islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب

  محمد السادس

346 العدد

     بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لثورة الملك والشعب، وجه مولانا أمير المومنين، حضرة صاحب الجلالة والمهابة الملك محمد السادس خطابا ساميا إلى شعبه الوفي من القصر العامر بالرباط، نقل على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة مساء يوم الجمعة 8 جمادى الأولى 1420 الموافق 20 غشت 1999.
     و كان جلالته أثناء الخطاب محفوفا بصنوه وشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد.
     وفيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي.
     «الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه».
     شعبي العزيز،
     في غمرة مشاعر اللوعة والحزن التي ما زالت أثارها عميقة في نفوسنا جميعا لفقدان أبي الأمة والدنا العظيم جلالة الملك المغفور له مولانا الحسن الثاني طيب اله ثراه، تحل ذكرى ثورة الملك والشعب، هذه الثورة التي قادها بمعيتك في كفاح مرير لتحرير المغرب واسترجاع استقلاله جدنا المنعم مولانا محمد الخامس قدس الله روحه.
     لقد خاض رضوان الله عليه جهادا متميزا في وجهات متعددة ومتكاملة كانت في طليعتها الواجهة المتمثلة في النضال السياسي الذي بلورته مواقف البطولة التي كانت له في مواجهة أعنف تحديات المرحلة.
     أمام هذه المواقف التي لم تكن تزيد إلا تباتا وشجاعة كلما اشتدت الأزمة، لم يجد الاستعمار غير التآمر على الشرعية، وطلب من رمز الأمة أن يتناول عن العرش أو ينفي خارج البلاد.
     وبإيمان ثابت أبي أكرم الله مثواه أن يقبل حل التنازل الذي اعتبره خيانة للأمانة التي إئتمنه عليها شعبه الوفي وفضل المنفى، فكان أن اقتيد مع أسرته الشريفة إلى كورسيكا تم إلى مدغشقر من 20 غشت 1953 إلى 16 نونبر 1955.    
     وكان الشعب المغربي المخلص على امتداد هذه الفترة مفعما بروح محمد الخامس الجهادية فأجمع على رفض ما أراده الاستعمار إجباره عليه، وصمم بإصرار على متابعة نضاله بالتضحية والفداء حتى يرجع ملك البلاد الذي غدا رمزا لجميع القيم الدينية والمبادئ الوطنية.
     لقد كان اتجاوي عميقا بين الأمة وقائدها المبعد، وهو تجاوب قواها لمقاومة المحاولات التي توسل الاستعمار بها لإضفاء المشروعية على مؤامرته، وكان المغاربة يشعرون في يقين بأن محمدا الخامس- وهو في غربيته- كان متربعا على عرش قلوبهم كافة.
     شعبي العزيز،
     بهذه الروح استمر الكفاح إلى أن عاد الملك البطل إلى أرض الوطن مكللا بالنصر يحمل بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحرية ليتابع مسيرة الجهاد من أجل بناء هذا الاستقلال.
     وإذا كان الأجل المكتوب قد عجل انتقاله إلى عفو الله ورحمته قبل أن يحقق للمغرب كل ما كان يسعى إليه فإن العناية الإلهية كانت حنوة على هذا البلد حين سلمت الأمر لخير من حمل الأمانة ويكمل الرسالة، وارث سره ورفيقه غي النضال جلالة والدنا المأسوف على رحيله مولانا الحسن الثاني، فرعى جميع اللبنات التي وضعها جدنا المقدس وتبث كيانها. ثم انطلق بها في مسيرات للتشييد والتوحيد بوأ المغرب بها مكانة متميزة بما أحدث من نهضة شاملة أتاح له بها أن يكون في كفاح مستمر لمواجهة كل الأزمان والتحديات وحل مختلف القضايا والمشكلات، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية التي عالجها بحكمه أقاليمها الجنوبية.
     وقد توج- رحمه الله- هذه المكانة المرموقة التي أصبحت للمغرب بما أبدع من فكر سياسي جديد ومتطور تجلى في إقامة ملكية دستورية تعتمد مشاورة الأمة وإشراكها في تحمل المسؤولية عبر مجالس منتخبة ومن خلال لا مركزية جهوية مع الوعي التام بما للكل من واجبات وحقوق.
     وإذا كان جلالة الملك الحسن الثاني تغمده الله بواسع رحمته قد رحل إلى جوار ربه فإننا نحن محمدا السادس قد خلفناه في خدمتك- شعبي العزيز- وخدمة المغرب، وسنبقى على النهج الحسني سائرين تمسكا ببيعة الإمامة الشرعية التي تطوق عنقنا وعنقك، موصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا، موثقة السند بكتاب الله وسنة رسوله الكريم، ومشدودة العرى إلى الدستور المغربي الذي ينص على ان الملك أمير المؤمنين، والممثل الأسمى لأمة. ورمز وحدتها، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وعلى أنه ضامن حمى الدين والبلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحق، وعلى أنه الساهر على احترام الدستور، وعلى انه له صيانة الحقوق وحريات المواطنين، وعلى أن شخصه مقدس لا تنتهك حرمته.
     لذا فإننا تقديرا منا لهذه المسؤولية الجسيمة التي تفرضها علينا الأمانة العظمى، وتشبثا بالمقدسات الدينية والوطنية، وحرصا على تدعيم المؤسسات وتقويتها، ندعو الجميع، بحزم وصرامة، وبدون لين أو هوادة، إلا لزوم مقتضيات دولة الحق والقانون، في إطار الحريات التي يضمنها الدستور للأفراد والهيئات. وفي نطاق القوانين الإجرامية التي تضبط ممارسة هذه الحريات والتمتع بسائر الحقوق، والتي يفضي خرقها أو الإخلال بها إلى التعرض لما تقتضيه القوانين الجاري بها العمل.
     شعبي العزيز،
     لقد حقق المغرب في عهد الحسني الزاهر مكاسب جليلة في هذا المجال المتعلق بالحقوق تحفزا من إرادة والدنا المنعم، المعتمدة على المرجعية الإسلامية التي كرمت بني آدم. والتي حثت على الانضمام إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تفرع عنه من مواثيق دولية.
     وزاد- نور الله ضريحه- فعمل على تنمية هذه الحقوق وتوسيع دائرتها، سواء على الصعيد التنظيمي أو إقامة المؤسسات، وكذا على مستوى النصوص التي تحميها والإجراءات التي اتخذت لصالحها وما إلى ذلك مما يصعب حصره أو التمثيل له، وهو ما أهل المغرب لكي يعتلى يوقعا مرموقا بين الدول المتقدمة في هذا المضمار.
     وفي هذا السياق أحدثنا هيئة تحكيم مستقلة إلى جانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بهدف تحديد تعويض ضحايا وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء والاعتقال التعسفي، وأصدرنا تعليماتنا بأن تشرع هذه الهيئة في مباشرة أعمالها.
     وإيمان راسخ عميق، بضرورة تمتيع كل فئات شعبنا بالحقوق التي تضمن لها العيش الكريم، والحياة الرغيدة، أولينا عنايتنا ونحن ولي العهد إلى القضايا الاجتماعية التي تهم المواطنين كافة، مدنيين أو عسكريين، مع رعاية خاصة للفئات التي تشكو الحرمان أو تعاني القهر.
     إن تأمل هذا الواقع ليجعلنا نتساءل في ألم وحسرة؛ كيف يمكن تحقيق التنمية الشاملة، وعالمنا القروي يتخبط في مشاكل تضطر سكانه إلى التخلي عن الأرض التي جعلها الله ذلولا للإسترزاق منها، والهجرة إلى المدن في غيبة استراتيجية تنموية مندمجة قائمة على تنظيم الأنشطة الفلاحية وغيرها، والاهتمام بالسكن والتعليم، وتحسين مستوى التجهيزات الأساسية، والحد من الهجرة بوضع خطة تراعي النهوض بالجماعات القروية، وانشاء أقطاب جديدة لتنمية في المراكز المحيطة بالحواضر وكذا تدبير التقلبات غير المتوقعة كالجفاف وما إليه.
     وكيف يراد إدراك التقدم العلمي ومواكبة العالم المتطور، وأفواج من شبابنا المتعلم والمؤهل عاطلة عن العمل تلقى الأبواب مغلقة أمامها دون كسب الرزق، بعيدا عن تكوين مناسب يفضي إلى إظهار المواهب والكفاءات وتمكينها من العلم الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يكون نافعا مؤديا للعمل، وبعيدا كذلك عن مخطط تتضافر لتطبيقه جهود المقاولات وسائر الفاعلين الاقتصاديين.
     وكيف يتطور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره. والنساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق، هن بها شقائق، الرجال تتناسب ورسالتهن السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف، مع أنهن بلغن مستوى نافسن به الذكور، سواء في ميدان العلم أو العمل.
     أم كيف يدرك تكافؤ الفرص وإتاحتها للجميع إذا كان المعوقون جسديا يهمشون ويبعدون عن الميادين التي هم لها مكونون ومستعدون، في حين أن الإسلام- وهو دين التكافل والتكامل- يدعو إلى الاهتمام بالمستضعفين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع، والأخذ بيدهم، ليكونوا أعضاء فيه عاملين ومنتجين.
     لسنا نملك عصا سحرية نزعم بها حل جميع هذه المشاكل وغيرها، ولكننا عازمون بحزم وعن قريب إن شاء الله على مواجهتها بما نتوافر عليه من إمكانيات، وبما نملك من طاقات معنوية هي زادنا وعمدتنا، وبما يلزم من تعبئة وتضامن وتضحية، ومن صدق وإخلاص، وضمير حي يقظ، وهي شروط بدونها لا تكون المواطنة الصالحة. ولا يتحقق أي تقدم، بل لا يكون الإيمان.
     وفي هذا الصدد، وكما وعدنا في خطاب العرش، فإننا سننكب كذلك على ملف التعليم في ضوء مشروع الميثاق الذي أنجزته اللجنة الملكية الخاصة للتربية والتكوين، وبالعناية التي هو جدير بها لأهميته في إعداد النشء وتأهيل أجيال المستقبل.
     وبالعناية نفسها سنتابع سياسة والدنا برد الله مضجعه فيما يتعلق بقضية وحدتنا الترابية، مؤكدين التزامنا بقرارات الأمم المتحدة، ودعمنا للمينورسو والمندوبية السامية لغوت اللاجئين وامدامنا لها لكل ما ينجح الاستفتاء التأكيدي في أقاليمنا الجنوبية.
      شعبي العزيز،
      في ختام هذا الخطاب الذي نوجهه إليك بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لثورة الملك والشعب، نود أن نجدد لك ولقواتنا المسلحة الملكية ورجال الدرك والقوات المساعدة وقوات الأمن ورجال الوقاية المدنية، عبارات شكرنا على الموقف الوفي، والمساندة الصادقة لنا في الفاجعة المؤلمة التي حلت بنا وبالوطن لرحيل أبينا كافة جلالة الملك المقدس مولانا الحسن الثاني نور الله ضريحه، ونحرص على أن نؤكد أننا التزما منا بالميثاق النضالي الذي سلمه لنا والدنا بعد أن تسلمه من جدنا يرحمه الله وإياه ومتابعة للبناء الشامخ الذي أقاماه تشبثا بالآصرة المتينة التي تشدك إلينا وتشدنا إليك، نحي هذه الذكرى الوطنية المجيدة وسنواصل إنشاء الله إحياءها باعتبارها ذكرى للأمة كلها تحتم علينا على الدوام استحضار أرواح جميع المقاومين للتزود من جهادهم المتفاني والتذكير بها بذلوا من تضحيات كبيرة في شتى الأقاليم ومختلف المواقع، مع إشادة خاصة بالعلماء ورجال الفكر والسياسة وطبقة العمال والفلاحين، والتنويه بدورهم العظيم في تحرير البلاد، ومزيد من العناية بأسرهم والترحم على شهدائهم الأبرار، ودعوة العلي القدير أن يجعلهم إلى جانب والدنا وجدنا المكرمين (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا).
     صدق الله العظيم.
     والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here