islamaumaroc

عيد العرش المجيد، عيد التأييد والتعلق بملوك المغرب رموز الوحدة الوطنية في التاريخ المعاصر

  أحمد الأزمي

360 العدد

كل من عاش وعاصر فترة الحماية والاستقلال إلى يومنا هذا، ممن قضى نحبه أو زالا على قيد الحياة، لا يجادل في أن ملوك المغرب من محمد الخامس طيب الله ثراه إلى عهد محمد السادس أيده الله بنصره، ساروا جنبا إلى جنب مع شعبهم في كل الخطوات التي يخطونها في القرارات السياسية الصعبة والمصيرية التي يقدمون على تنفيذها. وبما أن مكونات الشعب المغربي، أحزابا ونقابات ومنظمات غير حكومية، نساء ورجالا كانت دوما في وئام وتلاحم تام مع هؤلاء الملوك فإن مظاهر البهجة والحبور التي يعبرون عنها يوم عيد العرش في كل أنحاء المغرب، ليست سوى تجليات ومظاهر للتأييد والمباركة والرضى عن كل خطوة يخطونها في المجالات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية.
ولأبرهن على ما أقول، سوف أقسم هذا العرض إلى ثلاثة أقسام، قسم خاص بمظاهر التأييد والالتحام في عهد محمد الخامس، طيب الله ثراه، وآخر بالحسن الثاني تغمده الله برحمته، وثالث بأمير المؤمنين محمد السادس دام له النصر والتأييد.
- مظاهر التأييد في عهد محمد الخامس :

1- فكرة تأسيس عيد العرش : (1) 
في سنة 1933، عملت كتلة العمل الوطني على إصدار جريدة داخل المغرب بالفرنسية تحما اسم "عمل الشعب" واضطلعت هذه الصحيفة التي كان يديرها محمد حسن الوزاني بمهمة نقد سياسة سلطات الحماية، غير أن أهم ما قامت به هذه الصحيفة وأكثره أثرا في تاريخ الحركة الوطنية، هو دعوتها إلى تأسيس "عيد العرش" ليكون عيدا وطنيا يحتفل به المغرب في 18 نونبر من كل عام، وكان يوم 18 هذا هو يوم وصول محمد الخامس إلى الحكم ويوم مولده، وبدلك أصبح هذا العيد تكريسا علنيا للتعاون بين الملك والحركة الوطنية.(2)
وقد تزامن هذا الإجراء مع لجوء علال الفاسي إلى العاصمة الفرنسية بباريس. خوفا من أن تعتقله سلطات الحماية بالمغرب، وهو اللجوء الذي استغله الفرنسيون لإيقاع العداوة بين علال الفاسي وملك المغرب، فكتبت السلطات الفرنسية تقريرا زعمت فيه أن اللاجئ إلى باريس، حل بها بتكليف من كتلة العمل الوطني، بغية إقناع السلطات الفرنسية بإرجاع المولى عبد الحفيظ سلطانا على المغرب، غير أنه لما وصل إلى علم جريدة "عمل الشعب" هذا الخبر المزيف تكلفت لجنة تحريرها بمهمة الرد عليها ردا عمليا، فنادت بالاحتفال بعيد العرش كل عام، ليتاح للشعب المغربي إظهار مدى تعلقه بملكه والتفافه حوله، وحول نجله الأمير مولاي الحسن. وبذلك ما أن حل الثامن عشر من شهر نونبر 1934 حتى تبارت مدن المغرب وبواديه في إعلان بهجتها بعيد العرش وصاحبه، فازدانت الشوارع وصدحت الفرق الموسيقية بالألحان، وأرسل محمد الوزاني برقية باسم لجنة "عمل الشعب" إلى الملك مهنئا بالعيد، كما أرسل علماء القرويين وطلابها ومختلف الفئات الشعبية برقيات مماثلة إلى صاحب العيد، وبذلك فشلت المؤامرة التي كان يدبرها الفرنسيون لإحداث القطيعة بين رجال الحركة الوطنية وملك البلاد، وفي ذلك يقول علال الفاسي : "ومع أن جلالة الملك أعقل من أن يصدق أمثال هذه الترهات، فإن الكتلة الوطنية لم تقف موقف المتفرج من عمل الفرنسيين، وقد أرادت أن تظهر عمليا عواطف الوطنيين الحقيقية نحو ملكهم العظيم من جهة وتفضح الفرنسيين وتكشف عن نفاقهم من جهة أخرى، فاهتدت إلى فكرة سديدة هي تأسيس عيد العرش المغربي يوم 18 نونبر"(3) 

2- مظاهر التأييد :
مظاهر تجليات وتأييد الشعب المغربي، جماعات وأفرادا، متعددة على طول فترة الكفاح الوطني ضد المستعمر وبعده، ومن هذا التأييد ما اكتسى صبغة النضال السياسي الفكري، ومنه الكفاح المسلح الذي دخل في صدام دام ضد المحتل والمتعاونين معه، وسوف نقتصر في هذا العرض على تقديم بعض الأمثلة لذلك فحسب.
أ- على مستوى الحركة الوطنية : (النضال السياسي)
كان رد فعل الحركة الوطنية ضد الظهير البربري الصادر بتاريخ 16 ماي 1930 قويا، وهو الظهير الذي أراد أن يحدث شرخا في جسم الأمة المغربية(4) عندما نص على ضرورة إحداث قوانين ومحاكم عرفية خاصة بالبربر. فقام الشعب المغربي كرجل واحد معبرا عن رفضه لهذا الظهير  باعتبار أن الإسلام والعروبة توحد بين كل مكونات الشعب المغربي. وما يهمنا في هذا الموضوع هو أن وفدا تكون في مدينة فاس انتخب عنه لجنة كان علال الفاسي من أعضائها وتقدم بمطالب إلى الدوائر العليا، تطالب بإلغاء الظهير البربري، وبربط جميع الموظفين الدينين والمدنيين بسلطة الملك الشخصية، وبذلك يكون التأييد للملك والتعلق به أمرا معمولا به، قبل تأسيس عيد العرش وبعده. وعندما قرر رجال الحركة الوطنية تغيير اسم التنظيم الذي يعملون في إطاره لأسباب موضوعية  وسياسية من كتلة العمل الوطني إلى الحزب الوطني لتحقيق المطالب المغربية(5)  في أبريل من سنة 1937، كان أهم أساس انبنى عليه عملهم هذا، هو تمسك المغرب بالنظام الملكي، باعتبار أن هذا البلد لم يعرف منذ أربعة عشر قرنا شكلا آخر للحكم غير الملكية.
ولو حاولنا تتبع كل مظاهر التأييد التي عبر عنها رجال الحركة الوطنية تجاه ملك البلاد لما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لكثرة هذه المظاهر، غير أننا لا نود ختم هذا الموضوع دون الإشارة لأهم تأييد وأعظمه، وهو الذي ورد في وثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944، عندما طابت هذه الوثيقة باستقلال المغرب(6) ووحدة ترابه تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد سيدنا محمد بن مولانا يوسف نصره الله وأيده" طالبة منه في الوقت نفسه أن يقوم بالإجراءات اللازمة لدى الدول التي يهمها الأمر للاعتراف، بهذا الاستقلال وضمانه، وهو ما تم العمل به من الجانبين : الحركة الوطنية، وملك البلاد إلى أن تحقق الاستقلال.
أ- على مستوى الكفاح المسلح :  
لن أطيل في هذا الموضوع لأن أخبار الجهاد والمعارك البطولية، ضد الاستعماريين الإسباني والفرنسي، سارت بذكرها الركبان، سواء تعلق الأمر بعبد الكريم الخطابي في الريف.(7) أو موحى وحمو الزياني في جبال الأطلس(8) أو ماء العينين في الصحراء المغربية وسوس،(9) ناهيك عن بطولات المقاومة وجيش التحرير التي اندلعت شراستها بعد نفي محمد الخامس. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن كل هذه التضحيات البشرية والمادية التي استرخص فيها المغاربة الغالي والنفيس، كانت تعبيرا عن حب المغاربة لبلادهم وتأييدهم لملكهم واستعدادهم للموت من أجله.

- مظاهر التأييد في عهد الحسن الثاني :
قبل الحديث عن أبرز قرارات الحسن الثاني السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حظيت بتأييد الشعب المغربي ومباركتها لها، أرى من المفيد أن أقدم الخطوط العريضة لبعض جوانب الفضيلة والحس الوطني القوي، والإخلاص للدين والوطن، في شخصية هذا الملك.
1- بعض جوانب الفضيلة والإخلاص في شخصية الحسن الثاني :
ويمكن رصد هذه الجوانب من خلال أقوال جلالته رحمه الله وخطبه وتصريحاته. ففي أول خطاب له إلى شعبه الوفي، بعد توليته الملك في 3 مارس 1961 يقول : "وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا كما أعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص  على وحدته وإعلاء شأنه بين الدول"(10).
المتمعن في هذا النص القصير في حجمه، الغني بمعانيه، يدرك أن المغفور له الحسن الثاني، كان واعيا بجسامة المسؤولية وخطورتها(11) منذ انتقل والده إلى دار البقاء، رغم حداثة سنه. وقد التزم بتحمل هذه المسؤولية وفقا لتعاليم الدين الإسلامي وقيمه السامية. وبما أن المغاربة متشبثون بكتاب الله وسنة نبيه، فقد
وجدوا في ملكهم الأمير المسلم ذي الإيمان الراسخ الذي لا يمكنه أن يكذب ولا أن ينكث العهود فصاروا يؤيدونه بشكل  تلقائي في كل ما يقدم عليه من خطوات.
إن إيمان الحسن الثاني القوي بالعقيدة الإسلامية ومقاصد تعاليمها المستمدة من الكتاب والسنة وخصوصا ما يتعلق بالاستخلاف إيمان لا يتزعزع، ويرد على لسانه ما يؤكد ذلك في كل مناسبة، من ذلك قوله : "...اقتضت حكمة الله أن يضع على عاتق خلفاء المسلمين وأمرائهم أمانة خلافته في الأرض، فجعل بذلك على رأس مهامهم مسؤولية الذود عن الشريعة والحفاظ على الدين وحماية المجتمع الإسلامي من كل زيغ أو ضلال مبين..."(12)
ومن مظاهر إيمان هذا الملك بالله، وتشبته بكتابه العزيز، كثرة استشهاده بآيات بينات من القرآن، وكان من عادته رحمه الله أن يبدأ خطبه بالحمد لله والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ويختم بآية قرآنية أو أكثر.
إن المجال لا يسع هنا للاسترسال في عرض مثل هذه الأمثلة لكثرتها. وكان غرضي من إدراج النصين السابقين هو الربط فقط بين جوانب الفضيلة في شخصية الحسن الثاني وبين تأييد شعبه له اللامشروط.
2- بعض قرارات الحسن الثاني السياسية والاجتماعية وتأييد شعبه لها :
فكر الحسن الثاني رحمه الله متعدد الأبعاد، وبصفته قائد دولة حديثة، يجمع بين الأصالة والتجديد،فإنه من الصعب على أي دارس الإلمام بكل مكونات فكره وتجلياتها وخصوصيتها سواء تعلق الأمر بإنجازاته الوطنية الكبرى في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو بإسهاماته الإيجابية في السياسة الدولية وخصوصا القضية الأكبر أثرا، في مستقبل المغرب وبناء دولته الحديثة وهو أمر ارتاحت له مكونات الشعب المغربي وأقصد بذلك الجانب الديمقراطي والوحدة الترابية للمملكة المغربية.
أ‌- الجانب الديمقراطي :
هل كان للمغرب دستور قبل سنة 1962؟ يمكن أن نجيب بالنفي إذا ما استثنينا مشروع دستور 1908 الذي نشر في أربعة أعداد متتابعة بجريدة أسبوعية تحمل اسم "لسان العرب" كان يصدرها بطنجة السيد فرج الله  تمور.(13) وهو المشروع الذي طال الجدل يدور حوله إلى أن خضع المغرب للاحتلال الفرنسي الذي استمر حتى سنة 1955 تاريخ عودة محمد الخامس من منفاه، وحصول المغرب على حريته واستقلاله.
وابتداء من سنة 1962، وعلى امتداد العقود التي تولى فيها الحسن الثاني رحمه الله حكم البلاد، عرف المغرب مجموعة من الدساتير كان وراء هندستها وإبداعها، الملك نفسه، بصفته ديمقراطي الطبع، وحقوقي التكوين الجامعي، هدفه وضع القواعد التشريعية والأسس القانونية لبناء دولة الحق والقانون، منذ تسلمه عرش البلاد، وهذه الدساتير هي :
- دستور 1962.(14) 
- دستور 1970(15).
- دستور (16) 1972
- الدستور المراجع سنة 1992.(17)
- الدستور المعدل بموجب استفتاء 1996.(18)
ويفسر تعدد هذه الدساتير وعي جلالة الملك الحسن الثاني بحيوية شعبه وتطوره من سنة إلى أخرى ومن عقد إلى آخر. لذلك كان الواجب والمنطق والضرورة الملحة تفرض مراجعة بعض بنود ومقتضيات الدستور المعمول به، مما يحتم العمل على إصدار دستور جديد تتلاءم فصوله مع تطلعات الشعب الراهنة ومطالب القوات الحية من أحزاب ونقابات ومنظمات غير حكومية وظل جلالته ينقح ويضيف، ويشذب هذا الدستور إلى آخر نفس من حياته وبذلك يمكن القول على حد تعبير أحد مستشاري جلالته : "إن التاريخ الدستوري المغربي يسجل لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني حل المعادلة الصعبة للتركيب الخلاق للتحديث الديمقراطي للدولة المغربية مع حفاظها على جوهر هويتها المتميزة وثوابتها التاريخية..."(19)
وعن رأيه في الديمقراطية أجاب جلالته أحد الصحفيين بقوله : "من الأحسن أن تمنح (يقصد الديمقراطية) بدلا من أن تنتزع وسترى أنه في الدستور الجديد الذي وافق عليه الشعب بعد أن عرض عليه في استفتاء شتنبر 1992، سترى أني تنازلت عن عدد من صلاحياتي بغية تشخيص المسؤوليات بشكل أفضل، فإذا كانت المظلة هي شعار الملكية، فإن هناك الكثير ممن استظل بها في الوقت الذي صرت معرضا لضربات الشمس..."(20)
وهذا يعني أن هذا الملك كان يضحي يكل شيء من أجل إسعاد شعبه وهو الشعب الذي كان يوافقه على كل خطواته لأنه يعلم مدى حبه له. وما من شك في أن المجهود الفكري والعمل الإبداعي الخلاق الذي أفرغه الحسن الثاني في هذه الدساتير بحسه الوطني القوي، وإيمانه العميق بالمثل الإسلامية العليا، هو الذي أفضى بمغربنا الحبيب إلى أن يعيش تجربة التناوب، هذه التجربة الديمقراطية الفريدة من نوعها في العالم العربي خصوصا والثالث عموما.
ب‌- جانب الوحدة الترابية :
كان جلالته رحمه الله يرى في قضية استرجاع الصحراء المغربية قضية المغرب الأولى، وهي القضية التي أخذت منه كل وقته، وضحى من أجلها بكل الغالي والنفيس(21) وذلك بعد أن أقرت محكمة العدل الدولية بوجود روابط ولاء بين أعالي الأقاليم الصحراوية وملك  المغرب، على أساس البيعة المستمدة سواء قبل الاستعمار الإسباني أو أثناءه، على أساس البيعة المستمدة من الشريعة الإسلامية، طبقا لقوله تعالى : "إن
الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما"(22).
وهكذا ما أن أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها في قضية الصحراء حتى أعلن في الرباط عن عزم جلالة الملك على توجيه الخطاب إلى شعبه يوم 16 أكتوبر 1975. لكن ما هو الموضوع الذي سوف يتحدث عنه في هذا الخطاب؟ جاء الموعد واختفت التكهنات عندما أعلن جلالته وسط دهشة الجميع عن توجيه مسيرة سليمة إلى الصحراء، قوامها 350 ألف متطوع رجالا ونساء.
ومرة أخرى يستجيب الشعب لنداء ملكه، بشكل تلقائي وبأعداد فاقت القدر المطلوب من المتطوعين، وهو ما عبر عنه جلالته بقوله : "وما كدنا نعلن نبأ المسيرة حتى وجدنا فيك الاستجابة والطاعة والتسابق للخير، مما أنت مجبول عليه من تلك الخصال الحميدة...و" وإذا كان جلالة الحسن الثاني تغمده الله برحمته، قد أبدع في ابتكار هذه الوسيلة النضالية السلمية، فإن إبداعه كان أكثر في تحديد عددها المقسم بشكل معقلن بين الرجال والنساء، وفي توفير كل الآليات التنظيمية واللوجيستيكية لتأطير هذا العدد الهائل من البشر ونقله من مختلف مدن وأقاليم المملكة إلى الصحراء ذهابا وإيابا، مع ما يلزم ذلك من وقود ومؤن وماء، واحتياطات أمنية.
انطلقت المسيرة في اتجاه الصحراء يوم 6 نونبر 1975،(23) واجتازت الحدود المصطنعة، ووطأت أرجل الشعب المغربي أرض الصحراء المغربية الحبيبة. وفي مساء يوم العاشر من نفس الشهر، وجه جلالة الملك الحسن الثاني خطابا إلى المتطوعين يخبرهم أن المسيرة قد أدت رسالتها(24) بعد أن جنحت إسبانيا إلى قبول مبدأ تصفية الاستعمار في الصحراء المذكورة، فلبى الجميع نداء ملكه وعاد كل من شارك في المسيرة من حيث أتى، وبقية المسلسل النضالي معروفة سواء في عهد الحسن الثاني أو بعده.
إن مثل هذا الانضباط لا يمكن أن يتم بين حاكم ومحكوميه إلا إذا كانت المحبة التي تجمع بينهما قوية، صافية صادقة ومتبادلة لا تعادلها إلا مظاهر الإكبار والإجلال التي دأب الشعب المغربي على التعبير عنها كلما حلت ذكرى موعد عيد العرش المجيد، سواء في عهد محمد الخامس أو في عهد الحسن الثاني أو في عهد محمد السادس الزاهر أيده الله بنصره.
- مظاهر التأييد في عهد محمد السادس :
في يوم 30 يوليوز ستحل الذكرى الثانية لتربع صاحب الجلالة محمد السادس على عرش أسلافه الكرام، وهي مناسبة تلبس فيها كل مدن المغرب وأقاليمه حلة جديدة ليعبر سكانها عن فرحتهم وتأييدهم وتعلقهم بملكهم الشاب الذي نفذ إلى قلوب المواطنين، بما يبذله من جهد متواصل من أجل إسعادهم، وخصوصا الفقراء منهم. ورغم المدة القصيرة التي مرت على توليه حكم البلاد،  فإن القرارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أقدم ويقدم على اتخاذها، لا تزيد شعبه إلا إعجابا به.
ولذلك فإن الباحث يحتار في اختيار الملفات التي يريد النبش فيها، لإبراز أهم القضايا التي تقض مضجع الملك محمد السادس، وتشكل أولوية الأولويات بالنسبة له، خصوصا وأن القضايا والمشاكل تتساوى بالنسبة له، داخلية كانت أو خارجية، سياسية أو ثقافية. مثل : 
- ملف الصحراء المغربية.
- قضية الشغل.
- قضية الانتقال الديمقراطي.
- قضية حقوق الإنسان.
- الملف الاجتماعي.
- المفهوم الجديد للسلطة.
- التنمية القروية.
- الشراكة مع أروبا.
- ملف التربية والتعليم.
- قضية المرأة.
- بناء المغرب العربي.
- العولمة.
- قضية فلسطين والقدس.
- التعاون العربي الإفريقي.
هذه الملفات كلها وغيرها التي تحظى بعناية جلالته تحتاج إلى مجلدات وعقود من الزمن لكل من أراد أن يتعمق في دراستها وإبراز مضامينها. ولذلك سوف نكتفي في هذا العرض بإعطاء انطباعات جلالته عن بعض هذه الملفات، من خلال ما ورد على لسان جلالته في بعض خطبه ورسائله وتصريحاته، أو من خلال بعض الدراسات حوله.

1- حول الملكية والحداثة والمؤسسات الدستورية :
في أول خطاب له يوم 30 يوليوز 1999، ذكر جلالته أنه "فيما يتعلق بالمؤسسات الدستورية سينحصر همنا في تقديم التوجيهات والنصائح الثمينة، ولعب دور الحكم، الذي هو فوق كل انتماء."(25) وسيعود جلالته لنفس الموضوع، في خطابه الثاني يوم 20 غشت رابطا ذلك بالملكية والحداثة، واضعا نفسه في نفس خط العمل الذي كان يسير عليه والده قدس الله روحه، فيما يخص فكره السياسي العصري والمجدد، الذي يجسده إرساء قواعد ملكية دستورية تروم مشورة الشعب، ليظل بذلك وفيا للنهج الحسني ومرتبطا بالبيعة التي تلزمنا وتلزمك،(26) بيعة تستمد وجودها من الكتاب والسنة، وترتبط بشكل وثيق مع الدستور المغربي الذي ينص على أن الملك أمير المؤمنين، هو القائد الأعلى للأمة ورمز وحدتها وضمان استمرارية الدولة وحامي الدين والوطن والوحدة الترابية داخل حدودها الحقيقية والساهر على احترام الدستور الذي يضمن الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين"(27).
إن المتمعن في هذه الأفكار السامية، يجد أن جلالته واعيا تمام الوعي بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقه، ومقرا العزم على القيام بكل ما يلزم من أجل أن تتبوأ رعيته المكانة الحضارية التي تليق بها بين دول العالم، خصوصا ما يتعلق بالوحدة الترابية والعقيدة الإسلامية، والجانب الديمقراطي، وحقوق الإنسان.

2- الصحراء المغربية قضية المغرب الأولى :
بخصوص هذا الموضوع ورد في خطاب العرش يوم 30 يوليوز 199 : "نجدد التزامنا بإتمام وحدتنا الترابية التي تشكل أقاليمنا الصحراوية ضمنها، القضية الوطنية المركزية، ونحن ننتظر تنظيم الاستفتاء التأكيدي تحت رعاية هيأة الأمم المتحدة"(28) وهو في ذلك يسير على نهج والده رحمة الله عليه، عندما عاد للتأكيد على أهمية الصحراء بالنسبة له في خطابه بمناسبة تخليد الذكرى التاسعة والأربعين لثورة الملك والشعب، يوم 20 غشت 1999.(29) هذه القناعة بمغربية الصحراء هي التي أكدها أيضا في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة زيارة الرئيس الصيني الرسمية للمغرب، يوم 28 أكتوبر 1999 الرباط، وفي جوابه على سؤال من مجلة "التايمز" الأمريكية في الموضوع يوم 26 يوليوز 2000،(30) وفي كل فرصة أتيحت له.

3- المرأة والطفولة والشغل :
ملف المرأة والطفولة من الملفات الاجتماعية التي تحظى بعناية جلالته بشكل لافت للنظر، وبذلك نجده يتساءل بخصوص موضوع المرأة : "كيف نأمل تحقيق التقدم والرفاهية، في الوقت الذي ترى فيه النساء اللائي تكونن نصف المجتمع، مصالحهن ضائعة، دون الأخذ بعين الاعتبار الحقوق التي منحها إياهن ديننا الحنيف، وجعلهن بذلك متساويات مع الرجال، وهي حقوق تتناسب مع مهمتهن النبيلة، وإنصافهن ضد الظلم والعنف الذي يمكن أن تتعرضن له، في وقت حققت في النساء مستوى يسمح لهن بمنافسة الرجال، سواء في الميدان العلمي أو في الشغل"(31).
وفي رسالة من جلالته بمناسبة انعقاد الدورة الوطنية لبرلمان الطفل بالرباط يوم 25 ماي 2000، نقرأ على الخصوص : "بالرغم من المنجزات الكبيرة التي تم تحقيقها في الميادين المرتبطة بحماية الطفل وتنمية ظروف عيشه، مثل التربية والتعليم والصحة، فإن مسلسل الدفع بتحسين وضعية الطفل يجب أن يتواصل لمدة طويلة، لأن التحديات التي تفرضها بعض الظواهر الاجتماعية لا زالت مستمرة في التأثير بشكل سلبي على الجهود الكبيرة التي نبذلها...".
أما معضلة البطالة فتحتل بالنسبة لجلالته الدرجة الثانية بعد قضية الوحدة الترابية يتضح ذلك من مضمون خطاب جلالته الافتتاحي للدورة التشريعية الثالثة للبرلمان يوم 8 أكتوبر 1999.
إن اهتمام الملك محمد السادس بكل هذه الملفات الاجتماعية وغيرها، بشكل لا يعرف الكلل ولا الملل، علاوة على قضايا السياسة الخارجية كقضية فلسطين، وبناء المغرب العربي والشراكة مع أروبا، ونجاحه بذلك في زرع الأمل في النفوس(32) هو الذي يجعل رعيته تهتف بحياته عندما يجود الزمان باللقاء به، وتعبر عن فرحتها العارمة وتأييدها له كلما حلت ذكرى عيد العرش، يوم تربعه على عرش أسلافه الكرام، كيف لا وهو يجسد أمل هذه الأمة المشرق.

(1) - أحمد عسة المعجزة المغربية دار القلم بيروت 1975 ص 196.
(2) -  محمد حسن الوزاني، حرب القلم، نشر مؤسسة محمد حسن الوزاني، بيروت 1981 ج 1 ص 20.
(3) - علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، لجنة نشر تراث زعيم التحرير المرحوم علال الفاسي، الرباط 1984 ص 161.
(4) -  Brahim Boutaleb Abdelaziz Amine et  autres Histoire du Maroc Casablanca 1967,p392.
(5) -  علال الفاسي م س، ص 196.
(6) - محمد زنيبر صفحات من الوطنية المغربية دار النشر المغربية الدار البيضاء 1990 ص 103.
(7) - أحمد البوعياشي حرب الريف التحريرية ومراحل النضال، جزآن طنجة 1974.
(8) - محمد العلمي حركة  تحرير الأطلس الدار البيضاء 1979 ص 27 وما بعدها.
(9) - محمد خير فارس، تنظيم الحماية الفرنسية في المغرب (1912-1939) دمشق 1972، ص 94.
(10) - ضمن أول خطاب وجهه جلالته إلى شعبه الوفي إثر توليته الملك في 3 مارس 1961.
(11) -  روم لاندو الحسن الثاني ملك المغرب، ترجمة بنحمان الداودي، الرباط 1999 ص 139.
(12) - نص جلالة الملك الحسن الثاني تغمده الله برحمته ورد في دعوة الحق، عدد 268، عام 1988 ص 139.
(13) - دساتير دول المغرب العربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية 1998 عدد17 ص 131.
(14) - نفسه ص 141 وما بعدها.
(15) - نفسه ص 161 وما بعدها.
(16) - نفسه ص 181 وما بعدها.
(17) - نفسه ص 201 وما بعدها.
(18) - دستور 1996 منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية 1998 عدد 18.
(19) - محمد معتصم، التركيب الخلاق بين الأصالة والتجديد في الفكر الدستوري والممارسة الحسية للحكم مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية دورة أبريل 2000، الجزء 1 ص 127.
.(20) - ERIC laurent Hassan II la mémoire d’un Roi Paris 1973.p100
(21) - الصحراء المغربية نشر وزارة الدولة في الإعلام دون مكان ولا تاريخ ص 23 وما بعدها.
(22) -  سورة الفتح، الآية 10.
(23) - إبراهيم دسوقي أباضه، وعادت الصحراء، ط : المحمدية، 1976 ص 181.
(24) -    نفسه ص 200.
(25) - Mustapha Schini citation de S.M Mohammed VI Edition Okad Rabat 2000 p14. 
(26) - مخاطبا شعبه.
(27) - MUSTAPHA SCHIMI OP P 16.
(28) - Ibid p 57
(29) Ibid p 57   -
(30) - Ibid p 58   
(31) - خطاب جلالته بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لثورة الملك والشعب، يوم 20 غشت 1999
(32) - كامل الكيلاني، محمد السادس أمل المغرب المشرق الدار البيضاء 2000.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here