islamaumaroc

مهام المجالس العلمية من خلال خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله -قراءة في المضامين-

  أحمد بودهان

360 العدد

كان يوم الجمعة 18 رمضان 1421 هـ موافق دجنبر 2000 يوما مشهودا من أيام الله، لأنه عيدا في عيدين :
أولهما : العيد الأسبوعي للأمة الإسلامية كما هو معلوم، لأن الجمعة عيد المؤمنين.
وثانيهما : وهو بيت القصيد – يوم اللقاء والفرحة والبعث والتجديد والتدشين والتنصيب، مما يثلج صدور المواطنين عموما، وسكان مدينة تطوان الجميلة خصوصا.
ففي مساء هذا اليوم- والكل صائم وقائم- تفضل صاحب الجلالة الشاب الصالح والمصلح حفظه الله، فدشن عدة مشاريع اجتماعية وإنسانية، تهم المعوزين بصفة خاصة. كعادته في هذا الشهر المبارك..شهر رمضان المعظم،حتى أصبح يلقب بملك الفقراء، ويذكرنا بزمن عمر بن الخطاب...
أقول في مساء هذا اليوم الأغر توجه جلالة الملك إلى قصر الولاية لمدينة تطوان، فأزاح ستار لوحة بداية العمل داخل أروقته وهياكله فكان- بحق- مشروعا ضخما من الروعة والفخامة، كما كان آية من آيات الفن المعماري المغربي الأندلسي، فإذا هو معلمة حضارية عمرانية نادرة في هندسته ورونقه وجماله، مما جعل الملك حفظه الله يختاره ليكون الأنسب لاحتضان علماء المملكة الذين رافقوا جلالته إلى هذا القصر الولائي لتدشينه، ثم الإعلان عن الحدث الهام الذي نحن بصدد الكلام عنه بخصوص اهتمام جلالته بمكانة العلم والعلماء، والمجالس العلمية، نعم بعد أن أدى جلالة الملك صلاة الجمعة بمسجد المدينة، مسجد تطوان العريق، مرفوقا بشقيقه الأمير مولاي رشيد وعلماء المملكة توجه الجميع إلى قصر الولاية لتدشينه كما أسلفنا...
وفي رحاب هذه المعلمة الحضارية والعمرانية الجديدة، وفي إحدى قاعاته الفخمة، جمع جلالة الملك علماء الأمة، وكل المسؤولين من الأطر العاملة في مجال التوجيه الديني بالمملكة، يتقدمهم السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري فأعلن جلالته في خطابه السامي، المنقول عبر كل وسائل الإعلام الوطنية عن ذلك المشروع الجديد والمتجدد، الذي يعتبر بمثابة نفخ روح جديدة في حياة الأمة المغربية من الناحية الروحية والمثالية والسلوكية والدينية، ويتعلق الأمر بتنصيبه حفظه الله "للمجلس العلمي الأعلى" وتجديده "للمجالس الإقليمية" ونظرا لأهمية الحدث، وخاصة في مجال المحافظة على الدين والأصالة والرموز الوطنية المقدسة، فإنني أردت أن أساهم مساهمة متواضعة، لتخليد هذا الحدث على صفحات مجلة "دعوة الحق" ليبقى كوثيقة مرجعية، ولو من باب التذكير وخصوصا وقد كنت من جملة المدعوين المعنيين بالأمر، فعشت الحدث عن كتب، وليس الخبر كالعيان...
وهكذا كنا جميعا نتابع باهتمام كلام أمير المؤمنين وننصت إلى فقرات خطابه السامي، وفي مقدمتنا السيد وزير الأوقاف، والشؤون الإسلامية الساهر الأمين على تنفيذ توجيهات جلالته دائما في هذا المجال، وتنحصر مساهمتي المتواضعة هاته حول الخطاب الملكي المشار إليه، في تحليل بعض فقراته، بعد القراء والتأمل للوقوف، ولو نسبيا على أبعاده وأهدافه ومراميه مفهوما ومنطوقا وإشارة وتلميحا، من أجل تحديد الخطوط العريضة، المكونة للمنهج المطلوب اتباعه في سياسة التوجيه الديني الملتزم الذي يريده جلالته ويحث عليه، جريا على عادة أسلافه، وتتميما لرسالة والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه في هذا المجال الديني...
وهذا الخطاب ينقسم إلى فقرات حسب أفكاره ومضامينه الهادفة، طبقا لما تقتضيه منهجيته المركزة والواضحة التي تتبعناها من خلال قراءة جلالته للنص...
كما سأحاول تحليل أفكار كل فقرة على حدة، وبالتالي تحديد المنهج الكامل الذي تجب مراعاته والالتزام به في توجيهنا الديني روحيا وسلوكيا وإنسانيا واجتماعيا، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب، وذلك من أجل أن نتمكن فعلا من أن نتعامل تعاملا حواريا موضوعيا منطقيا مقنعا هادئا مع كل ما يجري حولنا على الساحة العالمية من تيارات وتحديات، ونحن نعيش زمن العولمة، وعصر التكتلات والحريات وحقوق الإنسان وشبكات الإنترنيت المتطورة.
وهكذا فإنني سأبدأ بنقل نص الفقرة الأولى من خطاب جلالته، ثم أعقب ذلك بمحاولة لشرح وتحليل ما ورد فيها من إعطاء العنوان المناسب لكل الفقرات وفي الأخير استنباط المنهج الكامل لفلسفة التوجيه الديني الشامل والكامل في فكر جلالة الملك محمد السادس، ذلك المنهج الذي يجب علينا أن نفهمه ونتفهمه ونبلغه للناس بكل أمانة وصدق...
- الفقرة الأولى من الخطاب الملكي :
قبل تحليل مضامين هذه الفقرة الأولى من الخطاب الملكي السامي، واستنتاج التوجيهات السامية التي تشمل عليها الفقرة- نورد نصها الذي يقول فيه جلالته على الخصوص بعد الافتتاح ما يلي :
"إننا نسعى إلى بعث جديد لهذه المجالس حتى تواكب التطور الذي يعرضه المجتمع المغربي، وما نتطلع إليه من إصلاح وتغيير...".
من مهام المجالس العلمية التجديد لمواكبة التطور...
بالرغم من قصر العبارة في هذه الفقرة الأولى من خطاب جلالة الملك فإن الذي يبدو واضحا أن جلالته (حفظه الله) قد بين صراحة الهدف الأسمى من تنصيبه للمجلس العلمي الأعلى، وتجديده للمجالس العلمية الإقليمية،
ويتعلق الأمر برغبة جلالته في نفخ روح جديدة في هذه المجالس وبعث حيوية وديناميكية في أرجائها لتحل محل بعض الهياكل القديمة، التي طال عليها الأمد منذ بداية الثمانينيات...
نعم...إن الذي يتبع كلام جلالته ويحلله تحليلا موضوعيا على ضوء سنة الحياة الخاضعة دائما للتطور والتغيير والتجديد ليستنتج أن عهد جلالته عهد "التغيير" في كل شيء، وعهد التجديد في الهياكل التقليدية العتيقة وعهد مسايرة الظروف حسب مقتضيات العصر الحديث والتغيير الذي يراه جلالته هو تغيير في المفاهيم والعقليات والفروع وما إلى ذلك من الأمور القابلة للتجديد والتطوير، مع المحافظة على الأصول والجذور والمقدسات وذلك على أساس أن الإسلام دين مرونة وتجديد، ودين حضارة وتغيير من حسن إلى أحسن، لذا توجه جلالته في بداية خطابه إلى العلماء بقوله : "إننا نسعى إلى بعث روح جديدة لهذه المجالس حتى تواكب التطور الذي يعرفه المجتمع".

• الفقرة الثانية من الخطاب الملكي :       
"...إننا نريد من مجالسنا العلمية أن تكون مجالا رحبا يتيح للعلماء أن يؤدوا رسالتهم الدينية والوطنية، بدءا بتأطير المواطنين والمواطنات أينما كانوا لتحصين عقيدتهم وحماية فكرهم، وإنارة عقولهم وقلوبهم بما يجعلهم مؤمنين ملتزمين بدينهم ومقدساتهم غير مهددين بتيارات التشويه والتحريف...".

• من مهام المجالس العلمية تأطير المواطن ليتحصن دينيا.
وفي هذه الفقرة الثانية نجده (حفظه الله) يواصل الكلام موضحا الهدف الذي أشار إليه في العبارة السابقة من كونه يتمثل في الرغبة في التغيير والتطوير، إلا أنه يحتاج إلى التأطير العام لكل المواطنين والمواطنات،حتى يدركوا جوهر دينهم، ويقبلوا على ما هو أهم، ويتركوا الشكليات وبذلك تتحصن عقيدتهم ويترسخ إيمانهم، وتزداد ثقتهم بالعلماء، وبالتالي يصبح المواطن ملتزما دينيا وأخلاقيا وسلوكيا، ومحبا لدينه ووطنه ومقدرا لرموزه ومقدساته.
لذا يقول جلالته ; "إننا نريد من مجالسنا العلمية أن تكون مجالا رحبا يتيح للعلماء أن يؤدوا رسالتهم الدينية والوطنية بدءا بالتأطير..." ثم يوضح جلالته (حفظه الله) "أن تأطير المواطنين والمواطنات من طرف العلماء يجعلهم قادرين على مواجهة تحديات العصر، وبالتالي يكونون محصنين تجاه كل تحريض أو تشويه".
وفي هذا المجال يقول جلالته : "...وبهذا التأطير للعلماء يكون المواطنون غير مهديين بتيارات التشويه والتحريض".
فهذه الفقرة الثانية من خطاب جلالته تحمل المجالس العلمية مسؤولية تأطير المواطنين دينيا وروحيا حتى يصبحوا قادرين على تحدي كل التيارات الدخيلة والهدامة وما أكثرها... !

* الفقرة الثالثة من الخطاب الملكي :
"...وهذا يقتضي توسيع نطاق الوعظ والإرشاد والدروس التوجيهية والمساهمة الفاعلة في دروس محو الأمية التي أمرنا بفتح المساجد لها والمواظبة على تنظيم دورات تكوينية وتدريبية للقيمين الدينيين بتنسيق مع  وزارتنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية مع ضرورة الاهتمام بالمرأة وإشراكها في المجالات الحيوية التي هي جديرة بالإسهام فيها...".

* من مهام المجالس العلمية توسيع دائرة الوعظ والإرشاد :
وفي هذه الفقرة نجده (حفظه الله) يتحدث عن توسيع نطاق عمل المجالس العلمية من مجال الوعظ والإرشاد وتعميم الدروس الدينية وبذلك لهذه المجالس أن تكون في مستوى التحديات وفي مستوى مواجهة تلك التيارات المذكورة آنفا...
ولكي يحصل التحدي لا بد من التأطير والتكوين والتوعية، ولكي يحصل هذا التأطير لا بد من توسيع نطاق الوعظ والإرشاد، حتى يشمل محاربة الأمية ويعم المساجد ويشمل أيضا تكوين القيمين الدينيين تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
كما أشار خطاب جلالته إلى الاهتمام بالمرأة ضمن اهتماماته المجالس العلمية...
ومن شأن هذا التوسيع في مجال الوعظ والتكوين والتدريب، ومحو الأمية بإشراف المجالس العلمية يمكن استقطاب أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع والفعاليات...
وفي هذا يقول جلالة الملك : "...وهذا يقتضي توسيع نطاق الوعظ والإرشاد والدروس التوجيهية"..إلى آخر ما ورد في الفقرة أعلاه...

* الفقرة الرابعة من الخطاب الملكي :
"وحتى تتحقق الغايات الإيجابية التي نتوخاها من رسالة المجالس العلمية فإن عليها أن تكون القدوة والمثال وأن تعكس روح الإسلام القائمة على الوسطية والاعتدال والدعوة إلى التعارف والتعاطف والتراحم مما يتطلب اعتماد منهج الحوار والاقتناع والتبليغ بالتي هي أحسن وكذلك العناية إلى جانب الفروض والطاعات بقضايا السلوك والمعاملات وما يحث على نشر الفضيلة ويقوي الإيمان بالمقدسات مع التركيز على التيسير، والابتعاد عن التعسير مصداقا لقوله تعالى : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"".

* من مهام المجالس العلمية مراعاة الحكمة والوسطية...
في هذه الفقرة نجد جلالته يذكر علماء المملكة الذين حملهم مسؤولية تسيير المجالس العلمية بأن يستعملوا دائما الحكمة أثناء تأدية واجبهم الديني وأن يكونوا مثاليين في سلوكهم وأخلاقهم وتعاملهم مع المواطنين حتى يصبحوا قدوة لغيرهم كما ينصحهم جلالته باعتماد الوسطية والاعتدال رأفة ورحمة بالناس وأن يعتمدوا منهج الحوار والإقناع دون تشدد أو تعصب، وبذلك يكسبون ثقة الناس بهم، كما يحثهم جلالته على استعمال أسلوب التخفيف والتيسير دون تعسير طبقا للآية : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
وكل هذه التوجيهات الغالية من جلالته تندرج في مفهوم "الحكمة" في قوله سبحانه "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة".الآية.
والحكمة تعني العلم، وتعني الفهم وتعني مراعاة أحوال الناس ومستواهم الفكري والاجتماعي..الخ.
لأن العلماء من واجبهم استعمال الحكمة، أي استعمال الطريقة المناسبة التي تتلاءم وأحوال الناس أثناء وعظهم وإرشادهم وبذلك تتحقق الغايات.

* الفقرة الخامسة من الخطاب الملكي :
"ولن يتسنى لهذا العمل التربوي التأطيري أن يكتمل إلا إذا كانت المجالس حاضرة في مختلف الميادين العلمية والاجتماعية ليتجلى دورها في المسجد والنادي وأجهزة الإعلام والمؤسسات الثقافية عامة إضافة إلى مقراتها التي ينبغي أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين
والمواطنات للإجابة على أسئلتهم المتعلقة بدينهم وتطبيقه في حياتهم الخاصة العامة والتوفيق بينه وبين مستجدات العصر..".

* من مهام المجالس الأساسية الحضور في الساحة وداخل المقرات :
يرى جلالة الملك في هذه الفقرة أن مهمة المجالس العلمية هاته، لا تؤتي أكلها المتوخى منها ولا يمكن أن تقوم بواجبها كما أشرنا إلا إذا فرضت وجودها وأثبتت حضورها على الساحة والمراد بحضور المجالس العلمية بتجاوبها مع الجمهور وتلبية مطالب وحاجيات المواطنين بخصوص أمورهم الدينية والاجتماعية والأخلاقية وهذا الحضور الذي يريده صاحب الجلالة ميدانيا من المجالس العلمية من شأنه أن يجعل هذه المجالس توسع دائرة عملها ليشمل الجاني الثقافي والفكري والاجتماعي بالإضافة إلى التوعية الدينية الهادفة والمركزة وبالإضافة إلى هذا الحضور المطلوب من المجالس العلمية على الساحة في كل مختلف المجالات ميدانيا يأتي الأمر الآخر من جلالته لهذه المجالس بوجوب حضورها إداريا حسب توقيت زمني منظم يوميا حتى يتمكن المواطنون من قضاء أغراضهم فورا حين يتوجهون إلى المجالس العلمية.
وفي وجوب هذين الحضورين المعنوي والحقيقي لهذه المجالس العلمية يقول جلالته : "ولن يتسنى لهذا العمل أن يكتمل إلا إذا كانت المجالس العلمية حاضر..."الخ.

* الفقرة السادسة من الخطاب الملكي :
"...إننا لنرى أن تنهض المجالس العلمية بأمانة الإفتاء في النوازل الطارئة، وأن تنكب على هذه المهمة الملحة والعسيرة بروح جماعية يمكن الوصول بها إلى إجماع في الرأي بعد العرض على المجلس العلمي الأعلى".

* من مهام المجالس العلمية الملحة "الإفتاء"
هنا في هذه الفقرة القصيرة بالذات والتي تعمدنا تخصيصها بحيز معين رغم أنها عبارة فقط قد لا تصل إلى حد فقرة نجد أن جلالة الملك يركز فيها على أهم مهمة من مهام المجالس العلمية ألا وهي مهمة "الإفتاء" إذ يلح على هذه المجالس أن تنهض بهذه الأمانة التي وصفها جلالته (حفظه الله) بالعسيرة وبالملحة وبالأمانة علما منه أن إصدار الفتوى ليس أمرا عشوائيا يأتي كيفما اتفق، يحتاج إلى إطلاع واسع من جهة، وإلى معرفة الوقوف على الأشباه والنظائر والقرائن من جهة أخرى، وإلى آراء وأقوال علماء المذهب في النازلة المطروحة مع مراعاة ما يمكن أن يوجد من الخلاف داخل المذهب أحيانا وكذلك مراعاة حالة المستفتي وفهم كلامه وغرضه من الفتوى..الخ لذا يقترح جلالة الملك فيما يخص الفتوى أن يكون هناك تعاون بين العلماء وتنسيق بين المجالس بخصوص بعض الأمور الحساسة والمستعصية من القضايا والنوازل المستحدثة للناس حسب تطور الحياة العصرية ثم عرض ثم عرض هذه الفتاوى على أنظار المجلس العلمي الأعلى بغية الوصول إلى ما يمكن أن نسميه –ولو تجاوزا- بالإجماع..
على الأقل الإجماع الوطني أو المحلي، أو نقول إنه اتفاق علماء المغرب خاصة.

* الفقرة السابعة من الخطاب الملكي :
"وبذلكم يمكن للمجالس أن تساهم في إيجاد نهضة علمية، وأن تقدم صورة حقيقية عن الإسلام وتواجه الضلالات وأن ترفع التحديات".

* من مهام المجالس العلمية إعطاء صورة حقيقية عن الإسلام :
وهكذا تأتي هذه الفقرة أو عبارة من كلام جلالة الملك في خطابه السامي لنفهم أن المجالس العلمية لا يمكن أن تؤتى أكلها وأن تثبت وجودها وأن تعبر عن حضورها في الساحة إلا إذا برهنت بشكل قاطع على مستواها في مختلف الميادين سواء تعلق الأمر بالتأطير العام المشار إليه أو تعلق الأمر بتوسيع دائرة الوعظ أو تعلق الأمر باستعمال الحكمة أو الحضور المعنوي والفعلي ميدانيا وإداريا أو تعلق الأمر بأمانة الإفتاء...
صورة حقيقية عن وجودها فعلا وبالتالي تعطي صورة حقيقية عن ديننا الإسلام...
وهذا في حد ذاته يجعلنا في مستوى التحديات وفي مستوى واجهة كل التيارات...الخ.

* الفقرة الثامنة من الخطاب الملكي :
"...لقد كان المغرب خلال تاريخه الحافل المجيد حصنا منيعا وقلعة عالية للإسلام وإننا لحريصون على أن يبقى كما كان البلد الذي يتمثل فيه الدين راسخا قويا باعتباره مكونات هويتنا ومقومات شخصيتنا في تشبثنا بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وطريقة السلوك السني الهادف إلى تقويم النفوس وتنقية الضمائر مما كفل لبلادنا وحدتها وطمأنينتها".
* من مهام المجالس العلمية الجوهرية المحافظة على "الهوية" الوطنية : 
هنا في هذه الفقرة الثامنة من خطاب جلالة الملك (حفظه الله) يذكر المغاربة عموما وعلماء الأمة الممثلين في هذه المجالس العلمية خصوصا بضرورة المحافظة على التراث انطلاقا من محافظتنا على هويتنا وشخصيتنا وأصالتنا وثقافتنا وذلك على أساس أن المغرب كان ولا يزال عبر التاريخ القلعة الصامدة والحصن الرابط لحماية رموزه ومقدساته من جهة والدفاع عن عقيدة الإسلام ضد كل تيار أو دخيل بل إن المغاربة هم الذين نشروا راية الإسلام في الأندلس وفي أوروبا وكذلك في تخوم إفريقيا...
لذا يذكر جلالة الملك علماء الأمة بهذه المواقف التاريخية للمغرب حتى يواصلوا رسالتهم في الحفاظ على هذه المكانة التي يتبوأها المغرب تاريخيا ودينيا وحضاريا وبالتالي المحافظة على الهوية والأصالة والتراث وخاصة ما يتعلق بالتراث وخاصة ما يتعلق بالثالوث الثلاثي المغربي الشهير منذ قرون وقرون والمتمثل في المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والسلوك التصوفي السني، وقد جمع ذلك ابن عاشر (رحمه الله ) في منظومته بقوله :
"في عقد الأشعري وفقه مالك
  وفي طريقة الجنيد السالك"
وبهذه المحافظة على هذه الهوية المغربية نكون قد حافظنا على وحدتنا ورموز مقدساتنا...

* الفقرة التاسعة من الخطاب الملكي :
"وإن العلماء الذين هم النواب عن أمير المؤمنين في تبليغ أحكام الشرع، كانوا على مدى العهود وما زالوا في طليعة بناة الوطن وحراس كيانه والمدافعين عن مقدساته خداما للعرش الذي هو الدعامة لاستمرار الأمن والاستقرار، وكانو بصدق وإخلاص وولاء ووفاء وبمساندة عفوية وتلقائية متجاوبين مع ملوكه الذين هم حماة الوطن والدين ورموز الشرعية والسيادة".

* من مهام المجالس العلمية المحافظة على أمانة العهد...عهد البيعة...
ويستمر جلالة الملك في خطابه السامي أمام علماء الأمة ويذكر الجميع (حفظه الله) بذلك التجاوب التلقائي والحب المتبادل بين الراعي والرعية عبر تاريخ المغرب، وفي كل عهد من عهود ملوكه العظام ولاسيما علاقة العلماء بهؤلاء الملوك والأمراء طبقا لعهد البيعة..
وفي هذا الصدد يشير جلالة الملك إلى تلك الثقة الغالية التي يتمتع بها العلماء والتي هي متبادلة دائما بين العرش والمجالس العلمية باعتبار أن أمير المؤمنين في الشرع بالإضافة إلى كونه القائد الأعلى في الأمة، والساهر على مصالح شعبه الدينية والدنيوية طبقا لمفهوم الخلافة والبيعة في الإسلام...
ويذكر جلالة الملك في هذه الفقرة علماء المجالس العلمية، بأنهم النواب الشرعيون عن الملك في أمور هامة وحساسة جدا، منها قيامهم بتبليغ أحكام الشرع للناس نيابة عن أمير المؤمنين ومنها المحافظة على العهد بين الملك والشعب وهو عهد البيعة ومنها الطاعة لأمير المؤمنين ومنها المحافظة على الولاء والوفاء وبذلك يسود الأمن ويعم الهدوء والاستقرار والمحافظة على رموز هذا الوطن.

* الفقرة العاشرة من الخطاب الملكي :
...إننا ونحن ننصبكم في المجلس العلمي الأعلى رؤساء وأعضاء المجالس العلمية الإقليمية نحملكم مسؤولية دينية ووطنية سامية، ولنا اليقين أنكم بعون الله وتوفيقه ستنهضون بها على النحو الذي به تبلغون ما نطمح إليه من غايات.."وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين" صدق الله العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

* من مهام المجالس العلمية الرئيسية الاضطلاع بالمسؤولية التي حملهم إياها الملك :
ويختم جلالة الملك (حفظه الله) خطابه السامي هذا والذي كان موجها أساسا إلى علماء الأمة بمناسبة تنصيبه (رعاه الله) للمجلس العلمي الأعلى وتجديده للمجالس العلمية الإقليمية...يختم خطابه بهذه الفقرة الأخيرة منه، والتي يذكر العلماء فيها بهذه المناسبة العظيمة مناسبة تنصيبهم في مهامهم تلك وفي نفس الوقت يحملهم مسؤوليتهم كاملة وهي مسؤولية مزدوجة دينية ووطنية...
ثم يبين جلالته للعلماء أنه حفظه الله واثق كل الثقة بأن العلماء سيقومون بمهامهم المذكورة على أحسن وجه إن شاء الله من أجل تحقيق الأهداف والغايات المتوخاة منهم، ويختم الخطاب بالآية الكريمة التي يأمرنا الله فيها بالعمل وبلا عمل لا نصل إلى أي شيء.
ولا شك أن السادة العلماء كلهم يجيبونه بلسان الحال، ويقولون "سنكون عند حسن ظنكم يا أمير المؤمنين".
هذه هي أهم فقرات خطاب جلالة الملك بمناسبة تنصيب المجلس العلمي الأعلى ورؤساء المجالس العلمية، وهذه هي تحليلاتنا المختصرة لكل فقرة من فقراته التي أعطينا لكل واحد منها عنوانها المناسب والآن ننتقل إلى تلخيص المنهج العام للتوجيه الديني المستوحى من خطاب جلالته.

* خلاصة المنهج الملكي في التوجيه الديني من خلال خطابه السامي الموجه لعلماء الأمة :
بعد أن أوردنا نص الخطاب الملكي السامي مقسما إلى عشر فقرات وبعد أن وضحنا باختصار مضمون كل فقرة على حدة نحاول الآن جمع أطراف مضامين الخطاب ككل، لتحديد
الخطوط العريضة للمنهج الكامل للتوجيه الديني في الخطاب الملكي فنجده يشمل التوجيهات التالية :
أولا : في بداية الخطاب يبين جلالته الغاية من تنصيبه لهذه المجالس العلمية وذلك من أجل بعث روح جديدة لهذه المجالس حتى تواكب التطور الذي يعرفه المجتمع.
ثانيا : نجد جلالته يرى أن تحقيق الهدف المذكور يحتاج إلى تأطير المواطنين دينيا وبالتالي يصبح محصنا عقديا ويستطيع أن يواجه التحديات وتلك هي أولى مسؤوليات العلماء في هذه المجالس العلمية...
ثالثا : يرى جلالته أن التأطير يقتضي توسيع دائرة الوعظ حتى يشمل كل شرائح المجتمع من المسجد إلى النادي إلى التكوين والتدريب للقيمين مع إشراك المرأة والكل يتم بتنسيق مع الوزارة الوصية وهي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وبذلك تتسع مهام العلماء في هذه المجالس...
رابعا : إن جلالته يرى أن تحقيق التأطير  عن طريق توسيع الوعظ يقتضي أن يتحلى علماؤنا بالحكمة في أداء مهامهم، وأن يكونوا قدوة ومثالا يحتذى مع مراعاة روح تعاليم الإسلام القائمة على الوسطية والاعتدال وهذه مهمة أخرى للمجالس العلمية...
* خامسا : يلح جلالته في خطابه على حضور العلماء في الساحة وخاصة الحضور الفعلي الميداني الذي يعبر عن المستوى اللائق بهم كعلماء الأمة وأن يظهر حضورهم هذا في كل ناد، بجانب حضورهم الإداري للتسيير اليومي ويعتبر هذا "الحضور" بمفهوميه : المعنوي والحقيقي في خطاب جلالته من أهم مهام علماء المجالس...
سادسا : يشير جلالته في خطابه هذا الموجه لعلماء الأمة إلى مهمة أخرى من المهام الحساسة التي يجب على العلماء أن يعتنوا بها ألا وهي مسألة "الإفتاء" ويعتبر من أجل وأخطر مهام المجالس العلمية...
سابعا : يرى جلالته أن هذا المنهج المقترح في التوجيه الديني، إذا طبقه علماؤنا كما ينبغي فسوف يعطي ولا شك الصورة الحقيقية للإسلام وبذلك تواجه الضلالات والتحديات...
ثامنا : وهنا تأتي مسألة "الهوية" في خطاب جلالة الملك ليلح فيها على التمسك بتراثنا وشخصيتنا وثقافتنا وعلى علماء الأمة المحافظة على ذلك وخاصة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني بجانب المحافظة على رموز الوطن ومقدساته...
تاسعا : نجد أن خطاب جلالته في الفقرة التاسعة يذكر رعاياه عموما وعلماء الأمة خصوصا بالمحافظة على الأمانة والثقة والحب المتبادل بين العرش والشعب من أجل دوام الاستقرار واحترام البيعة...
عاشرا وأخيرا : يختم جلالته خطابه بالتذكير بثقل المسؤولية التي حملها لعلماء الأمة، ويتمنى أن يقدروها
 حق قدرها وله –حفظه الله- كامل اليقين في أن علماء المجالس العلمية سينهضون بهذه المسؤولية وسيضاعفون العمل في شأنها ثم يختم جلالته بالآية :
"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم.
تلكم كانت أهم الخطوط العريضة للمنهج الملكي في فلسفة التوجيه الديني من خلال خطابه السامي الموجه لعلماء الأمة.

* خطاب جلالة الملك بتطوان ودوره في بلورة مهام المجالس العلمية الإقليمية :
إذا كان جلالة الملك محمد السادس (نصره الله) قد شرف العلم والعلماء في خطابه السامي مساء يوم الجمعة 18 رمضان 1412 هـ الموافق ل15 دجنبر 2000،حين نصب (حفظه الله) المجلس العلمي الأعلى ورؤساء المجالس العلمية الإقليمية فإنه –رعاه الله- قد شرف أيضا العلماء بخطابه هذا، الذي يبين فيه الأهداف والغايات من هذا التنصيب، كما بين للعلماء فيه تلك الخطوط العريضة لمنهج التوجيه الديني في عهده الجديد "العهد المحمدي" الزاهر، وهذا يعني أن الخطاب الملكي المذكور سوف يكون بمثابة نبراس يضيء لنا مشاعل الطريق، كما رأينا في فقراته....
ولا شك أن السادة العلماء بوعيهم الكامل بالمسؤولية التي حملهم إياها جلالته كما ورد في الفقرة الأخيرة سوف يعتبرون هذا الخطاب بمثابة مرجع يعتمدونه في مزاولة مهامهم إجمالا وتفصيلا إطلاقا وتقييدا تصريحا وتلميحا حسب ظروف الأحوال طبقا للحكمة الواجب اتباعها والمتمثلة في مراعاة الوسط والاعتدال والمرونة والتسامح تخفيفا وتيسيرا على العباد وبذلك يتحقق الهدف الذي يريده جلالة الملك حفظه الله والذي يتمثل أساسا في تأطير المواطن دينيا وعقديا واجتماعيا حتى يتحصن إيمانيا ويقتنع عقليا ونقليا ويتصدى لمواجهة كل دخيل من التيارات المستوردة وخاصة ونحن في زمن العولمة وزمن الإيديولوجيات والحريات وحقوق الإنسان.
وبالتالي يحافظ المواطنون جميعا على "هويتهم" الوطنية وثقافتهم وشخصيتهم وأصالتهم وتراثهم ورموزهم الوطنية المقدسة التي أشار لها جلالته في خطابه السامي...
ولا شك أن السادة العلماء سيبذلون كل ما في وسعهم بخصوص تطبيق تلك الدرر الغالية، والتوجيهات السامية والنصائح الملكية الهامة الواردة في الخطاب وبذلك يشرفون جلالته كما شرفهم. والتشريف تكليف ولكن عندما يأتي التشريف على يد أمير المؤمنين يبقى دائما تشريفا ما فوقه تشريف رغم ضخامة التكليف وثقل مسؤوليته إذ يقدر ما يعلو التشريف بقدر ما تزداد مسؤولية التكليف...
فاللهم سدد خطى أمير المؤمنين ووفق مسعاه وأعنه يارب على أعماله الجليلة ومشاريعه التي ينجزها خدمه للدين والوطن وأقر اللهم عينه بشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية العلوية الشريفة وجدد اللهم رحماتك على روح والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه وروح جده المفدى محمد الخامس طيب الله ثراه آمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here