islamaumaroc

فقه السنن الكونية في الهجرة النبوية

  توفيق الغلبزوري

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

السنن التاريخية والكونية في القرآن الكريم والسنة النبوية، هي القوانين المطردة والثابتة التي تفسر إلى حد كبير حركة الحضارة والمجتمع، وتعين على فهمهما فهما سليما، لذلك يتحتم علينا أن نوليها اهتمام بالغا وعناية فائقة.
وقد تكون حاجة المسلمين اليوم إلى فهم هذه السنن وفقهها، وحسن التعامل معها، والتحكم فيها شديدة، حتى يستعيدوا فاعليتهم وقدرتهم على التغيير والإصلاح والبناء، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبذلك تنتفي العشوائية من حركتهم، والفوضى الفكرية من عقولهم، والإرجائية والجبرية من مواقفهم.
وذلك لن يكون- بطبيعة الحال- إلا بالقضاء على عوامل الجمود، والركود، التي عطلت العقول عن إدراك سنن الله وقوانينه في الكون، والتي أخرجت الأمة المسلمة من تدافع عالم المادة والحركة إلى حالة من السلب والتواكل والفرار، وشاعت فيها فلسفة الجبر التي انحرفت بعقيدة القضاء والقدر إلى تع
يل قانون السببية تعطيلا كاملا.
لذلك أولى القرآن الكريم لهذه المسألة أهمية كبرى من خلال الدعوة إلى استنباط السنن، واستخلاص العبر من قصص الأنبياء مع أممهم، ومن استقراء وقائع التاريخ البشري:" قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ".(1)
الكون- إذن- تحكمه قوانين دقيقة مبنية على أساس العلل والمعلولات، والأسباب والمسببات، وليس هناك مجال للفوضى والعبث، ولم يكن خلق السماوات والأرض صدفة ولعبا، وسنن الله التاريخية في المجتمعات البشرية امتداد طبيعي لسنته في الميادين الكونية، لأنها قوانين واحدة، وأسباب واحدة، وتواميس واحدة، تصدر عن إرادة واحدة.
فلأول مرة في تاريخ الفكر يكشف الغطاء أمام العقل البشري عن حقيقة منهجية، على درجة كبيرة من الخطورة: إن التاريخ ابشري لا يتحرك فوضى وعلى غير هدف، وإنما تحكمه سنن ونواميس كتلك التي تحكم الكون والعالم والحياة والأشياء، سواء بسواء...
وإن الوقائع التاريخية لا تأتي بالصدفة، وإنما خلال شروط وأسباب وعلل خاصة تمنحها هذه الصفة أو تلك، وتوجهت صوب هذا المصير أو ذاك...« القانون يحكم التاريخ، تلك هي المقولة التي لم يكن قد كشف عنها النقاب قبل نزول القرآن الكريم»(2)
ولكي تكون إنسانا فاعلا ومؤثرا لابد أن تكتشف هذه السنن والأسباب، وتحسن تسخيرها، وتدرك كيفية التعامل معها، فتصل إلى مرتبة مغالبة القدر بقدر أحب إلى الله، أو تفر من قدر الله إلى قدر الله كما قال الفاروق رضي الله عنه، لأن هذه السنن الكونية ثابتة مطردة لا تتبدل ولا تتحول، ولا تحابي أحدا، كما نبه القرآن على ذلك في غير ما موضع:
- "فهل ينظرون إلا سنن الاولين، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا".(3)
- " ولن تجد لسنة الله تبديلا ".(4)
- " لا تبديل لكلمات الله ".(5)
- "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(6)
- " وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ".(7)
- " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ".(8)
- " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعملوا أن الله شديد العقاب ".(9)
- " وإذا أردنا أن نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول. فدمرناها تدميرا".(10)
- " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون".(11)
أما في السنة النبوية فالتنبيهات على هذا الأمر أظهر من أن تنكر، وأشهر من أن تذكر، منها على سبيل المثال:
حديث زينب ابنة جحش رضي الله عنها، أن النبي (ص) دخل عليها فزعا يقول:« لا إله إلا الله ! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه » وحلق بأصبعه: الإبهام والتي تليها، قالت زينب فقلت: يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:« نعم، إذا كثر الخبث».(12)
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث:
« ومعنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون».(13)
هذا المنهج القرآني في ربط الوقائع الاجتماعية والتاريخية بأسبابها وعللها، وبسنتها ونواميسها، هو الذي استفاد منه العلامة المؤرخ ابن خلدون في وضع « مقدمته» فقام بمحاولة لدراسة التاريخ، وكشف سنته وقوانينه، وإدراك علل سقوط الأمم وانهيارها، وقيام الحضارات ونهوضها.
ثم انتقل هذا المنهج الفريد الذي أسسه الوحي الإلهي إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية، فكان علم الاجتماع الخلدوني المستمد من القرآن الكريم هو الشعلة التي فجرت النهضة في الغرب، فقامت مدارس مثالية ومادية مختلفة تحاول فهم التاريخ وسنته لتتلقف هذا المنهج القرآني، وذلك التطبيق العملي الذي ضيعه المسلمون.
* الأخذ بالأسباب من سنن الإعداد:
أدرك النبي (ص) بفطنته وحسن تيقظه وفراسته- وهو الداعية الأريب المطلع على واقع القوم- أن للخزرج استعداد كبيرا لقبول رسالة الإسلام، لأنهم كانوا يمتازون عن سائر العرب بجوارهم لليهود، ولفهم عقيدة التوحيد، حتى إن اليهود كانوا يتوعدونهم قائلين: يوشك أن يبعث الله نبيا فتتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وذلك ما ندد به القرآن الكريم في قوله تعالى:" ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين" (14)
أرسل النبي (ص) أولئك النفر المؤمنين به والمصدقين له إلى المدينة ليكونوا طليعة الدعوة إلى الإسلام، فأثمرت جهودهم على عجل، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا دخلها الدين الحق.
وجاءت الخطوة الثانية في الإعداد للهجرة ببعث المعلم الأمين:« مصب بن عمير»  سفير رسول الله (ص) بالمدينة، لعلمه وحكمته وحصافته وذكائه، فأثمرت جهود مصعب – بتوفيق من الله- في تخطي جميع الصعاب، ونشر وجمع الناس حوله.
ثم كانت الخطوة الثالثة والحاسمة ببيعة « العقبة الثانية»، التي تتضمن أخذ المسلمين- منذ أول وهلة- بالسنن والأسباب، مع التسلح بالكتمان والحيطة والحذر.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: نمنا تلك الليلة – ليلة العقبة- مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (ص) نتسلل تسلل القط متستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي... ثم قال النبي (ص)« ارجعوا إلى رحالكم»، قال كعب: فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون، ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا، قال كعب: وبعضنا ينظر إلى بعض».(15)

* السنن الكونية الظاهرة في الهجرة النبوية الباهرة:
لما أجمع الرسول أمره على ترك مكة إلى المدينة نزل الوحي الإلهي بأمره بذلك ويحثه عليه، فمن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) بمكة، ثم أمر بالهجرة ، وأنزل عليه قوله تعالى:
" وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" (16) (17).
ويروى في تفسير هذه الآية عن ابن عباس والحسن وقتادة: :" وأخرجني مخرج صدق" : المدينة،
 " وأخرجني مخرج صدق" مكة.(18) 
وقبل الشروع في الهجرة، ومع ثقة رسول الله (ص) بحماية ربه له، ونصره وتأييده إياه،- وهو نبي الله المعصوم وصفيه المعلوم- فإن هذا كله لم يمنعه من الأخذ بجميع الأسباب، وبكل السنن الكونية التي في مقدور التخطيط البشري، وبتمام الأساليب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل الإنساني الذكي العبقري.
ذلك أن استحقاق التأييد العلى لا يعني التفريط في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله، ومن ثم فإن رسول الله (ص) أحكم خطة هجرته، وأعد لكل فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكانا للحظوظ العمياء،(19) ولم يضرب في بيداء، ولم يخبط خبط عشواء، وتتجلى روعة هذه الخطة المحكمة في الأخذ بالسنن الكونية، واستعمال الأسباب المادية الآتية:
أ- كتمان أمر هجرته (ص) وإعداد الراحلتين:
يلاحظ في سياسة الأمور وحسن التدبير - في البداية- أن النبي (ص) كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة وثيقة بالخطة المحكمة التي وضعها، ولم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.
فقد استبقى رسول الله معه عليا وأبا بكر، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:«...فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله (ص):« على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: « نعم». فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر- وهو الخبط- أربعة أشهر».(20)
ب- مبيت علي عليه السلام في فراشه:
«... فأتى جبريل عليه السلام رسول الله (ص) فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه؛ فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيبثون عليه، فلما رأى رسول الله (ص) مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، وتسبح ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم؛ وكان رسول الله (ص) ينام في برده ذلك إذا نام».(21)
إن هذا التصرف من النبي (ص) بنوم علي في فراشه وتسجيه ببرده جزء من حسن التسيير، وإحكام التدبير بالتمويه والتعمية على العدو، وقد نجحت هذه الجزئية في التمويه نجاحا تاما، حتى أتاهم رجل ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا محمدا، قال: خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش مستجيبا ببرد رسول الله (ص)، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا؛ فقام علي رضي الله عنه عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا،«هـ».(22)
ج- الخروج في النهار:
« قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله (ص) فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال النبي (ص) لأبي بكر:
« أخرج من عندك» فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله-إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله :« بالثمن» قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت « ذات النطاقين».(23)
إن هذه الساعة بالنسبة للناس ساعة القيلولة والهاجرة، والحر شديد، لأن الوقت كان في أخر شهر من أشهر الصيف- كما حققه البعض- وقلما يوجد إنسان في مكة خارج بيته في مثل هذه الساعة، وقد جاء النبي (ص) متقنعا كما في هذا الحديث الصحيح، وأمر أبا بكر بإخراج من عنده من الناس، مع أنهما ابنتاه، وإحداهما زوجة لرسول الله يومئذ كما حققه الإمام السهيلي في « الروض الأنف».(24)
فانظر إلى هذه الدقة في التخطيط تجد فيها أبلغ دلالة على ما نحن بصدده من الأخذ بالسنن الكونية، وبمنتهى الحيطة والحذر والسرية.
د- الخروج من الخوجة:
قال ابن إسحاق:« ولم يعلم- فيما بلغني- بخروج رسول الله (ص) أحد، حين خرج، إلا علي بن أبي طالبن وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر... فلما أجمع رسول الله الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوجة لأبي بكر في ظهر بيته».(25)
لاشك أن استبقاء رسول الله (ص) لأبي بكر مع هجرة سائر المؤمنين أمر قد يثير الشك والريبة في أذهان المشركين باحتمال هجرتهما مهان وبناء عليه قد يعمدون إلى مراقبة بيت أبي بكر، وإذا كانت المراقبة قائمة فستكون لباب البيت بالذات، يرصد فيد الداخلون والخارجون، وفي الخروج من مخرج سري هو خوجة أبي بكر في ظهر بيته، منتهى الذكاء وإحكام التخطيط، ومراعاة الاحتمالات، وسد الثغرات.
هـ- تخفي الرسول (ص) في غار ثور على غير طريق المدينة:
قالت عائشة:« ثم لحق رسول الله (ص) وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال».(26)
وتبدو عظمة التخطيط أكثر في تنبه النبي إلى أن طريق المدينة سوف يكون- لابد- مرصودا مراقبا، ولذلك سلك مسلكا آخر: اتجاه غار ثور الواقع جهة اليمن لتضليل المطاردين.
يقول المباركفوري:« ولما كان النبي (ص) يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، واتجه نحو اليمن. سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال، حتى بلغ إلى جبل يعرب بجبل ثور، وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذا أحجار كثيرة».(27)
و- الاتخبارات النبوية تكشف حركة العدو بمكة:
قالت عائشة رضي الله عنها:« وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب...، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام».(28)
لم يكف النبي (ص) الإقامة في الغار ثلاثة أيما متخفيا، ولم يصطف أيا كان لمراقبة حركات قريش واستعداداتها مؤامراتها، بل اختار شابا ثقفا لقنا- كما وصفته عائشة رضي الله عنها- أي ذكيا فطنا، أريبا واعيا، لن هذه المهمة:« مهمة الاستخبار» لا يستطيعها إلا الأفراد من الناس، الذين يحملون مؤهلات خاصة، ولذلك تفنن جميع قيادات الدول في العالم في انتقائهم لحماية أمنها واستقرارها.
« وكلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو، وأدرى بأسراره، ولها في صفوفه من ينقل إليها مل تخطيطاته كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها»؛(29) ولذلك حرص رسول الله (ص) على متابعة أخبار العدو، وأسراره أولا بأول، حتى تكون خطته المحكمة التي وضعها في طريق هجرته قائمة على كعرفة للواقع بيقين، لا على الظن والتخمين.
ز- تأمين الزاد:
قال ابن إسحاق:« وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما».(30)
إن القارئ ليلاحظ معنا أن هذا الدين نصر بالشباب المسلم المؤمن ذكورا وإناثا، فسائر الذين أسهموا في حدث الهجرة مع رسول الله (ص) كانوا شبانا استفرغوا وسعهم، وبذلوا جهدهم من أجل نصرة الإسلام وإقامة مجتمعه.
وهذه أسماء الفتاة المؤمنة الشابة تختص بتوفير الزاد للمهاجرين، وتصعد جبل ثور الذي قد يعجز بعض الرجال عن صعوده، وقد تفطن رسول الله إلى أن المكوث بالغار قد يطول، ولو انقطع الزاد عنهما فقد يهلكان من الجوع، فأعد لكل افتراض عدته.
ح- إعفاء الأثر:
قال ابن إسحاق:« وكان عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر رضي الله عنه، يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتليا وذبحا، فإذا إذا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة، أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه».(31)
تلك هي الحيطة البالغة ! والأخذ بالأسباب والسنن التامة !
فمن المعلوم، أن العرب كانوا إذا عمي عليهم الأثر، جاءوا بالقافة، فجعلوا يقفون الأثر حتى ينتهون إلى منتهى السير، ولم يكن هذا الأمر ليغيب عن فطنة رسول الله (ص) وهو الخبير بواقع القوم، فأوكل إلى عامر مهمة الإعفاء على آثار أقدام ابني أبي بكر عبد الله وأسماء.
ط- استئجار الدليل الخريث والاستفادة من خبرة المشركين وحين سكنت عنهما نار الطلب، وتوقف البحث والتفتيش، بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاث ليال بلياليها بدون جدوى، تهيأ رسول الله (ص) وصاحبه للخروج إلى المدينة.
وهنا لمعة أخرى من الأخذ بالنواميس والأسباب والسنن الكونية.
قالت عائشة:« واستأجر رسول الله (ص) وأبو بكر رجلا من « بني الديل»، وهو من بني عبد بن عدي، هاديا خريتا،« والخريت» الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي،(32) وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحليتهما، وواعداه« غار ثور» بعد ثلاث ليال، براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل».(33) قال الإمام السهيلي في تفسير لفظ« الخريت»:« هو الماهر بالطريق الذي يهتدي لمثل خرت الإبرة».(34)
استئجار الرسول (ص) لهذا الدليل الحاذق  الخبير بطرق الصحراء ومسالكها، واسمه« عبد الله بن أريقط» أو« أرقط» كما قال ابن إسحاق،(35) لم يراع فيه إلا الكفاية وحدها، فقد اختاره على شركه ليستفيد من خبرته، وينتفع بموهبته.
ي- متابعة التمويه:
أخرج البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:« أقبل نبي الله (ص) إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله ساب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال:
فيحسب الحاسب انه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير»(36)
إن الحرب خدعة، وإن من تمام الأخذ بالأسباب التمويه على العدو بكل الأساليب المشروعة، وتقدير هذه الصورة دفع أبا بكر رضي الله عنه إلى التعمية على العدو بهذه الطريقة الذكية، فيوحي للسائل أن رسول الله دليله على الطريق، وهذه المسلك يعطينا درسا في سياسة الأمور.
إن الدعاة إلى الله لابد أن يكونوا على قدر من الوعي والنباهة، وحضور البديهة، وحدة الذاكرة ما يجعلهم قادرين على خداع عدوهم، والإفلات من يديه دون أن يستعملوا أسلوب الكذب الصراح إلا عند الضرورة، أما الأصل، ففي الكتابة والمجاز متسع لهم لتحقيق هذه الغاية، وإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.(37)
ك- استمرار تضليل المطاردين:
وقد ذكر ابن إسحاق المسالك والشعاب المعقدة التي سلكها بهما الهادي الخريت« عبد الله بن أريقط»، فقد سلك بهما أسفل مكة، وأمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر،(38) وسلك دروبا لم تعتدها القوافل، ولم يكن يسلكها أحد إلا نادرا.
إن هذا الجهد البشري في عالم الأسباب والسنن الكونية إذا كان من رسول الله وهو المصنوع على عناية الله وفي رعايته، فلاشك أننا نحن أولى بذلك كله.
ل- التوكل على الله وحده:
بعد استنفاد الأسباب المادية كلها يجب على الراعية إلى الله تعالى أن يتوكل على الله وحده، ولا يشرك معه أحدا، وهذا الأمر وإن كان عملا قلبيا فهو في حقيقته من السنن الكونية ذات الأثر الكبير في الفوز والنجاح.
فمع أن الله تعالى أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، والسنن الكونية ونواميسها، فإن الحقيقة التي لاشك فيها أن ذلك بتسبيب الله وقدرته، وخلقه وإرادته، لذلك ينبغي الاعتماد عليه وحده، والثقة بتأييده ونصره وحمايته وتوفيقه وحده.
يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:« لقد كان ما فعله- أي رسول الله (ص) - من تلك احتياطات إذن، وظيفة تشريعية قام بها، فلما انتهى من أدائها عاد قلبه مرتبطا بالله عز وجلن معتمدا على حمايته وتوفيقه، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على الله عز وجل، ولكن لا ينافي ذلك احترام الأسباب التي جعلها الله في هذا الكون أسبابا».(39)  
ولهذا لم يعرف الخوف والجزع طريقه إلى قلب النبي (ص) لما وصل المشركون إلى فم الغار « غار ثور».

ولنستمع إلى الصديق يحدثنا بهذه الحقيقة:
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: كنت مع النبي (ص) في الغار، فرفعت رأسي فإذا بأقدام الثوم: فقلت: يا نبي الله، ولو أن بعضهم طأطا بصره رآنا، فقال:« اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما».(40) 
وقد نوه القرآن برباطة الجأش هذه، والثقة الكاملة في الله، فقال الله تعالى :" إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم".(41)
ولذلك أيضا لم يأخذ الروع والهلع رسول الله (ص) لما لحق به سراقة بن جعشم يروم قتله، بل استغرق في الذكر والقراءة كأنه واثقا بنصر الله، وبأنه سبحانه سيمنعه من الناس، ويعصمه من شرهم، يقول سراقة:
«... حتى إذا سمعت قراءة رسول الله (ص) وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغنا الركبتين، فخررت عنها...».(42)
إن في هذا كله لأبلغ دلالة على أن الإيمان بالله تبارك وتعالى والتوكل عليه، لا ينافي أبدا الاستفادة من« السنن الكونية» التي جعلها الله في هذا الكون سننا، ولا يناقض قط استعمال الأسباب المادية التي أراد الله عز وجل بعظيم حكمته أن يضعها أسبابا.
والحمد لله رب العالمين.


(1) سورة آل عمران- الآيتان: 137-138.
(2)  « حول إعادة تشكيل العقل المسلم» : للدكتور عماد الدين خليل/ص:51/ سلسلة كتاب الأم القطرية/ ط:2-1983م.
(3)  سورة فاطر- الآية:44
(4)  سورة الفتح-الآية:23.
(5)  سورة يونس- الآية: 64.
(6)  سورة الرعد- الآية: 11.
(7)  سورة الجن- الآية: 16.
(8)  سورة الكهف- الآية: 59
(9) سورة الأنفال- الآية: 25
(10) سورة الإسراء- الآية: 16
(11) سورة هود- الآية: 117
(12) متفق عليه، أحرجه البخاري في كتاب :« الأنبياء» باب قصة ياجوج وماجوج، وأخرجه مسلم في كتاب :« الفتن وأشراط الساعة»: باب اقتراب الفتن وفتح ردم ياجوج وماجوح
(13) انظر:« اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان» 2/924/ط مكتبة دار الفيحاء* دمشق- ودار السلام- الرياض/ط1، 1414هـ-1994م.
(14)  سورة البقرة- الآية: 89.
(15) أوردت الحديث بتصرف واختصار، وقد أخرجه أحمد 3/460-462 وصححه ابن حيان وأقره عليه الحافظ في « الفتح» 7/475.
(16) سورة الإسراء- الآية: 80.
(17) أخرجه الترمذي4/137 والحاكم3/3 والبيهقي9/9 وأحمد (رقم 1948) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح/ وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(18) شرح السنة: للإمام البغوي 13/353: المكتب الإسلامي- بيروت/ط2/ بتحقيق شعيب الأرتاؤوط
(19) فقه السيرة: لمحمد الغزالي ص: 159، دار القلم- دمشق/ط7/1418هـ.
(20) أخرجه البخاري في « صحيحه» من حديث عائشة الطويل في الهجرة،« كتاب مناقب الأنصار»: باب هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة 2/516، رقم الحديث 3905، دار الكتب العلمية- بيروت،ط1، 1419هـ.
(21) السيرة النبوية: لابن هشام 2/108، المكتبة العصرية- بيروت/ط2/1419هـ/ بتحقيق: الشيخ محمد علي قطب ومحمد الدالي يلطه.
(22) المصدر السابق:2/109.
(23) أخرجه البخاري في صحيحه، كتال « مناقب الأنصار»: باب هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة، وهو جزء من حديث عائشة المتقدم.
(24) انظر « الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية»: لابن هشام- للإمام أبي القاسم السهيلي الأندلسي2/230، دار المعرفة، بيروت، 1398هـ-1978م.
(25) سيرة انب هشام 2/111/ط المكتبة العصرية.
(26) أخرجه البخاري، وهو جزء من حديث عائشة المتقدم.
(27) الرحيق المختوم: لطفي الرحمن المباركفوري ص 118، دار الكتب العلمية- بيروت/ط1/1420هـ-1999م.
(28) أخرجه البخاري في « صحيحه»، وهو جزء من حديث عائشة المتقدم.
(29) المنهج الحركي للسيرة النبوية: لمنير الغضبان: الجزء الأول ص 191/ مكتبة المنار- الزرقاء- الأردن/ط7/1412هـ.
(30) السيرة النبوية: لابن هشام 2/111.
(31) السيرة النبوية: لاين هشام 2/112، وقد أخرجه البخاري بلفظ أخر، وروي عن عائشة أن عامر بن فهيرة كان« يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث» انظر:« صحيح البخاري» كتاب« مناقب الأنصار»: باب هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة 2/518، رقم الحديث 3905، ط: دار الكتب العلمية- بيروت،.
(32) قولها: غمس حلقا: تريد أنه كان حليفا لهم، وذلك أنهم كانوا إذا عقدوا حلفا وضعوا جفنة من  طيب، فغمسوا أيديهم فيها لتأكيد الحلف. شرح السنة: للإمام البغوي 13/364.
(33) أخرجه البخاري من حديث عائشة المتقدم، كتاب « مناقب الأنصار»ك باب هجرة النبي (ص) أصحابه إلى المدينة.
(34) الروض الآنف:2/235.
(35) السيرة النبوية: لابن هشام 2/111.
(36) صحيح البخاري: كتاب« مناقب الأنصار»: باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة2/521، رقم الحديث: 3911،ط: دار الكتب العلمية- بيروت
(37) انظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية :1/194.
(38) انظر: سيرة ابن هشام:2/116-117/ والرحيق المختوم: ص: 120.
(39) فقه السيرة النبوية: للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي/ ص: 203، ط دار الفكر/ط10/1411هـ.
(40) صحيح البخاري كتاب« مناقب الأنصار»: باب هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة 2/524، رقم الحديث: 3922/ط:دار الكتب العلمية.
(41) سورة التوبة- الآية: 40.
(42) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب«مناقب الأنصار» باب هجرة النبي (ص) وأصحابه إلى المدينة، رقم الحديث: 3906.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here