islamaumaroc

كلمة في الهجرة

  محمد علوي بنصر

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

لقد عرف تاريخ البشرية هجرات عدة، مختلفة الأسباب، متنوعة الأهداف، لم يتوقف الدارسون عندها طويلا لأنها كانت محدودة الأثر والنتائج، بالإضافة إلى أنها تتكرر بين فترة وأخرى.
وهجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة لم يكن لها مثيل من قبل أو من بعد، لأنها هجرة غيرت مجرى التاريخ فهي حاضرة فيه دوما، والتاريخ، بعدها كان مرهونا بها، وثيق الصلة بأسبابها، وإن واحدا من أحداث الخير لم يكن ليقع في الدنيا كما وقع لولا الهجرة النبوية، فإغفال الحديث عن الهجرة وأبعادها الحضارية هو إغفال للذات وتجاوزها كمصدر لهوية الذات، فلا عجب إذا تكرار الحديث عنها في مطلع كل محرم من كل سنة هجرية في احتفال وتجمع مهيب.
لقد كانت هجرة فريدة في التاريخ هدفت أصلا إلى:
- تطهير القلوب من وثنية الأشياء.
- تحكيم العقل بدل الخرافات والأساطير.
- تجاوز القيم في الحمأ المسنون.
وإذا جاز للمسلمين في شرق الأرض وغيرها أن يختلفوا بهذه الذكرى العطرة، وأن يستعيدوا أحداثها اعتزازا بالماضي المشرق، والبطولة النادرة، فما ينبغي أن يقتصر المتحدثون على عرض جوانب من السيرة بكلمات ينتهي الانفعال بها بانتهاء المناسبة دون أن يكون لها تأثير إيجابي في حياة المسلمين، وتحفيزهم لمواجهة قضاياهم ومشاكلهم بروح إسلامية لا لوث فيها.
ينبغي أن ينظر إلى الهجرة على أنها هجرة عقيدة، هجرة قضية وورعي، وليست مجرد أحداث، حتى نستطيع أن نعطيها حجمها الحقيقي الذي يبدأ من حتمية المبارحة للأرض والمال والأهل والولد، وينتهي بفرضية الشهادة في كل خطوة، وما أفسح المدى الذي تختصره اللحظة بكل الشمول بين حتمية المبارحة وفرضية الشهادة.
وإذا كان كلامنا عن الهجرة يتجه في ذكر الأشياء البارزة في الهجرة فالواقع أننا نهمل كل الوقفات الصغيرة والإشارات الذكية التي تحمل في طياتها بطولة المواقف وطموح التطلع، وفدائية الإيمان....
عن الهجرة بما هي عليه، كانت ولا تزال، منهج حياة ودين، تنبض بكل المعاني الثرة التي يمكن الاحتكام إليها في المواقف والشدائد والخصومات.
إن الهجرة ترجمة صادقة للتضحية والفداء في سبيل نشر العقيدة، وتبليغ الدعوة، بما لم يعرف عن رسالة سابقة، لأنها لم تكن كما يزعم الزاعمون فرار وهروبا، ولكنها كانت امتثالا لأمر الله، فهي شهادة إيمان وصدق للمهاجرين، وهي معجزة من الله  أيد بها دينه ورسوله.
حقا، إن الهجرة غيرت مجرى التاريخ، لأن الهجرة تجد ذاتها حضارة بدأت مسيرتها في ظلال الرسول (ص)، منطلقة من مبدأين أساسين: الإسلام والإنسان.
إن شعار « لا إله إلا الله محمد رسول الله » مبدأ حضارة رفعه الرسول في وجه الجاهلية وأعلامها، فجاء انقلابا شاملا على كل المستويات: الاجتماعية، والاقتصادية، والشعار يقضي برد الأمر كله إلى الله، وتخليص الإنسان من الخضوع لغير الله، وخدمة الأهداف القاصرة، والاحتكام إلى الظن، وعبادة الهوى.
والإنسان الذي استخلصه الإسلام من الجاهلية، وأنقذه من ترابها هو الوعاء النظيف الذي جسد أفكار هذه الحضارة التي مكنته من تفعيل تصوراتها وأبعادها في الحياة والإنسان.
كان ضروريا أن تكون هناك هجرة لأن الأرض الجدباء لا تنبت، والحضارة بذرة خصبة فرعها ثابت وأصلها في السماء، فهي بحاجة إلى أرض تتعانق فيها الأرواح والقلوب، وتمتزج فيها المبادئ بالدماء، فتهون التضحية ويحلو الفداء.
إن الهجرة بما هي عليه: هجرة وعي وروح.
ولاشك أن الروح في حدة ذاتها طاقة من الطاقات التي وهبها الله للإنسان، بل هي أكبر طاقاته، فهي المطية التي تنقل من الواقع المحسوس إلى الغيب المحجوب، فكان للروح بهذا المفهوم مطية الهجرة لمن يريد أن يهاجر هجرة من نوع آخر، ومن طراز فريد فهي:
- هجرة الخلق إلى الخالق
- هجرة من الكون إلى خالق الكون
- هجرة من ترابية الأرض إلى شفافية السماء
- هجرة من الضلالة إلى الهدى
- ومن الشك إلى اليقين
- ومن السؤال إلى الجواب
- ومن العسر إلى اليسر
- ومن الشدة إلى الفرج.
من خلال هذه المعاني السامية للهجرة ندرك أن هجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة لم تكن هجرة مكانية لتحصيل أغراض دنيوية، ولكنه كانت هجرة إلى الله، لهذا اتسمت بارتباطها بقدر الله، ورقابة الله، ورعاية الله، وحماية منه لهذا الدين ومبلغه.
إن الهجرة في عمقها مستوى آخر من التربية الروحية لا يأخذ بها نفسه من حبب الله إليه ذلك، وهي في ذاتها بعث للإيمان في نفس كل مسلم، ودعوة صادقة إلى الهجرة والكرامة، وعدم الرضا بالاستسلام لسلطان القهر والطغيان، وإن العقيدة تهون في سبيلها كل التضحيات فما بالك بعقيدة الإسلام.
إن معرفة حقيقة الهجرة تستمد قوتها من أمرين:
- معرفة دقيقة وتامة بما هاجر من أجله النبي (ص)
- معرفة المنهج الذي تم به تفعيل ما هاجر من أجله في نفس الإنسان المسلم.
لا أحد ينكر أن الإسلام دعوة الحق التي ظلت حبيسة في مكة نحوا من ثلاثة عشر سنة، وعندما أراد الله لها الذيوع والانتشار، أمر رسوله بالهجرة لتعم الدعوة كل الخلق، لقد أراد الله لها أن تنطلق إلى آفاق الدنيا فتفتح أمام العقل كتاب الكون، وأمام القلب منهج الحياة، وتحررهما معا من الجهل والضلال، وتصون الإنسان من التوجه لغير الله، ومن أن تكون حياته لغير الله، وتضع أما الناس موازين الخير والجمال والعدل والإحسان.
وجعل الإسلام قيم التعاطف، والإخاء، والتراحم، والتوادد، والإيثار والتسامح، والعفو دستوره في الحياة العامة.
وقبل أن يصل الرسول (ص) بالمدينة آخى بين الأنصار والمهاجرين، وهي وقفة مترتبة على الهجرة، بل هي ثمرة يانعة من ثمارها، ربط بين الناس برباط من الحب والتوداد والتضامن؛ وفد زكى الله هذا الصنيع، وأثنى عليه بما هو جدير به في قرآن ما يزال يتلى.
فالأخوة هي القوة والعزة، وهي أيضا الحرية، وهي أيضا سبيل كل خير، ولهذا ابتدأ بها الرسول (ص) قبل بعث البعثات، وعقد المحالفات، وتجييش الجيوش، وعقد الحكومة، لقد كانت الهجرة هي السبيل الوحيد لتأسيس الدولة الإسلامية.
لماذا كانت قريش تعارض الهجرة؟
لقد حاربت قريش هجرة المسلمين إلى الحبشة أولا، وإلى المدينة ثانيا، وحالت بينهم وبين ما يشتهون ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، لأنها لم تر في الهجرة تخلصا من أنصار دعوة سفهت عبادتهم، وعابت آلهتهم، إن قريشا تعد تجمع أصحاب الدعوة في مكان واحد مهيأ لتلاقيهم واجتماعهم وإقامتهم، يعد خطرا قائما على غيرهم من أنصار الوثنية، والعقائد المنحرفة، والتوجهات الضالة، وإن ما أسفرت عنه الهجرة من نتائج أيد هذا الادعاء منهم، ولكنهم اغفلوا أن الإسلام نور الله، وأن الله متم نوره ولو كره المشركون.
لقد تم لقاء القوة المؤمنة والزمرة الصالحة على أرض يثرب تحت قيادة الرسول (ص)،والتي أضحت بذلك اللقاء والتجمع تحمل معنى جديدا، أنها عاصمة الإسلام الأولى.
لقد تحول اللقاء إلى كيان عظيم له حظوره العربي والدولي، وله تطلعاته، وتوالت الأحداث التي تدعمه وتزيد من شموخه وقوته وصلابته.
إن هؤلاء المهاجرين ومعهم الأنصار أصبحوا ركيزة للدعوة، والدعوة في حركتها الواعية، وتطلعاتها الإصلاحية، لابد أن تكون لها صولة ودولة، وكذلك كان، وهذا ما كانت تخشاه قريش، لأن قيام دولة للإسلام يعني نهاية الشرك، وكل أشكال الوثنية والانحراف.
ألا يستحق هذا الحدث- الهجرة- أن يكون بداية لتاريخ غيرت أحداثه وجه العالم؟ فالرجل الذي اختار يوم الهجرة وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه- بداية لتاريخ دولة الإسلام قد كان أحكم وأعلم بالعقيدة والإيمان، ومواقف الخلود من كل مؤرخ، وكل مفكر يرى غير ما رآه، حقا إنه ليس يوم أحق بالتاريخ من اليوم الذي هاجر فيه محمد (ص)، ويكفي هذا الاختيار شرفا أن الله ذكر في محكم كتابه " إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن عن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم" (*).
هذه المعاني النوارنية كانت مرافقة للهجرة، فهي التي أذهبت الحزن، وأنزلت السكينة، وأيد الله رسوله بجنود لم يرها إلا باريها، وأعلى الله كلمته ونصر عبده.
إن يوم الغار ليوم له عبرته وعزاؤه في كل يوم ولاسيما أيام القلق والحيرة والانتظار، وما أكثرها في زمن العبث والضيق والاكراهات المتعددة والسؤال الذي يجب أن تختم به هده الكلمة: أين نحن من الهجرة التي نحتفل بذكراها كل سنة ؟

(*) سورة التوبة- الآية: 40.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here