islamaumaroc

مداخل الشهور الهجرية بين الرؤية والحساب

  علي العمراوي

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

لاشك أن معرفة مداخل الشهور القمرية من أهم المواضيع التي اهتم بها الإسلام ويكفي لتأكيد ذلك أن ثلاثة من أركان الإسلام الخمسة ترتبط ارتباط مباشرا بمعرفة التاريخ الهجري، فلا يتوجب صيام إلا في رمضان، ولا ينعقد الحج إلا في شهر ذي الحجة، ولا تحل زكاة لأموال إلا إذا مضى حول كامل على النصاب.
لهذه الأسباب وضعه الشارع قواعد لمعرفة دخول الشهور القمرية، فذكر ذلك مقتضبا في كتاب، وأوضحت السنة المطهرة كيفية حلول شهر الإمساك وشهر الإفطار، وكان ضبط الشهور القمرية من أواخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
وطوال القرون التي تلت الفتوحات الإسلامية لم يكن هناك بديل عن الرؤية البصرية لمعرفة مداخل الشهور القمرية. إلا أنه بعد توسع الدولة الإسلامية ظهرت خلافات في مداخل الشهور فيها بين شرق الدولة الإسلامية وغربها وتجلى ذلك في المراسلات بين ملوكها.
وظهر علماء فليكيون عرب ومسلمون فوضعوا الأزياج لمراقبة سير الشمس والقمر، واستنبطوا قواعد لمعرفة إمكانية ظهور الأهلة أو اختفائها. ومنذ القرون الوسطى الهجرية ظهرت خلافات بين النتائج الحسابية وبين الرؤية البصرية، فكان ذلك أول الجدل بين أنصار الرؤية وأنصار الحساب.
ومع طول القرون تطور علم الفلك فظهرت طرق حسابية جديدة ومضبوطة وظهرت أزياج وجداول أكثر ضبطا وأصح تركيبا قفل الخلاف بين الرؤية والحساب.
وفي السنين العشرة الأخيرة، وقعت تطورات هامة ومثيرة في تحديد مداخل الشهور القمرية، فقد أدخلت المناهج الحسابية في الحواسب السريعة، فأصبح الحساب أكثر دقة وأكثر سرعة، فعوضا من أن يحدد مدخل الشهر في بضع ساعات للحساب الفلكي الماهر، أصبح ذلك متيسرا سهلا في بضع دقائق. وانتشرت الطرق الحسابية انتشارا سريعا عن طريق شبكة الإعلاميات العالمية.
وانعقدت عدة مؤتمرات إسلامية سعيا لتحديد مداخل الشهور القمرية ومراقبتها في سائر الدول الإسلامية وتتدارس الدول الإسلامية حاليا مشروع إطلاق قمر صناعي يخصص لرصد الهلال في سائر المعمور، وأخذ الصور له والإعلام الفوري بذلك.
وقد واكب كل هذه التطورات جدل حاد بين من يحبذ ومن يعارض استعمال الحساب في تحديد مداخل الشهور، وكثر في ذلك القيل والقال إلى درجة بعض المتدخلين يجهل كل شيء أو جله عن المناهج الحسابية، ويحتدم هذا الجدل في المناسبات الدينية كمواسم الصيام والحج.
وغرضنا في هذه السطور هو إلقاء بعض الأضواء عن ماهية الحساب الفلكي المذكور، وتصحيح بعض المعتقدات الخاطئة في هذا الشأن، ثم بيان حيثيات وحجج من يعارض الحساب ومن يستحسنه، مما يساعد أصحاب القرار على اتخاذ موقف موضوعي في هذا الشأن.
بعبارة الحساب الفلكي أعني هنا الحساب المضبوط الذي يبين إمكانية أو عدم رؤية الهلال بالعين المجردة بعد مغيب شمس يوم التاسع والعشرين من الشهر؛ ولا ينبغي أن تطلق صفة الحساب الفلكي على غير ذلك، فالحساب الفلكي الصائب مطابق مع الرؤية البصرية تمام المطابقة في نتائجه، ولا يختلف أحدهما عن الآخر إلا إذا تعذرت الرؤية بسبب غمام أو ضباب أو جبل.
أول ما يطلبه الحاسب عند البحث عن إمكانية الرؤية هو ساعة غروب الشمس وساعة غروب الهلال، فإذا غاب القمر قبل الشمس، فلا سبيل إلى رؤيته، ويسمى الفرق الزمني بين الغروبين« بالمكث» وكلما تأخر غروب الهلال عن غروب الشمس كلما سهلت رؤيته؛ وقد دلت التجربة على أن الرؤية لا تكون يسيرة إلا إذا كان « المكث» أكثر من ثمان وأربعين دقيقة.
وثاني ما يطلبه الحاسب هو معرفة ما يسمى « بوقت الاجتماع»، ومن المفيد أن نفصل ما هو
« الاجتماع» وسبب تأثيره على إمكانية الرؤية، فلقد لاحظ الفلكيون منذ القدم أن الشمس والقمر حركتان دائبتان.
فالحركة الأولى: هي الحركة السنوية، وهي أكثر تعقيدا، فالشمس تقطع كل سنة دائرة تامة تسمى :« دائرة البروج»؛ وقد قسمت هذه الدائرة إلى اثني عشر قسما متساويا، وأطلق على كل قسم إسما معينا، ويفضل الفلكيون تقسيم تلك الدائرة إلى 360 جزء، وتقع الشمس تقريبا درجة واحدة كل يوم في حركتها السنوية.
أما حركة القمر السنوية، فهي أعقد من ذلك بكثير: فخط سيره ينحرف عن دائرة البروج، فهو تارة في شمالها وتارة في جنوبها، وسرعة القمر في تحركه تفوق سرعة الشمس بما يقرب من 13 مرة، فمثل الشمس والقمر كمثل متسابقين داخل حلقة دائرية يجري أحدهما بسرعة تساوي 13 مرة سرعة الآخر، فمن اللازم إذا أن يدرك القمر الشمس...
وهذه اللحظة التي تساوي فيها درجة القمر مع درجة الشمس هي ما يسميه الفلكيون « وقت الاجتماع».
يصطلح الفلكيون على ابتداء الشهر منذ اللحظة التي هي لديهم هي ميلاد الشهر، أما الشهر الشرعي فغير ذلك، لا سبيل إلى رؤية القمر يوما قبل الاجتماع أو يوما بعده، حيث أنه يكون آنذاك شديد القرب من الشمس فيختفي تحت شعاعها.
ويكون القمر في أكبر بعده من الشمس يوم يكون بدرا، فتسمى تلك اللحظة « بساعة الاستقبال»، وفي الأحوال العادية يغيب القمر قبل الشمس في الأيام التي تسبق يوم الاجتماع، ويغيب بعدها في الأيام التي تلي الاجتماع؛ أما يوم الاستقبال فيشرق القمر عند غروب الشمس ويغيب حين شروقها.
ومن هنا تتبين لنا أهمية معرفة ساعة الاجتماع، فإذا حصل الاجتماع مثلا في الساعة الواحدة بعيد الظهر، وغابت الشمس ذلك اليوم على الساعة السادسة بعد الظهر، فلا سبيل إلى رؤية الهلال نظرا لشدة قربه من الشمس؛ في جل الأحوال تكفي معرفة تاريخ وساعة لاجتماع للحسم في إمكانية الرؤية أو استحالتها.
وعلى الرغم من ذلك، لا يكتفي الفلكيون بمعرفة ساعة الاجتماع، بل يسعون إلى معرفة ضوابط أخرى تساعد على معرفة الرؤية.
وهكذا يسعى الفلكيون إلى معرفة ما يسمونه نور القمر، وهو المقدار المستنير من جرم القمر؛ فكلما كان مقدار النور كبيرا كلما سهلت رؤية الهلال، وبالعكس إذا كان الهلال رقيقا تعذرت الرؤية أو صعبت.
ويعتبر الفلكيون كذلك مقدار ارتفاع الهلال فوق الأفق الغربي لحظة مغيب الشمس، فإذا كان هذا الارتفاع كبيرا كان الهلال خارج منقطة ضياء الشفق وسهلت رؤيته.
ويأخذ الفلكيون كذلك بعين الاعتبار مقدار انخفاض الشمس تحت الأفق الغربي، فكلما انخفضت الشمس كلما قل ضياء الشفق وبرز الهلال، ويسمي الفلكيون هذا الانخفاض « قوس الرؤية».
وزيادة في التدقيق يحسب الفلكيون مقادير أخرى شبيهة بالمقادير السابقة كلها تؤثر على الرؤية سلبيا أو إيجابيا.
فإذا عرف الفلكيون المقادير السابقة انتقلوا إلى مرحلة تطبيق قواعد وأوجه عديدة تفيد في إمكانية الرؤية أو امتناعها.
فأوجه الرؤية عبارة عن مجموعة نتائج تجريبية وضعها الفلكيون السابقون تستعمل أساسا الضوابط القمرية التي سبق حسابها، وتفيد إمكانية الرؤية إذا بلغت الضوابط حدا معلوما، أو تفيد امتناع الرؤية إذا لم تبلغ الضوابط الحد الكافي؛ ولهذا تسمى هذه المناهج « طرق الحدود»
فأحد هذه الوجوه مثلا يعتبر « مدة المكث» و« قوس النور»، فحد المكث ثمان وأربعون دقيقة، وحد النور عشرة درج، فإذا كان المكث أكثر من ثمان وأربعين دقيقة وقوس النور أكثر من عشرة درج أمكنت الرؤية.
وإذا كان المكث أقل من ثمان وأربعين دقيقة وقوس النور أقل من عشرة درج فالرؤية ممتنعة، وإذا توفر أحد هذين الحدين ولم يتوفر الآخر كانت الرؤية عسيرة.
وفي وجه آخر يؤخذ بعين الاعتبار كل من المكث وقوس النور وقوس الرؤية، فحد المكث ثمان وأربعون دقيقة وحد قوس النور عشر درجات وحد قوس الرؤية ثمان درج، فإذا توفرت هذه الحدود الثلاث أمكنت الرؤية.
وكذلك الأمر إذا توفر إثنان منها ولم يتوفر الثالث، وإذا توفر حد واحد فقط كانت الرؤية ممتنعة.
ونلاحظ أن الوجه الأول يستعمل قوس النور والمكث بينما يزيد الوجه الثاني قوس الرؤية؛ فالوجه الثاني أدق من الوجه الأول، وبهذا الاعتبار يعد الوجه الثاني تحسينا للوجه الأول، يستعمل إذا لم يفد الوجه الأول في حالة ما إذا كان المكث أو قوس النور بعيدان عن حدودهما كما يوصي بذلك صاحب هذا الوجه.
وإلى جانب أوجه الرؤية هذه، فقد بينت التجربة بعض الحالات التي لا يحتاج فيها إلى حساب، وهذه الحالات مستنبطة من المنطق أكثر ما هي مستنبطة من الفلك.
فالرؤية بعد مغيب الشمس يوم الثلاثين من أشهر لازمة واضحة مشتهرة، فلا يوجد شهر من واحد وثلاثين يوم كما تدل على ذلك الأحاديث النبوية والحسابات الفلكية؛ فإذا لم يشاهد الهلال بعد مغيب الشمس يوم الثلاثين فمعناه أن ذلك اليوم ليس بثلاثين وأن الرؤية السابقة التي أدت إلى ذلك فاسدة.
وإذا ما شوهد الهلال في بلاد شرقية، فلابد أن يشاهد في نفس اليوم في كل المدن الغربية التي تتحد معها في العرض الجغرافي؛ ذلك أن مشاهدة الهلال تدل على أنه خرج من شعاع الشمس وابتعد منها بما يكفي رؤيته، وبما أن غروب الشمس في البلاد الغربية يتأخر عن غروبها في البلاد الشرقية، فإن الهلال في المواقع الغربية يزداد نورا ولمعانا وبعدا عن الشمس بالنسبة لما هو الشأن عند غروبه في البلاد الشرقية.
وإذا شوهد كسوف للشمس، كليا كان أو جزئيا، فلا سبيل إلى رؤية الهلال عشية ذلك اليوم، لأن القمر في تلك الحالة أقرب ما يكون للشمس إلى درجة أنه يغطيها، ولا يمكن للهلال أن ينفصل ذلك اليوم عن الشمس ولو جرى بأقصى سرعته، فالشمس والقمر يغربان في أوقات متفاوتة جدا تمنع الرؤية.
فيوم الكسوف ويوم الثلاثين يومان مختلفان بالضرورة، فالرؤية ممتنعة يوم كسوف، ولازمة بعد الغروب يوم الثلاثين.
وإذا شوهد الهلال صباحا قبل أن تشرق الشمس، فإنه لا يرى مساء نفس اليوم، ذلك أن الهلال لم يدخل بعد صباحا تحت شعاع الشمس، ولو جرى بأقصى سرعته فإنه لا يمكن أن يخرج من الشعاع عند غروب الشمس مساء ذلك اليوم.
ونرد على سبيل المثال هذه النتائج الحسابية لمداخل الشهور القمرية لعام 1422 كما حسبت بالمملكة المغربية، فنجد ثلاثة أشهر متتابعة من 29 يوم شهرين متتابعين من 30 يوما، وطوال العام المذكور، فإن الحساب يحسم إمكانية الرؤية أو انعدامها في عشرة أشهر، ولا يفعل ذلك في شهرين حيث يبقى الشك في يوم دخولها.
وهكذا الحال كل النتائج الحسابية طوال السنين، ففي الغالب يحسم أمر الرؤية بإمكان أو بامتناع، ويظل الشك في مدخل شهر أو شهرين في السنة.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الفلكيون فإن استعمال الحساب قوبل بالتحفظ الشديد وبالرفض التام، فمن المفيد أن ننظر هنا بتفصيل إلى الأسباب التي دفعت بأصحاب الحل والعقد إلى رفض الحساب، وإلى أجوبة الفلكيين في دفاعهم عن المناهج الحسابية التي استنبطوها، ونلخص ذلك في أربع نقط رئيسية:

1- استعمال الحساب في معرفة الرؤية:
علم الحساب من أهم العلوم التي دفع الشارع المسلمين إلى العناية بها، ولا نكاد نحصي الآيات والأحاديث التي تحث على التعليم منذ أول آية نزلت بالقرآن؛ فإذا اعتبرنا علم الفلك بالذات نجد أن القرآن الكريم يجعل ارتباطا خاصا بين الشمس والقمر وعلم الحساب، وها هي بضع آيات تدل على ذلك.
" الشمس والقمر بحسبان" « الآية 5 من سورة الرحمن».
" فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا" « الآية 96 من سورة الأنعام.
" وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب" « الآية 12 من سورة الإسراء».
" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" « الآية 5 من سورة يونس».
ويذهب القرآن إلى أبعد من ذلك فيذكر صراحة مهنة التوقيت:
" قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين"« الآية 113 من سورة المومنون».
أما في الحديث، فالمشهور من ذلك حديث واحد يوصي فيه النبي صلى الله عليه وسلم باستعمال الرؤية لمعرفة مداخل الشهور، ويعلل عدم استعمال الحساب بكون الأمة الإسلامية أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فهل يفهم من ذلك منع أبدي للحساب؟
وبفضل الله ومنته، فقد انقطعت صفة الأمية عن الأمة الإسلامية، فظهر فيها أطباء فلكيون ولغويون وجغرافيون وما سوى ذلك، فلا مانع إذا من الحساب، واستعمل الحساب والفلك بالذات لمعرفة أوقات الصلات، واتجاه القبلة، وقسمة التركة، والاستدلال على معرفة مداخل الشهور القمرية.

2- استعمال الحساب تكليف للأمة الإسلامية ما لا تطيقه :
إن الحساب الفلكي لم يكن ليفرضه الشارع في أوائل الإسلام حال انتشار الأمية فتكلف الأمة ما لا طاقة لها به، وعلى العكس أصبح الآن لا غنى عنه لمعرفة دخول أوقات الصلاة؛ ذلك أنه بانتشار الأضواء الاصطناعية وكثرة العمران صعب رصد علامات دخول أوقات الصلاة: كالفجر والمغرب والعشاء.
وفي زمننا الحاضر بالذات توفرت الطرق الحسابية، وانتشر علم الفلك، فأصبح في متناول الأفراد فأحرى بالحكومات والدول، إلى درجة أن الحكومات الإسلامية تتدارس كما أسلفنا مشروع إطلاق قمر صناعي خاص برصد الهلال.
وهذا لا يعني أن كل مسلم ينبغي أن يتحول إلى عالم فلكي، فلسنا كلنا أطباء ولا مهندسين ولا معلمين ولا اقتصاديين، فكل هذه العلوم الضرورية فرض كفاية، سيما وأنه توفرت بأثمان مقبولة الوسائل التقنية من أدوات وآلات وحواسب نسهل على كل واحد مزاولة مهنته.

3- أفتى كثير من الأئمة بعد اعتبار قول المنجمين:
هناك سببان أساسيان في فتاوى الأئمة بعد اعتبار الحساب في معرفة مداخل الشهور القمرية.
فأولهما: هو انه جرت في عادة كل من تطلب منه فتوى كيفما كانت أن يبحث عن قول المتقدمين في الإسلام، اعتقادا في أنه كلما قرب العهد بآراء الصحابة كلما قويت الحجة وقوي الاتصال بعمل النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن هذا هو عين الصواب، وفي هذا الموضوع بالذات أفتى كل المتقدمين بعدم الاعتماد على الحساب.
فمن جهة لم يكن آنذاك ما يطلق عليه صفة الحساب كما نعنيه في عصرنا الحاضر، فلم تكن هناك إلا أزياح قليلة، وكان علم الفلك والحساب في بدايتهما يقتصران على توقعات الكسوف والخسوف، ومعرفة حركة بعض الكواكب السيارة، والكل ورث عن اليونانيين والكلدانيين.
والأدهى من ذلك أنه لم يكن فرق آنذاك بين علم الفلك وباطل التنجيم، فالفلكي (astronome) هو الذي يدرس حركة النجوم والكواكب، والمنجم (astrologue) هو الذي يدعي علم الغيب بواسطة معرفة تلك الحركات، ولم يوضع حد حاسم بين علم الفلك وعلم التنجيم إلا بعد قرون من العصور المظلمة الجاهلة.
ولازال الآن بعض المنجمين يدعون أنهم فلكيون، ولازال كل من يجهل بأمرهم لا يرى فرقا بين المنجم والفلكي.
أما الآن فقد وقعت قطعة نهائية بين الفلك والتنجيم، وظهر صواب الفلكيين وباطل المشعوذين.
وبناء على ذلك فإن اعتبار الفتاوي التي تمنع الحساب إطلاقا على أساس أنه من صنع المنجمين هو استعمال لهذه الفتاوي في غير موضوعها، فالمناهج قد تغيرت، والحساب أصبح بيد فلكيين لا بيد منجمين.

4- يتعرض الفلكيون فيما بينهم في معرفة إمكانية الرؤية:
في بعض الأحيان يتوقع أحد الفلكيين إمكانية الرؤية بينما يتوقع آخر امتناعها، وهذا مما يثير الريبة والشك في الحسابات الفلكية، ويظن البعض أنها أغلاط في الحساب.
يجب أن ننظر بعين التبصير إلى هذه الحالات النادرة؛ فمن جهة يجب أن نعرف أن جميع الفلكيين في العالم متفقون على موقع القمر والشمس في السماء، ويعرفون حركة كل منهما بنهاية الدقة؛ إنما مصدر الخلاف هو أنه في حالة وجود القمر قريبا من الظهور أو الاختفاء، وتكون ضوابط الرؤية قريبة من حدودها المعينة، فإن لكل فلكي قاعدة يرجحها؛ فمنهم من يرجح قاعدة تفيد الرؤية ومنهم من يرجح قاعدة أخرى تفيد الامتناع.
ومن جهة أخرى، فإن هذا الخلاف لا ينبغي أن يكون سببا لرفض الحساب جملة وتفصيلا، فكم من خلال وقع بين أطباء أو مهندسين أو فقهاء دون أن يؤدي ذلك إلى امتناع الناس عن استشارة أطباء أو مهندسين أو فقهاء.
إلى هذا الحد وصل الحوار بين مؤيدي العمل بالحساب وبين معارضيه دون أن ينجح أحج الفريقين في إقناع الآخر بوجهة نظره؛ فنظر الفلكي هو أن الرؤية في أوائل الإسلام كانت يقينا والحساب كان تخمينا، بينما انعكس الأمر حاليا، فالرؤية قد تكون يقينا وقد تكون تخيلا، بينما الحساب دائما يقين، والأمر أعقد من ذلك، إذ يوجد بين الفلكيين من يعارض أي استعمال للحساب.
فما هو الرأي الصائب والمخرج من هذا الحرج؟
يجب أولا أن نقتنع بكل موضوعية بالنقط الآتية:
• الرؤية هي الأصل الذي جاء به الإسلام وارتضاه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم.
• الإسلام يبيح استعمال الحساب ويدفع المسلمين إلى تعلمه كسائر العلوم الأخرى.
• الإصرار على استعمال الرؤية ولا شيء غير الرؤية، والإمعان في ذلك يؤدي إلى مواقف حرجة.
وقبول الرؤية دون تبصر يؤدي إلى حالات غير منطقية وغير مقبولة...
وأخطر من ذلك ما وجدته في إحدى الجرائد الشرقية، فقد حدث« كسوف كلي للشمس» يوم 11 غشت 1999، ورآه الملايين من الناس. ففي عدد هذه الصحيفة المؤرخ بيوم 12 غشت أنت بخبر عن الكسوف المذكور... إلى هذا الحد نجد أن كل شيء طبيعي.
إلا أن المفاجأة هي أن هذا العدد مؤرخ بفاتح جمادى الأولى، فكيف يتسنى لأي أحد رؤية عشية يوم « كسوف الشمس» والحالة أن الهلال غاب مع الشمس، ورأى ذلك جمهور من الناس؟
والأدهى من ذلك هو أن العدد السابق من الصحيفة المذكورة المؤرخ بيوم 11 غشت 1999 يحمل تاريخ التاسع والعشرين من شهر ربيع الثاني !. فمعناه أن الهلال رصد يوم كسوف، فشاهده أناس، وقبلت شهادتهم، وأثبت دخول شهر جمادى الأولى.
نحن في احتياج إلى تهذيب الرؤية وتنقيتها مما يشوبها من الغموض والأغلاط.
ففي الحالة التي يدل الحساب على استحالتها كأن يغرب الهلال قبل الشمس ينبغي عدم اعتبار كل من شهد برؤية الهلال إطلاقا.
وفي الحالة التي يدل الحساب على عسر الرؤية ينبغي التفريق بين الشهود واستيضاحهم عن ظروفها.
فمثلا سؤالهم هل غاب الهلال عن يمين الشمس أو عن يسارها وما شكله وكيف اتجاه قرينه. فإذا اتفق الشهود فيما بينهم وأيدهم الحساب قبلت الشهادة وإلا فلا.
وينبغي أن يرقب الهلال بعد غروب الشمس يوم الثلاثين فإذا لم يشاهد الهلال مع الصحو فينبغي أن ينظر في أمر من شهد برؤية أول الشهر.
الحساب نفسه يحتاج إلى تهذيب وتدقيق؛ فنحن لا نعلم الظروف التجريبية التي وضع فيها العلماء الفلكيون المسلمون قواعدهم، بل إن المقادير التامة للحدود تدل على احتياج مزيد من الضبط. فلماذا مثلا حد المكث 48 دقيقة تامة وليس 47 دقيقة و 50 ثانية ؟ ولم لا يكون حد قوس النور 9 درج و 30 دقيقة عوضا من 10 درج؟ فهذا يحتاج إلى إمكانيات وطول رصد لمراجعة قيم الحدود المذكورة وإثبات مقاديرها النهائية.
فإذا تمكن الفلكيون من ذلك فينبغي أن يصطلح الجميع عل وجه واحد للرؤية بعد اختياره والاطمئنان إليه فتصبح حينئذ الرؤية البصرية والحساب الفلكي وجهان لشيء واحد؛ وليس ذلك بمستغرب، فخالق الأجرام السماوية ومبدع حركتها إلاه واحد.
وللفلكيين سابقة من هذا النوع في حساب وقتي صلاة الفجر والعشاء؛ ففي الحديث أن وقت الفجر يدخل ببزوغ الفجر الصادق وأن صلاة العشاء تحل بغياب الشفق؛ وبعد أرصاد فلكية مطولة ومدققة تبين أن الفجر لا يبزغ إلا إذا بلغ انخفاض الشمس تحت الأفق الشرقي 19 درجة وهي صاعدة، بينما يغيب الشفق الأبيض عندما يبلغ انخفاضها تحت الأفق الغربي 19 درجة وهي هابطة؛ فاصطلح الجميع على ذلك، وأثبت الحاسبون هذين المقداريين في حصصهم، واطمئن الكل لذلك، ولم نعد نسمع بأحد يصعد الصوامع والمنارات لرصد الشفق أو الفجر.
فإذا اتبع الفلكيون هذه المسطرة في إثبات رؤية الهلال فإنهم آنذاك سيساهمون في إخراج الأمة الإسلامية من أحد أسباب تفرقها وتمزقها، وسيخلقون فرصا ثمينة لتوحيدها وتقويتها، وليس ذلك على الله بعزيز، وهو المستعان.

المراجع:
1- « تقريب البعيد من الجامع المفيد على أصول الراصد الجديد»: لصاحب العلامة الشريف محمد العلمي/ طبعة حجرية بالخط الفاسي/ مرجع أساسي في حساب مواقع الشمس والقمر وأوجه حساب الرؤية ومناقشتها.
2- « العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال»: لصاحبه العلامة ابن عبد الرزاق المراكشي أطال الله عمره.
3- من مطبوعات إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر: بحيث مستفيض في إمكانية رؤية الهلال وبيان عدم جواز توحيد الرؤية.
4- ASTRONOMIE GENERALE: للفلكي الفرنسي André Danjon/ مرجع هام في الفلك يبين كيفية حساب مواقع الشمس والقمر والكسوف والخسوف،
5- تزخر شبكة الاتصالات العالمية بالمواقع المختصة في الفلك نقتبس منها ما يلي:
http://www.cvc.org/astromy/freeware.htm
http://www.astrosurf.com
http://www.geoman.net
http://www.stalight.demon.co.uk/moocale
وهذا الموقع الأخير مختص في مراقبة الهلال ووضع الخرائط لأماكن رؤيته أو امتناعه. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here