islamaumaroc

ابن أبي زيد القيرواني من خلال كتابه "متن الرسالة"

  عبد المجيد معلومي

العدد 364 ذو الحجة 1422/فبراير 2002

ابن أبي زيد القيرواني هو "أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن"، ولد بالقيروان سنة 310 هـ كما ذكره "ابن فرحون" في كتابه "الديباج"، وتوفي سنة 386هـ، وعمره 76 سنة.
نشأ وتربى ودرس "بالقيروان"، حفظ القرآن الكريم في الكتاب. وكان مؤدبه "الشيخ محرز بن خلف"، ثم انتقل إلى دراسة العلوم الشرعية، فألف "الرسالة" سنة 327هـ وهو ابن سبع عشرة سنة، وهذا يؤكد نبوغه المبكر في الفقه.
من أهم شيوخه الذين تتلمذ عليهم "ابن أبي زيد القيرواني"، وكان لهم أثر كبير في تكوينه الفكري:
1- "أبو بكر محمد بن محمد بن وشاح" المعروف "بابن اللباد" القيرواني المتوفى سنة 333هـ. وكان فقيها عالما باختلاف أهل المدينة وإجماعهم، وكان من أهل الحفظ والضبط، وممن روى عنه "زياد بن عبد الرحمن القروي" و"محمد ابن الناظور" و" دراس بن إسماعيل".(1)
2- "أبو الفضل العباس بن عيسى القيرواني"، كان فقيها فاضلا عابدا، يفهم علم الوثائق فهما جيدا ويناظر في الجدل وفي مذاهب أهل النظر، علم طريقة المتكلمين والفقهاء، ولم يكن في طبقته أفقه منه.
خرج إلى الحج سنة 317 فأقام عامه ذلك بمصر، ولزم مجالسة "أبي الذكر الفقيه" وأصحابه، وألف كتابا في تحريم المسكر. وله أيضا كتاب في قبول الأعمال، وكتاب اختصار كتاب محمد بن المواز.
قتل "أبو الفضل" في حرب العبيدين قرب "المهدية" في رجب سنة 333هـ ورثاه جماعة من العلماء بقصائد منهم: "ابن أبي زيد القيرواني".(2)
3- "الفقيه أبو عبد الله محمد بن مسرور العسال" المتوفى سنة 346 هـ.
4- "أبو محمد عبد الله بن أبي هاشم بن مسرور التجيبي" المعروف "بابن الحجام"، سمع من شيوخ إفريقية "كعيسى" و"محمد ابني مسكين" وغيرهما.
توفي سنة 346هـ محروقا. قال "القاضي عياض: " وكان سبب موته أنه صلى، فنعس فالتهمت النار ثيابه واحترق إلا موضع سجوده".
5- "أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم"، وكان جده "تمام بن تميم" من أمراء إفريقية، سمع أبو العرب من جماعة من أصحاب "سحنون" وأكثر رجال إفريقية.
كان رجلا صالحا، ثقة عالما بالسنن والرجال، كتب بخطه كثيرا في الحديث والفقه، يقال إنه كتب بيده ثلاثة آلاف كتاب وخمسمائة. سجن مع ولده مدة على يد "العبيديين". توفي في ذي القعدة سنة 333 هـ ومولده كان سنة 251هـ، وكان له ابنان:
أ‌) "أبو العباس تمام": سكن إفريقية.
ب‌)  و"أبو جعفر تميم": سكن الأندلس وروى بها كتب أبيه وغيرها، وكان يضعف، وتكلم فيه أخوه.(3)
6- "أبو عثمان سعود بن أحمد الخولاني" المتوفى سنة 324هـ، وهو ابن مائة سنة، صحيح العقل والبصر.(4)
7- "القفيه الأديب أبو القاسم حبيب بن الربيع" المتوفى سنة 339 هـ.(5)
8- العالم الزاهد "أبو الحسن حسن بن محمد بن حسن الخولاني" المتوفى سنة 347هـ.(6)
9- "أبو العباس عبد الله ابن إبراهيم بن إسحاق التونسي"، من حفاظ المذهب المالكي، توفي سنة 352 هـ، وقد قارب عمره مائة سنة.
10- "أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي" ، أول من أدخل مدونة "سحنون" إلى فاس، وعنه انتشر المذهب المالكي بالمغرب، توفي سنة 357هـ. ودفن خارج باب الفتوح بفاس.
تلامذة ابن أبي زيد القيرواني:
اتجهت أنظار طلاب العلم إلى "القيروان" لأخذ العلم والمعرفة عن ابن أبي زيد لما كانت له من شهرة واسعة ومكانة مرموقة في العلم، فتفقه عنه جيل من طلاب العلم، منهم:
1- "أبو بكر أحمد القيرواني" شيخ "فقهاء القيروان" في عصره، توفي سنة 432هـ.
2- "أبو القاسم خلف بن أبي القاسم الأزدي المعروف بالبرادعي"، من حفاظ المذهب المالكي، صاحب كتاب "التهذيب".
3- " أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني" الفقيه المقرئ، المتوفى بقرطبة سنة 437 هـ.
كما تتلمذ على ابن أبي زيد طلبة من "الأندلس" نذكر منهم:
- "أبا بكر محمد بن وهب القرطبي" المعروف "بالمقبري"، المتوفى بقرطبة سنة 406 هـ، له شرح رسالة شيخه ابن أبي زيد.(7)
- وكذلك القاضي "أبا عبد الله محمد بن يحيى ابن أحمد بن محمد التميمي" المتوفى سنة 410 هـ، من مؤلفاته:
* شرح الموطأ سماه "الاستنباط لمعاني السنن والأحكام من أحاديث الموطأ".
- الفقيه المفتي "أبا عمر أحمد بن محمد بن سعدي الإشبيلي المهدوي"، وغيره من التلاميذ الذين أخذوا عن هذا الفقيه الورع التقي الذي كانت له مكانة علمية ورسوخ في المذهب. فقد ذكروا أنه لم تجب عليه زكاة قط رغم ثروته الوافرة لكثرة إنفاقه في البر والإحسان.
توفي رحمه الله زوال يوم الاثنين 30 شعبان عام 386هـ كما ذكر "القاضي عياض" في المدارك.
قيل إنه توفي "بالقيروان" وحضر تشييع جنازته أعيان البلد وعامة الناس. دفن بداره، وقبره معروف إلى الآن بداره يزوره الناس.
* مكانة ابن أبي زيد ومؤلفاته:
يعد "ابن أبي زيد القيرواني" من كبار فقهاء "المالكية"، له مكانة علمية بشهادة العلماء، وكان إمام المالكية في وقته، وجامع "مذهب مالك" وشارح أقواله، كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك.
قال القاضي عياض عنه:
" كان إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، جامع مذهب مالك وشارح أقواله، وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح اللسان ذا بيان ومعرفة مما يقوله... لخص المذهب، وملأ تأليفه البلاد".
وقال "الحجوي" في كتابه "الفكر السامي".
" يعتبر من الطبقة العالية من المؤلفين، وعندي أنه أحق من أن يصدق عليه حديث "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها".
وقد بلغت مؤلفاته حوالي أربعين مصنفا أكثرها في "الفقه"، وإن كان قد ألف في أصول التوحيد، وكذلك رد على المخالفين للسنة.
فجل ما ألف هي مخطوطات موجودة في خزانات "المغرب" و"أوروبا" و"تركيا"، ولا نعلم من مطبوعاته إلا "الرسالة". أما مصنفاته فنجدها مذكورة في كتب الطبقات نذكر منها:
- كتاب: تهذيب العتيبية.
- كتاب: الاقتداء بأهل المدينة.
- كتاب: تفسير أوقات الصلاة.
- كتاب: في فضل قيام رمضان والاعتكاف.
- رسالة: إعطاء القرابة من الزكاة.
- كتاب: المناسك.
- مسألة: الحبس على أولاد الأعيان.
- كتاب: التنبيه على القول في أولاد المرتدين.
- كتاب: رد الرسائل.
- رسالة: في أصول التوحيد.
- كتاب: الثقة بالله والتوكل على الله.
- كتاب: المعرفة واليقين.
- كتاب: المضمون من الرزق.
- كتاب: البيان في إعجاز القرآن.
- رسالة: إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن.
- رسالة: في النهي عن الجدل.
- كتاب: حماية عرض المومن.
- رسالة: في الرد على القدرية ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي.
- رسالة: طلب العلم.
- رسالة: الموعظة والنصيحة.
- رسالة: الموعظة الحسنة لأهل الصدق.
وهناك مخطوطات أخرى ذكرها "ابن خلدون" كأحكام المعلمين والمتعلمين.
وبذلك تكون مؤلفاته قاربت الأربعين، أهمها على الإطلاق كتاب: "النوادر والزيادات على المدونة"، ويقال إنه أجمع كتاب في المذهب، أما المختصر فهو كذلك من أهم مؤلفاته، ويحتوي على خمسين مسألة كما قال "ابن النديم".(8)
ومن أهم كتبه كذلك كتاب "الرسالة" التي تأتي في الدرجة الثالثة بعد "الموطأ" و"المدونة" داخل المذهب المالكي.
ومقدمة "الرسالة" صريحة الدلالة على أن "ابن أبي زيد القيرواني" لم يتجه إلى تأليف "الرسالة" من تلقاء نفسه، بل سأله أحد شيوخه أن يفعل ذلك. وكتب "ابن أبي زيد" رسالته سنة 327هـ وهو في السابعة عشرة من عمره. ولم تكد الرسالة تخرج إلى الناس حتى تلقاها فقهاء عصره بالرضى والتقدير. قال "الدباغ" في كتابه: "معالم الإيمان":
"اشتهرت الرسالة في سائر بلاد المسلمين حتى بلغت "العراق" و"اليمن" و"الحجاز" و"الشام" و"مصر" و"صقلية" وجميع بلاد "إفريقيا" و"الأندلس" و"المغرب" و"بلاد السودان"، وتنافس الناس في اقتنائها حتى كتبت بالذهب. وأول نسخة منها بيعت "ببغداد" في حلقة "أبي بكر الأبهري" بعشرين دينارا ذهبا".(9)
من خلال هذه النصوص نجد أن مؤلف الرسالة كانت له مكانة علمية ودرجة تؤهله لأن يحسن التأليف ويجيد نظم الأفكار، خاصة أنه ألفها وهو في ريعان شبابه وعمره لا يتجاوز السابعة عشرة سنة، وهذا يدل على ذكائه ونبوغه، واستعداده الفطري لتقبل العلم والمعرفة، زيادة على ذلك أنه حاز على ثقة شيوخه، وبذلك شهد له الناس بالمكانة الرفيعة في العلم، وكان ذلك من الأسباب التي دفعت العلماء إلى أن يتسابقوا إلى اقتنائها.
فهذا "ابن ناجي" يحكي عن الرسالة فقال: "لما فرغ "ابن أبي زيد" من تأليفها كتب منها نسختين وبعث بواحدة إلى "أبي بكر الأبهري" ببغداد فأظهر الفرح بها وأشاع خبرها بين الناس وأثنى عليها وعلى مؤلفها، وأمر ببيعها، فبيعت بمائتي دينار، وبعث بالثانية إلى "أبي بكر بن أبي زرب" بقرطبة فأخفاها، وأخذ في تأليف (كتاب الخصال) عوضها ثم أظهرها بعد ذلك. فوصل صنيع "ابن زرب" إلى مؤلف الرسالة فشكا من سوء هذا التصرف.
والرسالة على صغر حجمها احتوت على أربعة آلاف مسألة، وأربعمائة حديث. وتعاقبت العصور على هذه الرسالة وهي في موضع التقدير والاهتمام، فقد اعتنى بشرحها والتعليق عليها عدد كبير من العلماء من الشرق والغرب. فكانت هذه العناية تأييدا لشهادة فقهاء عصره لها. وبلغ عدد شروحها مائة.
نذكر من هؤلاء العلماء الذين اهتموا بشرحها والتعليق عليها ما يلي:
1- "القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي" المتوفى سنة 422 هـ.
وقد ذكر "القلشاني" في مقدمة شرحه أن "القاضي عبد الوهاب" أول شارح للرسالة، فمدحها في أبيات قال فيها:
    رسالة علم صانها العلم النهد        قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد
    أصول أضاءت بالهـدى فكأنما      بـدا لعيون الناظرين بها الرشد
2- "أحمد بن محمد بن عبد الله القلشاني" المتوفى سنة 863 هـ، له: "تحرير المقالة في شرح الرسالة"، توجد نسخ منها لدى الخواص، وتحتفظ الخزانة العامة بالرباط بنسخة منها.(10)
3- "أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي"، له شرح ذكره "ابن فرحون" في كتابه "الديباج".
4- "القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي المعروف بالصغير" المتوفى سنة 719هـ.
5- "أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن يخلف" المتوفى سنة 939 هـ المصري الشاذلي، له شروح على الرسالة.
أ‌) غاية الأماني.
ب‌)  تحقيق المباني.
ت‌)  توضيح الألفاظ واالمعاني.
ث‌)  تلخيص التحقيق.
ج‌)  الفيض الرحماني.
ح‌) كفاية الطالب الرباني.
وهذا الأخير مطبوع ومتداول، وهو المعروف: "بشرح أبي الحسن"، وعليه كان الاعتماد في تدريس الرسالة "بجامع القرويين".
وتعدى هذا الاهتمام علماء المسلمين إلى غيرهم، إذ ترجمت الرسالة إلى اللغة الفرنسية والانجليزية.
أما مضمون الرسالة فقد لخصها مؤلفها في مقدمة كتابه حيث قال:
"أما بعد، أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه، فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب وتعلمه الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب "الإمام مالك بن أنس" رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك ... للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته، فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه."(11)
هذه هي رسالة "ابن زيد القيرواني" التي تبسط فيها مسائل التوحيد والعقيدة على طريقة مذهب السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم من أهل السنة والجماعة التي تعتمد النصوص المحكمة من "القرآن والحديث"، وتتجنب الخوص في بعض القضايا الشائكة والمسائل المشتبهة التي تكون مثار جدل منطقي اعتاد العلماء التعرض له في "مباحث التوحيد" و"علم الكلام"، كما بسط فيها أهم مسائل "الفقه وأحكامه" و"فروعه" و"جزئياته" في العبادات والمعاملات والفرائض والحدود وغيرها.
أما من حيث الشكل فقد صاغ المصنف محتوى الرسالة ومضمونها من مسائل العقيدة والفقه في قالب جذاب من وضوح العبارة وسلامة الأسلوب وروعة البيان، جعلها محل قبول وإقبال لدارسها.


(1)  ترتيب المدارك للقاضي عياض: 5/286.
(2)  نفس المصدر: 5/297.
(3)  ترتيب المدارك للقاضي عياض: 5/326.
(4)  نفس المصدر.
(5)  الديباج لابن فرحون ص: 104.
(6)  نفس المصدر.
(7)  الديباج لبن فرحون ص: 271.
(8)  فهرست ابن النديم.
(9)  معالم الإيمان للدباغ ك 3/137.
(10)  تاريخ المذهب المالكي للدكتور عمر الجيدي ص ك 201.
(11)  متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ص: 7-8.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here