islamaumaroc

الهجرة النبوية قائمة على الدوام

  هاشم العلوي القاسمي

العددان 351-352 محرم-صفر ربيع 1 1421/ أبريل-مايو-يونيو 2000

تحل ذكرى الهجرة النبوية عند ميلاد كل سنة هجرية، يوم فاتح شهر محرم الحرام، وهي ذكرى دائمة ومستمرة منذ أن وافق الخليفة الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه على أن يكون التأريخ بها لضبط جميع الأحداث والوقائع والوفيات، وجميع ما يعرض للمسلمين من أمور وأقضية تهم المجتمع الإسلامي، وكذلك القضايا المعروضة عليهم في حياتهم العامة والخاصة، ملتزمين بهذا التوقيت: رؤية الهلال في تأريخاتهم المبنية على السنة القمرية.


فهي ذكرى مستمرة في التاريخ الإسلامي على مر العصور والأزمان، تذكيرا بعظائم الأمور التي عرفها المسلمون منذ ميلاد المجتمع والدولة الإسلامية في عهد الرسول سيدنا محمد بن عبد الله (ص).
فالهجرة النبوية من مكة إلى المدينة تعتبر ثالث الهجرات التي حولت مسار الدعوة الإسلامية: فالأولى هي الهجرة إلى الحبشة، والهجرة الثانية هي الهجرة إلى الطائف، أما الهجرة الكبرى فهي التي كانت بعد ثلاثة عشرة سنة من تاريخ نزول الوحي على نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.


وتتفق مصادر التاريخ الإسلامي على أن هجرة النبي (ص) من مكة إلى المدينة وقعت في أوائل شهر ربيع الأول، واستغرق الركب النبوي المهاجر والمكون من النبي محمد بن عبد الله وصاحبه في الغار أبي بكر الصديق تسعة أيام، متحملا المشاق والصعوبات، وقاطعا مسافة تتجاوز 450 كلم بين مكة والمدينة، مارا بالمنعرجات والشعاب، راجلا أحيانا وراكبا أحيانا أخرى، ويوافق هذا التاريخ القمري 24 شتنبر من سنة 622 م.


فالهجرة النبوية حدثت بعد أن أذن الله تعالى لنبيه الكريم بمغادرة مكة بموجب قوله تعالى في سورة الإسراء: "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا" الآيتين: (80 – 81).


فنجا النبي عليه الصلاة والسلام من مؤامرة الاغتيال المكية بعد أن خرج من داره إلى غار ثور مع صاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)؛ ولما علمت قريش بخروج النبي (ص) من مكة سقط في يدها فطاردته، ولكن مكر الله كان أكبر بنجاة نبيه محمد (ص) وصاحبه؛ فلقيت رحلة الهجرة مشاق صعبة لا يتحملها إلا أولو العزم من الرسل.


وفي غمرة أحداث الهجرة كانت كل وقيعة عبارة عن مؤشر يحمل في طياته الصعوبات الجسام، والمشاق العظام، لخصتها عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) في حديثها الذي رواه البخاري، والمتعلق بالطريق التي مر بها النبي عليه الصلاة والسلام بعد خروجه من غار ثور إلى أن وصل إلى مدينة يثرب يوم الثاني عشر من ربيع الأول "السنة الأولى للهجرة".


فكان حدث الهجرة إلى المدينة حدثا أعظم نقل الدعوة الإسلامية إلى مرحلة جديدة، نزولا عند قوله تعالى: "فاصدع بما تومر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون، ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ياتيك اليقين" (سورة الحجر: الآيات: (94 – 99).


وبعد أن صار للنبي عليه الصلاة والسلام في يثرب شيعة وأنصار بعد "بيعة العقبة"، أذن له الوحي الإلهي بالهجرة إلى المدينة، والالتحاق بأصحابه المهاجرين الذين سبقوه إلى يثرب، فاستقبله أهل المدينة بالتهليل والترحاب، والسمع والطاعة، لتنفيذ أوامره النبوية بالمؤاخاة، وتنظيم جماعته المدنية، وبناء نواة الدولة الإسلامية المبنية على التكافل، والتضامن، والتآخي، والتآزر، والتنظيم، والاستعداد للمشروع الاجتماعي الأكبر، والبناء الأعظم، الذي صار بعد ذلك نموذجا مؤسسا للدولة الإسلامية الكبرى منذ عصر النبوة وما بعدها، محققة لشرع الله والسلام الذي أمر به الله، والهدي الذي أتى به نبي المهتدين محمد بن عبد الله سيد المرسلين.


إن ذكرى الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة تعد ذكرى للبناء والتأسيس، والفداء والتضامن، فهي دعوة إلى استمرار الجهاد، والعمل البناء لتركيز وتأصيل المجتمع الإسلامي المتماسك، ذي البناء المرصوص الذي يدعو إلى التضامن والتآلف والتكافل الاجتماعي.


فكل ما حققه المهاجرون والأنصار من تآخ وتآزر وتضامن وتكافل يعد نموذجا يحتذى به في كل عصر وعهد، وفي كل مجتمع إسلامي.


ويعد مغربنا الأقصى بمؤسسته الملكية الشريفة نموذجا لهذا المثال الأعلى في تحقيق أمثلة رائعة للتضامن والتكافل؛ وأفضل مثال على ذلك: ما يعمل من أجله حضرة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتمكين، والذي بدأه بإنشاء "مؤسسة محمد الخامس للتضامن" التي تعد نموذجا لإدماج مجتمعنا المغربي المدني في الأنظمة الاجتماعية التكافلية، التي تعمل على القضاء على الفقر، والفوارق الاجتماعية، ومحاربة كل مظاهر الأمراض التي تعوق المجتمع في مسيرته الجديدة والحديثة.


إن توجيهاته المولوية مقتبسة من نموذج الهجرة النبوية، وتأسيساتها الشرعية الإسلامية، وما تحقق فيها من مشاريع تضامنية إسلامية، حقق الله رجاءه الذي هو رجاء جميع المغاربة، بالتكافل والتضامن الاجتماعيين، إنها هجرة إصلاحية دائمة ومستمرة.


ويسعد "مجلة دعوة الحق" أن تحيي ذكرى الهجرة النبوية، بما تحمله من معان سامية، وأهداف نبيلة، وتشريعات إلهية، كما يشرف أقلامها أن تبسط تلك المعاني، وتعمل على تحليلها وبسطها، وإيقاظا للهمم، وائتلافا للشمل، وإذكاء للروح الإسلامية التضامنية، في ظل سيدنا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره، وأعلى في سماه المجد قدره، وأعانه على ما يريد من إصلاح وتشييد، وحفظ صنوه السعيد المولى الرشيد، إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here