islamaumaroc

وحدة المغرب الترابية والمذهبية خلال التاريخ في ظل العرش العلوي المجيد.

  حسن جلاب

353 العدد

 عرف المغاربة خلال تاريخهم الطويل بالتشبث بالوحدة والحرية والكرامة  ورفض  كل أنواع الهيمنة والاحتلال والاستعمار ومن هنا جاءت تسميتهم "بالامازيغ" أي الأحرار.
وقد كانت بلادهم مستهدفة من طرف الدول والشعوب منذ أقدم العصور لموقعها الاستراتيجي بين قارتين كبيرتين : أروبا وإفريقيا، وعلى امتداد بحرين عظيمين، المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولما تحتويه الأرض من خصب وخير وجمال طبيعة. ومن أشهر تلك الدول : الفينيقيون والرومان والوندال.
وقد كان المغاربة دائمي المواجهة لهم فلم يمتزجوا بهم ولم يستطع المحتلون  تجاوز الشواطيء والسهول القريبة بالمغامرة داخل البلاد(1).
وكان الفتح الإسلامي للمغرب من أطول الفتوحات وأصعبها:
- لمناعة البلاد وشدة مراس أهلها : اشتهار زناتة على الخصوص بالفروسية.
- وانقسام المسلمين على أيام الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان، وتوقف الفتوحات نتيجة لذلك.
- اقتصار الجيش الإسلامي في المراحل الأولى من الفتح على شن حملات عسكرية متقطعة في المغرب يعود إلى مواقع انطلاقه.
لهذا كله تعثر الفتح حتى قال المؤرخون فيما بعد بأن البربر ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة.(2)
ولعل المغاربة الذين تعودوا التعرض للاحتلال لم يدركوا لأول وهلة الأهداف السامية والدينية للفاتحين.
ولم ينته الفتح إلا بعدما تم نشر الاسلام واللغة العربية وجعلها – كالعنصر العربي – أساس مبدأ العروبة والإسلام، وبعدما تم تحرير وثيقة المؤاخاة بين فرسان قيس عيلان المرافقين لحسان بن ا لنعمان وفرسان زناتة.(3)
وكان الإسلام بعد الفتح بسيطا خاليا من كل تعقيد أو خلاف مذهبي الشيء الذي سهل على المغاربة فهمه. إلا أن هذا الوضع قد أخذ في التغيير بتوافد العرب على المغرب إذ زاد الاتصال بالمشرق بعد إنتهاء حروف الفتح الإسلامي. وكانت ظروف الوافدين مختلفة منهم من قدم إلى المغرب للتعليم ، ومنهم من هرب بعقيدته وكانوا ينتمون إلى أحزاب سياسية ومذاهب دينية مختلفة، مثل الخوارج والشيعة.
وقد تمكن  الخوارج تبعا لذلك من تأسيس دولتين بشمال إفريقيا:
بنو رستم بتيهرت : 144- 296 هـ.
وبنو مدرار بسجلماسة : 155 – 366 هـ.
أما الشيعة – فبالرغم من دخول إدريس الأول إلى المغرب – والتفاف القبائل حوله فإنه لم ينشر مذهبه، علما بأن الزيدية هم أقرب الفرق إلى السنة.(4)
- المذهب المالكي : انتقل المذهب من المشرق إلى إفريقيا فالأندلس ومنها دخل إلى المغرب، حسب المؤرخين ومنهم عياض في ترتيب المدارك. ودخل على يد جماعة من بينهم علي بن زياد. وقد رحل عدد من المغاربة، كما في ترتيب المدارك إلى المشرق للأخذ عن تلامذة مالك والرجوع إلى المغرب لتعليم المذهب ونشره.(5)
ومن عوامل انتشار هذا المذهب في المغرب:
1) إنتساب صاحبه للمدينة مركز الإسلام وعاصمة الرسول، واتصافه بالتواضع والأمانة العلمية.
2) كانت رحلة المغاربة غالبا إلى الحجاز ولم يكن العراق في طريقهم فاقتصروا على الأخذ على علماء المدينة وإمامهم مالك.(6)
3) تقارب بين المغاربة وأهل الحجاز في طرق العيش خلافا لأهل العراق الأكثر تحضرا.
4) طبيعة المذهب المعتمد على النص والنقل والمبتعد عن الجدل والقياس تتفق مع مزاح المغاربة الذي ينفر من الفلسفة والتعقيد ويتمسك بالاثر والرواية آنذاك.
كان المذهب المالكي سائدا في عصر الأدارسة وأصبح محور الحركة الاصلاحية المرابطية، وخطا عقديا بنى عليه عبد الله بن ياسين المالكي دعوته وتمكن من  نشره بين قبائل صنهاجة ثم باقي المغرب، وبالرغم من الانسجام الظاهر بين إدريس الأول وقبائل أوربة ووليلي والذي استمر في كثير من فترات حكم إدريس الثاني، فإن الجو لم يلبث أن اكفهر بعد وفاة هذا الأخير بسبب اختلاف أبنائه حول الملك واستفحال أمر الدويلات والإمارات.
- برغواطه في تامسنا.
- بنو مدرار بسجلماسة (من الخوارج).
- بنو زيري بن عطية المغراويون بفاس وناحيتها ق 3 هـ إلى 460 هـ.
- إمارة بني أبي العافية في النكور والريف.
- سكوت البرغواطي في طنجة وغمارة.
وهكذا أظلم جو المغرب السياسي وكثر الدعاة وفقدت البلاد وحدتها وقوتها وعمها الفساد والاضطراب فجاءت الوحدة من جديد على يد عبد الله بن ياسين وليس مجالنا الآن الحديث عن تأسيس الدولة المرابطية، ومع ذلك تشير أن من غاياتها توحيد البلاد والقضاء على الطوائف المنحرفة.
وكانت الانطلاقة دينية مالكية : ذلك أن عبد الله بن ياسين هو تلميذ وجاج بن زلو أحد أتباع أبي عمران الفاسي بعدما رافق يحي بن ابراهيم الكدالي إلى مساكن صنهاجة بالصحراء، عمل على توحيد هذه القابئل فيما بينها استعدادا لمواجهة أعدائها من السودان من جهة، والاتجاه نحو الشمال لتوحيد باقي البلاد. وبعد ما كون أتباعه في رباطه بالصحراء انطلق في توحيد البلاد وجمع شملها من جديد.
وكانت سنة 467 هـ هي سنة اكتمال الوحدة الوطنية من جديد من الشمال إلى أعماق الصحراء، ومن المغرب إلى تخوم الجزائر.
وكانت وحدة مذهبية كذلك، إذ أن المذهب المالكي تقوى وصار للفقهاء الحل والعقد فانكبوا على التعليم والتدريس والافتاء.
وكعادة المغاربة في مساعدة المسلمين ومديد العون إليهم لبى يوسف صرخات ملوك الطوائف الذين أرسلوا إليه الرسائل والبعثات طلبا للمعونة في مواجهتهم للنصارى الإسبان، فكان جوازه إليها ومواجهته مع الإسبان. واضطر إلى التردد عليها عدة مرات لأن الطوائف كانوا يرجعون بعد كل مساعدة ودعم إلى ما ألفوه من خلود إلى الراحة، وإهمال للمثاغرة والتسلح، وميل إلى التناجر والتخاذل ودس بعضهم لبعض، وكان قمة هذه المواجهات معركة الزلاقة التي أثبت فيها الجيش المرابطي عظمته وقوته بانتصاره الساحق على الإسبان سنة 479 هـ.
واستشار يوسف – كعادته عند الاقدام على كل أمر خطير- في شأن هؤلاء الطوائف، قال ابن خلدون ( وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم وصارت إليه بذلك فتاوي أهل المشرق الأعلام مثل الغزالي والطرطوشي) واعتبر الغزالي فر رسالته إلى يوسف التوحيد وعزل الخونة المتآمرين، من أوجب الواجبات.(7)
 فتم توحيد المغرب والأندلس حفاظا على الإسلام بها.
وظلت علاقة المرابطين بالخلافة العباسية علاقة ود واحترام متبادل، في حين كانت سياسة الحذر هي التي تطبع علاقتهم بالفاطميين في مصر والشام.
وعندما ظهرت الدولة الموحدية لم يكن همها كما قد يبدو مواجهة المذهب المالكي في حد ذاته، بقدر ما كان مواجهة الدولة الحاكمة نفسها (المرابطية) فحارب ابن تومرت الفقهاء المهتمين بالفروع ورماهم بالكفر والتجسيد، ودعا إلى التوحيد في العبادة والسياسة وجمع شتات الشرق والغرب تحت ظل دولة إسلامية قوية تجدد الإسلام وتعيد إليه سطوته.
 وكان من الطبيعة أن يعتمد مذهبا آخر لنقض مذهب المرابطين، فجاء مذهبه مزيحا من المذاهب: الشيعية والاعتزالية والسنية...واتخذت عناصره طابعين:
طابع عقلي : دعا إلى التوحيد ونفي الصفات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الفروع وكان القصد منه سياسيا أكثر مما كان دينيا.
طابع غيبي :  قال فيه بالمهدوية والعصمة والعدل... وغير ذلك مما سخره للتأثير على العامة وضمان مناصرتهم للدعوة الجديدة. وكان عندما يعجز عن بلوغ القصد يستخدم الشعوذة والتدجيل كما حدث في كثير من المواقف.
وقد واجه فقهاء المالكية هذه الدعوة بزعامة عياض. وبقي بنوغانية صامدين إلى آخر حكم الناصر الموحدي.
ومع نجاح المهدي وخليفته عبد المومن في فرض المذهب الجديد، يلاحظ المؤرخون أن الأغلبية الساحقة من المغاربة بقيت وفية لمذهبها المالكي، ولم ترغب بديلا عنه وقد تجلى في مساهمتهم التلقائية في الحركات الداعية إلى نقض المذهب التومرتي وتغييره وخاصة تلك التي تزعمها المامون لأن المنصور كان بقصد اعتماد الأصول والرجوع إليها بدل اعتماد الاجتهادات والمؤلفات الفرعية وكانت له ميول حزمية ظاهرة.
أما المأمون فدعا إلى التخلي عن المهدوبة والعصمة وإسقاط مذهب ابن تومرت، بل أدى به الأمر إلى سبه على المنابر وتغيير اسمه من العملة مما كان العمل جاريا به في سائر البلاد.
ورغم حملات الاحراق التي تعرض لها تراث المالكية في هذا العصر، فإن الفقهاء بقوا محافظين على الكتب وبعضهم كان يحفظ امهاتها كأبي محمد عبد الله التادلي الذي كان بحفظ المدونة وعلي بن عشرين وغيرهما، لذلك أعيد نسخ الكتب والمدونات وعاد المذهب المالكي إلى أخذ مكانته الطبيعية في البلاد بعد تجربة الموحدين التي لم تصادف النجاح مذهبيا.(8)
 ولايمكن  إغفال جهود الموحدين في تحقيق الوحدة الترابية والحفاظ عليها ومديد العون للمسلمين في الأندلس والمشرق.
- فقد وجه عبد المومن جيوشا إلى الأندلس بعد وصوله إلى مراكش لإعادة الأمن إليها وبنى بها قاعدة حربية مهمة هي مدينة جبل الفتح (جبل طارق) لتسهيل إمداد الفرق المحاربة داخل الأندلس.
كما بعث النجدات إلى إفريقية وثغورها التي وقعت في قبضة النورمانديين الحاكمين في صقلية فاستولى عليها وحاصر المهدية ثم فتح طرابلس وصفاقس وسوسة وغيرها إلى برقة.
- واستمر المنصور في مساعدة المسلمين بالأندلس وكانت معركة الأرك شاهدا على تضحية المغاربة وشجاعتهم ونصرتهم الإسلام.
- ونظرا لأهمية الأسطول المغربي في هذا العصر فإن صلاح الدين الأيوبي قد طلب المساعدة من المنصور في خضم حروبه مع الصليبيين. وكان الطلب الذي حمله وزيره ابن منقذ إلى مراكش يقتضي تواجد أسطولنا في البحر الأبيض المتوسط لمنع وصول الامدادات من الفاتيكان و أروبا إلى مكان المعارك حول بيت القدس، وحسب المؤرخين إن المنصور قد بعث إلى المنطقة 180 قطعة وذلك تلبية لطلب صلاح الدين، وقد عبر ابن منقذ بلباقة عن  طلبه عندما قال:
(إن المشرق ولو أنه مطلع الشمس لكن للمغرب حق الافتخار بأن مئاب تلك الشمس إليه في النهاية).
ومع مجيء الدولة المرينية استمر المذهب المالكي في السيادة وعم كل المناطق المغرب واتجه فقهاؤه إلى التدريس والتأليف والافتاء كما استمر المرينيون في تدعيم الوجود الإسلامي بالأندلس وتقديم المساعدات إلى حكامه.فقد وجه يعقوب المنصور المريني بالأندلس  إمدادات بعد استنصار ابن الأحمر صاحب غرناطة.
وجاز بنفسه إلى الأندلس أربع مرات فأوقع بالعدو وقائع عنيفة وكف عاديته عن المسلمين لمدة سنين.
وسار أبو الحسن المريني على نفس النهج فقام بالجهاد في الجزيرة ومقاتلة عدوها.
وأصبح من حكم العادة في هذا العهد أن يرسل السلطان أفواج المجاهدين إلى الأندلس كل سنة، فيهم رؤساء القبائل والعلماء والصوفية والمجاهدين... وخلد هؤلاء بطولات في نصرة الإسلام والدفاع عنه.
وفي آخر هذا العصر تقوى الإسبان والبرتغال وجمعت المسيحية قواتها لتعلن حربا صليبية جديدة على الإسلام وكان من نتائجها النكبة الأندلسية.
ولم تكن غايتهم الوقوف عند هذا الحد وإنما يطمحون إلى القضاء على الإسلام بالشمال الإفريقي. فكان احتلال البرتغال لمرافئ التالية:
- سبتة :818 هـ.
- طنجة : 869 هـ.
- أصيلا : 876 هـ.
- العرائش : 910 هـ.
- أزمور : 914 هـ.
- المهدبة : 920 هـ.
- أما إسبانيا فقد استعمرت:
- مليلية : 902هـ.
- حجرة باديس 912هـ. 
ولم  يستطيعوا الدخول إلى الداخل لقوة المقاومة الشعبية والروح الدينية والوطنية التي استطاع الصوفية والفقهاء غرسها في نفوس المسلمين ومن هؤلاء:
- أحمد بن موسى بتزروالت (سوس).
- وسعيد بن عبد المومن بحاحا.
- والغزواني بمراكش.
- والشرفاء الأدارسة بالشمال.
- واتجهت الأنظار إلى الشرفاء الحسنيين بدرعة وتافلالت فأسسوا الدولة السعدية بمساعدة الصوفية.
وأرباب الزوايا وخاصة منهم أتباع الشيخ محمد بن سليمان الجزولي.(9)
ورزكزوا جهودهم لإعادة الوحدة إلى البلاد وطرد الأجنبي المحتل للشولطيء فحرروا:
- أكادير سنة 948هـ.
- أسفي وأزمور سنة: 952هـ.
- أصيلا سنة : 957هـ.
- القصر الصغير سنة : 957هـ
وحاصروا الجديدة سنة 969هـ.
إلا أن أهم إنجاز حققه السعديون هو النصر العظيم سنة 986 هـ بمعركة وادي المخازن. وهي المعركة التي لا يتسع الحديث لتحليلها الآن ونكتفي بالقول أنها كانت نقطة فاصلة بين عهدين:
- عهد قوة البرتغال وطمعها في المغرب وفي القضاء على الإسلام به.
- وعهد ضعف هذه الدولة وتسرب أحلامها بعد الهزيمة الشنعاء التي ألحقها بها المغاربة في هذه المعركة، والني قتل فيها الملك البرتغالي سبستيان  Sébantien .
وقد استمر هذا الضعف والتأخر قرونا عديدة.
وفي حين كسب المغرب سمعة طيبة في المشرق وأوربا وقد حكى ابن القاضي في كتابه المنتقى المقصور، صدى هذه المعركة في المشرق فقال:( ومما شاهدته من سيرة أهل المشرق بأهل قطرنا حينئذ لما انتهى اليهم من غزوته العظيمة ما يكل عن وصفه اللسان، وعن تخطيطه البنان، وترى الواحد منا بينهم كأنه أعجوبة عظيمة يشار إليه قائلين، هذا أهل الغزوة المشهورة... وصارت العرب من كل مملكة يفخرون بذلك، على الترك.(10)
وخرج  أحمد السعدي من المعركة منتصرا قويا فأعاد إلى المغرب وحدته واتجه جنوبا نحو البلاد السودان لتوطيد الإسلام بها، فكانت له بها جولات وصفها المؤرخون بتفصيل وأعاد تنظيم التجارة بينها وبين الشمال فتدفقت الخيرات على البلاد وأعاد تنظيم الجيش وتسليحه ليكون على الدوام ساهرا على وحدة البلاد وأمنها.
واستمر هذا الوضع عدة عقود إلى حين وفاته فجأة سنة 1012 هـ وتخاصم  أبناؤه الثلاثة حول الملك أدى من جديد إلى دخول البلاد في مرحلة من الفوضى والصراع حول الملك، فكانت العاصمتان تنتقلان في فترات وجيزة من يد هذا إلى ذاك : وهو زيدان، وأبو فارس، ومحمد الشيخ المامون، وكانت الفرصة سانحة لبعض الطامعين في المساهمة في تعميق الخلاف بمناصرة هذا الأخ على ذاك، أو باقتطاع مناطق وإخضاعها لسلطتهم، ومنهم:
- أبو محلى السجلماسي بدرعة وسجلماسة.
- أبو زكرياء الحاحي بسوس وجبل درن.
-  أبو حسون السملالي بإبليغ وسوس.
- الدلائيون بمنطقة الأطلس المتوسط وتادلا.
- وكان محمد العياشي بدكالة والشواطيء الغربية والخضر غيلان الكرفطي بطنجة والشواطيء الشمالية يواجهان في هذه الظروف الجانب المستعمرين للمدن الشاطئية.
وساهمت بعض القبائل في تفجير الوضع المتدهور بهجوماتها على المدن والسبل التجارية وإخلالها بالأمن، وهي قبائل الحياينة وشراكة وأولاد جامع وأعراب الشاوية.
وفي هذا الجو المظلم اتجهت أنظار الناس من جديد إلى الأشراف العلويين الذين كانوا في شرق المغرب، فقد كان المولى الشريف بوجدة وتلمسان منذ سنة 1060 هـ، وتمكن إبنه سنة 1069 هـ من جمع قوة والده وجيوشه:
فأعاد الأمن إلى سجلماسة وتازا والريف سنة 1075 هـ.
وفاس سنة 1076 هـ، وتطوان سنة 1077هـ، والدلاء وتادلا والغرب سنة 1079 هـ ثم مراكش والشاوية وآيت عياش سنة 1079 هـ.
وفي سنة 1081 هـ فتح تارودانت وإيليغ وسائر السوس. وعندما توفى سنة 1082، كان المغرب قد توحد تقريبا.
لذلك وجه خلفه المولى إسماعيل عنايته لإعادة تنظيم الجيش وتسليحه فبلغ زهاء 150 ألف رجل، وكانت غايته إنهاء عمل أخيه وطرد النصارى من المدن الشاطئية، فبنى القلاع من وجدة إلى مكناس أنزل بكل قلعة عددا كبيرا من العبيد والفرسان لحراستها وتأمين الطرق بها، وبلغت في عهده 70 قلعة وحصنا.
وبعد تتميم الوحدة الداخلية للبلاد إهتم مولاي إسماعيل بالمرافيء المحتلة من طرف الأجانب، فحرر:
- المهدية سنة : 1092 هـ.
- طنجة سنة : 1095 هـ (من يد الأنجليز).
-  العرائش سنة : 1101 هـ.
- أصيلة سنة : 1102هـ، وحاصر سبتة مدة 26 سنة.
وقد عرف المغرب الأزدهار والرقي والسمعة الطيبة داخليا وخارجيا منذ عصر المولى إسماعيل وفتوحاته،
فأرسلت إليه السفارات من الدول الأروبية طلبا لصداقته ووده.
وحاول أبناؤه وحفدته المحافظة على هذه المكانة باستمرار في رد أطماع الأجانب والإبقاء على الأمن الداخلي، فبقيت هذه القوة على عهد محمد ابن عبد الله. ووقف المولى سليمان في وجه أطماع الأتراك الذين كانوا بالجزائر يتحرشون بالحدود المغربية.
كما أحبط إستفزازات فرنسا، وقد ضغط عليه نابليون للإنضمام إلى ما كان يسمى إذ ذاك (بكتلة الحصار البري) وهي الحركة التي هدف بها الأمبراطور الفرنسي عام 1806 م إلى إقفال جميع الموانئ في وجه إنجلترا) وهدد نابليون ملك المغرب في رسائل شديدة اللهجة باكتساح إفريقيا بمائتي ألف جندي، ولكن المولى سليمان قابل ذلك بالرفض.
وتبلورت الأطماع الأوربية بصورة خطيرة في عهد مولاي عبد الرحمن فكانت معركة إيسلي ثم حرب تطوان...
وكافح السلطان ضد أطماع إسبانيا في الجنوب وواجه مشاكل الحدود المغربية الجزائرية مع فرنسا.
وظل الملوك العلويون يواجهون الدسائس للاحتفاظ بعرشهم واستقلال بلادهم فكان المولى الحسن يضرب الدول الأوربية بعضها ببعض حفاظا على استقلال المغرب. ورغم المكايد التي دبروها لخلفه مولاي عبد العزيز فإن هذا الأخير دعا إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي اعترف بالوحدة الترابية للمغرب. وبعد تشديد الضغط على المغرب وفرض الحماية على مولاي عبد الحفيظ قام الشعب في الصحراء وفي الشمال والغرب والشرق برجاله ونسائه رافضا لها ومطالبا بالحرية . واستمرت المقاومة في الريف والأطلس المتوسط والصغير وفي الصحراء إلى عام 1935 م.
وكانت وثيقة الإستقلال سنة 1944 م وخطاب طنجة التاريخي لمحمد الخامس سنة 1947 م إيذانا ببداية نهاية الاستعمار تلته تضحيات الشعب في سبيل رجوع ملك البلاد ورمز وحدتها من منفاه سنة 1953 م،  وبالرغم من طغيان الجيش المستعمر وجبروته وقتله للأبرياء فإن النصر كان في الأخير حليف المغرب، وظهر الحق وزهق الباطل، وعادت الأسرة المالكة إلى أرض الوطن وتم الإعلان عن الاستقلال والوحدة والانعتاق.
 ودخل المغرب من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد التنمية والرفع من المستوى الاجتماعي والثقافي للناس. وكان على علم وإدراك تامين بان الوحدة الترابية ناقصة إذ أن الصحراء المغربية كانت آنذاك بيد الاستعمار الإسباني، ففي كل مناسبة كان المغرب يذكر بمطالبته الدائمة والمستمرة باستكمال وحدته الترابية ومن ذلك، زيارة المغفور له محمد الخامس لمحاميد الغزلان سنة 1958 م حيث استقبل ممثلي قبائل الركيبات والتكنة وأولاد دليم وشنقيط وأكدوا له ولاءهم للعرش ونعهدهم له بمواصلة الكفاح حتى تحرر الصحراء.
 وأكد ذلك في خطابه بدرعة سنة 1959 م.
ومن هذا التاريخ والمغرب يطرح قضيته الرئيسية في الاجتماعات والهيئات والمحافل الدولة ويدعو إلى تصفية الاستعمار من منطقته الجنوبية وكانت آخر هذه المحاولات رفع جلالة الملك القضية إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي.
وكان يوم  نطق هذه المحكمة بحكمها يوما مشهودا في تاريخ المغرب المعاصر، ففيه أعلن جلالة الملك عن وسيلة التحرير : وهي وسيلة أدهشت العالم كله وأظهرت جنوح المغرب إلى السلم وهذه الوسيلة هي المسيرة الخضراء المظفرة  التي مكنتنا من استرجاع أرضنا واستكمال وحدتنا. وقد أبدت عن مستوى عال من التفكير لدى مبدعيها والمخطط لها. وعن حضارة ووعي وتجاوب لدى الشعب الذي نفذها واستجاب لها بتلقائية وحماس.
وهاهو خلفه أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس يأخذ المشعل لتستمر الدولة وتستمر الوحدة، ويبقى هذا البلد كما كان منذ قرون موحدا مذهبيا ومستقلا سياسيا وفكريا يتوق إلى تحقيق الأمن والرخاء لمواطنيه، والمجد والسؤدد لقاطنيه.
 والله الموفق للصواب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here