islamaumaroc

حول قضية التعريب

  دعوة الحق

38 العدد

يبدو أن قضية التعريب في بلادنا قد بدأت تحظى باهتمام متزايد من طرف المسؤولين، ولعل المؤتمر الأخير الذي عقد بالرباط لشؤون التعريب والمحاولات الأخرى التي سبقته دليل على أن هذه القضية التي كثر الحديث حولها متصلة اتصالا وثيقا بشعورنا القومي ومرتبط أيما ارتباط بمقوماتنا الأساسية كأمة عربية تدين بالإسلام وتطمح في استكمال أسباب سيادتها لتؤدي رسالتها التاريخية من جديد في هذه الحياة.
إن سعينا للحفاظ على اللغة العربية والمطالبة بتطويرها واعزز جانبها تبرره ضرورات قومية لا ينكر أهميتها إلا مكابر عنيد، فالشعب الذي يطالب بحفظ لغته إنما يطالب في الحقيقة بحفظ تماسكه ووحدته ويطالب بحفظ استمراره في الوجود، وحفظ شخصيته التي تعتبر اللغة عنوانا لها وتعبيرا عنها وتحديدا تستبين من خلاله ثقافة الأمة ورسالتها وحياتها الروحية ونظرتها إلى الوجود.
ليس هذا الكلام من قبيل الشعر كما يتخيله البعض بل حقيقة اجتماعية علمية تفرض ذاتها بمجرد التأمل في طبيعة اللغة والوظائف التي يؤديها للفرد والمجتمع، فحسبنا أن نتغرب في بلاد أعجمية زمنا طويلا لنرى كم يشتد حنينا إلى لغتنا، وكم تعظم فرحتنا عندما نصادف أحد مواطنينا فنتحدث إليه ونستمع منه فنحس في نفوسنا شعورا قويا باتصال عميق وتفاهما صميما ينبع من داخلنا عكس الذي يحدث عندما نخاطب الأجنبي، وكذلك الأمر بالنسبة لماضينا وتاريخنا، إننا لو نشاهد أبطالنا وشعراءنا وفلاسفتنا وعلماءنا مشاهدة عينية ولكنا نشعر بألفة عميقة وسحر دافق ونحن نقرأ تراثهم ونتأمل أفكارهم ونتملى بمآثرهم وأمجادهم، بل إن اللغة أكثر من هذا رمز حي وصورة شفافة لعقليتنا وكياننا ومظاهر حياتنا إذ عن طريقها نتناقل أفكارنا وتصوراتنا ومعتقداتنا وأساليبنا في العمل والسلوك، والذين خبروا شؤون اللغة يعرفون أن الكلمة ليست مجرد أحرف جامدة وإنما هي ذات تكمن في صميمها روح حية نابضة؛ فالآية الكريمة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) تحمل في كلماتها القليلة المعدودة نظرة الأمة العربية إلى الإنسان والمعيار الذي ينبغي بمقتضاه أن يحدد السلوك البشري ويقوم.
وعليه فإن اهتمام بقضية لغتنا ومستقبلها اهتمام بوجودنا ووحدتنا وباستمرارنا وبشخصيتنا كأمة هادفة تعيش لتحقيق رسالة سامية في الوجود؛ فنتمنى أن يظل هذا الاهتمام مستمرا موصولا ومقرونا بأعمال إيجابية؛ وليست التضحيات التي يمكن أن نتحملها في هذا السبيل سوى ضريبة تدفع عادة عند التمسك الشديد بسيادة الأمة وعزتها وكرامتها.
        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here