islamaumaroc

من وحي الذكرى ومقاصد الاحتفال بعيد العرش

  إبراهيم بن أحمد الوافي

360 العدد

تكاد بلادنا تتميز بما خصصها الله عز وجل به من خصائص في كثير من الميادين والمجالات، وما أنعم به عليها من جليل النعم والخيرات، وإن أهم ما يميزها عن غيرها من الشعوب شرقا وغربا هو خصوصية نظامها في الإمامة العظمى، ذلكم النظام العريق الضارب بجذوره في تاريخ الدعوة الإسلامية، والمستمد أصوله وثوابته من كتاب الله وسنة رسوله، وإكرام عترته وأهل بيته، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي..." (1) وإن المقلب لصفحات تاريخ المغرب الإسلامي الممتد عبر ما يزيد عن اثني عشر قرنا، سرعان ما تطالعه خصوصية العلاقة التي تربط بين الملك والشعب، ويدرك مدى التلاحم التلقائي الحاصل بين القمة والقاعدة، إذ لا تكاد مناسبة من المناسبات تمر دون أن تترك أثرها الحميد، وتغذي ذلك الرصيد التليد الذي هو سر التواصل والاستمرارية.
إن العرش المجيد هو قمة ما في هذا البلد العتيد، نظرا لما نيط به من جليل المهام، والمسؤوليات الجسام، فهو الحامي لحمى الملة والدين، والساهر على وحدة البلاد ومصالح المواطنين، كما يعد موئلا لرفع الحيف والمظالم عنهم لأن السلطان هو ظلهم الوارف الذي به يستظلون، وتحت حمايته يحتمون، وحوله في السراء والضراء يلتفون، وبذلك لا يزيده توالي السنون إلا ثباتا ورسوخا، ولا الشدائد والمحن إلا تمكينا وشموخا.
إن المغاربة حينما يحتفلون بعيد العرش يعبرون عن عميق مشاعرهم وأحاسيسهم الدينية والاجتماعية، ويرسخون مبادئ أسسها أجدادهم عن جدارة واقتناع، وتحولت مع الأيام إلى ظاهرة مغربية سياسية عريقة في المجد، هي نسيج وحدتها في التلاحم والتآزر والتمازج بين الراعي والرعية، وهي ضاربة في أعماق التاريخ الديني والاجتماعي والسياسي المغربي، شديدة الالتصاق بالكيان والوجدان، لأن هذا الاحتفال هو تعبير عن المشروعية التي تكتنف السلطة السياسية في البلاد، والتي تم تنصيبها وتقليدها على أساس التراضي بين الطرفين لقيادة الأمة، لما فيه صلاحها في دينها ودنياها..
إن بيعة الناس لأمير المؤمنين هي بيعة دينية شرعية، تؤكد على حضور الإسلام في هذه الديار، وهي التي تؤكد السلطة الشرعية الدينية للملك، لأن أهل الحل والعقد حينما يوقعون يؤكدون سلامة الاختيار، ويوافقون على تحقق الشروط الشرعية التي تزكي ذلك التعاقد المأمور به في قوله تعالى : "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما"(2) 
وهنا تكتسي البيعة صبغتها الدينية، لأن كل مسلم لا يكتمل إيمانه بالله عز وجل إلا إذا كان منضويا تحت لواء بيعة شرعية تجمع أمر المسلمين، وتوحد صفهم وكلمتهم، مع الالتزام بالسمع والطاعة، في المنشط والمكره، لأن حياة الناس لا تصلح بغير ذلك.
أخرج أصحاب السنن وغيرهم عن العرياض بن سارية رضي الله عنه قال : "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال : "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة "(3)
وهذا الحديث بمثابة تمنيع لوحدة الأمة، ولم شملها، وجمع كلمتها، جاءها في شكل وصية نبوية جامعة بين التذكير والموعظة، وإيصال المعاني الشرعية البعيدة الأثر  والتأثير، ووصفت بأنها موعظة مودع، لأن المودع يجد ويجتهد في القول والفعل، ويحرص ويستقصي ما لا يستقصي غيره، فهو خائف على أمته من التفرقة والتشتت، لأن ذلك هو  سبب كل شر وبلاء، وطريق إلى الزوال والانتهاء، ولذلك حثهم على السمع والطاعة لولاة الأمر، لما فيه من انتظام الأحوال، وراحة البال، وسعادة في الحال والمآل.
وسئل الحسن البصري عن دور أولي الأمر وأهميتهم الدينية والسياسية فأجاب : "إنهم يولون من أمورنا خمسا : الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم...(4) وقد وصى صلى الله عليه وسلم في "حجة الوداع" فقال : "يا أيها الناس اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله".(5)
وورد في البخاري زيادة : كأن رأسه زبيبة.
وكل ذلك إمعانا في جمع الكلمة، ووحدة الصف ونبذ التفرقة.
وقد حذر رسول الله أفراد المسلمين من خطر التساهل في أمر البيعة باعتبار أن كل واحد منهم يتحمل مسؤوليته فيها، وإن ناب عنهم في تنفيذها أهل الحل والعقد من الأمة، فقال : "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".(6)
إن المغرب عبر تاريخه العريق لم يكن دائما في راحة ودعة وطمأنينة من أمره، وإنما ظلت تتجاذبه الأحداث، وتختبره الظروف والمحن، نظرا لموقعه وخيراته، ودينه وعقيدة أهله، وأصالة مقدساته، ولكن تحصينه بالعقيدة الإسلامية السمحة، وبالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، جعله يخرج من كل المؤامرات
منتصرا، وسيظل كذلك ما صلحت النيات، وسلمت الطويات، وتجند الجميع وراء جلالة الملك، مقتنعين ومتشبعين بروح المبادرة، وإيثار مصالح البلاد العليا، وجعلها فوق كل غرض واعتبار، من أجل تأكيد الثقة بالنفس، والتصدي بالعزم والحزم للمشكلات والمعوقات التي تقف في وجه طريق التقدم والنماء.
وإن أسلافنا –رحمه الله عليهم- لما اختاروا الانضواء تحت ظل الإسلام ما أخطأوا التقدير أبدا، وإنما اقتنعوا تمام الاقتناع بوفرة مزايا هذا الدين الذي بسببه تجتمع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كما أيقنوا بأنه الدين الخالد الصالح لكل زمان ومكان، والقادر على هداية الإنسان، وصار هذا المنهج ديدن ملوك المغرب، في ضوئه يسوسون البلاد، ويدافعون ويبنون ويشيدون ويمتزجون مع الرعية في مسيراتها وأحزانها، لا يغمض لهم جفن في سبيل إحقاق الحق وإسعاد الجميع.
إن هذا المكسب الالتحامي العريق، الناشئ عن الحفاظ على المبادئ السامية للبلاد، لغة، وقرآنا، وعقيدة، وشريعة، دافع عنه المغاربة عبر تاريخها الطويل بكل فخر واعتزاز، ليوفروا لأجيالهم وأحفادهم بلدا، وأرضا، وسلطانا، وملكا، ومملكة.
فعلى الأجيال صغيرها وكبيرها، شبابها، وكهولها، ذكورها، وإناثها، أن يعوا خصوصية بلادهم، ويرعوا أمانتها حق رعايتها، ويحصنوا أنفسهم بمكونات شخصيتهم المغربية العربية الإسلامية في ظل تلاطم أمواج العولمة التي أصبحت تهدد من لا رصيد له من الأفراد والأمم والشعوب.
كما أنه يجب علينا ألا نقدم للأجيال الأحداث، وما يرتبط بها من تظاهرات مجردة عن كل ما ترمز إليه في عمقها وبعدها القريب والبعيد، حتى لا تنقلب الحقائق في الأذهان، ويحصل الاستخفاف بالمقومات والأركان.
إن الاحتفال بعيد العرش هو قبل كل شيء احتفال بإنجاز ما تعاقد عليه الراعي والرعية من كل جهته، والمهام المنوطة به، كما أنه تعبير عن الفرح بالنجاح في قيادة سفينة البلاد إلى بر الأمن والأمان، في ظل التعاون والتجاوب، والتآزر وتكاثف الجهود، للسير نحو الهدف المنشود.
ومن جهة أخرى فهو تعبير عن الفرح بأداء الواجب الديني الذي هو واجب البيعة المقلد به كل مسلم جهة ربه، وملكه ورمز بلاده الذي طوقه الله بأمانة حماية الدين والوطن، وجعله قرة للجميع، وأهله للنهوض بأعباء المهمة الجسيمة الملقاة على عاتقه، مدعوما بالدعوات الصالحة التي يخصه بها شعبه، وكل مسلم مخلص غيور في مشارق الأرض ومغاربها، بكل تضرع وإخلاص، ليحقق الله الآمال المرتجاة على يديه، ويسوق إليهم كل لديه.
وإن توديع الأمة المغربية لرائد نهضتها جلالة الملك الحسن الثاني تغمده الله برحمته، وبيعة خلفه ووارث سره من بعده، جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره، وأعز أمره، وخلد في الصالحات ذكره، لأكبر دليل على ما نقول من توفير البلاد على حصانة بمقدساتها الدينية، والسياسية، وسيرها في الطريق اللاحب، الذي أهلها إلى مركز الريادة  والقدوة.
أبقى الله عز وجل نعمه علينا كاملة غير منقوصة، وبارك لنا في أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين جلالة الملك محمد السادس وجعله حصنا حصينا، وملاذا أمينا لأمته وشعبه، وشد أزره بصنوه السعيد الأمير المولى رشيد، وباقي الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.
  

(1)  الترميذي : المناقب/ باب 32 حديث 3788.
(2) - سورة الفتح – الآية 10.
(3) - أخرجه الإمام أبو داوود "4607" والترمذي "2676" وأحمد "127،126" والدارمي "1/44" "وابن  ماجة" "43.44" (جامع العلوم والحكم لابن رجب / مؤسسة الرسالة- ط2 ص 109.)
(4) - جامع العلوم والحكم : ص : 117.
(5) - رواه أحمد "6 :402" والترمذي "06،17" وقال حسن صحيح.
(6) - صحيح مسلم كتاب الإمارة 58

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here