islamaumaroc

أثر جامعة القرويين في الإشعاع العلمي والثقافي والإصلاح الاجتماعي (نموذج المفكر علال الفاسي)

  محمد الحجوي

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

لقد عرف العالم العربي الإسلامي منذ أقدم العصور نهضة فكرية وثقافية وعلمية، شملت ميادين المعرفة النظرية والتطبيقية على حد سواء، وكانت هذه النهضة هي الأساس الذي قامت عليه حضارة الغرب الحديثة؛ ولأسباب عديدة لم تستطع أمة التوحيد الحفاظ على إرثها الثقافي وتطويره نحو الأجود والأفضل مثل ما يفعل الغرب في العصر الحديث. لكن هذه الأمة بمجرد أن تهيأت لها الأسباب والظروف التي تسهم في التخلص من التخلف والجهل، عرفت كيف تزيل عن كاهلها غبار قرون الانحطاط والظلام، وترسم معالم الطريق الذي يقودها إلى تحقيق نهضة علمية وفكرية تجعلها تساير التطور السريع في ميادين الفكر والاجتماع والاقتصاد والعلوم الدقيقة، ولذلك بدأنا نرى كل الدول العربية الإسلامية –برغم المعوقات التي يخلقها أعداؤها- تسعى بإيمان وثبات إلى هذا البعث الحضاري، وتحاول أن تضع أقدامها في الاتجاه الصحيح لهذه المسيرة، مستلهمة التجربة التراثية التاريخية، ومحددة الأهداف والغايات التي ينبغي تحقيقها في الحاضر والمستقبل، دون أن تغفل النظر إلى الواقع والإمكانات والحاجات والتحديات طبيعية كانت أو غير طبيعية.
إن التاريخ عبرة وذاكرة وتجربة، والحاضر علوم تتطور واختراعات تتجدد بسرعة مذهلة، والأمة العربية الإسلامية تعي كل الوعي أهمية هذين العاملين في التطور والتقدم وإعداد المجتمع الذي يسهم في هذا التطور، ولذلك فهي تعمل من أجل أن يدرك أفراد الأمة أثر التراث والنهضة العلمية الحديثة في بناء مستقبل هذه الأمة، بناء لا يهمل العامل الروحي المتمثل في القيم والمثل العليا المستمدة من الشريعة السمحاء، والعامل المادي المتمثل في التنمية الاقتصادية الشاملة عن طريق العلم.
ولعل «جامعة القرويين» من الجامعات الإسلامية العتيدة التي نستلهم منها تجربة التاريخ في البناء الذي نسعى لتحقيقه، لأنها صرح من صروح الثقافة والفكر، وحصن حافظ على القيم الروحية والمثل العليا التي دعا إليها الإسلام، فكانت طيلة قرون عديدة منار الفكر الحر في هذا الجناح من العالم العربي الإسلامي.

* أثر جامعة القرويين في العلوم الدينية والأدبية والعقلية:
منذ أن تأسس «جامع القرويين» على يد المرأة الفاضلة «فاطمة بنت محمد الفهري» «القيرواني» المتوفاة سنة 245 هـ وأشرف على بنائه وتوطيد أركانه «يحيى بن محمد بن إدريس الثاني بن إدريس الأول» المتوفى سنة 249 هـ، منذ هذه المرحلة من التأسيس والتشييد وعناية ملوك المغرب متجهة إلى أن يكون جامعا للعبادة والزهد وتلقين العلوم الدينية والأدبية والعقلية التي كانت سائدة في تلك العصور، وهي العلوم التي تعنى بدراسة كتاب الله، وسنة رسوله عليه السلام، و«علم القراءات»، و«علم الكلام» و«الأصول» و«التصوف» على طريقة الجنيد، و«العلوم الأدبية» كانت تشمل «النحو» و«اللغة» و«العروض» و«البيان» و«التاريخ» و«السيرة»، وكان يستعان بها على فهم كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام.
أما العلوم العقلية التي كانت تلقن للطلبة بهذا الجامع العتيد فهي «علم الرياضيات» و«الهندسة» و«التنجيم» و«الهيئة»، وبعض الباحثين يرى أن العلوم الطبية، كانت مادة التدريس بجانب تلك «العلوم العقلية». وبذلك أصبح الجامع الذي أسس على هدى وتقوى من الله «جامعة علمية» يؤمها الطلبة من مدن «المغرب» و«الأندلس» و«المشرق»، وحلبة يجتمع فيها العلماء والفقهاء للتدريس والتأليف، وأصبحت مؤسسة عليا تعتمد عليها الدولة في تكوين العلماء والقضاة الذين كان لهم دور كبير في الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية في «المغرب» و«الأندلس».
ولم يتوقف هذا الدور العلمي «لجامع القرويين» حتى عندما أصبحت «مراكش» عاصمة للمغرب في عهد «المرابطين». ويكفي «جامعة القرويين» فخرا أن تكون الجامعة التي شع منها نور المعرفة والعلم إلى الغرب، وأن يكون البابا «سيلفيستر» المتوفى سنة 359 هـ، وهو أول من أدخل الأعداد العربية إلى أروبا، قد تلقى العلم فيها(1).

* دور جامعة القرويين في تكوين العلماء والمصلحين في مرحلة الاستعمار:
لقد كونت عصور الظلام في عقول الناس مفاهيم خاطئة، وحجبت عنهم الرؤية الصحيحة لحقيقة الإسلام، فاختلطت عليهم الأمور ولم يعودوا يميزون بين ما هو صالح وغير صالح. في مثل هذه الأوضاع يستطيع أي فرد أو مجموعة قيادة الناس وتسخيرهم لأغراضها ومطامعها، ولو كانت تتنافى مع المبادئ والأخلاق التي دعا إليها الدين الحنيف، ولذلك كان المفكرون والدعاة والمصلحون الذين تخرجوا من هذه «الجامعة العتيقة»، ومنهم المفكر «علال الفاسي»، يرون في توجههم الإصلاحي أن تكون الخطوة الأولى في بداية الإصلاح هي محاربة الأفكار الهدامة التي سيطرت على الناس وترسخت في عقولهم، وأصبح سلطانها قويا ومتمكنا في عاداتهم وتقاليدهم. والإسلام بريء منها، ولا يتم هذا الإصلاح إلا بالرجوع إلى تعاليم «القرآن والسنة» وإجماع السلف الصالح، ثم الدعوة لاستخدام العقل، والنظر السليم في كل أمر من أمور الدنيا والدين. ولذلك كانت «جامعة القرويين» منذ  تأسيسها تجعل هدفها الأول هو التكوين العلمي والديني والثقافي والإصلاحي لطلبتها، وبذلك حافظت على العلوم الدينية واللغوية والفكرية، وعملت على توهجها، وأخرجت نخبة من الوطنيين الأحرار الذين أسهموا في تحرير المغرب من عبودية المستعمر، وكان لهم الفضل في تنوير عقول الشباب الذين خاضوا معركة الكرامة، كما كان لهم الفضل أيضا في وضع الأسس والمعالم لمستقبل المغرب في النواحي التربوية والثقافية والسياسية والإدارية والاقتصادية.
ولعل المفكر «علال الفاسي» واحد من هذه النخبة الوطنية المثقفة التي قامت بهذا الدور الريادي في تاريخ المغرب الحديث، وإن كتابه «النقد الذاتي» يقدم الصورة الجلية والواضحة لهذا التوجه الفكري والإصلاحي الذي كان يطمح إليه الوطنيون الأحرار من أجل تحرير البلاد مما ورثته في عهد العبودية والحجر من جهل وأمية وفقر مدقع وتخلف شمل جميع الميادين.
وقد عني في هذا الكتاب بالإصلاح الاجتماعي خاصة باعتباره بوابة لإصلاح بقية الميادين الأخرى ولا سيما الإدارية والسياسية والقضائية، وركز في هذه الرؤية الإصلاحية الاجتماعية على عامل أساسي وضروري لا يمكن أن ينجح أي إصلاح بدونه ألا وهو تعميم التعليم ومحاربة الأمية التي كانت آفة تهدد كل خطوة من أجل الإصلاح.
إن العلوم التي تلقاها «علال الفاسي» في «جامعة القرويين» وهي العلوم الإسلامية واللغوية والأدبية والفكرية، قد أسهمت في تكوين شخصيته، وقد برزت هذه الشخصية بشكل متميز، فكان عميق المعرفة في العلوم الشرعية، أديبا وشاعرا ومفكرا وباحثا اجتماعيا وسياسيا ووطنيا، غيورا على بلاده وعلى وحدة الأمة العربية الإسلامية. وانطلاقا من هذا التكوين الموسوعي، قام بدوره التاريخي الذي يحتم على كل عالم وصاحب فكر ودعوة أن يقوم به، فأسهم بأفكاره وتوجيهاته بجرأة وصراحة العلماء والمفكرين الأحرار من أجل فك القيود التي كبل بها المستعمر المغرب.

* الأسس التي قام عليها إصلاحه الاجتماعي:
اعتبر هذا المفكر «الإصلاح الاجتماعي» أساس الاستقرار والتقدم في جل الميادين. ورؤيته لهذا الإصلاح تبدأ من النواة الأولى في المجتمع ألا وهو الفرد، إذ لا يمكن نجاح أي إصلاح بدون الاهتمام بالفرد وإبعاده عن أنانيته وذاتيته المفرطة، وإن كانت هذه الأنانية صفة إنسانية، فإن المصلح الاجتماعي يمكن أن يغير وجهتها ويجعلها تتجه نحو هموم الجماعة، فتصبح أنانية من أجل مصلحة المجتمع:
«طغيان الأنانية هو الذي يجعل منا أفرادا لا يشعرون إلا بما يلمس وجودهم الخاص، ولا يتجهون بأفكارهم إلا نحو ما يعود عليهم بالنجاح في تقلباتهم اليومية، غير مبالين بما يصيب غيرهم في سبيل تحقيق أغراضهم الذاتية، ومنافعهم الشخصية»(2).
وبذلك جعل الإصلاح الاجتماعي مرتبطا بالقيم الدينية وبسيرة الرسل والشخصيات العظيمة في تاريخ الإسلام، هذه الشخصيات التي انتصرت على الشهوات الدنيئة، واخترقت مدارج الكمال بالمجاهدة ومحاسبة النفس، فتخلصت من أنانيتها الفردية، ووهبت نفسها لخدمة الإنسانية وفق ما يدعو إليه الإسلام، وما أقرته المذاهب الأخلاقية التي نادت بالفضيلة والمساواة والمثل العليا.
والأمة ينبغي أن تقتدي برجالها العظام الذين صلح بهم حال الدين والدنيا، فأقاموا منار العلم، وحرروا الفكر، وأسسوا «دولة العدل»؛ ولم تتحقق لهم هذه الغايات إلا لكونهم فكروا اجتماعيا قبل أن يفكروا في أنفسهم وفي شهواتهم وأغراضهم المحدودة.
«لا يمكن لأمة ما أن تنهض من وهدة السقوط التي وقعت فيها إلا إذا تدربت على أن تفكر اجتماعيا، وتعودت على أن لا ترى في مسائل الأفراد أو الطبقات الأخرى شؤونا بعيدة عنها، أو غير عائدة إليها»(3).
والتعود على التفكير الاجتماعي قد تعترضه معوقات وحواجز تمنعه من التمكن في نفوس الناس، لأنهم اعتادوا على الإحساس بوجودهم الخاص دون المبالاة بالآخرين، وهذا الإحساس قد ترسخ في النفوس، واستحكم في العقول والوجدان حتى ليبدو الانعتاق منه أشبه بثورة اجتماعية تقلب فيها كل الأوضاع والمفاهيم والأفكار التي اعتادها الأفراد. ولهذا نجد المفكر «علال الفاسي» يدعو إلى الاستفادة من تجارب بعض الشعوب التي أخفقت في تحقيق الإصلاح الذي كانت تنشده بسبب عدم اعتمادها على الرؤية الشمولية لجميع ما يتطلبه المجتمع نفسيا وخلقيا وماديا. والمجتمع المغربي في مرحلة الاستعمار لم يكن قد وضع لنفسه خطة إصلاحية متكاملة، ومنهجا واضحا يستطيع السير فيه باطمئنان وارتياح لتحقيق هذه الغاية؛ ولذلك نجد هذا المفكر يضع للمجتمع المغربي المنهج الذي ينبغي أن يبني عليه تفكيره السليم في كل المشروعات التي يحقق بها ذاته ووجوده:
«إن مشروعاتنا وأعمالنا لحد الآن لم تخرج عن هذا التطور الساذج الأولي، ولم تتجاوزه بعد إلى إلقاء نظرة شاملة على كل ما تتوقف عليه البلاد من ثقافة وتهذيب وعمران، ومن الوسائل التي يجب أن تتخذ من أجل تحقيقها»(4).
والتفكير الشمولي في أمور البلاد هو الذي يخلق الإحساس بالوحدة والتضامن، ويذكي الشعور الجماعي في نفوس الأفراد دون تفريق بين جهة وأخرى، سواء كانت ذات أهمية اقتصادية أو تفتقر إليها، لأن تحقيق الإصلاح الاجتماعي الشامل يقتضي طرح الرؤية الجزئية الضيقة التي تحكمت في نفوس الناس فأصبحوا لا يفكرون إلا في حدود ضيقة جدا قد لا تتجاوز المدينة أو القرية أو الحارة في بعض الأحيان، وكأن ما يقع في جهات أخرى من وطنهم لا يعنيهم ولا يحتاجون للتفكير فيه مادام بعيدا عنهم:
إن التفكير شموليا هو أن نستحضر أثناء اهتمامنا بعمل ما جميع أجزاء البلاد وعناصر الأمة. إنه أن ننظر إلى وطننا ككل لا يقبل التصور إلا كاملا،  وإلى النفع كخير لا يمكن تحقيقه إلا شاملا»(5).
هذا التصور هو الذي يحقق التوازن والاعتدال في الأمة، إذ يجعلها تهتم بالجوانب الروحية والمادية بمنهج موضوعي، وبتجرد عن الأهواء والميول التي تغلب جانبا على آخر نتيجة مصلحة فردية أو نظرة ضيقة؛ ومن هنا فإن المصطلح الاجتماعي يضع أمامه هذا التوازن والاعتدال ويعتبرهما بمثابة قانون ينبغي التقيد به مثل قانون الطبيعة الذي لا يتغير بل يسير وفق نظام هو أساس استمرار الحياة، وكذلك الأمة إما أن تكون بكامل مقوماتها الروحية والمادية المتوازنة وإما أن لا تكون:
«وهكذا نهضة الأمة، فإما أن تكون مشتملة على كل مقوماتها هي الأخرى، وإما أن لا تكون»(6).
وما يحدث الآن من اضطرابات وفتن في المجتمعات سواء كانت متقدمة أو سائرة في طريق التقدم هو نتيجة من نتائج إهمال التوازن والاعتدال في المجتمع؛ وهما لا يتحققان اعتباطا أو بطريق الصدفة، بل ينبغي أن يستعان على تحقيقها بالوسائل، وأول هذه الوسائل في رأي هذا المفكر هو دراسة ذهنية للمجتمع ومعرفة توجهاته ومطامحه، ومدى استجابته وقبوله لما يعرض عليه:
«إن الذهنية المغربية يجب أن تدرس، ويجب أن نفكر في وسائل تبديلها، لأنها مادامت على هذه الصفة، فإن كل نهوض شعبي سيظل بطيئا ومشكوكا في صموده إزاء هذه الآفات النفسية الكبرى»(7).
بهذه الرؤية يكون المصلح الاجتماعي مدركا الأسباب التي تعينه على نجاحه، فيقدم ما يستحق التقديم، ويؤخر ما يوجب التأخير، ويواجه الأوضاع التي تقتضي الإصلاح والنهوض بالأمة بصراحة وحزم مادام يرى الأفكار التي يدعو إليها كفيلة بتحقيق النهضة لأمته، لأن طبيعة المجتمعات التي تكون في بداية الإصلاح الشامل تكون عرضة لآفات التسرع والارتجال اللذين يوقعانها في أخطاء تضيع فيها الجهود، وتتأخر برامجها ومشروعاتها فلا تستفيد من الزمن، ولذلك فهي في أشد الحاجة إلى مصلحين ينيرون العقول ويعملون الناس كيف ينظمون أفكارهم ويضعون برامجهم:
«وإنك لتلمس آثار هذا الضعف في كل أعمالنا، تجده في برامجنا وفي منشآتنـــــــا»(8).
وقد يكون جزء كبير من هذا الضعف راجعا إلى انعدام التفكير بالواجب عند الأفراد، وهذه الآفة قد تتسرب في نفوس العامة والخاصة، ولذلك نجد «علال الفاسي» يربطه بالشعور الوطني، هذا الشعور الذي ينبغي أن ينمو مع الأفراد منذ نعومة أظفارهم، فيسأل كل واحد عما قدمه لوطنه من مصلحة تسهم في بنائه، وما قصر فيه من أعمال إذا بلغ الفرد إلى هذه المرحلة التي تكون نفسه رقيبة عليه في كل ما يصدر منه من أفعال وسلوك، فإنه يحقق الشخصية التي تحيا لخدمة الأمة:
«إن التفكير بالواجب هو المنهج الوحيد لتكوين الشخصية المستقلة التي تعيش للمجموع وتحيا لخدمة الأمة»(9).
وهنا نجد نظرية «علال الفاسي» التي لا يفهمها الكثير من الناس، وهي ما سماه «بأرستقراطية التفكير في المجتمع» لقد آمن «علال الفاسي» بأن النخبة المثقفة المتنورة هي التي تستطيع قيادة الأمة وتوجهها نحو الأصلح، وأن تفكيرها ينبغي أن يعلو فوق كل تفكير مادامت تسعى إلى الإصلاح، لأنها القادرة على توجيه أفكار العامة، وجعلهم يعتبرون المصلحة العليا لأمتهم فوق كل اعتبار. وهذه الأرستقراطية في التفكير لا تتعارض مع أفكار العامة أو تستهين بها، وإنما تستمد منها ما يلهمها للمزيد من العطاء، وتقوم ما فيها من إعوجاج، وتنير وتصلح ما يحتاج إلى الإصلاح، وبذلك تلتقي تجارب وخبرات العامة مع عمق أفكار الخاصة. ومن هنا كان القصد من تقديم ذوي الفكر تجنب المزالق والعثرات التي تكون نتيجة التسرع وارتجال التفكير، فهؤلاء أقدر الناس على النقد والتوجيه نحو الأصلح؛ وبهذا المنهج حققت الأمم المتقدمة تفوقها، إذ تختار أحسن الناس لقيادتها ثم تحاسبهم على ما يصدر منهم:
«إن الفكر الصحيح الذي تحتاجه الأمة ويمكن أن ينقذها من مصائبها، ليس هو تفكير الشارع الذي يبنى على أصول عادية نتلقاها كل يوم من مختلف الأوساط والهيئات التي لا ندريها، ولكنه فكر الطبقة المتنورة التي تستطيع أن تقلب الأشياء على وجوهها، وتنفذ إلى أعماقها»(10).
ولذلك دعا «علال الفاسي» إلى  المذهب العقلي في كل إصلاح، وهو مذهب ينبع من ضرورة حتمية تعززها تعاليم الدين الإسلامي:
«وإن الدين في نظرنا غني بحججه العقلية، وبهدايته القلبية عن أن يحاول الوقوف في صف الذين يضطهدون الفكر أو يحولون دون تنوير العقول»(11).
ومن طبيعة المرحلة التي تجتازها الأمة، إنها مرحلة تتطلب بذل الجهود الجبارة، وتحمل الصعاب للحاق بركب الأمم المتقدمة التي جعلت العقل رائدا لها في كل إصلاح، والمسلمون أحق بهذا المنهج لما في دينهم من دعوة لتحرير العقل والعمل به، ولما في تاريخهم من تجربة رائدة في التوفيق بين الدين والعلم على أساس لا يتعارض مع العقل ومع ما تدعو إليه الشريعة؛ والسبيل الذي نحقق به هذا المبدأ هو نشر التعليم وخلق الوسائل التي تنير عقول الناس بما يجري حولهم ولاسيما الصحافة الحرة النزيهة:
«يجب أن نبذل كل جهودنا لتطوير المجتمع المغربي في الحواضر والبوادي، ونشر التعليم في أوساطه، وتكوين الصحافة الحرة النقية، وتنظيم الدعايات السليمة»(12).
إن إيمان «علال الفاسي» بالأثر الذي تحدثه الأفكار في المجتمعات أكثر مما تحدثه الحروب وعوامل الطبيعة. كان وراء هذه  الدعوة لتحقيق مجتمع أمثل، جاعلا نموذجه الفكر الإسلامي والثورة العقلية التي تجلت في حضارة الإسلام واعتمدتها الأمم المتقدمة في عصرنا الحديث. وإن عبء الأمة العربية الإسلامية ثقيل وجسيم، ومسؤولياتها عظيمة في كل الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، لكن هذه المسؤوليات الجسام تهون أمام ذوي العزائم، فما أحوجنا الآن في هذه المرحلة العصيبة إلى ذوي العزائم والهمم، يلهبون المشاعر، ويعيدون الثقة في النفوس، ويقودون الأمة بأمان وأمن إلى بر النجاة والخلاص من الأزمات التي تكبلها.


(1) - راجع كتاب «جامع القرويين» للدكتور عبد الهادي التازي، ط 1 – 1972. دار الكتاب. لبنان.
(2) - النقد الذاتي: 13. «علال الفاسي». منشورات دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع. بيروت.
(3) - المرجع نفسه: 17.
(4) - المرجع نفسه: 22.
(5) - المرجع نفسه: 25.
(6) - المرجع نفسه: 27.
(7) - المرجع نفسه: 33.
(8) - المرجع نفسه: 38.
(9) - المرجع نفسه: 45.
(10) - المرجع نفسه: 46.
(11) - المرجع نفسه: 63.
(12) - المرجع نفسه: 70.    
                                           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here