islamaumaroc

أهمية العلم وآداب تحصيله

  أحمد امحرزي العلوي

العددان 355-356 رجب-شعبان-رمضان 1421/ أكتوبر-نونبر دجنبر 2000

* أهمية العلم ووجوب طلبه:
إن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب، لأن شرفه يثمر على صاحبه، وفضله يزداد عند طالبه، وقد شرف الحق سبحانه وتعالى العالم وميزه عن غيره، وأخبر أنه لا يعقل آياته ويفهمها حق فهمها، وينزلها المكانة اللائقة بها إلا العالمون، فقال سبحانه :( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)،(1) وقال أيضا:( وما يعقلها إلا العالمون)،(2) وقال سبحانه :( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).(3)
ويكفي العالم فضلا وشرفا أن الله عز وجل قرن شهادته إلى شهادته فقال :( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم).(4)
ويكفيه فخرا واعتزازا أن الله رفع درجته، وأعلى مكانته في الدنيا والآخرة، فقال عز وجل:( يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات)، (5)وما ذلك إلا لأن العلماء أكثر الناس معرفة بربهم، وأحرص الناس على تبليغ كلام ربهم، بل هم أكثر الناس خشية لربهم. قال سبحانه:( إنما يخشى الله من عباده العلماء).(6)
وليس غريبا أن تكون أول ما نزل على النبي (ص) (اقرأ)(7) للدلالة على أهمية العلم، ووجوب طلبه، والحرص عليه، وقد قال (ص) :" طلب العلم فريضة على كل مسلم".(8)
وروى الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:" من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء".(9)
قال العلامة القرطبي رحمه الله :( وقوله عليه السلام  :" إن الملائكة لتضع أجنحتها..."- الحديث- يحتمل وجهتين:
- الوجه الأول: أنها تعطف عليه وترحمه كما قال تعالى :( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة،(10) أي تواضع لهما.
- والوجه الآخر: أن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضاة الله، وكانت سائر أحواله مشاكلة لطالب العلم، فرشت له أجنحتها في رحلته، وحملته عليها، فمن هنالك يسلم فلا يخفى إن كان ماشيا، ولا يعيى، وتقرب عليه الطريق البعيدة، وتذلل عليه العقبات، وتدفع عنه أنواع الضرر: كالمرض، وذهاب المال.(11)
قال بعض البلغاء :
تعلم  العلم فإنه يقومك ويسددك صغيرا، ويقدمك ويسودك كبيرا، ويصلح زيفك و فاسدك، ويرغم عدوك وحاسدك، ويقوم عوجك وميلك، ويصحح همتك وأملك.
تعلم فليس المرء يولد عالما
                   وليس أخو علم كمن هو جاهل
   وإن كبير القوم لا علم عنده
                   صغير إذا التفت عليه المحافل(12)
 قال النووي رحمه الله:
" العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح البصائر في الظلم، به تبلغ منازل الأبرار، ودرجات الأخيار، والتفكر فيه ومدارسته ترجح على الصلاة، وصاحبه مبجل مكرم".(13)
إن صفاء أمور الدنيا واستقامتها لا يكون إلا بالعلم.
   قال "ابن حبان البستي"  صاحب "الصحيح" رحمه الله:
"الواجب على العاقل إذا فرغ من إصلاح سريرته أن يثني بطلب العلم والمداومة عليه، إذ لا وصول للمرء إلى صفاء شيء من أسباب الدنيا إلا بصفاء العلم فيه، وحكم العاقل أن لا يقصر في سلوك حالة توجب له بسط الملائكة أجنحتها رضا بصنيعه ذلك".(14)
وإن السيادة على الأمم وبناء الحضارات لا يكون إلا بالعلم والأخذ بأسبابه، إذ هو حياة أهله، وبه يستحقون صفة الحياة، ويدركون معنى الوجود، وغيرهم أموات لا يعبأ بهم، ولا قيمة لهم.
    وفي الجهل قبل الموت موت لأهله
                        فأجسامهم قبل القبور قبور
   وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت
                       فليس له حتى النشور نشور
ولما كان العلم حياة، كان أهله خيار الأمة وعدولها.
قال (ص):" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،
ينفون عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".(15)
فالعلماء بهذا حراس الدين، والحاملون لواء الهداية، وبذلك استحقوا الخلافة عن المرسل في التبليغ والصيانة، وكانوا أهلا لوراثة الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، وتبليغ دينه، لأن "الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".(16)
في الدنيا يكون العالم خيار الخلق، قال (ص) :" إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".(17)
وفي الآخرة يكون شفيعا في الخلق، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص):
" يبعث العالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للناس".(18)
إن العلم صيانة للنفوس، وحياة لها، وصفاء للأرواح ورقي للأمم، وبناء للحضارات، وهو أفضل العبادات وأجلها.
فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) :"يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء"،(19)  وذلك لأن معركة السيف جولة، ومعركة القلم أعوام وقرون.
أخرج الحافظ ابن عبد البر رحمه الله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص):" تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الخيار، ودرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء".(20)

* دور المسجد في نشر العلم:
لقد كان المسجد منذ عهد رسول الله (ص) المعهد الذي تلقى فيه دروس العلم، وفنون المعرفة، ويتخرج منه العلماء على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم.
أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال:"...وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده".(21)
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال:" من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه كان له كأجر تحاج تاما حجته".(22)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:" من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله".(23)
 فهذه النصوص –وغيرها-كثير- واضحة الدلالة على أن التعليم وإلقاء الدروس من وظيفة المسجد الهامة.
وقد كان رسول الله (ص) يلقي دروسه، ويعلم صحابته في المسجد، وتبعه على ذلك الصحابة من بعده، واقتفى آثارهم في ذلك التابعون، فكان المسجد قبلة للعلم، ومأوى للعلماء.
 أخرج البخاري في "كتاب العلم" باب من قعد حيث ينتهي به المجلس:
 " عن أبي واقد الليثي أن رسول الله (ص) بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله (ص) وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذهابا....
فلما فرغ رسول الله قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه".
وقد استمرت هذه الوظيفة التعليمية والتربوية للمسجد منذ عهد رسول الله(ص) إلى اليوم على الرغم من كثرة المدارس والمؤسسات التعليمية.
 والوظيفة التعليمية للمسجد تتم على مستويين:
مستوى عام، ومستوى خاص:
• المستوى العام: يكون خاصا للعامة الذين تشغلهم أعمالهم وحرفهم، ولا يتفرغون العلم، فتعقد لهم حلقات تستغرق وقتا قصيرا بعد الصلوات، أو بين المغرب والعشاء بعد فراغهم من أعمالهم، ويقتصر في موضوعات الدروس على تدعو إليه الحاجة من تعليمهم الضروري من أمور دينهم، ووعظهم بما يرقق قلوبهم، ويهذب طباعهم، ويحسن أخلاقهم، ومعاملاتهم، ويوثق الصلة بينهم وبين خالقهم، ويجب أن تلقى الدروس بأسلوب وخطاب لين، وأن لا يلقى إليهم من المسائل ما يشتبه عليهم، أو ما لا يفهمونه.
وقد ترجم البخاري لذلك بقوله:" باب : من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا"، وقال علي رضي الله عنه:" حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟".
وروى مسلم عن ابن مسعود :" ما أنت محدثا قوما حديثا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".(24)
• أما المستوى الثاني: فهو للمتفرغين للعلم، الراغبين في تحصيل فنونه، واقتناص شوارده، وهؤلاء يتدرج معهم في العلوم من بسيطها إلى معقدها، ومن صغيرها إلى كبيرها، حتى يبلغوا درجة من العلم تمكنهم من إفادة ونشره.
وقد كانت هذه الوظيفة من أسمى وظائف المسجد، إذ كانت المساجد في مختلف بقاع العالم الإسلامي تعج بحلقات العلم، ومنها تخرج جل علماء الإسلام الذين كانت لهم قدم راسخة في شتى فنون العلم والمعرفة.

 * طلب العلم واجب على كل مسلم:
إن طلب العلم والسعي في تحصيله واجب على كل مسلم ومسلمة، ولئن كان علماء الإسلام حددوا سن بداية طلب العلم في خمس سنين لما أخرجه البخاري عن محمود بن الربيع أنه قال:" عقلت من النبي (ص) مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين"،(25)  فإن العلم لا نهاية لطلبه، إذ المرء مأمور بالسعي في تحصيل العلم واكتساب المعرفة إلى آخر رمق في حياته.
ولقد كان السلف لا يحصرون طلب العلم في وقت معين، ولا زمان خاص، ولا سن معينة، بل كان العلم رغبتهم الدائمة، وكان شعارهم الدائم :" اطلب العلم من المهد إلى اللحد"،" عش مع المحبرة حتى المقبرة".
كان بعضهم كلما تقدمت به السن كلما ازداد شغفه للعلم، فقد أخرج الإمام أحمد عن "قبيصة بن المخارق" رضي الله عنه قال :" أتيت النبي (ص) فقال له :" يا قبيصة ما جاء بك؟
قلت: كبرت سني، ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني.
قال : يا قبيصة، ما مررت بحجر ولا مدر إلا استغفر لك".(26)
ونقل عن أبي الوفاء ابن عقيل "تـ:513هـ" أنه قال :" وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة"، بل بلغ الحال ببعضهم أن لا يترك طلب العلم حتى وهو يودع الدنيا، ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
فهذا القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة "تـ: 182هـ" يحكي عنه تلميذه القاضي إبراهيم بن الجراح فيقول:" مرض أبو يوسف فأتيته أعوده فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟
قلت : في مثل هذه الحال؟
 قال : ولا بأس بذلك، لعله ينجو به ناج؟
ثم قال: يا إبراهيم، أيما أفضل في رمي الجمار- في مناسك الحج- أن يرميها ماشيا أو راكبا؟ قلت راكبا، قال أخطأت، قلت : ماشيا، قال أخطأت، قلت: قل فيها يرضى الله عنك.
قال : وأما ما كان يوقف عنده للدعاء فالأفضل أن يرميه ماشيا وأما ما كان لا يوقف عنده للدعاء فالأفضل أن يرميه راكبا.
 ثم قمت من عندهن فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات رحمة الله عليه".
وجاء في "معجم الأدباء" لياقوت الحموي عند ترجمة أبي الريحان البيروني "محمد بن أحمد الخوارزمي" قال: "حديث الفقيه" أبو الحسن علي بن عيسى الولوالجي " قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه، قد حجرج نفسه، وضاق به صدره، وقد بلغ من العمر سبعا وثمانين سنة، فقال لي في تلك الحال: كيف قلت لي يوما : حساب الجدات الفاسدة-وهي التي تكون من قبل الأم.
فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟
 فقال لي : يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون لي خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها.
فأعدت ذلك عليه، وحفظ وعلمني ما وعد، وخرجت من عنده وأنا في الطريق سمعت الصراخ فإذا هو قد مات رحمة الله عليه".
ونقل أن الإمام ابن النحوي حفظ يوم موته عدة أبيات حددها بعضهم بثمانية أبيات لقنه إياها ابنه.
فرحم الله هذه الهمم العالية كيف أخلصت للعلم في حياتها، فأخلص لها العلم بعد وفاتها.
    
* آداب طالب العلم:
لما كانت تلك هي أهمية العلم، ومرتبة أهله وحامليه، فقد وضع العلماء آدابا لتحصيله، وطرقا لاكتسابه، ونشروا ذلك في مؤلفاتهم، ومنهم من أفرد ذلك بمصنفات قيمة
كما فعل الإمام أبو حامد الغزالي، والقاضي أبو بكر ابن العربي الإشبيلي، وابن عبد البر القرطبي، وابن حبان البستي، وشرف الدين النووي، وغيرهم.
وقد ذكر القاضي أبو بكر ابن العربي الإشبيلي المالكي "تـ: 543هـ" في كتابه :"قانون التأويل" أن آداب العلم تنيف على المائتين لكن الأمهات التي ترجع إليها البنات سبعة، فقال رحمه الله:" اعلموا –نور الله بصائركم- أنا قد أوضحنا أن السبيل إلى معرفة العلوم هو التعليم، فإن التزمت بشروطه، وتماديت عليه وصلت إليه، وشروط ذلك ووظائفه تنيف على المائتين، لكن الأمهات التي ترجع إليها البنات سبعة شروط"،(27) وسأقتصر على شرح هذه الأصول السبعة وبيانها لأهميتها، وحاجة طلاب العلم إليها وهي كالتالي:

الأول: إخلاص النية لله تعالى:
وهذا أصل وشرط الشروط(28) لقوله تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)،(29) ولقوله (ص) :" إنما الأعمال بالنيات"،(30)  فيكون طلب العلم ابتغاء التقرب إلى الله تعالى، والعمل بما شرعه وأمر به، والدعوة إلى ذلك.
قال أبو بكر الآجري: فمن صفته لإرادته في طلب العلم يجب أن يعلم أن الله عز وجل فرض عليه عبادته، والعبادة لا تكون إلا بعلم، وعلم أن العلم فريضة عليه، وعلم أن المؤمن لا يحسن به الجهل، فطلب العلم لينفي عن نفسه الجهل، وليعبد الله عز وجل كما أمره وليس كما تهوى نفسه، فكان هذا مراده في السعي في طلب العلم، معتقدا الإخلاص في سعيه، لا يرى لنفسه الفضل في سعيه، بل يرى لله عز وجل الفضل عليه، إذ وفقه لطلب علم ما يعبده به من أداء فرائضه، واجتناب محارمه".(31)
وقال أبو الحسن الماوردي :" ويقصد بطلب العلم واثقا بتيسير الله، قاصدا وجه الله تعالى بنية خالصة، وعزيمة صادقة، فقد روي عن النبي (ص) أنه قال :" من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار".(32)
 ومع إخلاص النية لا بد من تطهير النفس من كل الرذائل، وما عسى أن يعلق بها من دنيء الأخلاق، ومسقطات المروءة وغيرها، مما عساه أن يخل بها فيصرفها عن غرضها.
قال ابن العربي :" وعليه أن يطهر نفسه ويزكيها من المعاصي والذنوب، فلا شيء أنفع في التعليم من التقوى".(33)
قال الراغب الأصفهاني: من آداب المتعلم أن يطهر نفسه من رديء الأخلاق تطهير الأرض للبذر من خبائث النبات، فالطاهر لا يسكن إلا بيتا طاهرا.
وفي العلم والإسلام للمرء وازع
                             وفي ترك طاعات الفؤاد المتيم
   بصائر رشد للفتى مستبينة
                             وإخلاص صدق علمها بالتعلم(34)

الثاني : التواضع للعلم:

فحيث علم العلم قصده، وممن سمعه أخذه، فالحكمة ضالة المؤمن، ولا يستصغر كلمة فإنه من تكبر على العلم ذهب عنه، فإن:
  العلم حرب للفتى المتعالي
               كالسيل حرب للمكان العالي(35)
قال النووي :" وينبغي له أن يتواضع للمعلم والعلم، فبتواضعه يناله، وقد أمرنا بالتواضع مطلقا فهنا أولى، وعليه أن ينقاد لمعلمه، ويشاوره في أموره، ويأتمر بأمره، كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح، وهذا أولى لتفاوت مرتبتها ".(36)
وقد ذكر الماوردي أن من آداب المتعلم أن يطلب العلم ممن وجده عنده، ولا يستصغر أحدا، فقد قيل "يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر". فقال رحمه الله : وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته عنده، من نبيه وخامل، ولا يطلب الصيت وحسن الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم، إلا أن يستوي النفعان، فيكون الأخذ عمن اشتهر ذكره، وارتفع قدره أولى، لأن الانتساب إليه أجمل، والأخذ عنه أشهر.
وقد قال الشاعر:
    إذا أنت لم يشهرك علمك لم تجد
                        لعلمك مخلوقا من الناس يقبله            
   وإن صانك العلم الذي قد حفلته
                       أتاك له من يجتنيه ويحمله(37)
وقد أفصح الإمام النووي عن هذا المعنى فقال:
" ولا يستنكف من التعلم ممن هو دونه في سن، أو نسب، أو شهرة، أو دين، أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، وإن كان دونه في جميع هذا، ولا يستحيي من السؤال عما لم يعلم، فقد روينا عن عمر وابنه رضي الله عنهما قالا :" من رق وجهه رق علمه".
وثبت في "الصحيحين" أن رسول الله قرأ :( لم يكن  الذين كفروا) على أبي بن كعب رضي الله عنه، وقال: "أمرني الله أن أقرأ عليك"، فاستنبط العلماء من هذا فوائد منها: بيان التواضع، وأن الفاضل لا يمتنع من القراءة على المفضول".(38)
قال الإمام البخاري رحمه الله:" لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".(39)

الثالث: التواضع للمعلم وتعظيمه وتوقيره:
 فلو لم يكن له إلا فضل التقدم والتجربة لكفته، ويلزمه أن يعتقد له حق أبيه.
 قال النبي (ص) :" إنما أنا لكم مثل الوالد لولده أعلمكم "، وكما قيل أيضا :" المعلم خير من الأب".(40)
وقال ابن العربي أيضا في كتابه "سراج المهتدين": " وعليه بالتواضع لمعلمه، والإصغاء إليه، ولا يقف في وجهه، وليأخذ ما تيسر له منه، ولا يكلفه إلا ما أعطاه".(41)
وإذا كان المكان المنخفض أكثر البقاع ماء، فإن المتواضع من طلاب العلم أكثرهم انتفاعا، وأكثرهم علما، وأكثرهم نفعا لغيره.
 وقد قال بعض العلماء في قوله (ص) :" اليد العليا خير من اليد السفلى "، فيه إشارة إلى فضل المعلم على المتعلم، وفي تبيين فضل المعلم حث للمتعلم على الانقياد له.(42)
قال النووي:" وينبغي أن ينظر إلى معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على أكثر طبقته، فهو أقرب إلى انتفاعه به، ورسوخ ما سمعته منه ذهنه.
وقد كان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال:" اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه عني". (43)
وقال الماوردي :" ثم ليعرف لمعلمه فضل علمه، وليشكر له جميل فعله، فقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي (ص) أنه قال :" من وقّر عالما فقد وقّر ربه"، وقال علي بن أبي طالب الله عنه :" لا يعرف فضل أهل العلم إلا أهل الفضل".(44)

الرابع : أن لا يخالف معلمه فيما يشير به عليه إن ظهر إليه غيره :(45)
قال الراغب الأصفهاني :" من آداب المتعلم إذا وجد ناصحا أن يأتمر له ولا يأتمر عليه، ولا يراده فيما ليس بصدد تعلمه، وكفى على ذلك تنبيها ما حكى الله تعالى من العبد الصالح أنه قال لموسى عليه السلام حيث قال له موسى :( هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، قال: ستجدني إن شاء الله صابرا، ولا أعصي لك أمرا.
قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا)،(46) فنهاه عن مراجعته، وليس ذلك نهيا عما حث الله تعالى عليه بقوله:( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)،(47) وإنما هو نهي عن نوع من العلم الذي لم تبلغه منزلته بعد، والحث إنما هو على سؤال عن تأصيل ما خفي عليه من النوع الذي هو بصدد تعلمه".(48)

الخامس: أن لا يخوض في التعليم دفعة : بل يقبل على الأهم، فإن أكمله انتقل إلى غيره:
قال سبحانه:( الذين آتيناهم الكتاب بتلونه حق تلاوته)،(49) قيل فيه :" لا ينتقلون عن فن حتى يحكمونه علما وعملا".(50)
وقال ابن العربي أيضا :" وعليه أن لا ينظر في المشكلات، وأن ينظر في المبينات، فإذا أحكمها، وتخلصت له، نظر بعد ذلك في المشكلات فيكون أرجى لفهمها".((51)
وتحقيق هذا أن يسلك مبدأ التدرج في التعلم، فيبدأ بما سهل عليه، فإذا أتقنه، وأحكم قواعده وأسسه، انتقل إلى غيره.
قال الماوردي :"وإذا قرب منك العلم فلا يطلب ما بعد، وإذا سهل من وجه فلا يطلب ما صعب، وإذا حمدت من خبرته فلا تطلب من لم تختبره، فإن العدول عن القريب إلى البعيد عناء، وترك الأسهل بالأصعب بلاء، والانتقال من المخبور إلى غيره خطر".(52)
فالعلم لا يؤتى إلا من بابه ومدخله، ومن أحكم مداخل العلوم سهل عليه إدراك أواخرها، وكانت طوع يديه.
وفي هذا المعنى يقول الماوردي رحمه الله :" واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى".(53)

السادس: أن يذكر ما حفظ وعلم، ولا ينبذه وراء ظهره.(54)
 قال سفيان الثوري:" أول العلم الإنصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل به، ثم النشر".(55)
والحفظ إنما يحصل بالمذاكرة والمدارسة، وقد قيل: من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم.
   قال الشاعر:
 إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه
                 ولم يستفد علما نسي ما تعلما
 فكم جامع للكتب من كل مذهب
                 يزيد مع الأيام في جمعه عمى
قال الإمام النووي :" وليذكر بمحفوظاته، وليدم الفكر فيها، ويعتني بما يحصل فيها من الفوائد، وعليه بالمطالعة المتقنة، والعناية الدائمة المحكمة، وتعليق ما يراه من النفائس والغرائب، وحل المشكلات، مما يراه في المطالعة أو يسمعه، ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت، بل يبادر إلى كتابتها، ثم يواظب على مطالعة ما كتبه، وليعتن بكل الدروس، ويعلق عليها ما أمكن، فإن عجز اعتنى بالأهم.
"وقد قال (ص) لأنس بن مالك :" قيّدوا العلم بالكتاب".(56)
قال الماوردي: وأما المانع من حفظه بعد تصوره وفهمه فهو النسيان الحاد عن غفلة التقصير، وإهمال التواني، فينبغي لمن بلي أن يستدرك تقصيره بكثرة الدرس، ويوقظ غفلته بإدامة النظر".(57)
وذر ابن عبد البر حديث ابن عمر أن النبي (ص) قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت"، ثم قال :" وفي هذا الحديث دليل على أن من لم يتعاهد علمه ذهب منه أيا كان، لأن علمهم كان ذاك الوقت القرآن لا غير، وإذا كان القرآن الميسر للذكر يذهب إن لم يتعاهد، فما ظنك بغيره من العلوم المعهودة، " وخير العلوم ما ضبط أصله، واستذكر فرعه، وقاد إلى الله تعالى، ودل على ما يرضاه".(58)
ويحصل الحفظ أيضا بالسؤال عما اشتبه وخفيت حقيقته، لكن ينبغي أن يسأل في رفق وتؤدة، راجيا الفهم والإيضاح لما استشكل عليه.
   قال ابن العربي:" ولا يسأل معلمه سؤال معنف كما فعلت اليهود حين سألت النبي (ص) بجفاء وعنف (59)
قال ابن القيم:" إذا جلست إلى عالم فسل تفقها لا تعنتا ".(60)

السابع: أن يعمل بما علم فذلك أثبت له حفظا ونجاة:(61)
والعمل بالعلم منتهى مطلوب المتعلم، وغاية مرغوبه، وهو صدق الشرط الأول وثمرته – أي إخلاص النية- وهو مفهوم الحكمة الواردة في قوله تعالى :( ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا).(62)
قال الفضيل بن عياض:" العلماء كثير، والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة "فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".
وعن أبي رجاء مطر الوراق قال:" بلغنا أن الحكمة خشية الله والعلم به".(63)
فالعاقل لا يستغل في طلب العلم إلا وقصده العمل به، لأن من سعى لغير ذلك يزدد به إلا فخرا وتجبرا، وللعمل تركا وتضييعا، فيكون فساده في المتأسين به أكثر من فساده في نفسه، ويكون مثله كما قال الله تعالى:( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون).(64)
وقد شبه الحق سبحانه حامل العلم من غير عمل بالحمار الذي يحمل أسفارا، لا يدري ما فيها، ولا قيمتها، فقيمة العلم وزينته في العمل به.
قال أبو الدرداء:" لا تكون عالما حتى تكون متعلما، ولا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا".(65)
والعمل بالعلم أحد الأمور الأربعة التي يسأل عنها العبد غدا يوم القيامة.
 فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه؟، وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟، وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟(66) 

(1) سورة الزمر –الآية :8.
(2) سورة العنكبوت-الآية :43.
(3) سورة العنكبوت-الآية :48.
(4) سورة آل عمران –الآية :17.
(5) سورة المجادلة –الآية :11.
(6) سورة فاطر- الآية :28.
(7) سورة العلق – الآية : 1.
(8) أخرجه ابن ماجة :باب :" فضل العلم" رقم الحديث :220.
(9) أخرجه البخاري في "كتاب العلم" والترمذي في باب :"فضل العلماء" : رقم الحديث : 2648.
(10) سورة الإسراء –ا لآية :34.
(11) الجامع لأحكام القرآن : 8/296.
(12) أدب الدنيا والدين، للماوردي /ص :63.
(13) المجموع شرح المهذب :1/36.
(14) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء :ص 36.
(15) أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" 1/58-59، وروي بطرق ضعيفة، وصححه ابن حبان، انظر "توضيح الأفكار" للصنعاني :2/129.
(16) طرف من حديث أخرجه ابن ماجة 1/81، وأبو داود :3/317.
(17) أخرجه الترمذي : 5/50.
(18) أخرجه أبو قاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب":2/881.
(19) نقله الحافظ شرف الدين الدمياطي في كتابه "المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح" ص: 8، وعزاه لأبي نعيم في كتابه "رياضة المتعلمين".
(20) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله " 1/8، وقال : هكذا حدثنيه أبو  عبد الله بن محمد رحمه الله مرفوعا، وهو حديث حسن جدا، ولكن ليس له إسناد قوي، ورويناه من طرق شتى موقوفا
(21) أخرجه مسلم 4/2074، وابن جبان : 3/136.
(22) أخرجه الطبراني  في "المعجم الكبير": 8/11، وقال الهيثمي : في "مجمع الزوائد" : 1/123، رجاله موثقون كلهم.
(23) أخرجه الترمذي في "سننه": 5/29.
(24) راجع "فتح الباري" : 1/172.
(25) راجع "فتح الباري" 1/172.
(26) انظر "المسند" 5/60.
(27) "قانون التأويل" :ص : 636.
(28) نفسه.
(29) سورة البينة –الآية :5.
(30) أخرجه البخاري في كتاب "بدء الوحي": رقم :1.
(31) "أخلاق العلماء" : للآجري / ص:67.
(32) "أدب الدنيا والدين":ص: 82، وانظر "أخلاق العلماء" : ص:100.
(33) "سراج المهتدين" : ورقة 191.
(34) "الذريعة إلى مكارم الشريعة" :ص:2401.
(35) "قانون التأويل" :ص: 637.
(36) "المجموع" :1/62.
(37) "أدب الدنيا والدين":ص:118.
(38) "المجموع" :1/52.
(39) "هدي الساري" : لابن حجر العسقلاني /ص:503.
(40) "قانون التأويل" :ص: 638.
(41) "سراج المهتدين":ورقة: 191.
(42) "الذريعة إلى مكارم الشريعة" :ص:115.
(43) "المجموع":1/63.
(44) "أدب الدنيا والدين":ص:113.
(45) "قانون التأويل" :ص: 638.
(46) سورة الكهف –الآية :66.
(47) سورة النحل –الآية : 43.
(48) "الذريعة إلى مكارم الشريعة" :ص: 241-242.
(49) سورة البقرة –الآية :121.
(50) "قانون التأويل" :ص: 638.
(51) "سراج المهتدين" :ورقة : 192.
(52) "أدب الدنيا والدين":ص:118.
(53) "أدب الدنيا والدين":ص:84
(54) "قانون التأويل" :ص: 639
(55) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع": للخطيب البغدادي/ 1/194.
(56) "المجموع" :1/66.
(57) "أدب الدنيا والدين":ص:99.
(58) "التمهيد".
(59) سراج المهتدين :ورقة 191.
(60) "المجموع" :1/64.
(61) "قانون التأويل" :ص: 638.
(62) سورة البقرة –الآية : 269.
(63) "أخلاق العلماء" :ص:88.
(64) سورة النحل – الآية :25.
(65) "أخلاق العلماء" :ص:97.
(66) أخرجه الترمذي في صفة القيامة ، وقال : حسن صحيح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here