islamaumaroc

جلسة مع بولس سلامة

  مصطفى الصباغ

8 العدد

على شاطئ البحر الزاخر بالمعاني، وفي مدينة بيروت الفاتنة، جوهرة لبنان الساحر، يوجد بيت الشاعر الكبير، والمفكر العبقري، الأستاذ بولس سلامة، وبولس سلامة أديب من كبار أدباء عصرنا وفيلسوف يغوص إلى الأعماق نافذا في لب المعنى، وشاعر بكل ما تحويه هذه الكلمة الجميلة من معنى، قمت بزيارتي الأخيرة إليه لاستمتع بحديثه، ولأ نهل من معينه الفياض، ولأستفيد من حكمته البالغة ولأ نقل إلى قراء (دعوة الحق) الأعزاء بعض الصور عن نفسية هذا الأديب الكبير، وبعض آرائه في مختلف الشؤون.

دخلت عليه غرفته، وهو على حاله منذ ما ينيف عن العشرين حولا، مستلق على فراش الألم والشكوى، يعاني من مرضه المستديم ما لم تفد فيه مباضع الجراحين وآلاتهم التي عملت في جسمه تسع عشرة مرة، فما زاده ذلك إلا رسوخا في فلسفة ألمه، ومعرفة بالحياة، ومع أنه على هذه الحال، طريح الفراش، وسمير الآلام، فإني كلما دخلت عليه لا أجده إلا باسما، تشرق أساريره بالبشر، ويفيض على جلسائه، وهم دائما كثير- أنسا وبهجة ما عليهما من مزيد.

رحب بي بولس كعادته، وراح يستفسرني عن أحوال المغرب.

ولأعطيك فكرة عن نفسية هذا الرجل أسوق لك بعض أسئلته عن المغرب، إنه لم يسألني عن سياسة الحكومة، ولا عن عدد الأحزاب، ولا عن أي شيء من هذا القبيل، إنه سأل عن فصل الربيع ومتى يبدأ عندنا بالضبط؟ وكم يدوم؟ وما هي أحب الزهور إلينا؟ وما هي المنطقة الأكثر اعتدالا ببلادنا؟ وهل توجد عندنا كل أنواع الفاكهة التي بلبنان إلخ....

وانتقلنا إلى حديث الأدب، فسألت بولس: هل يوجد تفاعل بين الأدب العربي في شتى الأقطار العربية؟
فأجاب بالإيجاب، وقال: إن هذا التفاعل يبشر بخير كبير، وهو خير وسيلة لتوحيد المفاهيم بين أدباء العربية لسلوك السبل القويمة لخدمة الأدب العربي.

وسألته عن رأيه في الاتجاهات الأدبية الحديثة وفي الشعر الحر المطلق، قال: هذه فوضى، ويجب أن توضع الأسس التي لا يتعداها الأديب إلى الإسفاف والتبذل، أما هذا المسمى بالشعر الحر، فسمه ما شئت، إلا أن يكون شعرا، قل إنه نثر فني، فقد عرف تاريخ ألأدب العربي مثل هذا عند الجاحظ، وابن المقفع، أما أن تطلق عليه لفظة شعر فالشعر يكون موزونا ومقفى، ومع هذا فإني أحبذ أدبا كأدب ألبير أديب ومحمد الصباغ، لأنه رصين وله أسس فنية.

ثم استدرت نحو الخزانة العامرة فلمحت ترجمة للقرآن الكريم بالفرنسية، فسألته عن أحسن ترجمة في نظره للقرآن، فقال: مع أني لم أطلع على أحدث التراجم، فإن ترجمة القرآن شيء مستحيل، ليس هناك ترجمة بل هناك مسخ، واعتدل بعض الشيء في مكانه ليلفظ بالفرنسية ترجمة البسملة، وابتسم قائلا: أهذه حقيقة هي ترجمة البسملة؟ ألفاظ مرصوفة ليس فيها رونق... وعاد إلى جده قائلا: كيف تستطيع أن تنقل من العربية إلى الفرنسية قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى‏ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى: 2-3]؟ وكيف تستطيع أن تترجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى...إلخ) [النجم: 1-3]؟ كيف يمكنك أن تنقل هذه الرنة الموسيقية السحرية، كيف تستطيع نقل المعاني البلاغية السامية؟ هذا شيء غير ممكن، بل مستحيل.
 
وفي مجال الحديث السياسي سألت بولس عن رأيه في المشاكل العربية، وكيف يمكن حلها، فقال: إن حل مشاكل العرب في اتحادهم، إنه من الضروري أن يتوحد العرب في الميادين الثقافية والاقتصادية والسياسية، لأن ذلك يحقق لهم المنعة والسؤدد، وقد شعر العرب بهذه الضرورة، وإني متفائل من توحيد المناهج القضائية، وبالاتحاد النسائي العربي، وأرجو أن يتبع ذلك توحيد الأطر الثقافية، وتابع كلامه: إن مصلحة العرب الكبرى تكمن في موقفهم الحيادي بين الكتلتين الشرقية والغربية، وفي محافظتهم على الوديعة الروحية التي هي رسالات السماء التي اختار لها الله هذا الشرق العربي، إن الخير كل الخير في التمسك بالإيمان ونبذ الأفكار الأحادية الدخيلة، ولا ضير على العرب إن هم نظموا علاقات حياتية مع الشرق أو الغرب، مع المحافظة على كيانهم المستقل وعلى كرامتهم وعزتهم.

لقد انتهى حديث بولس سلامة، ولكني ما أنهيت حديثي معك- قارئي العزيز- إني أريد أن أطلق أضواء على إنتاج سلامة وأدبه، لتتيقن أنه لايزال بين صفوف أدبائنا المعاصرين من يمثل المتنبي في حكمته، والغزالي في فلسفته، وأبا زيد الطائي في جزالته.

إن أحسن إنتاج لبولس في نظري هو ملحمته الخالدة (عيد الغدير) وهي أول ملحمة في لغة الضاد، وتعد بما ينيف عن 3500 بيت، تناول فيها أهم نواحي التاريخ الإسلامي، وخصوصا ما يتعلق بالهاشميين والأمويين، وقد مدح فيها آل بيت النبي الأكرمين وخصوصا الإمام علي كرم الله وجهه، وقد جاءت جوهرة غالية ستبقى مشعة في جبين الأدب العربي ما بقي هذا الأدب، وهاك بعض الأبيات من المقدمة يمدح فيها عليا:
هات يا شعر من عيونك واهتف        باسم من أشبع السفاسـف ريا
باسم زين العصور بـعد نبي            نور الشرق كوكبا هاشمـيا
خير من جلل الميادين غارا            وانطوى زاهدا ومات أبـيا
كان رب الكلام من بعد طه            وأخاه وصـهره والوصـيا
بطل السيف والتقى والسجايا          ما رأت مثله الرماح كميا

ويتابع نظمه السجي، فيصف بطولة المسلمين متغنيا بها، واضعا النقاط على الحروف في انتصاره للمحق وعوده باللائمة على الظالم، إلى أن يشرف على نهاية ملحمته، فيأبى إلا أن يتمها بقوله:
يا أمير الإســلام حسبـي فخرا        أنني منك مالئ أصغـريا
جلجل الحق في المسيحي حتى       عد من فرط حبه علـويا
أنا من يعشق البطولة والإلـ            هام والعدل والخلاق رضيا
فإذا لم يكـن على نبيا                    فلقد كـان خلقه نبـويا
يا سماء اشهدي  ويا أرض قري       واخشعي أنني أردت عليا.

هذا ختام الملحمة، وتلك فاتحتها، أما المعاني البطولية والجمالية فهي داخل الملحمة أخذت كل صفحة منها النصيب الوافر، فالمديح الطري في قصيدته ( أهل البيت) التي يدبجها بقوله:
عترة الطهر يا ورود الخمائل          عطر الجو بالسنا والفضائل
يا شروق الأنوار في غيهب الأز      مان ظلي على العصور مشاعل

والرثاء المبكي في قصيدته ( رثاء أمير المؤمنين) التي ديباجتها:
غاب ضوء النهار قبل انقضائه      هات يا شعر أدمعا لرثائه

أما الشكوى والأنين والاستعطاف، فقد بلغ فيها بولس سلامة الذروة العليا في (صلاة) التي من جملة ما جاء فيها:
يا مليك الحياة أنزل عليا            عزمة منك تبعث الصخر حيا
جود كفيك إن تشا يملأ العيـ        ـش نماء ويفرش الجذب فيا
واهب النور والندى للروابي       أولني من جمال وجهك شيا
طال في منقع العذاب مقامي        واستراح الشقـاء في مقلتيا
فنسيت النهار من طول ليلي        أترى الليل شرعك الأبديا؟

هذه صور جد باهتة عن أديب العربية الخالد بولس سلامة من خلال جلسة قصيرة بجانب سريره الذي يقول فيه:
إن حظي من الحياة سرير       صرت منه فلم يعد خشبيا

ومن خلال ملحمته الخالدة على الزمن (عيد الغدير). وليكن لك قارئي العزيز موعد مع مؤلفات بولس، فإن له في الفلسفة كتاب (الصراع في الوجود) وله ديوان (عيد الرياض) و(مذكرات جريح) وكل كتاباته نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here