islamaumaroc

إصلاح الكتابة العربية

  عبد الوهاب بن منصور

8 العدد

قل من المتفقين من لا يحس بعسر الكتابة العربية وغموض بعض أحكامها وتعدد الوجوه في كتابة بعض أحرفها، وأكثرهم إحساسا بذلك من ألموا بشيء من الثقافة الغربية، أو تعاطوا حرفة التدريس، أما الأولون فلأنهم يشعرون بالفرق بين الكتابة بالأحرف اللاتينية وبين الكتابة بالأحرف العربية، وأما الآخرون فلما يعترضهم من عقبات وهم يلقنون القواعد الكتابية للعقول الفتية الطاهرة، أو يواجههم من هلهلة نسج بعض أحكامها التي ليست من المنطق في شيء.

وقد يثير هذا القول ثائرة بعض الغير على اللغة العربية أو يهيج هائجة المتزمتين، وإلى هؤلاء وأولئك أوجه هذا السؤال:
ما المقصود من الكتابة؟ يراد منها أن تدل على كلمات كما تخرج من الفم وتسمعها الأذن من غير التباس؟ أم يراد منها الدلالة على القواعد النحوية والصرفية للغة المكتوبة؟
ولا أظن أننا نختلف في الجواب، إلا أن تكون أدمغة بعضنا مطبوعة على التعقيد، مولعة بفك الألغاز والمعميات، كما يعشق بعض الشعراء والكتاب كل حوشي من اللفظ غريب.

فالحروف لم توضع في يوم من الأيام لتدل على قاعدة أو تعبر عن مسطرة، وإنما وضعت لتقوم في الأذهان مقام النبرات الصوتية في الآذان.

وفي الأول وضعوا بعض الرموز ليشار بها بعض الأجسام أو المعاني، ثم تطور الفكري البشري فعدل عن هذه الطريقة التي تستدعي أن يكون لكل جسم ومعنى رمزه الخاص، ومال إلى طريقة أخرى أكثر من الأولى يسرا وأدنى منها منالا، فاخترع حروفا للتعبير عن النبرات الصوتية التي لا تتجاوز الثلاثين، وأخذ يكتب بها جميع ما تقع عليه العين أو يدركه العقل كما اخترع بعد ذلك الأرقام العشرة التي تكتب بها ملايير الأعداد وتجري بها مختلف العمليات الحسابية، ومن المعروف بالبديهة أن الكتابة اجتازت مراحل تطورت فيها من عسر إلى يسر، ومن غموض إلى وضوح، ومن تعقيد إلى تبسيط، متى وصلت إلى مرحلة لا نقول أنها نهاية الوضوح واليسر والتبسيط، ولكنها تكاد تكون إياها لكثرة ما تناولها العلماء بالإقامة والتعديل.               

و لا يستثنى من ذلك –مع الأسف- إلا بعض الكتابات الشرقية التي منها الكتابة العربية، فإنها لبثت جامدة مقيدة كما كانت منذ قرون طويلة لا تنطلق ولا تميع.                                                                                        

  واحسب أن بعض العقول المتحجرة حسبتها مقدسة قداسة الذكر الحكيم، أو نزل بها من السماء ملك كريم.

   والواقع أنها ليست كذلك، فهي لا تعدو أن تكون من اختراعات البشر واصطلاحاتهم كباقي الكتابات، وكون القرآن كتب بها لا يمنعها من التطور إلى الأحسن بدخول التعديلات عليها، وما كان لهذا التطور أن يمس في شيء كلام الله الذي تعهد له بالحفظ، كما لم يمس إصلاح الكتابة بالأحرف اللاتينية ما كتب بها من توراة وإنجيل.                       

ففي طليعة المصاعب التي تواجهها الكتابة العربية مسألة الشكل الذي ليس من جنس حروفها، ولعلنا نجد الحل لهذه المسالة إذ التزم الكاتبون باليد الشكل فيما يكتبون وأقبل الطباعون على استعمال الآلة الطباعية المبسطة التي اخترعها عالم مغربي منذ أمد يسير.                                                                                                             


وفي طليعة هذه المصاعب كتابة الهمزة وكراسيها الأولى والوسطى والأخيرة، والتغلب على هذه الصعوبة كامن في كتابة الهمزة فوق الألف دائما، والعقل الذي يميز بين أشكال سائر الحروف ويهدي اللسان إلى البناء الصحيح للكلمات قادر على أن يميز ما تشكل به الهمزة حركات وسكون.                                                                                       

 ومثل ذلك يقال في الألف اللينة فإنها من العلل التي يجب علاجها، لما تحدث في عقول المتعلمين من تشويش وتدلهم على ما في الكتابة العربية من فوضى ومخالفة للمعقول، وخير ما نعالج به هذه النقطة أن نستغني عن هذه الآلف اللينة بالمرة، ونكتبها ألفا مطلقا، لا فرق بين ( سما) و ( رما) و (العلا) و( الهوا) ويمكن لمن يدرس النحو والصرف بعد ذلك أن يدرك بسهولة ما انقلبت عنه الألف من واو أو ياء.                                                                                    

وكذلك الحال في التاءين المفتوحة والمربوطة أني أرى أن يستغني عن الأخيرة، ولا يمنع ذلك من التفرقة بين معاني التاء بعد ذلك كما لا يمنع اللسان من الوقوف على المربوطة هاء سكت ولو كتبت مفتوحة.                                        
وهناك أحرف زائدة تلحق ببعض الكلمات كألف الفرق بين واو الجمع و واو العلة، والألف التي يكتب عليها التنوين بالفتح و واو ( عمرو) كما أن هناك أحرفا ناقصة تثبت لفظا ولا تثبت كتابة كألفات أسماء الإشارة وواو داود وغيرها. و لا يقال في هذه إلا ما قيل فيما قبلها، يحذف منها ما هو زائد، ويثبت ما هو من جسم الكلمة ويقتضي النطق إثباته.         

إن طبيعة العصر تقتضي أن نطور كتابتنا ونصلحها وندخل عليها التحسينات الضرورية، وقد فعلت الأمم ذلك بكتاباتها، ولا تزال مجالسها العلمية تجتمع المرة بعد المرة لدراسة ما يقدم لها في شأن تحسين لغتها وكتابتها من مقترحات، فتأخذ بأحسنها وتجد الموافقة من حكوماتها وأنديتها الوطنية، لأنها بذلك توفر على نفسها كثيرا من المشقات وتكسب وقتا ثمينا،  وتمهد السبيل انتشار لغاتها وجعلها قريبة التناول ممن يريد من الأجانب معرفتها، وفي ذلك إشاعة لثقافتها ونشر لحضارتها وإذاعة لصيتها.   

إن المسألة تبدو لقصار النظر هينة سهلة،  ولكنها خطيرة عظيمة في الواقع، وجميع المهتمين بمستقبل الثقافة العربية يفكرون فيها جيدا، ويقترحون لمشاكلها حلولا، ولكن العالم العربي يعيش في فوضى أدبية كما يعيش في فوضى سياسية، وما لم يقيض الله له مصلحا عادلا مستبدا، يمر يده بالدواء على كل المواضع العليلة فلن تنتظر مشاريع إصلاح الكتابة العربية نجاحا.

أما القرآن فلا خوف عليه من هذا الإصلاح، فكتابته نفسها قد طرأت عليها تحسينات بعد عصر النبوءة، فالكل يعلم أن النقط والشكل إنما عرفتهما في العصر العباسي، والتزم كتابته كما هي في المصحف الآن لم ترد به آياته ولا أوجبته أحاديث الرسول الكريم المنزل عليه، وأعتقد أم إصلاح الكتابة العربية سيسهل حفظه، وتعلمه على الناشئة الإسلامية ويقرب  معانيه من أذهانها.                                                                                                           

وعسى أن يدخر الله ثواب هذا الإصلاح لجلالة ملكنا المعظم محمد الخامس الذي هو اشد الناس غيرة على الإسلام ولغة القرآن، وأولاهم بالقيام به لما له من مكانة روحية في قلوب المسلمين والعرب كافة.

عدوى الجنو

دعا أحد الملوك مجنونين ليحركهما فيضحك
مما يجــيء منهما، فلما اجتمعـــا
وسمعهما غضب، ودعا بالسيف. فقال أحدهما
لصاحبه: كنا مجنونين فصرنـا ثلاثة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here