islamaumaroc

كتاب"الشعر المغربي في العصر المريني"، تأليف الأستاذ عبد السلام شقور [سبق نشره في العدد 350!]

  محمد سعيد صمدي

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

ليس من اليسير استقصاء وتتبع المقول الشعري الذي تختص به من مرحلة من المراحل السياسية في التاريخ المغربي القديم والوسيط، ذلك أن حصيلة هذه النصوص الإبداعية لا يمكن تجميعها، وضبط مواضيعها، وإبراز قضاياها الكبرى التي هيمنت عليها في الفترة وما بعدها؛ ولابد أن يستوعب التتبع والتنقيب المصادر بمختلف اتجاهات خطاباتها « تراجم- فهارس- إبداع- دين- تاريخ- تصوف...»؛ وهنا تتجلى المصاعب الأولى التي تواجه الباحث والمهتم بالجانب الشعري باعتباره مكونا من مكونات الثقافة التراثية المغربية.
وكتاب « الشعر المغربي في العصر المريني» للدكتور عبد السلام شقور حلقة من حلقات البحت والدراسة في جانب من جوانب التأصيل والتنظير لطبيعة الدرس الأدبي المغربي من خلال أحد أهم العصور وأخصبها رواء شعريا،(1) وهو عصر بني مرين.
والكتاب في أصله جزء مهم من « أطروحة» نال بها المؤلف« درجة دكتوراه دولة»، وقد نشرته جامعة عبد المالك السعدي بتطوان ضمن سلسلة الأطروحات رقم 1 سنة 1996، ويضم بين دفتيه 421 صفحة.
لاشك أن اقتحام هذا النوع من البحث المؤسس على الجمع، والتنميط، والتحليل، الذي يهدف إلى التأصيل وإثبات البعد القيمي للشعر المغربي، عمل كؤود، ورحلة شاقة حطت بصاحبها في ساحل الأمان، والأمان في هذا المساق النتيجة الهامة التي حققها هذا البحث، وهي « كونه جعل الشعر المغربي في العصر المريني يستعيد مكانته في مسلسل نشوء هذا الشعر وتطوره في المغرب، إلى حد أننا نستطيع القول بأننا نملك تاريخا للشعر المغربي بصورة وافية منذ القرن السادس الهجري إلى اليوم من خلال الدراسات التي تناولت هذا الشعر»(2)
والملفت للنظر هو أن المتأمل في الشعر المغربي يجده شعرا مشبعا بالنزعة الدينية، هذه النزعة التأثيرية الواضحة هي التي وزعت القصيدة المغربية إلى أغراض طافحة بالبعد الديني، مع الإقرار بحضور متواضع لبعض الأغراض الأخرى كالمديح مثلا، ذلك أن السلاطين كثيرا ما كانوا يفتحون قصورهم للفقهاء والعلماء، ويرحبون بهم في منتدياتهم ومجالسهم أكثر من ترحيبهم بالشعراء،« لذا قل في تاريخنا شعراء البلاطات الذين يتصرفون إلى الشعر يذبحون به من مدائح الملوك».(3)
وبناء على جملة من معطيات النصوص، وآليات الدراسة والتحليل يؤكد الدكتور عبد السلام شقور عن خصوصية الشعر المغربي وتميزه- والشعر المريني درة من درره- من خلال شفوف المغاربة، وتفوقهم في شعر النبويات، وما حام حولها من توسلات، وزهديات، وربانيات...
على أن القراءة المستوفية لطبيعة النص الشعري المريني حالت الأستاذ شقور إلى استشفاف القضايا الأساسية الكبرى التي تحكم القصيدة، وتهيمن على مضامينها، وقد تبين أن هناك ثلاث نزعات تتقاسم هذه القضايا سيرد ذكرها بعد حين.
وبإطلالة سريعة على هذا « الكتاب» في حلته الجديدة، نقف على التقسيم التالي الذي يتوزع في صفحاته:
• التقديم: (*)
وهو للدكتور محمد الكتاني نعرض فيه لمسألتين أساسيتين:
• الجهد المبذول في اقتحام « فضاء أدبي كبير غارق في ضيابية كثيفة».
• قراءة خاطفة مركزة في طبيعة العصر السياسية والأدبية
• المقدمة: (*)
نقرأ في هذه المقدمة الدواعي التي حفزت المؤلف إلى انتخاب العصر المريني فضاء مميزا للدراسة والنظر على مستوى الخطاب الشعري؛ ورغم أن الزمن المريني كان زمن التقلبات السريعة،والطفرات النوعية فإن التعبير الشعري رغم شفافيته ووجدانيته ظل وفيا للواقع المعيش الذي ينبع منه « يؤرخ بطريقته الخاصة للتحولات الكبرى، بل إنه يرصد حتى ما تعجز كتب التاريخ عن رصده»، وبالتالي فدراسته « توقفنا على الثابت عن رصده»، وبالتالي فدراسته « توقفنا على الثابت والمتغير  في الحياة على المستوى الجمالي والفني واللغوي والسياسي والاجتماعي والثقافي».
وبخصوص المسلك المنهجي الذي سيوظف في بناء هذه الدراسة يؤكد المؤلف أن المنهاج المتتبع في أية دراسة يجب أن يكون منبثقا من طبيعة الخطاب الذي يشتغل عليه الدارس ولا يمنح آليات إجرائية مسبقة من منهج معين قديم أو حداثي يتم تطبيقها بشكل إسقاطي إنزالي على نصوص لا تحتمل هذا النوع من النظر والتحليل، « والدارس إذ يروم الاقتراب من النص لا يفرض عليه منهاجا، ولا يسجنه في قالب صنع له مسقبا، وإنما يحاوره، وينصت إليه بإحساسه ووجدانه، خاصة وأن الشاعر المريني كان شاعرا متفننا متذوقا لشعره، درجة وعيه بحرارة القصيدة، عالية، له دراية واطلاع على معيبات النقاد القدامى؛ لذلك كان هذا الشاعر « يعمل على أن يأتي  مدحه أو هجوه على أحسن وجه، فيتجنب ما عابه النقد، ويقبل على ما قبله».
وهذا النحو من القول بعيد للقصيدة المرينية مركزها ومكانتها، وسواء من حيث القيم الدلالية أو الإيقاعية الفنية.
ثم نقرأ في آخر هذه المقدمة تصميما مختصرا لمحتويات الكتاب، ورصدا مفصلا لأهم الدراسات السابقة التي تعرضت لهذا الموضوع، والتي كان قصدها الأساس « التعريف ببعض جوانب الشعر المريني، فلم يكن من شرطها لذلك استقصاء المادة الشعرية وتحليلها، وبيان ما تطرحه من قضايا وظواهر».

• المدخل(*)
وهو بعنوان :« بحث في منابع الإبداع الشعري عن شعراء بني مرين».
وضع المؤلف هذا المدخل للنظر في السياق العام الذي تنزلت فيه القصيدة المرينية، وهو من أسماه« بالمنابع»، على اعتبار أن القصيدة أو أي نوع من الخطابات لا يمكن إلا أن يكون تابعا متفجرا من واقع معين، له إشكالاته الخاصة، وقضاياه الكبرى، وآماله وآهاته؛ وهذا لا يعني بالضرورة بالنسبة للمؤلف العودة التقليدية، والانصراف الكلي إلى « كتابة التاريخ السياسي،والاجتماعي والثقافي للعصر»، وإنما الغرض الوقوف على صلات الترابط والتواصل والتفاعل بين النظرة على البينة الثقافية التي كانت مهيمنة فترتئذ على كل من الطبقة الحاكمة، والفئة العالمة.
ولقد كان للهجرة الأندلسية إلى المغرب أثر كبير في إثراء وإغناء ثقافة العصر، إلى جانب ما كان يزخر به المغرب من بيوتات علمية شهيرة « كبيت بني المكودي»، و« بيت ابن آجروم»، و« بيت ابن أبي مدين»، و« بيت ابن بني عطية»، وغيرهم.
وقد تأثرت ثقافة هذا العصر بأربع تيارات معرفية هامة حددها المؤلف في الترتيب التالي:
• التيار الأدبي واللغوي
• التيار العقلي
• التيار الفقهي
• التيار الصوفي
وتبرز هذه التيارات طبيعة المنابع الثقافية والفكرية التي نهل شعراء بني مرين منها، وانطلقوا من معطياتها وثوابتها، وما يلاحظ عليهم التزامهم المطلق بالتصورات الدينية خاصة « المذهب السني» ثم انصرف المؤلف لبسط حديثه عن النبوغ العلمي والأدبي عند المرينيين من خلال الإشارة لثقافتهم الفقهية واللغوية والبلاغية والنقدية، فذكر بأهم مقروءاتهم الشهيرة، وكتبهم، وشروحهم، ومنظوماتهم، وختم حديثه في هذا المدخل بالانتقال إلى الفضاءات المكانية التي نشطت فيها هذه الحركة الثقافية، إذ لم يبق النشاط العلمي والأدبي محصورا في فاس ومراكش... وبرز شعراء في كل من (أغمات) و(تازا) و(أنفا) و(شبوكة) « وهي قرية على مقربة من فاس« و(أصيلا) وغيرها من الجهات التي لم يكن لها « حضور» في المجال الأدبي».

• الباب الأول:
قضايا الشعر المريني(**)
ويضم ثلاثة فصول اختصت برصد النزعات التي بدت فيها القصائد نابضة حية بفعل سحرها وتأثيرها؛ لذا بان للمؤلف من خلال فحص متون الشعر المريني تقسيم قضاياه المركزية إلى النزعات التالية:
1-النزعة الدينية « الفصل الأول»:
لعل تعلق أهل المغرب تعلقا لأحد له بمهبط الوحي، ومقام الروض الشريفة، وشوقهم المتزايد إلى الزيارة
والتبرك العامل الأساس المفسر لذيوع هذه النزعة وحضورها المكثف في الخطاب الشعري المريني وغيره، وقد ولد هذا الحب الإلهي والعشق النبوي ألوانا وفنونا من هذا النوع من الشعر رصدها المؤلف في هذا الفصل رصدا مفصلا،مازجا فيه بين التحليل والتنظير، واستجلاب الشواهد الشعرية الملائمة لكل من فنون شعر النزعة الدينية: نبويات، حجازيات، فعاليات، ملاحم ومطولات في السيرة:« نوادر النظام لابن داود، ومقصورة المكودي»، « ربانيات»....
ولقد حاول المؤلف أن يبحث في جذور جدلية الواقع المعيشي، والذات الشاعرة، « والظاهر أن شعراء النبويات وهم يرددون معجزات الرسول (ص)  إنما كانوا يبلورون حاجة المجتمع آنذاك إلى مثال كان يفتقده، أو إلى أمل يتعلق به، والتوسل والاستغاثة من مظاهر النفس المهزومة، وفي التوسل تفجع وحسرة وخوف وإشفاق وتضرع وبكاء، وفيها يبدو العالم وقد أظلم من حول الشاعر، فيروم الشاعر الخلاص الدنيوي والآخروي».
لاشك أن هذا النحو من النظر النقدي يحوز قدرا كبيرا من الموضوعية والانسجام؛ على اعتبار أن المنهج التحليلي الذي يتوخى الغوص في أعماق الذات الشاعرة،وتحليل خطابها الشعري، مع ما يتوافق والموروث الثقافي المهيمن على الذهنية العالمة والشعبية، يفضي إلى خطاب نقدي عميق الدلالة، يعيد الرؤية، منسجم الفكر والتأويل.
وهكذا يظهر الشعر الديني بكل ألوانه نابضا بالحياة، معبرا عن المعاناة والآهات، يثوي في ثنايا سطوره ملامح الجمالية والقيم الفنية التي قد تفتقده في غيره من أنماط القول.
2- النزعة الاجتماعية:
وفي الفصل الثاني يتصرف البحث إلى طرق غرض المديح « السلطاني»، ومن أشهر ممدوحي هذا العصر: السلطان أبو الحسن وولده السلطان أبو عنان، وقد قيلت فيهما مدائح كثيرة سواء من المغاربة أو من غيرهم، ذلك أن شهرتها تجاوزت آفاق المغرب
ويتعرض بعد ذلك إلى ألوان أخرى من المديح خصت بالأعيان وذوي المكانة، ومن أشهرهم« الوزير ابن الحكيم، وابن الخطيب، والأديب ابن الأحمر، وأبو علي الملياني، وأبو الحسن الشاري، والكاتب ابن الكماد».
ولم يكن مديح هؤلاء في كثير من مقصدياته بريئا، بل كانت له وظيفة معيشية استرزاقية، اللهم إذا استثنينا القصائد ذوات الصدق الحميم التي كانت تقال في الشيوخ والعلماء كنوع من البرور، والاعتراف بجميل التعليم والتلقين»، ولا يستوحي الشاعر في مدحه شيخه غير حبه إياه وتقديره له، ووفائه بحق الشيخ، فهو لون من ألوان البرور، وطريقة من طرق الوفاء، كان قدماؤنا- رحمهم الله- شديدي الحرص عليها».
ويدخل في هذا الصنف من الشعر « شعر المراجعات»، و« الإخوانيات»، و« المستملحات»، و « المداعبات»، وهو شعر يشف عن تجاوب شعوري، وحب فياض، وميل إلى الاعتدال والمرح، والأخلاقيات العالية، ويطلع القارئ على مختارات شعرية تفصح عن مدى إبداع المغاربة وإسهامهم في هذا المجال.
ثم نقرا بحثا عن الرثاء الذي طبع في العصر المريني بطابع القلة والندرة، فهو لا يزيد- كما يقول المؤلف* على اثنتين وعشرين قصيدة ومقطوعة، كما نطلع على فن الهجاء الذي يستشف من نصوصه قيم ومعان « منتزعة من طبيعة العصر السياسي والاجتماعي».
3- النزعة الوجدانية
وفي هذا الفصل الأخير من الباب الأول يرصد المؤلف « الشعر الوجداني» الذي يجد فيه المتلقي تعبيرا صادقا عن مكنونات الشاعر وأشواقه وعشقه وهيامه، ذلك أن شعراء هذا العصر بدورهم لم يغيبوا هذا الثابت النفسي والدافع الموضوعي لتحريك التجربة الشعرية بدعوى التحرج والتخوف من النعوت المعيبة والمنتقصة، إلا أنهم بالغوا في تأويل الرمز من الأنثوي الحاضر في القصيدة، واحتشموا في مواصفات النسيب والتشبيب، وحملوا ذلك على إيحاءات ومحامل لا يضيق بها الشاعر،ولا يتحرج منها السامع
وسنجد في شعر النسيب في عصر بني مرين، المرأة، والظل والرمز.
فمن الشعراء من يعبر في شعره عن تعلقه بامرأة لها وجود فعلي، ومنهم من يعبر من خلالها عن شوقه وتعطشه إلى الكمال المشخص في الرسول (ص)، كما في « النبويات»، أو إلى الكمال الإلهي المطلق كما في « الربانيات»
وهناك صنف آخر من الشعراء كانت المرأة في شعرهم ظلا لأم أوفى...« وغالبا ما يبرز هذا الحس العاطفي في مطالع القصيدة، بل وفي قصائد ومقطوعات مستقلة مختصة بالنسيب.
وقد أحصى المؤلف ستة وعشرين شاعرا وصل إلينا نسيبهم « ما بين قاض وأمير وعدل وطبيب»، وتحليل هذه النصوص ومقاربتها لا يفضي بالضرورة إلى استشفاف خصوصية ما لهذا اللون الشعري على مستوى المضمون التفسيري أو الطرائق الفنية المضمنة، بل هو « اجترار لأساليب القدماء، أو تطوير لتلك الأساليب في أحسن الأحوال؛ ولذلك لا نجد فيه- مثلا- مقاييس جمالية تكشف عن قيم خالصة، بل ليس بالإمكان استخلاص صورة متكاملة لجمال المرأة».
ولم يغفل البحث ما أثارته جمالية الطبيعة وروعتها في نفس الشاعر، وربط هذا التأثير والسحر الجمالي « الطبيعي» بالانفعال العاطفي والوجداني الذي تنصهر فيه حميمية المكان بالمتخيل والمعشوق/ المرأة.

• الباب الثاني:
ظواهر الشعر المريني (*)
يتصرف البحث في مرحلته الأخيرة إلى إعمال النظر في آليات الكتابة الإبداعية بمختلف مكوناتها، وهو ما عبر عنه المؤلف بالبعد الشكلي، وذلك بتقصي الظواهر التي طغت على ديوان الشعر المريني وهو ما يمكن تلمسه في معالجة ثلاثة محاور أساسية.
1- البنية الأسلوبية
إن الأسلوب محور مركزي في الكتابة الشعرية، وقد استهل المؤلف الفصل الأول من الباب الثاني لأهميته وأولويته عند المحللين والنقاد، والحديث عن الأسلوب الشعري يقود حتما إلى رصد الصورة التي ينسجها التوليف الشعري، ويؤثر الدكتور عبد السلام شقور إطلاق تسمية « التصوير» على اسم « الصورة» على اعتبار أن هذا الأخير لا يزال مفهومه غامضا، وكثيرا ما ينتهي البحث فيه إلى متاهات نفسية وميتافيزيقية».
والتصوير في هذه المعالجة إنما يقصد به المؤلف كيفية النسج وطريقة الوشي، وهو ما يستوجب ترصده في التوظيفات الجمالية لكل من: التشبيه، والاستعارة، والمجاز، وما ما تقف عليه في هذا المبحث الذي استقر فيه العمل على خمس وعشرين قصيدة مختارة بشكل غير معياري، مارس عليها المؤلف لغة العد والإحصاء، المنتهية إلى تخريجات مضبوطة تعين الناقد على اجتناب الحكم السقيم، « ومن خلال توزيع ما استخرجناه من تشبيهات ومجازات من النصوص المحددة لهذه الغاية على أصحابها، ومجموعة تسعة عشر شاعرا، تبين لنا أن إبراهيم التازي أقل الشعراء احتفاء بالتصوير الشعري، وذلك بمعدل صورة واحدة في كل ثلاثين بيتا، وأن أبا العباس أحمد بن أبي طالب العزفي أكثرهم عناية بالتصوير، وشعر التازي هو دون شك أفقر شعر في مجال التصوير وقفنا عليه، بل عن كثيرا من منظوماته لا صلة لها بالشعر»
2- البنية الإيقاعية:
تقتضي مقاربة المقول الشعري الوقوف عن الجوانب الإيقاعية التي رصص بها الشاعر المتواليات اللغوية في البيت، وذلك برصد الوتيرة النغمية التي تحدثها التركيبة اللغوية المنسجمة، والبنية الصوتية المتناسقة، على اعتبار أن الشعر من بين أهم تعريفاته المشهورة أنه كلام موزون مقفى، لذا فسحر البيت وجماليته تنبني أساسا على الوزن والقافية، إلى جانب مرتكز اللغة التي يعول عليها في نجاح التجربة الشعرية.
وقد تناول المؤلف في هذا الفصل الثاني الأنماط الإيقاعية الواردة في الشعر المريني، ومن أشهرها: المخمسات، والمعشرات، والعشرينيات، والورابيات، والوتريات، وغيرها، وكلها إطارات وأشكال شعرية نضج في قوالبها الشعر الديني والنبوي بخاصة، وزادها الترديد الجماعي والإنشاد تألقا وإحساسا بالخشوع والنفحات، « وكان إنشاد الشعر النبوي أمرا مألوفا لدى المتصوفة وغيرهم؛ ومن ثم فإن هذه التخميسات توفر طاقات إيقاعية كانت تناسب دون شك حاجات المنشدين في الموالد وغير الموالد».
ويجد القارئ في هذا الموضع من الدراسة تحليلا إيقاعيا إحصائيا يتتبع الأوزان المعتمدة، والروي المستعمل، والقوافي الملتزم بها.
وقد خلص المؤلف إلى أن هناك اتجاهات يحكمان الإيقاع الشعري في بنية القصيدة المرينية:
• اتجاه التراكم: وفيه يكثر الشعراء من التلوينات الإيقاعية، ولكن دون أن يكون لها أثر في الدلالة العامة للنص، أو قد يكون لها أثر معاكس».
3- في هيكل القصيدة والمتطوعة
في هذا الفصل الثالث ينظر المؤلف في التنسيق الذي يلم أجزاء القصيدة فيصيرها وحدة واحدة تتعدد فيها الأغراض والمستويات لدرجة تجعل الناظر إليها يلمح مهارة الشاعر الحاذق الذي يتوفق في مزج هذه العناصر « بألطف تخلص وأحسن حكاية، بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله، بل يكون متصلا وممتزجا فيه».
والقصيدة المرينية لم تشد عن البناء التقليدي للقصيدة، وقد تناولها المؤلف من خلال توزيعها إلى أربعة أشكال من البناء:
1- البناء النمطي
2- بناء القصيدة النبوية
3- البناء الجاهز
4- بناء المقطوعات أو المقطعات
وقد وظف المؤلف جداول تبيانية إحصائية غطت عدة صفحات قال عنها: « هذا جل ما وصل إلينا من مدائح شعراء عصرنا ولم نترك إلا قليلا، وهذا القليل لا يخرج في نظامه عن القصائد التي أوردنا».

• الخاتمة
وينتهي الكتاب بخاتمة تلخص الرؤية النقدية التي حكمت مسار البحث على مستوى درس الشعر المريني
ولا يفوتني التذكير بأهمية الهوامش المنبثقة في هذه الدراسة، فهي زاخرة بالإفادات والتكميلات والإضافات التي يفيد منها دارس الأدب المغربي
إن الكتاب برمته إضافة علمية في حلقات البحث العلمي ببلادنا، ولبنة أساسية من لبنات البيت الأدبي المغربي، والاحتفاء به رهين بما يكتسبه من قيم متعددة أغنت بطبيعة الحال النقد الأدبي العربي بعامة، والمغربي بخاصة

(1) يحدد أستاذنا الدكتور عبد السلام شقور حصيلة ما تجمع لديه من شعر هذه الفترة فيقول:« ونحصل لدي من شعر شعراء المغرب المريني ما يزيد على سبعة آلاف بيت، منها « قصيدة» في نحو ثلاثة آلاف بيت لابن داود السلوي، ولا يدخل في هذا القدر المنظومات وأشباهها، وما أكثرها في عصرنا، وأبياتها تعد بالآلاف، وهي على أي حال منظومات لا صلة لها بالشعر، وضعت لأغراض تعليمية، كما لا يدخل في ذلك« القصائد» الزجلية وأشهرها في العصر المريني مطولة « الملعبة» للكفيف الزرهوني»/ الشعر المغربي في العصر المريني: الصفحتان :15-16.
(2) الدكتور محمد الكتاني/ « مقدمة الكتاب» : 10.
(3) عبد السلام شقور/ « حدود المنهج والمصطلح في نقد الشعر المغربي القديم»: مقال منشور بمجلة « دعوة الحق» عدد 335 ص: 64.
(*) التقديم : من 7 إلى11.
(*) التقديم: من 13 إلى 28.
(*) المدخل: من 31 إلى 53.
(**) قضايا الشعر المريني: من 55 إلى 284.
(*) ظواهر الشعري المريني : من ص: 285 إلى 398.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here