islamaumaroc

عيد العرش عيد بيعة وولاء

  سعيدة العلمي

360 العدد

دأبت الأمم والشعوب المعتزة بكيانها على الاحتفال بأعيادها الدينية والوطنية والإشادة من خلال ذلك بأمجادها وبطولاتها وجعلها منارا يهتدى به في مستقبل أيامها.
وعيد العرش يعد مناسبة غالية على كل أفراد الشعب المغربي، وتصادف هذه السنة الذكرى الثانية لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله ونصره على عرش أسلافه المنعمين وهي ذكرى عزيزة على الأمة المغربية يعبر فيها المغاربة على مدى تعلقهم بالعرش العلوي والمجيد، ومدى حبهم وولائهم له وهي فرصة لتجديد العهد عهد البيعة والوفاء للدوحة النبوية الشريفة ولآل البيت الأكرمين إذ أنها أقدس رابطة جمعت عبر التاريخ بين العرش والشعب.
فالمغرب ومنذ أن وصله الإسلام ومن الله عليه بالرسالة المحمدية وهو على هذا العهد من الولاء والوفاء لآل البيت عملا بما جاء في الكتاب المبين "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله"(1) "لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة"(2).
ولهم في رسول الله خير أسوة فله عقدت البيعة فقد روى ابن إسحاق "أن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".(3) 
فالبيعة التزام بالطاعة وتعهد بها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"(4) فالبيعة ميثاق وترابط بين الراعي ورعيته أساسها الكتاب والسنة وقد رعى المغرب أمانة البيعة حق رعايتها عبر التاريخ إذ هو البلد الوحيد الذي حافظ عليها من بين كل الأقطار الإسلامية وجعلها أساسا للملك والخلافة ونظام الحكم في الإسلام.
ولقد كانت بيعة المغاربة الأولى لملكهم الأول سبط الرسول صلى الله عليه وسلم المولى إدريس الأول سنة 172هـ ومنذ هذا التاريخ والمغاربة يعتبرون البيعة رباط مقدسا لا يزيد عبر الزمان إلا قوة ومتانة والتحاما يتجدد بتجدد الملوك وتوالي الحقب.
ولقد تعاقب على هذا البلد الحبيب ملوك صدقوا ما عاهدوا الله عليه، سواء في الدولة الإدريسية أو الدولة العلوية الشريفة.
ويسجل لنا التاريخ معالم حضارية متنوعة تشهد بما كان للمغرب من تطور حضاري وما حققه من أمجاد وانتصارات وإنجازات تاريخية مازالت آثارها قائمة إلى الآن وما واجهه من تحديات داخلية وخارجية مما جعله كعبة القصاد من سائر أنحاء المعمور وكل هذا في ظل العرش وملكيته الراسخة.
هذا، وقد ساهمت الدولة العلوية المجيدة في الكثير من هذه المكارم منذ حلوا بهذه البلاد، وكانت هجرتهم من الحجاز إلى المغرب هجرة خير وبركة على المغرب وأهله من المولى علي الشريف الذي تمت بيعته عن طواعية واختيار"1041هـ1631م" إلى جلالة الملك محمد السادس أيده الله ونصره فهو سبط الرسول وخليفته وظل الله الممدود على عباده ومن كان ظل الله في أرضه وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولايته عامة ومطلقة لما في ذلك من جمع للشمل وتوحيد للأمة لأن الخلافة رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ونيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يقول ابن خلدون "الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة..."(5) فهي في الحقيقة خلافة صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به ومنزلة الخليفة من الأمة كمنزلة الرسول صلى الله عليه وسلم من المومنين له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة وله حق القيام على شؤون دينهم فيقيم فيهم حدوده وينفذ شرائعه...فكل ولاية مستمدة منه وكل خطة دينية أو دنيوية متفرعة عن منصبه فهو الحاكم الزمني والروحي(6) به يجتمع شمل الأمة وتحفظ من الأهوال والأهواء إذ برهبته تتألف الأهواء المختلفة وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة وتنقمع من خوفه النفوس المعاندة لأن في طباع البشر من حب المغالاة والقهر مالا ينفكون عنه إلا بمانع قوي ورادع كفي.."(7)
إن إسناد القيادة في هذا الوطن لآل البيت هو اختيار شعبي لم تفرضه قوة خارجية ولا ضغوط داخلية وإنما هو شكل من أشكال العودة إلى نظام الخلافة الذي بقي على مر العصور وتعاقب الدول وفي هذا ما يذكرنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا توال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.".
والملوك العلويين ومنذ اعتلائهم عرش هذه البلاد وهم يعملون جاهدين من أجل النهوض بهذا الوطن ولم شتاته وتوحيد كلمته وتحرير أراضيه والتاريخ حافل بأمجادهم وجلائل أعمالهم ومنشآتهم العامرة وانتصاراتهم العظيمة.
وإن احتفالنا بعيد العرش هو تجديد للبيعة والولاء لعاهلنا المفدى صاحب الجلالة والمهابة محمد السادس، سبط المصطفى وهو ارتباط وثيق بين هذا الملك وشعبه واعتزاز بالقومية وشعور بالأمان لتلك المسيرة التاريخية المظفرة التي بقيت راسخة عبر قرون عدة بفضل ما بذله ملوك الدولة العلوية في سبيل رفاهية هذا الوطن وإسعاده.
ولنا في المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني –طيب الله ثراه ونور ضريحه- خير أسوة لما قدمه لهذا الوطن فلقد كان الأب الروحي للمغاربة أجمعين عمل –رحمه الله – على تحقيق المسلسل الديمقراطي بهذا البلد بإصدار الظهير الشريف المتعلق بتأسيس الجمعيات وإصدار أول دستور للبلاد بعد الاستقلال كما أبدع بفكره الخلاق المسيرة الخضراء التي ستظل فخرا لهذه الأمة وعزا لأهلها إذ بها استرجعنا أقاليمنا الصحراوية واستكملنا وحدتنا الترابية.
أضف إلى ذلك حرصه –طيب الله ثراه- على إنشاء الجامعات ومراكز العلم، مما ساهم في إيجاد نهضة ثقافية وعلمية عارمة.
ولتعزيز المجال الديمقراطي بالمغرب أنشأ "مجالس استشارية" عدة من أجل تثبيت دولة الحق والقانون.
وحفاظا على  جوهر الإسلام وروحه تم بناء معلمة حضارية تجابه التاريخ، وتشهد بما للصانع المغربي من إبداع، وتخلد العبقرية الحسنية القادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة فهو كما قال الشاعر
ملك مآثره تشيد بجهده
  والدهر بالإكبار عنه تكلما
فرحمه الله وأكرم مثواه وجعل الجنة مأواه ولوارث سره جلالة الملك محمد السادس النصر والتأييد من الله عز وجل فقد ورث عن أجداده الشهامة والعبقرية والشعور بالمسؤولية وحب المصلحة العامة ومناصرة السنة النزيهة البعيدة عن شوائب الضلال ففضائله الجمة منذ توليه العرش لا تحصى فقد شملت رعايته المولوية الخاص والعام والقاصي والداني في مسيرة شاملة شملت ميادين مختلفة فكانت التفاتة مولوية مباركة تمثلت في إحداث ثورة فلاحية لمقاومة الجفاف ومد قنوات الماء للسقي والري واستصلاح الأراضي وتشجيرها مذللا العقبات ومحققا المطامح والرغبات.
كما أولى جلالته للميدان الاجتماعي عناية خاصة في إنشاء المؤسسات لرعاية المعوقين والمحتاجين والفقراء والمساكين إنها إنجازات كبيرة متجددة ومتواصلة دينية ودنيوية يرعاها سليل العترة النبوية وفرع الدوحة العلوية الشريفة كما أعطى جلالته للمرأة المغربية انطلاقة جديدة وواعدة في سبيل تحقيق مطامحها فتولت أعلى المناصب وتحملت أجل المسؤوليات وراعيها في ذلك راعي الأمة جلالة الملك محمد السادس.
فهنيئا لك أيتها المرأة المغربية بهذا الملك الشاب الهمام سليل الأمجاد الذي بمرآه تبتهج النفوس ويعمها البشر والحبور.
وهنيئا لك أيها الشعب المغربي بهذا العيد السعيد الذي تزيد به إشراقا وروعة وما هو إلا كما قال الشاعر
عرش به وطني يعيش موحدا
          لولا حمايته لكان مقسما
عرش وشعب  في الحياة تآخيا
        والحب بينهما تمازج بالدما
وهنيئا لعاهلنا بعيد العرش المجيد فقد حباك الله يا سبط المصطفى بخير منزلة بين الورى وأعطاك حبا في القلوب مؤبدا وأعمالكم في جيد مغربنا ستظل قلائد عقيان تتعانق الأقلام لتخليدها والأعلام راقصة بها آملة الارتقاء بالمغرب إلى مستوى رفيع علميا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا وعمرانيا.
وهذا اليوم السعيد يوم ذكرى تربع جلالتكم على عرش أسلافه المنعمين هو يوم بيعة وولاء يوم عهد ووفاء يوم تظل ذكراه على مر الأزمان والحقب فهو عرش الخالدين يسمو متعاليا فما أعذب الذكرى وأحلى التلاقيا
بعيدك يا من كنت للعيد عيده
 تغنيت نشوانا أزكي ولائيا
والسلام على مقامكم العالي بالله.

(1) - سورة الفتح الآية 10.
(2) - سورة الفتح الآية 18.
(3) - سيرة ابن هشام 2/72 وذكر أن البيعة تتم ببسط اليد إذ لم يكن هناك وثيقة مكتوبة/ انظر في ذلك أيضا "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة " ص 48 من تأليف محمد حميد الله وفي اللسان لببيعة الصفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة وبايعه على الأمر مبايعة عاهده وفي الحديث أنه قال ألا تبايعوني على الإسلام؟ وهو عبارة عن المعاقدة والمعاهدة كأن كل واحد باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره...اللسان -بيع-.
(4) - سورة النساء الآية 59.
(5) - انظر / مقدمة ابن خلدون ص 166/ط.بيروت.
(6) - انظر / النظم الإسلامية ص 2-3 / تأليف كل من /ذ حسن إبراهيم حسن ود علي إبراهيم حسن.
والإسلام وأصول الحكم ص 14/15 تأليف علي عبد الرزاق وت ممدوح حقي ط 1966.
(7) - الشهب اللامعة لابن رضوان 59-60-تد/ علي سامي النشار- دار الثقافة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here