islamaumaroc

وثيقة نادرة عن عيد العرش لسنة 1948م

  عبد الحق بنطوجة

360 العدد

لا يخفى عن أي دارس لتاريخ المغرب الحديث مدى ما تشكله سنة 1933 م بالنسبة لجميع المغاربة من إحساس وطني كبير ومشاعر جياشة تجاه رمز البلاد وموحدها جلالة الملك المغفور له محمد الخامس إذ في هذه السنة بالذات أجمع الوطنيون الأحرار على جعل ذكرى جلوس ملك البلاد على عرش أسلافه الكرام عيدا وطنيا تلتئم فيه أفئدة الشعب المغربي قاطبة وتهفو بحماس لا مزيد عنه إلى تمجيد هذه الذكرى الخالدة الشيء الذي لم تجد معه سلطات الحماية بدا من الاعتراف بها وإقرارها لما صاحبها من مد وطني كبير.
وليس من شك أن الاحتفال بهذه الذكرى الوطنية الخالدة كانت مناسبة عزيزة على قلوب المغاربة للتعبير عن تعلقهم بقائدهم وآمالهم غيه للسير بهم إلى شاطئ النجاة (عبر القضاء نهائيا على الاستعمار وأذنابه الذين استرخصوا وطنهم وشعبهم من أجل تحقيق أغراض دينية ورخيصة).
على أننا نجد وطنيين أباة أحرارا عملوا ما في وسعهم لتوعية أفراد الشعب بقضيتهم الأساس وبذلوا في ذلك أرواحهم ومهجهم من أجل أن ينعتق المغرب من ربقة الاستعمار ويتخلص إلى الأبد من جميع أشكال الذل والعبودية التي لا تتناسب مع حضارته العريقة ومجده التليد.
وإذا كان لنا من وقفة عند طبيعة هذه الجهود الوطنية المبذولة لفضح مكائد الاستعمار ومخططاته الجهنمية محاولة منه لطمس معالم ومقومات الشعب المغربي الدينية واللغوية والتاريخية فالأحرى بنا أن نقف عند علم من أعلام الوطنية المغربية الذين خاضوا النضال الوطني على واجهات متعددة سواء في الداخل أو الخارج.
لقد كان المرحوم الأديب الشاعر محمد بن اليمني الناصري "ت 1971م" أحد هؤلاء الذين صدعوا بموقفهم الرافض لوجود الاستعمار بالمغرب وتوسلوا في ذلك بمختلف الوسائل المتاحة بدءا من حلقات الدروس النهارية والليلية الحرة التي كان أحد مؤسسيها البارزين ومرورا باشتغاله في ميدان القضاء الذي اشتبك فيه مع سلطات المراقبة الفرنسية إلى أن قدم استقالته منه وانتهاء بإقامته بمصر مدير أل بيت المغرب فكان له هناك حضور دائم في مختلف الهيئات الدينية والسياسية حيث تنعقد التجمعات المغربية والإسلامية الكبرى للدفاع عن المغرب عرشا وشعبا فكان يلقي فيها الخطب ويرتجل القصائد ويستنهض الهمم لمناصرة المغرب ومقاومة الاستعمار.
كما كان على اتصال وثيق بالأمين العام الأول لجامعة الدول العربية الدكتور عبد الرحمن عزام ثم بأمينها العام الثاني الدكتور عبد الخالق حسونة فكان يوافيهما بمجريات الأحداث التي تجري بالمغرب شمالا وجنوبا على وجهها الصحيح ولاستنهاض همم الدول العربية لتبني قضية المغرب والدفاع عنها باستمرار وذلك قبل أن يلتحق وفد الجبهة الوطنية بالقاهرة والذي كان من بين أعضائه شقيقه زعيم "حزب الوحدة" المرحوم الأستاذ محمد المكي الناصري وهو الذي تولى إنشاء وتسيير "مركز الوحدة المغربية" في الشرق لموافاة كبريات الصحف في مصر والعالم العربي بنشراته المنتظمة التي تتضمن التعريف بأخبار المغرب وتطورات قضيته الوطنية ووقوفه في وجه الاستعمار وقد كانت الصحف العربية تفتح صدرها لنشر ما يقدمه لها من نشراته الإخبارية الموثقة.
وفي هذا السياق نسوق حديثا إذاعيا أدلى به المرحوم الأديب الشاعر محمد بن اليمني الناصري لإذاعة الشرق الأدنى بالقاهرة بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لجلوس المغفور له محمد الخامس على عرش أسلافه المكرمين وسوف يستشف القارئ الكريم من خلال هذا الحديث الوثيقة الإذاعية النادرة المغزى العميق الذي يرمي إليه صاحبه منه وهو إطلاع العرب المشارقة بقضية المغرب العربي وكفاحه المستميت ضد الاستعمار وجبروته بقيادة عاهله المفدى رمز الوحدة والاستقلال.

أيها المستمعون الكرام : 
لقد دعتني إذاعة الشرق الأدنى لإلقاء كلمة مختصرة حول الذكرى الحادية والعشرين لجلوس صاحب الجلالة ملك المغرب مولاي محمد بن مولاي يوسف أيده الله على عرش أسلافه الميامين فلبيت الدعوة شاكرا لوكيلها المحترم وسائر موظفيها هذا الشعور الجميل نحو الشعب المغربي المجيد وملكه العظيم.

أيها السادة
إن عيد العرش لم يكن معروفا بالمغرب ولا جرت العادة بإقامة ذكراه المجيدة ولكننا بذلنا جهدنا كله لإقامة هذه الذكرى الخالدة فمهدنا لها بدعاية طيبة واسعة النطاق منوهين بفضائلها ومزاياها ومنافعها التي منها إحياء الماضي المجيد حتى تغلبنا على خصومنا الاستعماريين وأقمنا على ما أذكره الآن "سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة ألف" رغم كل العقبات التي وضعها خصومنا لأننا كنا نرى أن مبدأ التشبث بالعرش والتعلق به والدفاع عن سيادة الجالس عليه أمر حيوي للوطنية المغربية في سائر أدوارها وأطوارها وأنه تنبني عليه كثير من المهمات وجلائل الأعمال داخليا وخارجيا واجتماعيا وسياسيا.
ومنذ ذلك الحين أصبح الشعب المغربي عن بكرة أبيه يقيم هذه الذكرى القومية في كل سنة ويتخذها عيدا قوميا وطنيا صرفا يعبر غيه بحرية وحماس عما يكنه لملكه ووطنه من حب وإجلال وتقدير ويعرض فيه أمام العالم أمجاده التاريخية التي رددت صداها القرون ويرفع فيه راية الوطن دون سواها فوق الدور والمتاجر خفاقة لخفقات القلوب ويحتفل به احتفالا وطنيا شعبيا لا نظير له فيما نعلم في مشارق الأرض ومغاربها يتزاور فيه الخاصة والعامة تزاورا ينبني عن تقديس الشعب لمبادئه وعقيدته وتعلقه بملكه ودولته وشعوره بعظمة تاريخه ووحدة كيانه وتماسك أجزائه وارتباط حاضره بماضيه وسمو قصده وجلال غايته وتمسكه بالمثل العليا في كل حركاته وخطواته .

أيها السادة
لولا هذه الذكرى لما توصلنا إلى إفهام الشعب حقيقة الوطنية النزيهة الصادقة فقد أدرك منذ قمنا بإقامتها أن الوطنية حركة دفاعية تدفعنا إلى الدفاع عن كافة الحقوق القومية المهضومة وأن الحقوق القومية منها حقوق للعرش وحقوق للشعب وأن من دافع عن الشعب دون العرش أو عن العرش دون الشعب فهو ليس بوطني كامل ذلك لأن العرش المغربي في نظرنا جزء لا يتجزأ من ميراث الأمة بل هو رمز الوجود السياسي والدولي المتواصل المتسلسل منذ قرون وأجيال وأن من لم يكن مواليا له مدافعا عن حقوقه خصوصا في الأزمة الخانقة التي يجتازها المغرب العربي منذ 120 سنة إلى الآن كان ساعيا إلى حتفه بظلفه وجادعا مارن أنفه بكفه بل داعيا إلى تهديم أمتن أساس قام عليه بناء الوحدة المغربية القومية المقدسة على أن السلطة الأجنبية المفرقة لا تقاوم مقاومة فعالة إلا بتأييد السلطة الشرعية المغربية الموحدة ولا تؤيد السلطة القومية العليا إلا بالالتفاف حولها في كافة مناطق المملكة المغربية ومن جميع طبقات المواطنين.
لهذا وغيره كان شعار "حزب الوحدة المغربية" الذي أمثله في الشرق والذي يتزعمه الزعيم المراكشي الكبير السيد محمد المكي الناصري "الشعب بالعرش والعرش بالشعب" "المغرب للمغاربة أولا وأخيرا" ولهذا ضربنا على هذه النغمة في بعض قصائدنا العرشية التي مطلعها
أوحى إلي العرش من علياته
         وطنية تختال في أفيائه
وعلى هذا الاساس كونا الرأي العام المغربي وأمكن لنا توجيهه في اتجاه معين للوصل إلى غايات معينة تعتبر غايات مقدسة تلائم المصلحة العامة من الوجهتين الداخلية والخارجية.
أيها المستمعون الكرام :
لولا هذه الذكرى لما أصبحنا نقدس مغربيتنا ونتمسك بقوميتنا ونحتفظ بحقنا الطبيعي في اختيار ما نشاء ورفض ما نشاء من النظم والاتجاهات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فبفضل إحياء هذه الذكرى أدركنا أننا مما يزرون للأجانب المحتلين لبلادنا باسم الحماية في سائر مقوماتهم وأصبح من لوازمنا أن نمايزهم في الاتجاهات التي نريدها لأنفسنا حيث أن لنا سلالة غير سلالتهم ونفسية غير نفسيتهم وعقلية غير عقليتهم وتقاليد غير تقاليدهم وتاريخا غير تاريخهم وثقافة غير ثقافتهم وعقيدة غير عقيدتهم ولسانا غير لسانهم وأجدادا غير أجدادهم.
على أن العوامل التي أثرت فينا هي غير العوامل التي أثرت فيهم منذ فجر التاريخ إلى الآن فلا يمكن أن يصلح في وطننا ما قد يصلح في بلادهم وكيف لا وقد أثبتت التجارب المريرة أن الشرق شرق والغرب غرب على أن في قضية مصر العزيزة وفلسطين الشهيدة وأندونيسيا وغيرهم لعبرة للشرق كله وخصوصا قادته وساسته. فالمغرب يلزم أن يكون للمغاربة والنهضة القومية يجب أن تختط لنفسها طريقا خاصا بها في الحياة ويلزم أن تكون دعائمها على الدوام وإلى الأبد : الإسلام والعروبة.

أيها المستمعون الأعزاء
إن يوم الاحتفال بهذه الذكرى يعد من الأيام المشهودة في المغرب كله بمناطقه الثلاث ففيه يحطم الشعب المغربي كل القيود ليعبر عن شعوره الحقيقي نحو ملكه ووطنه وليضرب بأوامر المستعمر الغاصب في حرية وانطلاق عرض الحائط، وفيه يظهر بكل جلاء تضامنه وتظافره وقوته الكامنة وتتجلى قوميته في أجلى وأجمل مظاهرها وهذا الشعور إذا نما وتكامل :
إن الشعور بكل معنى قوة
   يفني السلاح ولا انطفاء لجمره
والضغط يوقده كسلك الكهربا
   يبدي الضياء متى ضغطت بزره
أيها السادة
في ذلك اليوم المشهود نرى الزرابي الجميلة والبسط البديعة مبثوثة مبسوطة في شوارع المدن المغربية وأسواقها وعليها المياثر والوسائد والأنماط والنمارق المنمقة وأواني الشاي وأنواع الحلويات يتبادلها المتزاورون والمتفجرون وأجواق الموسيقى الأندلسية الشيقة تعزف الألحان المطربة التي تحلق بأرواح سامعيها ونفوسهم إلى عالم اللطف والجمال والسعادة ترى ذلك في كل مكان بحيث تقول عند رؤيتها ليس في الامكان أبدع مما كان.
في ذلك اليوم العظيم يتسابق الشعب إلى ميدان العمل الوطني الصرف ويتنحى عن الميدان السياسي الحزبي لأن النزهاء من زعمائه علموا أن الوطنية جهاد شريف وأن السياسة الحزبية حرفة ربما انحرف محترفوها عن الجادة فلوثت الشرف وحالت دون الوصول إلى أسمى هدف.

أيها السادة
هنا أذكر والشيء يذكر أن أول حفلة أقيمت لهذه الذكرى المجيدة بالشرق العربي هي تلك الحفلة الشيقة التي أقامها "بيت المغرب" في السنة الأولى من تأسيسه مؤسسة زعيم "حزب الوحدة" المغربية الأستاذ السيد محمد المكي الناصري أي منذ نحو عشر سنوات أقامها داخل ذلك البيت الذي كان هو المثل الأعلى للبيوت العلمية والثقافية الشرقية في مصر قبل أن تصيبه عين الكمال ويحل به من المستعمرين الغاصبين الانحلال والاختلال.
وإني لا أزال أذكر كما لا يزال يذكر من حضرها من ساسة الشرق وقادته ورجال صحافته ما كان لهذه الذكرى من أثر في تعريف إخواننا المصريين وغيرهم من الشرقيين بقضية المغرب العربي وإخراجه من عزلته الأمر الذي لازال مرتسما في الأذهان بارزة آثاره الجميلة من صور ووثائق للعيان وكان على رأس الحاضرين إذ ذاك حضرة صاحب السمو الأمير مولاي المهدي نجل صاحب السمو مولاي الحسن خليفة جلالة ملك المغرب في المنطقة التي منيت بالاحتلال الإسباني من الوطن العزيز فكان لها بسبب وجوده فيها وتشريفه لها طابعها الخاص وأثرها الجميل.
وقد ألقى فيها الزعيم الناصري المذكور خطبة ارتجالية من خطبه الوطنية المعروفة ألقت على القضية المغربية إذ ذاك أنوارا كاشفة عرفت كافة الحاضرين ومن وراءهم أن قضية المغرب جزء لا يتجزأ من قضية الوطن العربي كما ألقيت قصيدة طنانة فكان لذلك أثره الطيب الفعال في مصر والشرق كافة إذذاك فأصبحت قضية المغرب منذ ذلك الحين في فاتحة القضايا التي تشغل مفكري مصر العزيزة وغيرهم من مفكري الأمم العربية المجيدة وبدأت تظهر على مسرح الصحافة الشرقية شيئا فشيئا معززة بالوثائق والحقائق إلى أن أسست "الجامعة العربية" وأصبح الدفاع عن المغرب العربي من لوازمها الشاغلة لها إلى أن ينال المغرب بحول الله تعالى استقلاله التام

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here