islamaumaroc

كتاب السياسة لأبي بكر محمد بن الحسين الحضرمي المرادي

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 349 شوال-ذو القعدة 1420/ يناير-فبراير 2000

من بين الكتب المخطوطة بخزانة القرويين كتاب يحمل اسم السياسة (2) لمؤلفه الفقيه أبي بكر محمد الحضرمي المرادي رحمه الله، وهو مسجل تحت رقم 627 ومكتوب بخط مغربي واضح. وقد تم نسخه بمدينة تونس عام ثلاثة وأربعين وثمانمائة على يد عيسى بن عبد الله بن محمد العوسجي، وحبسه السلطان أحمد المنصور الذهبي عليها في أواسط رمضان عام واحد وألف.
يوجد ضمن مجموع يحتوي عليه وعلى وصية موجهة من لسان الدين ابن الخطيب إلى أبنائه، ويشتمل هذا المجموع على مائة وست وخمسين صفحة يأخذ منها الكتاب المذكور مائة وثلاثين.
كتبه مؤلفه إلى زعيم المرابطين الأمير أبي بكر بن عمر (3) وجعله منهاجا فكريا قابلا للتطبيق في مجال السلوك السياسي وفي مجال السلوك الأخلاقي فهو في الحقيقة كتاب يهتم بالإنسان وبعلاقاته الاجتماعية وأحواله النفسية كما يهتم بشؤون السياسة العامة المتصلة بالجهاز الإداري وبالسلطة التنفيذية وبأدب الروابط بين الراعي والرعية وبين الجنود وقادتهم، فكان بذلك كتاب تدبير وتوجيه لا يستغني عنه العاقل ولا يهمل التأمل فيه لبيب، فهو من هذه الناحية واعظ واع ومدرب حاذق وحكيم ماهر ينطق بالحكمة ويرسم طريقها لمن يريد ممارستها، يستميلك مؤلفه بحسن أسلوبه، ودقة تفصيلاته، وجمال إشاراته، ويربطك إليه بجمله القصيرة وباستدلالاته المؤثرة التي يسهل استحضارها وتتيسر الاستفادة منها.
ويدعوك بطريقته التي استعملها إلى التفكير والتأمل واستخدام العقل في القياس والمقابلة واسترجاع الأحداث والعبر لاستغلالها في تهذيف النفوس وفي تقويم السلوك، تشعر وأنت تقرؤه أنك أمام مرب لا يكتفي  بعرض المعلومات وتقديمها، ولكنه يحرك فيك الهمة لاستيعابها ولربطها بواقع الحياة، حتى إذا انتهيت من قراءة ما كتب كنت حريصا على تقمص معانيه وأصبحت واعيا بالمسؤولية قادرا على تمثيلها وتحملها، بحيث لا ترضى لنفسك أن تكون كالببغاء، في ترديد الحكمة وإنما تسعى جهد إمكانك في تطبيقها وتحقيق أبعادها.
قسم كتابة هذا إلى ثلاثين باب تتصل كلها بالتربية الخلقية وبالتربية السياسية، فمن حض على القراءة والتعلم، إلى آداب النظر والتفهم، ومن موضوعات تتعلق بحاشية الملك وجنوده، إلى موضوعات تتعلق بسياسية السلطان وأحواله. زيادة على أبواب تتعلق بأصول أخلاقية مرتبطة بالسلوك كتعرضه للحلم والصبر، والغضب والرضا، والحزم والتفريط، والتجبر والخضوع، والكتمان والإذاعة، والعجلة والتواني والتوسط، والإنفاق والبخل، والشجاعة والجبن، وغير ذلك من الصفات التي تحتاج إلى مراس ودراية وتبصر. ولقد أدى معانيه بأسلوب تعليمي دقيق يسهل الحفظ، ويعتمد على الترتيب والتبويب، والتقسيم والمقابلة، ويرتكز على الاستدلال لتسهيل الفائدة ولتتضح عند القارئ اتضاحا ييسر له سبل الانتفاع.
آثر في كتابه هذا، الإيجاز والتنويع، وعمل على الاقتباس من كتب الحكماء ومن آراء الفلاسفة، وكان معجبا أيما إعجاب بابن المقفع، ينقل بعض آرائه بألفاظها أحيانا، وبتصرف قليل أحيانا أخرى، وكان زيادة على ذلك يستشهد في بعض موضوعاته بالشعر وبالقرآن والحديث، إلا أن ذلك كان قليلا بالنسبة إلى اقتباسه من أقوال الحكماء بحيث يمكن حصر تلك الاستدلالات فيما يأتي:

أولا: الاستدلالات القرآنية.
استدلال بالآيات القرآنية ثلاث مرات فقط:
المرة الأولى في الباب الرابع والعشرين المتعلق بالاتفاق وصفة الجود والإمساك، فقد تحدث في هذا الباب عن قيمة الاقتصاد وعدم الإسراف، وذكر أن الإنسان العاقل هو الذي يفكر في التنمية والاستثمار أثناء الجود ليلا يضطرب أمره، فإنه لا جود لمن لا ضنانة له، ولا ضنانة لمن لا تدبير له، ولا مال لمن لا جود له، وهنا قال (4): وأحسن ما في ذلك أدب الله لنبيه (ص) في قوله عز وجل: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محســـــورا" (5).
المرة الثانية في نفس الباب ذكر أن التوسط هو أدب سائر النفقات، واستدل على ذلك بقول الله تعالى (6): "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" (7).
المرة الثالثة في الباب السابع والعشرين المتعلق بالصحبة والمواصلة فقد قال (8): "واعلم أن الكلمة الطيبة تسهل الوعر وتذلل الصعب، وتكثر الصحب، وتملك القلب، ولو لم يكن في هذا الباب إلا قوله تعالى:
"إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي رحيم" (9) لكان كافيا وافيا.

ثانيا الاستدلال بالأحاديث النبوية.اكتفى بالاستدلال بأربعة منها فقط:
الحديث الأول أورده في الباب الثامن والعشرين المتعلق بالحيلة والمكر والخديعة (10)
فقد قال رسول الله (ص): "الحرب خدعة" (11)
الحديث الثاني قوله (ص): "إذا استشاط السلطان حضر الشيطان" (13) وقد أجاد في هذا الباب وذكر أن على العاقل أن يطفئ جمرة غضبه بالحلم ويتمسك في حال بغضه بالعدل ويجري في رضاه وحبه إلى التوسط فإن الإفراط في الخير يؤدي إلى الانقطاع عنه والإفراط في الشر يؤدي إلى الهلكة دون تمامه.
الحديث الثالث قوله (ص): "من عجل أخطأ أو كاد ومن تأنى أصاب أو كاد" (14) أورده في الباب الثالث والعشرين المخصص للعجلة والتواني والتوسط (15) وهو في هذا الباب ذكر أن العجلة المذمومة هي التي تقع في الأمور قبل تمامها وتدبرها، وكذلك في طلب الشبيه، وتلمس وجوده قبل إبانه، أما بعد أحكام المعرفة فإن انتهاز الفرصة يكون من أسباب النجاح.
الحديث الرابع قوله (ص): "لكل امرئ ما اعتاد" (16) أورده في الباب الخامس المخصص للفرار من سوء العادة وريضة النفس من قبل الحاجة (17).

وأما الشعر فقد استدل به خمس مرات:
المرة الأولى في نفس الباب المذكور سابقا (18) فقد قال الشاعر:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت
ولن تلين إذا قومتها الخشب
المرة الثانية في الباب السادس عند الحديث عن الخلطاء والأصحاب فقد ذكر أن الحكماء قد تقرر بينهم أن المرء على دين خليله وأن الشكل منجذب إلى شكله ومن الحكم في ذلك قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن مقتدى
المرة الثالثة عند حديثه في الباب الخامس عشر عن الأدلة التي يستدل أهل الفضل والنقيصة والتوسط فقد قال (19): "وإذا أشكل عليك كريم الطباع فاختبره بلطفك وبلحظك فإن زادك تواضعا فهو كريم وإن ترفع عليك فهو لئيم قال الشاعر:
وإذا جهلت من امرئ إعراقه
وقد يسمه فانظر إلى ما يصنع"
المرة الرابعة عند الحديث في الباب الرابع والعشرين عن الإنفاق وصفة الجود والإمساك (20) فقد قال: "وأحسن ما رأيت في الجود والإمساك من أقوال الحكماء والشعراء قول أبي الطيب المتنبي:
فلا ينحلل في الجود مالك كله
فينحل مجد كان بالمال عقده
ودبره تدبير الذي المجد كفه
إذا حارب الأعداء والمال زنده
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده"
المرة الخامسة عند الحديث عن الباب السادس والعشرين في الحرب والمسالمة فقد أوصى بالحذر وعدم الاستخفاف بالعدو وإن كان حقيرا، فربما نال العدو بصغره ما يعجز عنه عدوه مع كبره كالسيف الذي يقد الهامة ويعجز عن فعل الإبرة وهنا استدل بقول الشاعر: (21)
ولا تحقرن عدوا رماك
وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقا
وتعجز عما تنال الإبر
فالكتاب إذن بعد الاطلاع على استدلالاته نراه خاضعا للطابع الأدبي والفكري العام كما هو خاضع لاتجاه الديني، وهذا مما يؤيد أن المرابطين لم يكونوا يضيقون الخناق على الفكر كما يدعي ذلك بعض المناوئين لهم، فهذا أبو بكر الحضرمي الذي اشتهر بالدراسات الفقهية والكلامية نراه في هذا الكتاب الذي قدمه لأبي بكر بن عمر قد اهتم بالحكمة والفلسفة والشعر زيادة على اختيار نقول من بعض فلاسفة اليونان والفرس، ومع ذلك فإن المرابطين جعلوه قاضيا في الصحراء لا باعتباره أديبا أو فيلسوفا ولكن لم تحل معرفته الفلسفية من تقريبه إليهم أو عن الاستفادة من مواهبه التي وهبه الله إياها، وبهذه المشاركة وصفه كثير من الذين ترجموا له فقد ذكروا أن له نهوضا في علم الاعتقادات والأصول، ومشاركة في الأدب وفرض الشعر، وأنه اختلف إلى أبي مروان بن سراج في سماع التبصرة، وأنه حدث بكتاب فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي، (22) ولقد أشار إليه ابن الزيات في كتابه "التشوق" أثناء حديثه عن أبي الحجاج يوسف بن موسى الضرير، (23) وذكر أن أبا الحجاج هذا قد تلقى منهما يتعلق بعلوم الاعتقادات.
ورغم ما ذكره المترجمون له من إنتاج علمي فهم لم يشيروا إلى كتاب السياسة هذا مع أنه كتاب جدير بالدراسة، وأهم ما فيه أنه كتاب هادف إلى تربية الشباب، وأنه مبني على خطة تؤمن بأن الشباب هم أحوج الناس إلى النصيحة من غيرهم، وأنهم محتاجون إلى التوجيه وإلى استغلال قدراتهم، وحيويتهم في اقتباس ما توصل إليه الشيوخ من تجارب نافعة وفوائد ناجعة، وقد أفصح عن ذلك في مقدمة كتابه حينما كان يخاطب الأمير أبا بكر بن عمر، فقد قال في هذه المقدمة ما يأتي (24): "إني وجدت أولى ما يتحف به الأحباب، وأجدى ما يتهاداه الأخلاء والأصحاب، آداب منظومة تحكم، وآراء مسبوكة تفهم، تكسب بها عقول الأولين، وتحفظ بها عقول المتقدمين، الذين اكتسبوها بالنظر، وجربوها بطول العمر وأبرزها من غيابات الجب، واكتنزوها كما يكتنز الذهب، فإنهم كانوا أطول أعمارا، وأكثر بأعمارهم للأمور اختبارا، وأحد أذهانا وأشد بأذهانهم للأمور إتقانا، ووجدناهم قد خلدوا في الآراء والحكم الكتب الباقية، وضربوا للتجارب والنظر الأمثال الشافية، فكفونا بذلك مؤونة البحث الذي لا نصل إليه إلا بشق الأنفس ولا نبلغه إلا بسهر الأعين".
ثم قال بعد ذلك: "وأولى الأسنان بحفظ الحكمة وأجراها بنفع الموعظة سن الحداثة، فإني وجدت فيه أربعا ليست في غيره من الأسنان.
أولها: سرعة الحفظ.
والثانية: ذكاء الفهم.
والثالثة: فقد التجارب.
والرابعة: تقديم الحكمة قبل سوء العوائد فإن الكهول والأشياخ ربما علموا بتجاربهم ما لا يعلمه الأحداث فكان الأحداث أحوج منهم إلى حفظ الحكمة وتقديم الموعظة ولأن الأحداث أطوع منهم لسلطان الشهوة الذي هو في غالب الأمر متضمن لسوء العادة، ونزع العادة السيئة شديد، وعلاجها بعد استحكامها بعيد".
فالكتاب إذن وإن كان في أصل وصفة قد وجهه لأمير المرابطي فهو قد أبرز فيه هذه الحقيقة التي تجعله كتابا لا ينفرد به وجه إليه، ولكنه كتاب يصلح لكل من يرغب في المعرفة السلوكية والسياسية، لتمرين أنفسهم وصقل فطنتهم، ولهذا قال في الباب الأول ذي خصه للخص على القراءة والتعلم ما يأتي:
إن كنت للعلم درست، والانتفاع به أردت، فاقرن درسك بالفطنة، وتعاهد محظوظك بالفكرة، فإنك فيما حفظته بمثابة صاحب الجوز الصحاح، الذي لا يفوز بنفعه حتى يستخرجه من قشره، وكمثل الرجل الذي عنده كنز في داره وهو لا يشتغل بحفره، ومشابه لصاحب السمسم الذي يمشي في الظلمة ولا يتشاغل بعصره، وكمثل الطبيب الذي يحسن الدواء ولا يتشاغل بكسبه، ويكسبه ولا ينظر في شربه، واعلم أنك إذا قسمت الأمور فهمت المستور، وإذا فهمت المستور بلغت السرور وتجنبت المحذور، وتلك نهاية المراد، وغاية الاستعداد إن شاء الله.
وعلى نسق هذه الحكم النيرة سار هذا الكتاب الذي نتمنى أن تكون نصوصه ضمن المناهج التربوية المقررة التي توجه الشباب إلى الخير والفضيلة، وتدعوهم إلى العمل من أجل تربية نفوسهم، وإلى الحرص على التمسك بمقومات أمتهم، وعلى الله الكمال.

1) تولي المرادي مؤلف هذا الكتاب خطة القضاء للموابطين بالصحراء المغربية، وبها توفي عام 489هـ.
2) حقق الدكتور سامي النشار هذا الكتاب ونشره عام 1978 إلا أنه عند التحقيق لم يطلع على هذه النسخة، وإنما اعتمد على ثلاث نسخ أخرى بعضها سمته "بالإشارة في تدبير الإمارة"، وبعضها سمته "الإشارة في أدب الإمارة".
3) هو أول بويع من ملوك الدولة المرابطين سنة 450هـ، ولما رجع إلى الصحراء استقل ابن عمه يوسف بن تاشفين بعده بالملكسنة 465هـ، توفي بالصحراء المغربية عام 470هـ.
4) كتاب السياسة: "مخطوطة القرويين" ص: 111.
5) سورة الإسراء – الآية: 29.
6) كتاب السياسة: ص: 112.
7) سورة الفرقان – الآية: 67.
8) كتاب السياسة: ص: 121.
9) سورة فصلت – الآية: 74.
10) كتاب السياسة: ص: 122.
11) رواه البخاري في كتاب "الجهاد والسير"، ج 4 النسخة الأميرية ص: 64.
12) رواه الإمام أحمد بن محمد حنبل في "مسنده". ج 4. ص: 226، على الصيغة التالية: "إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان.
13) كتاب السياسة ص: 93.
14) لم أعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ وفي معناه جاء عن سهل بن سعد الساعدي عن جده أنه قال: "قال رسول الله (ص): "الأناة من الله والعجلة من الشيطان" رواه الترمذي في "صحيحه" في أبواب البر والصلة الجزء السابع، شرح الإمام ابن العربي ص: 172.
15) كتاب السياسة: ص: 105.
16) لم يتيسر لي إخراج هذا الحديث بلفظه وإنما نعرف معناه عند المتنبي حينما يقول:
لكل امرئ من دهره ما تعودا
وعادة سيف الدولة الطعن في العدا
لكن يمكن الاستئناس بمعناه فيما رواه ابن ماجة في المقدمة في باب فضل العلماء والحث على طلب العلم حيث ذكر أن معاوية رضي الله عنه حدث عن رسول الله (ص) أنه قال: "الخير عادة والشر لحاجة ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
17) كتاب السياسة: ص: 28.
18) نفس المصدر: ص: 29. 
19) نفس المصدر: ص: 80.
20) نفس المصدر: ص: 111.
21) نفس المصدر: ص: 116. 117.
22) أنظر ترجمته بكتاب "الأعلام" للعباس بن إبراهيم، ج 4 ص: 12. وكتاب الصلة، ج 2 ص: 60، ع 1326.
23) كتاب "الشوف تحقيق" "أدولف فور" مطبوعات معهد الأبحاث المغربية ص: 83.
24) كتاب السياسة، ص: 3.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here