غير ذات مردود أو أصابها ما حال دون عطائها، ففي هذه الحالة يقطعون الجامور ليتمتعوا به!
وبالمقارنة مع ما يوجد حول النخلة فإننا سنقف في كل جزء من أجزائها على ثروة هائلة من المفردات والتعابير التي تؤكد جميعها ما كان عند بعض الجهات من اعتبار كبير للنخلة لدرجة أن كانت معبودة عند بعض القبائل بعد أن كانت كذلك عند الإغريق(9) ...
وفي هذه الأجزاء اسم الجامور ... حيث نجد صدى في اللغة العبرية لهذه المادة (جمر) التي تعني الأوج والذروة ... وهم يقولون إن التلمود يتكون من مشنا وهو المتن وجمرا (كمرا) وهو الانتهاء والتمام.
والجامور في دارجة أهل الخليج هو ما يعرف تحت اسم «الحيب» كما أنا لجامور  هو المعروف في اللسان البربري تحت اسم أكَنيض ...
ومن المهم أن نبحث عن الجامور – كمادة نباتية – في كتب الطب أيضا، وهكذا سنجد أن «ابن البيطار» مثلا يخصص فصلا تحدث فيه عن الجامور أو الجُمَّار وينقل عن «جالينوس» أن «اليونان» يسمون قلب النخلة بالجمار يريدون به الجزء الأعلى منها، كما ينقل عن «ديسقوريدس» قوله: «إن الجمار إذا أكل وطبخ يعمل ما يعمله الكُفٌري (بضم الكاف والفاء وفتح الراء مشددة: غشاء طلع النخل أي زهره»، أي إنه يتخذ من لدن العطارين والعاشبين لتخفيض الأدهان.
وقد انتقل مفهوم الجامور – كمادة نباتية تقع في أعلى النخلة، وتكلف الذين يريدون الوصول إليها الكثير من الجهد والخبرة، أقول انتقل هذا المفهوم إلى معنى آخر يعبر عن معنى الشموخ والعلو ... حيث وجدنا أن الجامور يعني كما قلنا آنفا تلك المجموعة من التفاحات أو الرمانات، كما يسمونها بالأندلس، التي يختار لنصبها أعلى المنارات أو أعلى الخيمات ...
وقد أثبت «دوزي Dozy» كلمة الجامور في ذيله على القواميس العربية، «مادة جمر»، مشيرا إلى إفادة «العبدري» سالف الذكر والقائلة: إن الجامور الكبير كان موجودا فوق منار الإسكندرية وأنه كان يعلو جامورا آخر دونه ... وقد أضاف إلى هذا أن «ابن الخطيب» في أحد تآليفه المخطوطة ذكره على هذا النحو: «الطاعن في بحر الجو بالجامور الهائل ...
وقد امتد استعمال هذه الزينة المعمارية على امتداد منطقة الغرب الإسلامي من فاس إلى تلمسان إلى تونس، أي المنطقة التي بقيت بعيدة عن التأثير المشرقي بما فيها منطقة المماليك باستثناء مآذن مصر التي نلاحظ على بعضها تأثرا بالجامور المعروف في المعمار المغربي(10).
وقد تكون تلك التفافيح أو الرمانات ثلاثة، وقد تصل التفافيح أحيانا إلى خمسة على نحو ما نجده في منار «جامع القرويين بفاس»، وأحيانا تقتصر على أربع على نحو ما كان في «جامع إشبيلية بالأندلس» (الخيرالدا)، ولكن الجامور في معظم الحالات الثلاث كما أسلفنا، وهو ما اعتمد عليه المعمار المغربي في منار «الكتبية بمراكش» وفي منار «مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء».
ولقد وجدنا ذكرا لهذا المصطلح الحضاري في رحلة ابن بطوطة مرتين – على ما أشرنا – مرة أولى بمناسبة ذكر منار مسجد يقع في الأندلس، وتحديدا في مدينة «برشانة Pirrchena» على بعد نحو خمسين كيلو مترا شمال «ألميرية»، ومرة ثانية عند حديثه – وهو في بلاد (أوزبك) عن ترتيب القوم في احتفالات العيد «... وينزل يقول – ابن بطوطة – جميع الأمراء الكبار والصغار وأبناء الملوك والأمراء والوزراء والحجاب وأرباب الدولة يتمشون بين أيدي السلطان على أقدامهم إلى أن يصل السلطان إلى الوطاق (بكسر الواو هو أفراك)، وقد نصبت هناك باركة (خيمة) عظيمة لها أربعة أعمدة، وفي أعلى كل عمود جامور من الفضة المذهبة، له بريق وشعاع(11) ...
وهكذا فالجامور يلازم المنارات والقباب وهو رمز لزينة الزينة ... لفظ ما يزال إلى اليوم حيا في الاستعمار المغربي السائر عندما يتحدثون عن شخصية بلغت مركزا متميزا في الشهامة والفضل يقولون عنها: تستحق القبة والجامور!
وربما وجدنا الجامور مرفوعا على بناية محترمة هنا أو هناك وقد نجده على ظهر ناموسية لكبير من الكبراء أو على أركانها الأربعة كذلك ...
وقد تساءل أحد الدبلوماسيين من العلماء الباحثين الأكاديميين الإسبان: هل إن هناك سرا خاصا وراء اختيار هذا العدد أو ذاك؟ ثلاثة أو أربعة أو خمس(12) ...؟
ونحن إذ نرجح أن يكون اختيار العدد خاطئا لمزاج المهندس أو صاحب المبنى أو الصانع الذي «تكون عينه ميزانه» ... كما يقولون! نحن مع ذلك نرى أن الأمر ربما كان أبعد من هذا بمعنى أن الذي يختار رقم الثلاثة يقصد إلى التذكير بالتارات الثلاث الحاسمة في حياة  المسلم المؤمن: الحياة والموت والنشور: «منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى ...».
وفي الناس من ذهب إلى أن اختيار رقم الأربعة كإشارة إلى العصور الأربعة في تاريخ البشرية: عصر «آدم»، وعصر «نوح» وعصر «موسى»، وعصر محمد صلى الله عليه وسلم وهي العصور التي ترمز إليها الآية الكريمة: «والتين، والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين» ...
أما الذين كانوا يعتمدون رقم الخمسة، فقد وجدوا في الفرائض اليومية الخمس ما يبرز القول بأن رقم الخمسة من يوحي بالتنبيه الدائم والمستمر إلى الاهتمام بالفرائض الخمس، وقد قرأنا في الأشعار الكثيرة التي قيلت في (الجامور – السيف) المرفوع على منار القرويين ما يشير إلى هذا:
وليس ارتفاعي في المنار لكربه
              ولكنه كي يعلم الحق جاهله
أحض على الخمس التي فاز أهلها
              ومن حاد عن أوقاتها أنا قاتله!
ولو أن هذه الأقوال لا تعدو أنها مجرد افتراضات، لكنها –مع ذلك- تعني اهتمام الناس بمسألة الجامور، كما تعني بسر الأرقام التي أخذت كثيرا من اهتمام الذين ألفوا عن الأعداد وأسرارها واعتمدوا عليها في حل بعض المغيبات من أمثال «الإمام ابن برجان» دفين مراكش، و«محيي الدين ابن عربي» دفين دمشق الشام(13)...
وقد عوضت هذه المجموعة أو الجامور كما نسميه بكل بساطة، عوضت في المساجد المشرقية بشكل هلال ينصب في أعلى قبة منار المسجد، عوضوا به شكل الصليب في الكنائس المسيحية...
ومع هذا فإننا نلاحظ أن المباني المدنية، في العالم الغربي، تشتمل أحيانا على هذا الجامور وأعتقد أن البنائين والمهندسين تأثروا في هذا التقليد عن طريق الأندلس التي –كما رأينا- كانت ترى في هذا الجامور ما يزيد في رونق البناء، ولا أستبعد التأثر أصلا بفكرة الاحترام الذي يضفي على النخلة بما فيها الجامور الذي يتوج أعلاها، التأثر بتلك الفكرة لجعل الجامور رمزا للسيادة والسمو عندما رفعه على منارة أو على قبة في أفراج...
وقد اهتم الأجانب الذين اشتغلوا بالدراسات المغربية، اهتموا به في مذكراتهم ليس فقط من حيث عدد التفافيح ولكن كذلك من جوانب أخرى: أسباب اختيارها أساسا ليجمل بها المنار: الكاتب الإنجليزي «طوماس بيلو (Thomas Pellow)» الذي كان أسيرا بالمغرب أيام الدولة السعدية، وجدناه يتحدث في مذكراته عن التفافيح الثلاثة التي تنتظم في جامور جامع مراكش(14).
ويبدو أن النقل عن تأليف «الحسن محمد الوزان» الفاسي المعروف عند الأوربيين باسم، (ليون الإفريقي) تأليفه المسمى: (وصف إفريقيا) المترجم من الإيطالية إلى الفرنسية، بما يحتوي عليه التأليف من غموض، خلق المجال لكثير من الأراجيف حول هذه التفافيح نظرا لذكر التأليف لبعض الأعلام الشخصية التي فهمها المترجم الفرنسي على أنها تعني العهد الموحدي فعلق عليها حسب هذا الفهم، وفهمها آخرون على أنها تعني المنصور السعدي، وقد ترددت بعض الترجمات العربية بين متابعة تعليقات الترجمة الفرنسية وبين الصمت المطلق عن التعليقات!!
ويهمنا هنا حديث الوزان عن القبة التي تعلو المنار المتناهي الجمال، والتي ركز عليها عمود فيه ثلاث تفاحات من ذهب تزن مائة وثلاثين ألف مثقال إفريقي، أكبرها التفاحة السفلى وأصغرها العليا ...
قال: وقد أراد بعض الملوك أن يزيلوا هذه التفاحات ويكسوها نقودا عندما اشتدت حاجتهم إلى المال، ولكنهم في كل مرة تحدث لهم حادثة غريبة تلزمهم ترك التفافيح في محلها ..! ثم يقول الوزان: وفي أيامنا هذه أراد ملك مراكش الذي كان عليه أن يصد هجمات المسيحيين البرتغاليين غير مبال بإصرار العامة على بقاء التفاحات في مكانها! فقرر أن ينزع هذه الكرات لكن السكان منعوه من ذلك بحجة أنها تمثل أشرف حلية لمراكش ..!
ويختم الوزان بهذه المعلومات التي زادت في اعتقاد بعض المعلقين بأن القصد إلى أيام المنصور السعدي، وليس إلى المنصور الموحدي، يقول الوزان: ونقرأ في كتب التاريخ أن زوجة «المنصور» بعد أن بنى زوجها هذا الجامع أرادت أن يكون لها أيضا نصيب في تأثيثه، فباعت حليها من الذهب والفضة والجوهر الذي كان الملك أعطاها إياه عندما تزوجها، وأمرت بصنع التفاحات الذهبية الثلاث التي تعطي أبهى منظر لقبة الصومعة(15).
ويتأكد لدي أن الوزان بتحدث عن الفترتين معا: فترة «المنصور الموحدي»، وفترة «المنصور السعدي»،  وبهذا نفهم الرواية التي تقول: إن التفافيح كانت من بين الهدايا التي صحبت الأميرة الموحدية «زينب» في زفافها للأمير «الحفصي بتونس»(16).
كما نفهم الرواية التي تقول إن التفافيح كانت هدية من «الأميرة عوده» (مسعودة) زوجة «المنصوري السعدي» إلى الجامع الذي يحمل اسمها في مدينة مراكش ...
وبين أيدينا مصدر معاصر عربي أصيل «الجامور منار إشبيلية»، مصدر شاهد عيان، هو «ابن صاحب الصلاة» سالف الذكر الذي يقول بالحرف: «زنة العمود الذي يحمل التفافيح مائة وأربعون ربعا، وكان عدد الذهب الذي طيلت به هذه التفافيح الثلاث الكبار والرابعة الصغرى سبعة آلاف مثقال كبار يعقوبية...
وقد حملت التفافيح على العجلات مجرورة ورفعت بالهندسة حتى أعلى صومعة الصومعة المذكورة، فكادت تغشى الأبصار من تألقها بالذهب الخالص الإبريز وبشعاع رونقها ... وذلك يوم الأربعاء ربيع الآخر عام أربعة وتسعين وخمسمائة بموافقة التاسع عشر من مارس العجمي (1198)(17).
ويقودنا الحديث عن الجامور إلى ما يحكى عن هذا الموضوع مما لا يخلو من فائدة، مما قد نسميه (ثقافة الجامور) لاسيما وهو معدود – كما رأينا- من التراث المعماري الخاص ببلاد المغرب ...
وهكذا فقد سمعنا من بعضهم أن التفافيح كانت توضع فيها الرسوم والعقود التي تتضمن اسم المؤسس والباني، وهي المقولة التي لم أجد لها ما يؤيدها مما وقفت عليه لحد الآن.
ولقد قرأنا عن المؤرخ الفرنسي «كاسطون دوفيردان G. Deverdn» في كتابه عن (تاريخ مراكش) أن أحد ملوك إفريقيا السوداء «كاو Gao» أهدى ابنته في القرن الثامن عشر للعاهل المغربي ومعها أربع تفاحات ذهبية كبيرة، وفي المعلقين من كان يرى أن التفافيح كانت هدية من أمير إفريقي لملك المغرب عندما كان في طريقه إلى مكة... والمهم في هذا أو ذاك أننا نقف على جانب من جوانب التواد المتواصل بين ملوك المغرب وبين باقي ملوك إفريقيا من الذين يحكمون الممالك التي تقع جنوب المغرب.
وقد نقل «توربي ديلوف Turbet Delof» في كتابه بعنوان «إفريقيا الغربية» في الأدبيات الفرنسية في القرن السادس والسابع عشر(18) ما يمكن أن نقول إنه أصل كل ما ذكره الغربيون عن (الجامور) وعن التفافيح في المصادر الأوربية...
وحسبما نقله هذا المؤرخ فإنه منذ ما قبل القرن السادس عشر سمعنا عن حكاية امتدت أطرافها إلى تونس حيث نجد أن جامور جامع تونس يحتوي على تفاحات كانت في الأصل هدية صحبت أميرة موحدية وهي تزف إلى زوجها الأمير الحفصي بتونس ... وينبغي هنا أن نعيد إلى الذاكرة حديث الأميرة الموحدية زينب التي اعترض طريقها قراصنة من صقلية في قصة مثيرة أشرنا إليها قبل قليل وقعت أحداثها على عهد الموحدين(19).
وحسبما تحكيه كذلك الأسطورة الرائجة فإن زوجة «المنصور السعدي» كانت قد أفطرت ذات يوم من رمضان بمراكش ... ورأت أن تكفر عن مخالفتها ببناء جامع يحمل اسمها وتزين جاموره بتفافيح صاغتها من الحلي الذي كانت تملكه على نحو ما أشرنا إليه(20)...
وتلخيص الحديث أننا أمام مفرد لغوي ومادة طبية ومصطلح حضاري يضرب في جذور التاريخ، وقد ظهر اسم الجامور واضحا في المصادر المغربية والأندلسية وطوال العهد الإدريسي ثم العهد المرابطي والعهد الموحدي الذي اهتم ببناء المعالم الثلاثة: الكتبية بمراكش، والخيرالدا بإشبيلية وحسان بالرباط تخليدا لانتصار الموحدين في موقعة الأرك(21) عام 1194 ... واللفظ أخيرا أصبح يحمل في المغرب اسم جائزة كبرى تمنح لأفضل وأحسن أداء في البرامج الإذاعية والتلفزية، ولعل عرض هذه الكلمة اليوم أمام أهم منبر للغة العربية، سيحييها ويحيي معها كل الآمال التي نتوق إليها جميعا من أجل تحسين الأداء في أجهزة إعلامنا العربي ...                                              

(1) - رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار تقديم وتحقيق «عبد الهادي التازي» نشر أكاديمية المملكة المغربية 1417 = 1997 جزء II، ص: 13- 406 رقم الإيداع القانوني 321 – 1997.
(2) - رحلة العبدري الحيحي تحقيق «محمد الفاسي» نشر جامعة محمد الخامس 1388 = 1968 ص: 92.
(3) - المعجب في تلخيص أخبار المغرب، نشر شركة النشر المغربية 1357 = 1938 مطبعة الثقافة، سلا ص: 163.
(4) - «ابن صاحب الصلاة»: المن بالإمامة تحقيق الدكتور التازي، طبعة ثالثة دار العرب الإسلامي، بيروت 1987 ص: 393.
(5) - الدكتور التازي: جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس، طبعة ثانية، دار المعرفة، الرباط 2000، ص: 5-12.
(6) - كلمة العزري: تعني بالدارجة المغربية العزب الذي لم يتزوج بعد، وقبة الصومعة فريدة بالفعل – معجم كولان- ج: 5، ص: 1269 تحت إشراف «زكية العراقي»، معهد الدارسات للأبحاث والتعريب بتعاون مع المركز الوطني للبحث العلمي – باريس.
(7) - فيض العباب «لابن الحاج التميري» دراسة الدكتور محمد ابن شقرون، طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت 1990، ص: 95-228.
(8) - «إبراهيم السامرائي»: كتاب النخل لابن وحشية، مجلة (المورد) البغدادية مجلد 1، عدد 1-2 سنة 1391 - 1971، «د. جزيل عبد الرحمان الجومرد»: «كتاب النخل» «لابن العوام» لا لابن وحشية، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني العدد 57، عام 1999.
(9) - «عبد الوهاب الدباغ»: النخيل والتمور في العراق، مطبعة الأمة بغداد 1956، جعفر الخليلي: التمور قديما وحديثا ... مطبعة المعارف – بغداد 1956. عباس العزاوي: النخل في تاريخ العراق 1382 = 1962، «توفيق الفكيكي»: شجرة  العذراء يصورها أدب النخيل، طبعة ثانية مزيدة وضع إضافاتها: «عبد الهادي الفكيكي»، قدم لها عبد الحميد الرشودي، طبعة ثالثة في فجيج المغرب 1423 = 2002 تقديم عبد الهادي التازي ...
(10) - «محمد يوسف خضر»: تاريخ الفنون الإسلامية: دار السويدي للنشر والتوزيع والإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة أبو ظبي، 2002، ص: 66- 136.
(11) - رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار مصدر سابق: ج: II، 369 – 405، ج: III، 44، 251-415.
(12) - «د. التازي»: المسجد في المأثور الإسلامي – مسجد الحسن الثاني، رقم الإيداع القانوني: 1993/655.
(13) - الشجرة النعمانية في الدولة العثمانية مخطوط بالمكتبة العامة جامعة الإسكندرية، قسم المخطوطات رقم: 216.
(14) -     La relation de Thomas Pellow, une lecture du Maroc an 18ème siècle, magali morsy, R : 110, note 176 III, édition recherche sur les civilisations, Paris 1983.
(15) -     Jean – Léon l’Africain : Description de l’Afrique Trad. Par A, Epaulard, Paris 1956 TI, 104.
(16) - «د. التازي»: التاريخ الدبلوماسية للمغرب، ج: 6، ص: 231-237، رقم الإيداع القانوني: 25/1986 مطابع فضالة – المحمدية.
(17) - ابن صاحب الصلاة، مصدر سابق.
(18) - F. Turbet – Delfot : l’Afrique barbaresque dans la littérature française aux XVI et XVH siècle page :67-70
(19) - «د. التازي»: التاريخ الدبلوماسي للمغرب، ج: 6، ص: 231-237 مصدر سابق.
(20) - «د. التازي»: المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي 1413 هـ = 1992 م نشر الفنك الدار البيضاء بمشاركة: FRIEDRICHE EBERT STIFTUNG ص: 231
(21) - «د. التازي»: التاريخ الدبلوماسي للمغرب، ج: 6، ص: 53، مصدر سابق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here