islamaumaroc

القراءات والتجويد علمان مساعدان على التفسير (القسم الأول)

  التهامي الراجي الهاشمي

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

القراءات:
عرف« أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني» القراءة القرآنية فقال ما مؤداه(1): « كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت على الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم».(2)
وهذه الأركان الثلاثة كما هو مصرح به في الضابط أعلاه هي:

أولا: أن توافق وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا. مجمعا عليها أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح.
ولا يؤثر إنكار بعض أهل النحو أو كثير منهم للقراءة إذا ما اجمع الأئمة المفتدى بهم من السلف على قبولها.
قال« أبو عمرو الداني» موضحا هذه القضية بكتابة (جامع البيان) معطيا رأي أئمة القراءة في إسكان بارئكم ويأمركم(3) رغم إنكار أهل النحو لها (4): « والإسكان أصح في النقل وأكثر في الأداء وهو الذي اختاره وأخذ به... وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها».

ثانيا: موافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية. بمعنى قد يقرأ قارئ بما في مصحف، ويقرا آخر بما في مصحف آخر. لقد قرأ مثلا« ابن عامر»(5) بما هو موجود في « مصحف الشامي» الآيتين : "قالوا اتخذ الله ولدا" (6) بغير واو. وفي حين قرأ الباقون « وقالوا» بالواو كما هو مثبت في غير « المصحف الشامي». كما قرأ أيضا قوله تعالى: "وبالزبر والكتاب المنير" (7) بزيادة الباء في الإسمين حسب ما هو مثبت في« المصحف الشامي»، وقرأ « ابن كثير»(8) قوله تعالى: "جنات تجري من تحتها الأنهار" (9) بزيادة « من» وخفض التاء.(10)
كما هو ثابت في المصحف المكي. وقرأ دائما على موافقة « المصحف المكي»  "فإن الله هو الغني الحميد" (11) بحذف « هو»(12) وقرأ « سارعوا»(13) بحذف واو العطف قبل الفعل(14) وكذا "منهما منقلبا" (15) بالتثنية في الكهف في حين قراءة أهل الكوفة وأهل البصرة قرأوا« وارعوا» بواو، و« خير منها منقلبا».(16)
يستخلص مما سبق أن القراءة إذ لم تكن موافقة لما في المصاحف العثمانية المبعوثة لتلك الأمصار، عدت قراءة شاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه.
ومعلوم أن هذه الموفقة قد تكون:
1- تحقيقا بمعنى أن القارئ قد يقرأ اللفظة، كما كتبت في المصحف الشريف قبل وضع النقط المدور بنوعية: نقط الإعجام ونقط الإعراب. وقبل إدخال الهمز.
فإن قرأ قارئ« النشأة» في قوله تعالى: "قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. عن الله على كل شيء قدير" (17) وفي قوله تبارك وتعالى : "وأن عليه النشأة الأخرى" (18) وفي قوله جلا علاه: "ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون"(19) بمد الشين فإن قراءته ستكون موافقة للرسم تحقيقا.
ومعلوم أن ابن كثير وأبا عمرو هما اللذان يقرآن بهذه القراءة فقراءتهما موافقة إذن للرسم تحقيقا.
أما حمزة، فإنه وقف على وجهين في ذلك، يهمنا الآن الوجه الذي يوافق فيه الرسم تحقيقا.
هو في هذا الوجه يفتح الشين ويبدل الهمزة ألفا اتباعا للخط.
وقد تكون القراءة موافقة للرسم.
2- احتمالا يطلقون عليها كذلك« تقديرا» فقراءة "ملك الناس" التي كتبت بدون ألف حين تقرأ بالألف تكون قراءة محتملة تقديرا. كما كتب "مالك الملك" فتكون الألف حذفت اختصارا.
وأما « النشأة» التي تحدثنا عنها أعلاه، فإن غير أبي عمرو وابن كثير قرأوها بإسكان الشين من غير ألف. نقول في هذه الحالة، وافقت قراءتهم لها بالقصر « احتمالا».
ثالثا: أن يصح سندها
معناه أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذا حتى تنتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له غير معدودة عندهم من الغلط أم مما شذ بها بعضهم.(20)
قال« الزركشي»:(21)« والحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبي(ص)» ففيه نظر، فإن إسنادها بهذه القراءات السبعة موجودة في كتب القراءات وهي نقل الواحد عن الواحد.
وتساءا كثير من الباحثين في الموضوع عن الشيء المتواتر في القراءة، هو اللفظ وحده، هو المتواتر، أم اللفظ وهيأة أداة أيضا؟ أما ابن الحاجب فقد استثنى ما كان قبل الأداء. كالمد والأمالة وتخفيف الهمز، ورأي غيره أن التقدير غير متواتر للاختلاف في كيفيته. أما الأصل المد والأمالة فمتواتر. وقال الزركشي(22) وأما أنواع تخفيف الهمز فكلها متواترة.
وقال« ابن الجزري»:« لا نعلم أن أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك، وقد نص على تواتر ذلك كله أئمة الأصول، كالقاضي أبي بكر وغيره.
وهو الصواب، لأنه إذا أثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه. لأن اللفظ لا يقوم إلا به، ولا يصح إلا بوجوده.(23)
ومعلوم أن القراءة سنة متبعة(24) يأخذها الخلف عن السلف روى عن النبي (ص) أنه قال: « اقرأوا كما علمتم».(25)
يقول « عبد الله بن مسعود»: « إني سمعت القرأة فرأيتهم متقاربين فاقرأو كما علمتم، وإياكم والتنطع والاختلاف، وإنما هو كقولك: هلم وأقبل وتعال».(26)
والأصل القراءات سندا نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي.(27)
فإذا كانت القراءات المتواترة هي تلك القراءات التي علمها النبي " لأصحابه ونقلها هم لمن بعدهم، فإن القراءات بالقياس ممنوعة، مثلما امتنعت بغير رواية يوثق بها عمن يعتد بقراءته، لأن القراءات، وهي طرق أداء كلام الله المنزل على نبيه (ص) لا يدخلها لذلك الرأي والاجتهاد والقياس.
قال « أبو عفر الطحاوي»:« لا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأمة والسلف بوجه يراه جائزا في العربية، أو قرأ به قارئ غير مجمع عليه».(28)
ومجمل ما يجب أن يحصل من هذه الفقرة أن جميع ما روي في القرآن على أربعة أقسام.

1- القسم الأول: يقرأ به اليوم وهو ما اجتمع فيه ثلاث خلال:
أ‌- أن ينقل عن الثقات عن النبي (ص).
ب‌- أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغا.
ج- أن يكون موافقا حقيقة أو احتمالا لخط المصحف الشريف
مثال ذلك: (مالك، وملك)، (يخادعون ويخدعون)، (أوصى ووصى)، (يطوع وتطوع) ونحو ذلك من القراءات المشهورة.
2- القسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل ولا يقرأ لعلتين.
أ- إنه لم يؤخذ بإجماع بل اخذ بأخبار الآحاد، ومعلوم أنه لا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
ب- إنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على صحتهن وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به ولا يكفر من جحده.
مثال ذلك قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء (والذكر والأنثى) في الآية الكريمة: "وما خلق الذكر والانثى" (29) وقراءة ابن عباس:« وكان أمامهم ملك يأخذ كي سفينة صالحة غصبا وما الغلام فكان كافرا»(30) وغير ذلك مما ثبت برواية الثقات.
أما هل تجوز الصلاة بهذا القسم أم لا، فانقسم علماء المسلمين في ذلك على ثلاثة أقسام:
1- قسم جوز القراءة بذلك في الصلاة: وحجة هذا الفريق أن الصحابة والتابعين كانوا يقرأون بهذه الحروف في الصلاة يقول بهذا بعض أصحاب« الشافعي» رضي الله عنه، كما يقول به الإمام « أبو حنيفة» وهي أيضا إحدى الروايتين عن « مالك وأحمد».
2- قسم ثان: وهو أكثر العلماء ذهب إلى عدم جواز الصلاة بهذا القسم
وعللوا ذلك بأربع علل:
1- أنها قراءات لم تثبت متواترة عن النبي (ص).
2- هي إن ثبت بالنقل، فإنها منسوخة بالعرضة الأخيرة أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني.
3- أنها قراءات لم تنقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن.
4- أنها لم تكن من الأحرف السبعة
3- قسم ثالث: توسط في ذلك ولكنه رأى أمرين اثنين.
الأمر الأول: قال إن قرأ بها في القراءة الواجبة، وهي الفاتحة عند القدرة على غايرها لملا تصح صلاته، وعلل هذا الفريق بأنه لم يتيقن من أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك.
الأمر الثاني: إن قرا بها فيما لا يجب لم تبطل لأنه لم يتيقن من أنه في الصلاة بمبطل الجواز أن يكون ذلك من الحروف التي أنزل بها القرآن.
لكن هذا الأمر يفضي بنا إلى شيئين ابتنيا على أصل ذلك إن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة فإما:
1- إنه لا يجب القطع بنفيه أو بإثباته، إذ ليس ذلك، كما يقول صاحب « النشر»، مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيا.
2- وجوب القطع بنفيه، وهو ما ذهب إليه بعض أهل الكلام.(31)
3- القسم الثالث: وهو أن يكون إما:
1- مما نقله غير ثقة تجد هذا في كتب الشواذ، وكثير ما يكون إسناده غريبا للغاية، أعتقد أن « هارون بن موسى الأعور»(32) المتوفي قبل المائتين هجرية كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات، وألفها وتتبع الشاذ منها، فبحث عن إسناده ما يقول عنه « أبو حاتم السجستاني».(33)
أما أمثلة مما نقله غير ثقة فكثيرة
منها قراءة « ابن السميقع،(34) و« أبي السمال»(35)  "ننجيك ببدنك" « ننحيك»(36) بالحاء المهملة  "لتكون لمن خلفك آية" لفتح سكون اللام.
ومن ذلك قراءة « ابن السميع»: "فبهت الذي كفر" (37) بفتح الباء والهاء والتاء باني الفعل للمعلوم وحاذفا الفاعل يؤول النحاة هذا الوجه الغريب قائلين:« إن الفعل إذا بين للمعلوم لم يلزم لأن يكون ذبك للجهل بالفعل، بل ليعلم أن« الفعل قد وقع به...» أو يقولون:« فالغرض في نحو هذا المعروف الفاعل إذ بني للمفعول إنما هو الإخبار عن وقوع الفعل به حسبن وليس الغرض فيه ذكر من أوقعه به».(38)
ومن ذلك القراءة التي جمعها« أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي»(39) ونسبها إلى الإمام أبي حنيفة تلك القراءة التي نقلها عن« الخزاعي» « أبو القاسم الهذلي»(40) وغيره وعنهم أخذها عدد المفسرين ووجودها متكلفين في توجيهها في حين أن « أبا حنيفة» منها براء.
ومن هذه القراءة التي جمعها« أبو فضل الخزاعي» ونسبها إلى الإمام « أبي حنفية» اذكر قوله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" .(41)
التي نسبها صاحب الكامل إلى « أبي حنيفة»، ويسمونها قراءة « عمر بن عبد العزيز»، ورغم أن كتاب القراءات الشواذ لم يذكروها، فقد نقلها المفسرون مثل « جار الله الزمخشري»(42) وأبو حيان الغرناطي»(43)
و« أبو عبد الله القرطبي»(44) عن « أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن جبارة الهذلي» من كتابه الكامل.
2- مما نقله ثقة، ولكن لا وجه له في العربية ولا يصدر إلا عن سهو أو غلط أو عدم الضبط.
يقول « ابن الجزري» عن هذا النوع:(45)«يعرفه الأئمة المحققون والحفاظ الضابطون، وهو قليل جدا، بل لا يكاد يوجد، وقد جعل بعضهم منه رواية خارجة عن نافع (مائش) بالهمز وما رواه ابن بكار عن أيوب عن يحيى ابن عامر من فتح ياء« ادري اقريب» مع إثبات الهمزة وهي رواية زيد أبي حاتم عن يعقوب.
4- القسم الرابع: وهو ما وافق العربية والرسم ولم ينقل البتة
ولقد وجد لهذا الوجه على غرابته من يجوزه مثل« أبي بكر محمد بن حسن بن مسلم البغدادي المقرئ النحوي».
لكن المهتمين أجمعوا على بطلانه. قال« الإمام أبو طاهر ابن أبي هاشم» في كتابه:« البيان» عن هذا الذي جوز هذا الوجه:« وقد نبع نابع في عصرنا فزعم أن كل من صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن الكريم يوافق المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها، فابتدع بدعة ضل بها عن قصد السبيل».
تسمى هذه القراءة عندنا « القراءة بالقياس المطلق».
والقياس المطلق هو الذي ليس له أصل في القراءة يرجع إليه ولا ركن وثيق في الأداء يعتمد عليه.
ولا يمكن أن تكون القراءة القرآنية كالقياس المطلق مادامت القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، كما يروي لنا « عمر ابن الخطاب» و« زيد ابن ثابت» رضي الله عنهما عن النبي (ص) :« القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرأوا كما علمتموه».
لكن:« إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء، فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده، سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمس الحاجة مما يقوي وجه الترجيح، ويعين على قوة التصحيح».(46)
وخلاصة القول في هذا القيم الرابع، وهو ما وافق العربية والرسم، ولم ينقل البتة. فإن رده أحق، ومنعه أشد ومرتكبه مرتكب لعظيم من الكبائر.

2- القراءة والرواية والطريق:
لاحظت أن كثيرا من أصحابنا ممن يدعون المعرفة في القراءات القرآنية- وهو علم ذو حظ قليل في زمننا هذا لسهولة التطاول عليه من كل فتح مصحفا أو استمع إلى تلاوة قرآنية في مسجد- يخوضون فيه بغير علم ويتحدثون عنه من غير رويه، فقد رأيت أن أوضح الفرق الموجود بين القراءة والرواية والطريق وحتى الوجه، إن اقتضى الحال، ثم أعزز ذلك كله إن شاء الله برسوم بيانية توضح بالنسبة للقارئ « نافع» الذي يهمنا في هذا الكتاب الذي أحققه، اليوم، والرواة الذين نقلوا عنه والطرق الأولى والثانية والثالثة إلى آخره الذي تشجرت عن راوي القراءة أو إذا أردتم عن الطريق الأول.
أما القراءة: فهي كل تلاوة دخلت في ذلك الضابط الذي شرحناه في مطلع الفصل الرابع، وهو:
كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها.
هذه هي التي نسميها في اصطلاحنا « القراءة» وهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها بحال من الأحوال، ولا يحل إنكارها ولا يجوز التفاضل بينها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم.(47)
ومعلوم أن القراء السبعة: نافع المدني وابن الكثير المكي وأبو عمرو البصري وابن عامر الشامي وعاصم الكوفي وحمزة الكوفي والكسائي الكوفي هم الذين، في نظر كثير من المختصين في هذا الفن، يطبقون أحسن تطبيق هذا الضابط لذا تركن النفس إلى ما تقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم.
يوضح هذا أكثر « الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن ابن إسماعيل المعروف بابن شامة». قال رحمه الله في كتابه« المرشد الوجيز» فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة وإنها هكذا أنزلت إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء، فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا عمن نسب إليه».
الرواية: كل ما نسب للراوي عن الإمام، مثال ذلك إثبات البسملة بين السورة لقالون عن نافع
الطريق: كل ما نسب للأخذ عن الراوي وإن سَفُلَ، مثال ذلك إثبات البسملة« للأصبهاني عن ورش».
أما الوجه فأرجو أن يعلم أصحابنا أنه ليس من مصطلحاتنا التقنية في هذا الفن، وإنما لع عندنا من الدلالة ما له في اللغة العربية ولا مزيد.
الوجه إذن، بعد هذه الملاحظة هو الخلاف الجائز أي خلاف التخيير كأوجه الوقف على عارض السكون. فالقارئ مخير في الإتيان بأي وجه منها،ولو أتى بوجه واحد منها أجزأه، ولا يعتبر نصا في روايته ولا يقال لهذه الأوجه فراءا ولا روايات ولا طرقن بل يقال لها أوجه دراية فقط.

3- توضيح لقولنا: مطابقة القراءة للرسم:
مطابقة القراءة للرسم هو ما سميناه قبل: موافقة القراءة لأحد المصاحف العثمانية. وقلنا إن الضابط الثاني لتكون القراءة متواترة.
لنوضح ذلك الآن بأمثلة ولنأخذ لذلك قوله تعالى: "هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين " (يونس :22).
الرسم هو سركم بدون نقط ولا حركات فأما الجمهور فيقرأه « يسيركم» وأما « ابن عام» فيقرأها
« ينشركم» فإذن القراءتان مطابقتان للرسم العثماني، ولنعزز هذا بمثال يكون أكثر توضيحا لهذا الضابط، لنأخذ قوله تعالى في سورة الأنعام الآية :57: "قل إني على بينة من ربي وكذبتم به، ما عندي ما تستعجلون به، إن الحكم إلا لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين" .
الحرميان وعاصم يقرأون «يقص» والبصري والشامي وصحبه يقرأون « يقضي» وإن الأمر ليتعقد أكثر حين تدخل الهمزة في القضية، ومعلوم أن الهمزة شانها شأن الحركات والنقاط ليست من الرسم في شيء لنضرب بمثال تدخل الهمزة فيه.
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء، الآية: 31: "ولا تقتلوا أولداكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم، عن قتلهم كان خطئا كبير" الجمهور يقرأها « خطئا» و« ابن ذكوان» يقرأها « خطأ« والمكي يقرأها« خطاء» وكلهم يحترمون الرسم الذي هو (حصا).
وهذا كثير يكاد لا يحصى في القرآن الكريم، لنزيد هذه المسألة البالغة الأهمية وضوحا بمثال آخر نأخذه هذه المرة من سورة البقرة الآية: 258 وفيها نجد اللفظة القرآنية "سرها" «ويقرأها الآخرون» « ننشزها« ولابد من سورة النساء ليرسخ هذا الأمر أكثر في أذهاننا. يقول الله تبارك وتعالى هناك. "يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا".
الرسم القرآني هنا هو « تسوى» الذي يقرأه نافع وابن عامر « تسوى» ويقرأه ابن كثير وعاصم
« تُسوى».
الآن وقد تعودنا على تمييز الرسم من القراءة نتدبر اللفظ القرآني « يسرا» في الآية 57 من سورة « الأعراف» وسترى أن مما يقرأوه  ن« نشرا» وأن ابن عامر يقرأ « نشرا» ولقد قلت في هذا (شـ) ع نشرا (كـ) النشر (سما) نشرا وابشر (نـ) ولابد اعتقد من تطبيق هذا المنهج بإعطاء آية بأكملها ولتكن الآية 245 من سورة البقرة قال عز وجل هناك.
"من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة، والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون" صدق الله العظيم.


(1) نقل هذا التعريف« أبو الخير ابن الجزري» في كتابه:« النشر في القراءات العشر» الجزء الأول ص:9.
(2) نص على مثل هذا« أبو محمد مكي بن أبي طالب» و« أبو العباس أحمد بن عمار والمهدوي».
(3) إنما هو في الحقيقة اختلاس للحركة، ويقرأ بها أبو عمرو بن العلاء البصري قال الإمام الداني عن هذه القضية في « التيسير» صفحة 73ك« أبو عمرو« بارئكم» في الحرفين. ويأمركم» و« يأمرهم» و« ينصركم» و «يشعركم» باختلاس الحركة في ذلك كله من طريق البغداديين، وهو اختيار « سيبويه» قراءة أبي عمرو هذه فقال (الكتاب، الجزء الثاني صفحة 297:« وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا، وذلك قولك يضربها ومن مأمنك يسرعون اللفظ، ومن ثم قال أبو عمر« إلى بارئكم» ويدلك على أنها متحركة قولهم مأمنك فيبينون النون، فلو كانت ساكنة لم تحقق النون».
(4) نقل هذا« ابن الجزري» في« النشر في القراءات العشر» الجزء الأول ص:11.
(5) انظر ترجمته في:« الفهرست لابن نديم»، صفحة 29 وفي:« التيسير» « للداني» الصفحتين 5 و 9 وفي:« ميزان الاعتدال». الجزء الثاني ص:51ة وعند «ابن الجزري» في :«غاية النهاية» الجزء الأول من الصفحة 423 إلى 425 وفي: « التهذيب» « لابن حجر» الجزء الخامس 274 إلى 276.
ذكر « الصفدي» في « نكت الهميان» 214 و« السيوطي» في: « بغية الوعاة» 343 أن عليا بن عساكر بن المرجب البطائحي (المتوفي سنة 527 موافق 1176) ألف كتابا سماه:« الخلاف بين قراءة عبد الله بن عامر وبين قراءة ابن عمرو بن العلاء» يوجد مخطوطا في بروسه خراتشي زادة برقم 726/1.
(6) الآية: 116 من السورة الثانية البقرة، وقرأ الباقون بالواو (انظر اليسير ص: 76 قال « ابن مجاهد» في « كتاب السبعة في القراءات 168: « واختلفوا في قوله  : " وقالوا اتخذ الله ولدا" بغير واوا قرأ « ابن عامر» وحده: : "قالوا اتخذ الله ولدا" بغير واوا وكذلك في مصاحف أهل الشام. وقرأ الباقون بالواو. وكذلك في مصاحف أهل المدينة ومكة.
(7) قرأ بذلك حسب أبي عمرو الداني هشام بن عمار السلفي الدمشقي أحد روايي ابن عمار الشامي. وذكر لنا أن الحلواني شك في ذلك فكتب إلى هشام فيه، فأجابه ان الباء ثابتة في الحرفين. ويقرأ ابن ذكزان بزيادة با«الزبر» وحده. والباقون بغير با فيهما.
(8) انظر ترجمة « ابن كثير» في:« غاية النهاية لابن الجزري» الجزء الأول، من ص: 443 إلى ص: 445 وفي:« التهذيب» لابن حجر الجزء الخامس الصفحتان 367  368 وفي« الجرح والتعديل لابن أبي حاتم»، الجزء الثاني، ص: 144 و« الفهرست لابن النديم» ص:28 و« التسيير للإمام الداني الصفحتان 4 و 8 وفي:« وفيات الأعيان لابن خلكان»، الجزء الأول، ص: 314 وفي الإعلام للزركلي. الجزء الرابع ص: 255.
(9) الآية 100 من السورة التاسعة،« التوبة».
(10) قال الإمام الداني في« التيسير»ص:119: « ابن كثير» « من تحتها » بعد المائة بزيادة« من» وخفض التاء، والباقون بغير« من» وفتح التاء.
(11) الآية : 24 من السورة 57« الحديد»
(12) أضاف « ابن الجزري» في كتابه« النشر في القراءات» العشر هذه القراءة لابن كثير (انظر الجزء الأول، ص: 11) أي بحذف « هو» والواقع المعروف غير ذلك. إذ أن « ابن كثير» يقرأها بإثبات« هو» أما الذين يقرأونها بدونها فهما« نافع وابن عامر» فقط، يقرآنها كما هي في مصاحف أهل مكة والعراق (انظر ذلك في :« كتاب السبعة في القراءات» ص: 627 وكذا في « التسيير» ص:208.
(13) الآية: 133 من السورة الثالثة « آل عمران»، والآية بتمامها: "سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين" .
(14) يقول « السجستاني» في« كتاب المصاحف» ص:39 « أهل المدينة في آل عمران: "سارعوا إلى مغفرة من ربكم" بغير واو، وأهل البصرة وأهل الكوفة « وسارعوا » بواو.
(15) الآية: 36 من السورة 18« الكهف »، والآية بتمامها: "وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهما منقلبا".
(16) جمع لنا كل هذا الحافظ « أبو بكر عبد الله بن أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني» في« كتاب المصاحف» في الباب الذي عنونه بـ« باب اختلاف مصاحف الأمصار التي نسخت من الأمام» ص: 39 من الطبعة الأولى بمصر سنة 1355 هـ، تحقيق المستشرق الدكتور« آثر جفري»                    
(17) الآية: 20 من السورة 29، « لعنكبوت».
(18) الآية: 47 من السورة 53، « النجم»
(19) الآية: 62 من السورة 56، « الواقعة».
(20) « النشر في القراءات العشر»، الجزء الأول ص:13.
(21) البرهان، الجزء الأول ص: 211.
(22)  المصدر السابق.
(23) « معترك الأقران في إعجاز القرآن» « للسيوطي»، تحقيق علي محمد البجاوي ص: 162، طبعة القاهرة 1969.
(24) كتاب « السبعة» لابن مجاهد ص:50.
(25) انظر:« الإبانة عن وجوه القراءات» ص: 13 للإمام مكي بن أبي الطيب
(26) ابن مجاهد ص: 47
(27) « معترك الأقران»، ص: 162 من الجزء الأول.
(28) أبو شامة، « المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز»، ص:63.
(29) الآية 3 من السورة 92، « الليل»
(30) من الآيتين الكريميتن 79 و 80 من السورة 18، « الكهف»: أما الآية 79 فهي إما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردن أن أعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة غصبا». والآية: 80 هي  "وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ".
(31) « النشر» ص: 31.
(32) كان علامة صندوق نبيلا. له قراءة معروفة يروي عن « عاصم الجحدري» و« عاصم بن أبي النجود» و« عبد الله بن كثير» و« ابن محيصن» و« حميد بن قيس»و« ابن عمرو بن العلاء» عن « عاصم».
(33) انظر:« غاية النهاية في طبقات القراء» الجزء الثاني ص: 348.
(34) ترجمته: في« غاية النهاية» الجزء الثاني، ص: 161.
(35) انظر ترجمته في « غاية النهاية» الجزء الثاني، ص:27.
(36) الآية 92 من السورة 10« يونس»، والآية بتمامها هي:" فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون" .
(37) الآية 258 من السورة الثانية« البقرة بتمامها: " ألم تر الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتيه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين" .
(38) « المحتسب» « لابن جني» الجزء الأول، ص: 135.
(39) هو محمد جعفر بن عبد الكريم بن بديل ركن الإسلام أبو الفضل الخزاعي الجرجاني، له كتاب:« المنتهى في الخمسة عشر» يشتمل على مائتين وخمسين رواية، وله كذلك كتاب:« تهذيب الأداء في السبع والواضع في السبع» كذلك، وله أيضا كتاب في الحروف نسبة إلى « أبي حنيفة». لكن أبي الجزري يقول عن هذه القضية في « غاية النهاية» الجزء الثاني، ص: 110»: قلت لم تكن عهدة الكتاب عليه بل على الحسن بن زياد كما تقدم، وإلا فالخزاعي إمام جليل من أئمة القراء الموثوق بهم». توفي سنة 480 هجرية».
(40) هو يوسف بن علي جبارة بن محمد بن عقل بن سوادة أبو القاسم الهذلي ولد في حدود التسعين وثلاثمائة. يقول إنه لفي ثلاثمائة وخمسا وستين شيخا كان مقدما في النحو الصرف وعلل القراءات.
قال عنه« الذهبي»:« له أغاليط كثيرة في أسانيد لقراءات وحشد في كتابه أشياء منكرة لا يحل القراءة بها ولا يصح لها إسناد إما لجهالة الناقل أو لضعفه للهذلي» « الكامل في القراءات» و« الهادي» و«الوجير» كلاهما في القراءات مات الهذلي سنة 465 هجرية.
(41) الآية 28 من السورة 35، « فاطر» وهي بتمامها. "ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور" .
(42) « الكشاف« الجزء الثالث، ص: 483.
(43) « البحر المحيط» الجزء السابع، ص: 312 وبما عن هذه القراءة منكرة فسترى أبا حيان ينص على أن من ذكرها هو « الزمخشري» قائلا« وقد رأينا كتبا في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة وإنما ذكرها الزمخشري وذكرها عن أبي حيوة أبو القاسم يوسف بن جبارة في كتابة« الكامل» بل الحق الذي لا غبار عليه هو، ان من ذكره القاسم الهذلي الذي عزاه، كما رأينا إلى أبي حنيفة ولعله منها براء وسماها قراءة عمر بن عبد العزيز لكن الزمخشري- نظر لتداول هذه القراءة الشاذة بين الناس أجهد نفسه في تأويلها حتى لا تتعارض وروح الدين الحنيف فكان اجتهاده موقفا وهو ما نقله بعده جم غفير من المفسرين.
(44) « الجامع لأحكام القرآن» الجزء 14 ص: 344.
(45) « النشر في القراءات العشر»الجزء الأول ص: 16.
(46) « النشر في القراءات العشر» الجزء الأول، ص: 17.
(47) الآية (9) من السورة 62 « الجمعة»، أما الآية كما وردت في المصحف الإمام فهي "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون" .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here