islamaumaroc

الحركة الوطنية وعيد العرش

  أحمد البوزيدي

360 العدد

منذ ما يقرب من سبعين سنة والشعب المغربي يخلد كل سنة ذكرى عيد العرش المجيد، ذكرى جلوس جلالة الملك على عرش أسلافه المنعمين.
ولا مشاحة إذا قلنا : إن هذا العيد كان ولا يزال يعتبر من أهم الأعياد الوطنية، ذلك أن الشعب المغربي كان يجد في هذا العيد المناسبة المنتظرة ليعبر عن وفائه وامتنانه لشخص الملك، لما كان يسديه من أعمال جليلة لهذا البلد، وحدبه على وحدته، وصيانة حدوده.
أليس هو العيد الذي يتقدم فيه ممثلو  الأمة من : الوجهاء والأعيان والمنتخبين وزعماء الأحزاب الوطنية على اختلاف ميولاتهم وانتماءاتهم السياسية أمام الملك لتجديد مراسم البيعة؟
أليس هو العيد الذي يكون فيه المغاربة قاطبة في موعد مع التاريخ، بخروجهم إلى الشوارع والأزقة، في مظاهر احتفالية رائعة، للإعراب عن تعلقهم بأهداب صاحب العرش، ولتأكيد أواصر المحبة، ووشائج الالتحام بين العرش والشعب.
فكيف كانت بداية الاحتفال بعيد العرش؟
وما هو دور الحركة الوطنية في تعميم فكرة الاحتفال بعيد العرش في كل أصقاع البلاد؟

أولا : دور العلماء في بعث الروح الوطنية :
تزامن تاريخ توقيع معاهدة الحماية الفرنسية 1330 هـ/1912 م، وانطلاق القوات الفرنسية للاستيلاء على الأراضي المغربية، مع ظهور بوادر حركة إصلاحية بدأت ملامحها تتوضح من خلال سلسلة من الدروس العلمية القيمة، وقد برز في هذه المرحلة شيخ الجماعة أبو شعيب الدكالي بعد عودته من المشرق(1) وما يزال التاريخ يذكر لهذا الشيخ ما كان يلقيه من دروس بفاس ومراكش، تختلف في طرائق تبليغها ومناهجها عما كان سائدا إبانه بجامعي القرويين وابن يوسف، وقد كانت دروس هذا الشيخ تشكل حربا شعواء ضد الخرافة، والتقليد الجامد، والجهل الذي يحاول تكريسه بعض جهلة المتصوفة، وتدل كل القرائن على أن بعض المتعاونين مع الفرنسيين كانوا يعملون بشتى الوسائل على تكريس هذا الواقع المتخلف، الذي يخدم على المدى البعيد أهداف الاستعمار الفرنسي.
ويبدو أن المقيم العام الفرنسي، "المارشال اليوطي" قد استشعر التعارض الكبير بين دروس الشيخ أبي شعيب الدكالي مع الأهداف الاستعمارية بالبلاد، لذلك حاول استقطاب الشيخ، فأسند إليه "وزارة العدل" في الحكومة الشريفة، إلا أن ذلك لم يمنع أبا شعيب الدكالي من متابعة إلقاء دروسه، حيث يركز أكثر من ذي قبل على توعية عامة الناس وخاصتهم بالدعوة الصريحة لمحاربة البدع، والطرق الصوفية المنحرفة، واتضح لسلطة الحماية أن إغراءاتها لم توت أكلها مع الشيخ أبي شعيب الدكالي، فاحتالت إلى أن استقال من منصبه حيث تفرغ كلية للتدريس، وبث الروح السلفية بين طلابه.
أما صاعقة هذه الحركة الإصلاحية، ورائدها الذي لا يكذب أهله فهو شيخ الإسلام سيدي محمد بن العربي العلوي(2) فقد كان ابن العربي العلوي متأثرا بالحركة السلفية التي غرس بذورها في المشرق كل من "جمال الدين الأفغاني" "ومحمد عبده" و"رشيد رضا" من خلال ما ينشرونه من مقالات ودراسات عن تخلف المجتمع الإسلامي وما كانوا يقترحونه من حلول للنهوض بالأمة الإسلامية.(3)    
كانت دروس "شيخ الإسلام" بجامع القرويين وبعض مساجد مدينة فاس متميزة، وتستقطب عشرات الطلاب، وقد طارت شهرته كعالم متمكن فانتدبه المخزن سنة 1334هـ/1915م قاضيا بفاس الجديد.
ولا نستبعد أن تكون لسلطة الحماية يد في تعيين الشيخ ابن العربي، حيث يعرف عن المقيم الفرنسي "المارشال ليوطي" رغبته في استقطاب العناصر الحية والفاعلة في المجتمع المغربي للاستفادة منها في الواجهة السياسية، وسواء كان هذا التعيين في منصب القضاء بإيعاز من سلطة الحماية أم لا، فإن مهنة القضاء قد سمحت لشيخ الإسلام بالاطلاع أكثر على خبايا المجتمع، ومشاكل الناس ومشاغلهم، واكتشف إلى أي حد كان الناس ساردين في غياهب الجهل والخرافة، فكان أن قرر مضاعفة الحصص التي كان يخصصها للتدريس، سواء "بمدرسة مولاي ادريس" الحكومية، أو ب : "المدرسة الحرة بالزاوية الناصرية" بالإضافة إلى ما كان يلقيه من دروس عليا بجامع القرويين.(4) 
كانت دروس الشيخ ابن العربي العلوي، تعتبر من عدة نواحي استمرار للدروس التي كان يلقبها العلامة أبو شعيب الدكالي، خاصة الجانب المتعلق بالثورة على التقاليد، والثورة على الخرافة والمتخرفين، والثورة على الطوائف والزوايا التي انحرف شيوخها  عن النهج الإسلامي القويم.(5) وقد كان الشيخ من خلال دروسه المكثفة يستقطب العشرات ليس فقط من المتعلمين، وإنما أيضا من عامة الناس، لما حباه الله من "شجاعة، ونصاعة الحجة، وطلاقة اللسان، واستحضار الأمثلة والشواهد في وقتها وحينها." (6) وهذا ما جعل العلامة "محمد المختار السوسي" يصف الشيخ ابن العربي بأنه : "موقظ الهمم"(7) وبالفعل فإن دروس الشيخ ابن العربي كانت توقظ الهمم الغافية، وتبث الأمل في النفوس الآيسة، وتبعث روح المقاومة في الأجساد الواهية التي أضحت في ذلك الوقت عرضة لدعاية الفرق الضالة من جهالة المتصوفة، وضعاف النفوس من المتفقهة، الذين تجندوا لتعميق مظاهر اليأس والقنوط بين الناس، ويدعون أن الاستسلام للاستعمار الفرنسي هو "قضاء مكتوب، ومقاومته تعتبر مقاومة لإرادة الله".(8)
وكان الشيخ – بما متعه الله من سعة العلم، وذلاقة اللسان وقوة البرهان- لا يترك أية مناسبة تمر دون تسليط سياط حججه على كل من يداهن الاستعمار الفرنسي، وهكذا وبفضل دروس شيخ الجماعة وشيخ الإسلام ظهرت بجامع القرويين ثلة من الشباب المتنور، قطعت على نفسها عهدا أن تتجند لنشر الثقافة والعلم المضادين لأهداف المستعمر، وبعث الروح الوطنية، وما لبثت حركة سياسية تطالب بجلاء الاستعمار عن البلاد والعباد.
وفي الوقت الذي كان فيه تلامذة الشيخ ابن العربي العلوي، والمتأثرون بدروسه، يتداولون ويناقشون طرق الانتقال بأفكار الشيخ إلى أرض الواقع، بتأسيس عدد من المدارس الحرة في أهم الحواضر المغربية، والتطوع للعمل بها، أعلن محمد بن عبد الكريم الخطابي الجهاد بشمال البلاد ضد الاستعمار الإسباني، وذلك سنة 1340هـ/1921م، وقد ألهبت الانتصارات التي حققها محمد بن عبد الكريم على الإسبان حماس المغاربة، وأنعشت الآمال في النفوس للتحرر من الاستعمار.
استشعر محمد بن عبد الكريم تجاوب فئات عريضة من المغاربة مع حركته ضد الإسبانيين، فوجه عددا من الرسائل إلى علماء الأمة يستنهض هممهم، ويدعوهم لاستنفار المغاربة للجهاد والمقاومة، وقد كان العلامة ابن العربي العلوي من أهم المتعاطفين مع حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي.(9)

ثانيا : من التنظيمات السرية إلى الحركة الوطنية :
كانت سلطة الحماية الفرنسية تراقب بنوع من الانزعاج والقلق تطور حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وترصد ردود الفعل عند المغاربة عامة،(10)  وعند القبائل إخفاء تعاطفها وتضامنها مع المجاهدين بل إن هذه القبائل المحادية لمناطق الاحتلال الإسباني بصفة خاصة، إذا لم تستطع هذه القبائل إخفاء تعاطفها وتضامنها مع المجاهدين بل إن هذه القبائل شكلت جبهة غربية "بمنطقة ورغة" وأصبحت تهدد نواحي فاس ووزان.(11)
وأمام هذا الانتشار للمقاتلين في مناطق محسوبة على سلطة الحماية الفرنسية، تحركت هذه الأخيرة لمساندة الإسبان ضد حركة ابن عبد الكريم قبل فوات الأوان، وقد تمكنت القوات الاستعمارية المتحالفة في تصفية هذه الحركة، واضطر ابن عبد الكريم إلى الاستسلام لسلطة الحماية الفرنسية التي نقلته هو وعائلته إلى فاس".(12)
كان وقع استسلام محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى سلطة الحماية الفرنسية سنة 1344هـ/1926م قويا على المغاربة عامة، وطلبة وعلماء القرويين بشكل خاص، فتجند عدد من العلماء المتأثرين بأفكار شيخ الإسلام، والطلبة المتخرجين عليه بفتح حلقات للنقاش، وتدارس أوضاع البلاد في ظل الاستعمار، ثم ما لبثت هذه الحلقات أن تحولت إلى تنظيمات سرية، جعلت من بين أهدافها نشر الوعي بين المواطنين، والعمل على تحقيق استقلال البلاد على المدى البعيد.(13)
تشكل التنظيم الأول في رحاب القرويين من خيرة الطلبة من أهل فاس والوافدين على المدينة من جهات مختلفة، ومن أبرز طلبة هذا التنظيم نذكر على سبيل المثال : علال الفاسي، والحسن بوعياد، والمختار السوسي، ومحمد القري، وغيرهم.
وفي إطار تنظيم عمل الخلايا في التنظيم أسندت رئاسة اللجنة الثقافية إلى محمد المختار السوسي، ورئاسة اللجنة السياسية إلى علال الفاسي، وإلى هذه اللجنة يرجع الفضل في بلورة الأفكار الوطنية الداعية إلى المطالبة بالاستقلال.
كان أعضاء التنظيم يتوزعون على مساجد فاس لإلقاء دروس في الفقه والحديث والتاريخ، وعقد تجمعات خطابية، وإلقاء قصائد شعرية حماسية، لبث الروح الوطنية في عامة الناس، وقد كان سكان فاس يتجاوبون بعفوية تامة مع الأفكار التي ينشرها التنظيم، خاصة أن العلماء والطلبة كانوا يلحون في دروسهم على حماية الدين، ومناهضة الاستعمار.
وهكذا لم تمض إلا سنة واحدة على نهاية حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي، حتى أصبح التنظيم السري يضم حوالي مائة عضو، من بينهم عدد كبير من وجهاء وأعيان فاس، وظهرت "صحف ونشرات سرية مثل "أم البنين" و"القمر" و""السيف القاطع" ...، وكانت هذه النشرات السرية توزع على الراغبين في الاطلاع على هذه النشرات السرية توزع على الراغبين في الاطلاع على الشؤون السياسية والأدبية والعلمية"(14) وكانت نشرة "أم البنين" التي يشرف على إصدارها علال الفاسي، وكانت هذه النشرة تطبع بانتظام في حوالي أربعين صفحة، وتوزع بطريقة سرية بمدن مراكش والرباط وتطوان.(15)
كان علماء وطلبة المدن الأخرى يترددون على فاس للاتصال بأصدقائهم من المتعلمين والمثقفين بالقرويين، وكانت الحلقات النقاشية تدور حول طرق العمل للتصدي للاستعمار وما لبث هؤلاء المثقفون أن قاموا بتأسيس عدة تنظيمات وجمعيات سرية على غرار ما كان سائدا بالعاصمة العلمية، وهكذا ظهرت بالرباط "جمعية أنصار الحق" ثم ظهرت جمعية أخرى باسم "أنصار الحقيقة" ومن أبرز أعضائها أحمد بلا فريج، ومحمد المكي الناصري،  ومحمد القباج، ومحمد بنونة،(16) وقد ظهرت فروع لجمعية "أنصار الحقيقة" بمدن تطوان على يد عبد السلام بنونة ومحمد داود،(17) وبطنجة على يد عبد الله كنون، ومحمد بودرقة، وغيرهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه التنظيمات والجمعيات السرية تتلمس طريق التحرير بتأسيس المدارس الحرة، وإصدار صحف ونشرات، لنشر روح الوطنية والوعي بين الشباب المغربي، اختطفت المنية فجأة السلطان مولاي يوسف، فاختارت فرنسا أصغر أبنائه سيدي محمد بن يوسف ونصبه سلطانا على المغرب، وذلك يوم الجمعة 23 جمادى الأولى سنة 1346هـ /1927م.(18)
كانت فرنسا، باختيارها لأصغر أبناء السلطان خليفة له، تهدف إلى فرض نوع من الحجر على السلطان، لتنفيذ مخططاتها الاستعمارية باسمه، إلا أن الرياح ستجري بعكس إرادة سلطة الحماية بفضل الالتحام بين الشعب والعرش، وبفضل شجاعة الملك الشاب، ويقظة رواد الحركة الوطنية المؤطرين في التنظيمات والجمعيات السرية، بعدما أقدمت سلطة الحماية على إصدار الظهير البربري بتاريخ 17 حجة الحرام 1348 هـ موافق 16 ماي 1930م.(19)
كان الظهير البربري في منطوقه ومضمونه، وما تبعه من مراسم توضيحية صادرة عن سلطة الحماية يهدف فيما يهدف إليه إلى تفتيت الأمة المغربية، وضرب وحدة عقيدتها.(20)
تسرب خبر هذا الظهير من دوائر سلطة الحماية على يد الوطني السيد عبد اللطيف الصبيحي، ثم انطلقت حركة الاحتجاج من المسجد الأعظم بمدينة سلا(21) بقراءة اللطيفـ ثم امتدت حركة الاحتجاج إلى أهم المدن الأخرى مثل : الرباط، والدار البيضاء ومراكش، ومكناس،(22) إلا أن أعنف الاحتجاجات كانت بمدينة فاس، ذلك أن هذا السلوك الذي عبرت عنه فرنسا بطرحها للظهير البربري ليطبق في الحياة اليومية لعامة الناس قد أكد لعلماء وطلبة التنظيمات والجمعيات السرية بمدينة القرويين ما كانوا يتنبأون به عن خبث نوايا الاستعمار الفرنسي، وهكذا استمرت الاحتجاجات والمظاهرات بأزقة وشوارع مدينة فاس بقيادة رواد التنظيمات السياسية والثقافية، وقد سلطت سلطة الحماية، سياط قمعها على المحتجين، وزجت بعدد منهم في غياهب السجون.
وأمام هذه التطورات التي عرفتها الحركات الاحتجاجية تصدى عدد من أعضاء التنظيمات والجمعيات السرية إلى قيادة الاحتجاجات، وتوجيه المظاهرات، والعمل على توحيد شعارات التحرك ضد الظهير البربري، وقد تزايدت حشود المشاركين في هذه الاحتجاجات والمظاهرات بشكل تصاعدي منذ انطلاقها في شهر ماي إلى غاية شهر يوليوز، وبعد ذلك تحرك بعض أعضاء هذه التنظيمات، وبمبادرة من محمد بن الحسن الوزاني، بالدفع بعجلة الاحتجاجات إلى الأمام، فتشكلت خلية وطنية، وقررت القيام بعمل خطابي لشحن عواطف المواطنين، والدفع بهم إلى الاحتجاج، وتأجيج المظاهرات.
وهكذا ما كادت صلاة الجمعة تنتهي يوم 18 يوليوز 1930 بجامع القرويين حتى قام أحد أعضاء هذه الخلية، وهو السيد عبد السلام بن إبراهيم الوزاني، فألقى في المصلين خطابا حماسيا، وبعد محمد بن الحسن الوزاني، فألقى خطابا مماثلا، ثم انطلقت جموع المتظاهرين عبر أزقة مدينة فاس، وقد استمرت هذه المظاهرات من صلاة الجمعة إلى غروب الشمس، وتوجهت مجموعة من المتظاهرين إلى منزل الفقيه أحمد بن الجيلالي رئيس المجلس العلمي بفاس "لاستنكار الموقف المتخاذل للعلماء من
الظهير البربري"(23) وقد اعتبر عدد من الباحثين يوم 18 يوليوز 1930م ميلاد الحركة الوطنية.(24) 

ثالثا : الحركة الوطنية والاحتفال بعيد العرش :
اهتزت سلطة الحماية بفاس، والباشا ابن البغدادي، لهذا التطور الذي عرفته حركة الاحتجاجات والمظاهرات، لذلك اقترح البغدادي على المتظاهرين تعيين وفد عنهم للتفاهم، إذا ما كاد وفد المتظاهرين يصل إلى مقر محكمة الباشا "بدار بوعلي" حتى اعتقلوا وأمر الباشا ابن البغدادي زبانيته بجلد أعضاء الوفد.(25)
ولم تمض إلا أيام قلائل حتى تحركت القوات الفرنسية وطوقت أهم المنافذ والمساجد بالمدينة القديمة للحيلولة دون اندلاع المظاهرات، وفي نفس الوقت شجعت أعيان المدينة وبعض علمائها على فتح باب الحوار، فكان الاجتماع الأول مع ممثل فرنسا بالبطحاء يوم 29 يوليوز حضره حوالي سبعة عشر فردا من وجهاء وعلماء فاس، ورغم أن هذا الاجتماع الأول بين أعيان فاس ونائب حاكم فاس "الكولونيل سترول" لم يأت بجديد، فإن سلطة الحماية قد أمرت بإطلاق سراح المعتقلين بسجن الباشا ابن البغدادي، وقد تكررت الاجتماعات بين وجهاء مدينة فاس  وسلطة الحماية التي وعدت بإعادة النظر في الظهير البربري.(26)
وفي يوم الحادي عشر من غشت 1930 م قرئت بمسجد القرويين رسالة من السلطان سيدي محمد بن يوسف يدعو فيها إلى الهدوء والسكينة.
ويظهر أن هذه اللقاءات المتكررة بين أعيان فاس وسلطة الحماية، قد شجعت رجال الحركة الوطنية على تحرير مطالبهم وتقديمها إلى سلطة الحماية، وإلى المخزن الشريف، وقد حددت هذه المطالب في ست نقط أهمها :
1- إلغاء الظهير البربري، وسائر الظهائر والقرارات التي اتخذت في معناه.
2- تكوين قضاء موحد لجميع المغاربة.
3- ربط جميع الموظفين الدينيين والمدنيين بسلطة الملك الشخصية.
4- ليس في المغرب دين قومي إلا الإسلام واليهودية.(27)
وقد وجهت الحركة الوطنية وفدا عنها إلى الرباط برئاسة الفقيه عبد الرحمن بن القرشي لمقابلة السلطان، وعرض المطالب عليه.
وقد انزعجت سلطة الحماية لهذا الاتصال إذ ما كاد أعضاء الوفد يرجعون إلى فاس حتى قامت سلطة الحماية باعتقال عدد منهم، والزج بهم في السجن بزفاف البغل، فخيم جو التوتر من جديد، وانطلقت يوم فاتح شتنبر 1930م حركة الاحتجاجات، وعاد الناس من جديد إلى "قراءة اللطيف" بالمساجد، والخروج في مظاهرات عارمة، وقد استمرت الاحتجاجات مدة عشرة أيام تخللها اصطدام عنيف مع البوليس الفرنسي، واحتل الجيش أهم المواقع داخل المدينة وطوق المساجد الكبرى مثل ;  القرويين، ومولاي إدريس، واعتقل المئات من المواطنين، ونفى عددا من الوطنيين إلى جهات أخرى من البلاد.(28)
وبعد تفاقم الأوضاع وما أظهره السلطان من تعاطف كبير، وتفهم للدوافع المؤدية إلى "قراءة اللطيف" والاجتجاجات، حاولت سلطة الحماية إلصاق مسؤولية إصدار الظهير البربري بشخص السلطان،(29) وكان هدف سلطة الحماية من تحميل مسؤولية الظهير البربري، هو دق إسفين في التفاهم الكبير بين رجال
الحركة الوطنية والسلطان، وقد تفطن رجال الحركة الوطنية لألاعيب سلطة الحماية، فقرروا سنة 1933م أن يحتفل المغاربة "يوم 18 نونبر من كل سنة بذكرى جلوس الملك الشاب سيدي محمد بن يوسف على عرش أسلافه الممجدين، حيث يجد الشعب في هذا العيد المناسبة المواتية لتجديد الولاء للملك، وتأكيد أواصر الالتحام بين العرش والشعب.(30)"
"وبعد موافقة الملك على هذا الاقتراح انحنت سلطة الحماية أمام إرادة الشعب، وأصدرت قرارا بتاريخ 31 أكتوبر 1934 م يؤسس بموجبه "عيد العرش" ثم نشر القرار في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 نونبر من نفس السنة.
وهكذا يكون الاحتفال بعيد العرش انتصارا للحركة الوطنية على أساليب سلطة الحماية، كما أصبح مناسبة يتجدد فيها الاتصال بين الشعب والعرش".(31)
وبفضل الاحتفال بعيد العرش تمكن الملك محمد الخامس رحمه الله، من تخفيف ظروف الحصار الذي كانت تفرضه عليه سلطة الحماية. وأصبح رجال الحركة الوطنية لا يتحركون في أمر من أمور مقاومة الاستعمار  إلا بتوجيهه وإرشاداته، وهو أمر جعله عن حق بطل التحرير.(32)
كان الملك محمد الخامس يستغل مناسبة عيد العرش لتجديد مطالب الشعب، وتذكير سلطة الحماية بالتزاماتها نحو المغرب، وقد كان يضرب المثل لشعبه في إيثار المصلحة العليا.
وبهذه المناسبة كان أعيان البلاد من كل الجهات يهبون لتجديد ولائهم وتعلقهم بالعرش العلوي المجيد، على مراى ومسمع من سلطة الحماية التي لم تستطع أن تفهم عمق الروابط الروحية التي تتحكم في أواصر الالتحام بين الشعب والعرش.
وبعد سنوات من الكفاح المرير بقيادة بطل التحرير محمد الخامس تمكن المغرب من استرجاع سيادته واستقلاله، ليتخذ الاحتفال بعيد العرش مسارا جديدا، حيث كان الملك يستغل هذه المناسبة لعرض ما تحقق من إنجازات لبناء الوطن خلال سنة، وطرح المشاريع المستقبلية، والانتقال بالمغاربة من مرحلة إلى
مرحلة أفضل في إطار المقدسات الثلاث التي ركز عليها خطاب العرش للعاهل سيدي محمد السادس نصره الله في السنة الماضية وهي : "الإسلام والملكية والوطن".(33)
إنها بحق القواعد المتينة التي يقوم عليها الالتحام بين الشعب والعرش على طول الأبد.

(1) - مجموعة من المؤلفين عبد الله كنون/ أعلام المغرب/ نشر مؤسسة "أوتا" مطبعة إديال دون تاريخ ص 10.
(2) - محمد الوديع الأسفي/ السلفي المناضل محمد بن العربي العلوي/ الدار البيضاء-1986.
(3) -نذكر  بأن بعض الفئات المتنورة من المغاربة كانت تتوصل عن طريق البريد الدولي بطنجة بنسخ من جرائد "العروة الوثقى" و"المنار" اللتين كان يصدر كل منهما الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا.
(4) - محمد الوديع الأسفي/ م.س – ص 59.
(5) - عبد الكريم غلاب / الماهدون........الخالدون/ كتاب "العلم" الدار البيضاء-1991 / ص : 9.
(6) - محمد معروف القالي/ القرويين والصراعات السياسية في مغرب الحماية/ مجلة أمل البيضاوية-العدد الثاني/ 1992 ص77.
(7) - عبد الكريم غلاب / م.ص.ص : 261.
(8) - محمد إبراهيم الكتاني/ ظروف نشأة الحركة الوطنية السلفية بالمغرب/ مجلة الموقف- العدد 4-1987/ص 34-
(9) - محمد وديع الأسفي / م. ص. ص60.
(10) - نذكر بأن الفقيه سيدي الطيب بن لحبيب الملولي سجل في تاريخه عن درعة أصداء  انتصارات ابن عبد الكريم على أنها نصر من الله وفتح قريب، مما يدل على أن المغاربة في الجنوب قد تجاوبوا مع هذه الحركة الجهادية.
(11) عبد الله كنون/ محمد بن عبد الكرين الخطابي/ مجلة أمل- العدد : 12/السنة الرابعة -1997/ص :25-26
(12) - محمد العربي الشاوش/ تقويم الحركة الوطنية المغربية/ دعوة الحق – مارس 1976 / ص 134.
(13) - عبد الكريم غلاب/م.ص 23-24.
(14) - زين العابدين الكتاني / الصحافة المغربية : نشأتها وتطورها / الجزء الأول – الرباط – طبع وزارة الأنباء/ د-ت ص 213 نقلا عن محمد الدفالي / م. ص-ص 80.
(15) -  علال الفاسي / الحركات الاستقلالية في المغرب العربي/ ص تطوان – دون تاريخ/ ص 139.
(16) - عبد الكريم غلاب تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب/ ص : 2- الرباط- 1987 – ج1- ص 38-13.
(17) - أعمال ندوة "محمد داود" : الحركة الوطنية ومسألة الثقافة / نشر اتحاد المغرب والمجلس البلدي لتطوان – 1989 ص45.
(18) -  فيما يتعلق بظروف اختيار سيدي محمد بن يوسف لسلطنة المغرب، انظر عبد الوهاب بنمنصور / محمد الخامس والظهير البربري / دعوة الحق – ع : 282-1991 ص 54.
(19) - فيما يتعلق بفصول الظهير البربري الثمانية أنظر الحسن بوعياد/ الحركة الوطنية والظهير البربري/ البيضاء 1979 – ص 11-12.
(20) - انظر الفصول 1و5و6و7 من الظهير البربري
(21) -  محمد معروف الدفالي/ القرويين والصراعات السياسية في مغرب الحماية/ مجلة أمل – العدد الثاني، السنة الأولى -1992- ص 81.
(22) -  الفرقاني محمد لحبيب/ الثورة الخامسة : صفحات من تاريخ المقاومة/ الدار البيضاء -1990 –ج1 ص 136.
(23) - محمد معروف الدفالي / م.ص – ص 82.
(24) - انظر على سبيل المثال لا الحصر.
- الحسن بوعياد / م.ص-ص 14.
- عبد الكريم غلاب م.س-ض 61.
- محمد معروف الدفالي / م.س –ص82.
(25) - من بين المعتقلين الذين جلدوا بمحكمة الباشا نذكر على سبيل المثل : محمد بن الحسن الوزاني، عبد الرحمن بن عبد الله، الهاشمي الفيلالي، عبد العزيز بن ادريس، وعبد السلام الوزاني.
(26) - الحسن بوعياد  /وم.س-ض 17.
(27) - علال الفاسي/ م.س-ص 146.
(28) -  علال الفاسي/ م.س-ص 147.
(29) - سبق لنا أن أشرنا إلى مقالة عبد الوهاب بنمنصور بدعوة الحق عدد : 282 سنة 1991م، يكشف فيها عن الظروف المحيطة بتوقيع الظهير البربري.
(30) - بيان يناير 1944 بين مطلبيه الاستقلال والديمقراطية/ منشورات أمل- الدار البيضاء-1996—ص 25-26.
(31) - محمد العربي الشاوش/ م.س ص 136.
(32) -  تكشف لنا عدة مصادر في تاريخ الحركة الوطنية من الاتصالات العلنية والسرية بين رجال الحركة الوطنية ومحمد الخامس، والتنسيق التام الذي كان يتم بين القصر الملكي ورجال الحركة الوطنية.
(33) من خطاب العرش / دعوة الحق- ع : 354-2000-ص : 17.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here