islamaumaroc

هجرة البناء والتجديد

  هاشم العلوي القاسمي

العدد 358 محرم-صفر 1422/ مارس-أبريل 2001

في مطلع كل سنة هجرية ابتداء من فاتح محرم الحرام تحل « ذكرى الهجرة النبوية» من مكة إلى المدينة المنورة، وقد حلت الآن ذكراها بميلاد « السنة الثانية والعشرين وأربعمائة وألف هجرية»، وكلها سنوات ملأى بالعبر، ونفحات التجديد والتأصيل، ومظاهر التعبير والتحول، في مجتمعات العالم الإسلامي على امتداد جغرافيته، ومواطن تأثيره وانتشاره، هذه الذكرى التي نحياها الآن تبزغ شمسها في أفق مغربنا العظيم، وقد بدأت ملامح بناء مغرب جديد، بقيادة رشيدة وأمينة صادقة تسير به بخطى ثابتة، وفي نيتها أن تهاجر به هجرة وتشييد، وتجديد.
وفي مهبط الوحي بأرض الحجاز كانت« الهجرة النبوية» من مكة إلى المدينة في أيامها الموعودة، والتي حددها « التقويم الإسلامي»، والذي سبق لـ:« دعوة الحق» أن خصصت له عددا سابقا، دقق في نظام التأريخ لها وبها، فكانت هذه الهجرة التي قام بها النبي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام مع صحبه رضوان الله عليهم من مكة إلى المدينة، مثلت « تمفصلا» بين مرحلة الدعوة إلى الحق بطريقة التوعية والتوجيه إلى مرحلة البناء والتشييد، وبناء المجتمع الجديد والجماعة« الأمة» التي يتحقق فيها مضمون الجماعة الرشيدة المؤسسة لمفاهيم الدولة الجديدة، حيث يتمثل فيها عمليا قول الله تعالى:  وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
فمرحلة البناء تعني في سياقنا هذا، بناء الأمة الإسلامية في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة بعد عام الفتح، الذي أكمل تكوين الجماعة في مهبط الوحي، والذي تشرف بنزول القرآن الكريم، منظما لهذه الجماعة، وفيه أوحى إلى عبده ما أوحى؛ فكانت الهجرة في مضمونها العام هجرة للبناء والإنشاء والتوجيه والإرشاد، اجتمعت فيها جميع أنواع الهجرة بمضامينها الروحية والزمنية، بقيادة خير البرية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
وطيلة هذه السنين التي تعاقبت  فيها سنوات الهجرة، وهي تتجدد بمعانيها، وتتلاحق بمضامينها؛ وكل جماعة في العالم الإسلامي تستوحي منها العبرة، وتستلهم منها الرشد والسداد لتحقيق السعادة الأدبية في الدنيا والآخرة؛ وتسترشد بها في مشاريع بنائها على مستوى التربية والتقويم والنصح، وعلى مستوى بناء الدولة وتنظيمها عسى أن تصل إلى بعض ما حققه النبي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
فمن هنا كانت الهجرة وذكراها تتضمن كل المعاني في شموليتها الدنيوية والأخروية، غير أن المعنى الذي نتمثله في هذه المناسبة في مغربنا الحبيب هو معنى « بناء المغرب الجديد»، الذي نطمح أن تكون هجرتنا إلى تحقيق ذلك على مستويات الصدق بإيمان ووطنية ووفاء، حيث نلاحظ أن كل مجهود يبذله رجال الأمة وأبناؤها وكبار رجال الدولة فيها من أجل إعادة بناء مؤسساتها وإصلاحها لا يتحقق إلا بتقمص هذه الروح التي زرعتها« الهجرة النبوية» في مجتمعها الإسلامي، فالإصرار على الإنجاز والتصميم على تحقيق المشروع هو وجهة من وجهات « ذكرى الهجرة النبوية»؛ إن معناها الوفاء والإيمان والصدق والإخلاص ومواصلة العمل، بشرط أن يكون الهدف الأكبر هو مصلحة الأمة بوطنية صادقة.
وقد افتقدنا في كثير من المواقف هذا المعنى مما أخل بالواجب، ووجه العمل غير وجهته، وطبع المسيرة بطابع لا يتسق مع ما تريده الجماعة الصادقة في الأمة... فالهجرة النبوية فيلا ذكراها تناشد القوى الحية في هذه الأمة وأبناءها الأوفياء البررة أن يخلصوا النية والعمل أن يصلح أمر هذه البلاد بما صلح به أولها.
وإن تمثل معاني الهجرة في أبعادها الحضارية يستدعي استنهاض الهمم لاستحضار تلك المعاني، في ظل البناء الجديد بمشاركة الجميع.
ولا ننسى هنا ما للمرأة من مكانة محترمة في المفهوم الإسلامي البنائي لمغربنا الحبيب، ومالها من حقوق شرعية ضمنها التشريع الإسلامي التي بسطها الفقه المالكي الذي تبناه التشريع المغربي ومسطرته القضائية.
لذا استوجب أن يعي الجميع حجم ما نحن فيه حتى تتبوأ مكانة الأشرفية التي يتشرف أبناء الوطن، نساء ورجالا، بحظوة الانتماء إليها، لتحقيق التماسك الأسروي الذي كان مناطا للشرع الإسلامي، ومقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية، في مستوياتها العليا، والبعيدة الأهداف النبيلة، والمثالية شرعا وحياة عامة، وهذا ما لمح إليه سيدنا المنصور بالله في خطبه الموجهة إلى الجمعيات المغربية عموما، والتي تهتم بقضايا الأسرة، وتنظيماتها الحديثة.
وفي هذا الصدد تعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمملكتنا السعيدة على تعبئة الجهود الصادقة، والعقول العلمية الراجحة، لتوضيح الأهداف السامية لمعاني الهجرة النبوية، وإحلال المرأة المكانة الصحيحة في المفهوم الشرعي حتى يتحقق بعون الله الإقلاع الحضاري الجديد؛ وهذا هو مشروع القيادة الرشيدة التي يتولاها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره.
وإن « دعوة الحق» ليسعدها ويشرفها أن تقدم لقرائها عددها هذا، وقد تضمن عددا من المقالات والأبحاث في موضوع « الهجرة النبوية» التي تمثلت فيها كل معاني البناء، والتجديد، والتوجيه الرشيد، وحاولت كذلك أن تقدم فيه لقرائها أبحاثا ومقالات لها أصالتها وعمقها العلمي والديني، مما يسمح لها أن تظهر بصورة جديدة لدى قرائها، غير مخلة بروح التوجيه التي نفخها فيها مؤسسة جلالة المغفور له « محمد الخامس» طيب الله ثراه، ومدعمها وموجهها جلالة المغفور له « الحسن الثاني» تغمده الله برحمته، كما حاولت في هذا الصدد أن تستقطب أفلاما توسمت فيها المجلة روح التجديد، والحماس، والتوثيق العلمي، وصدق التعبير، ووضوح الهدف والمعنى، وكل ذلك في خدمة الدولة المغربية التي تمثلت الإسلام في قيادتها، وبناء مجتمعها، وكل عناصر تكوينها، تحت قيادة أمير المومنين، حامي حمى الملة والدين، جلال الملك محمد السادس، دام له النصر والتمكين.
حفظ الله مولانا أمير المؤمنين بما حفظ به الذكر الحكيم، وأقر عينه بصنوه السعيد المولى الرشيد، وباقي الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here