islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد الشباب المجيد. 1999

  الحسن الثاني

346 العدد

 بمناسبة عيد الشباب المجيد لسنة 1999، وحلول الذكرى السبعين لميلاد قائد الأمة وباعث نهضتها ومحقق وحدتها جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، وجه جلالته خطابا ملكيا ساميا إلى الأمة المغربية بهذه المناسبة الجليلة، وذلك مساء يوم الخميس 24 ربيع الأول 1420هـ موافق 8 يوليوز 1999، في رحاب القصر الملكي العامر بالرباط.
وكان جلالته تغمده الله برحمته الواسعة أثناء إلقائه للخطاب الملكي السامي محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه المجيد صاحب السمو الملكي السعيد مولاي رشيد.
وكان آخر خطاب يلقيه جلالته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد نقل الخطاب الملكي السامي على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة، وفيما يلي نصه الكامل :   
« الحمد لله . والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز.
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية كنت قطعة على نفسي أمامك- شعبي العزيز وشبابي العزيز-أن أجعل من مشكلة البطالة بكيفية عامة، وبطالة الشباب المتخرج بكيفية خاصة، معركتنا الأولى وهدفنا الأسمى بعد قضيتنا الترابية.
وها أنا اليوم ولله الحمد يمكنني- شبابي العزيز – أن أعطيك بعض الأرقام، وهي أرقام لا تفي بما يجب أن يكون عليه الأمر، ولكن «ما لا يدرك كله لا يترك بعضه» وإن كان البعض هنا بعضا مهما في ما يخص مشكلة الشباب العاطل الحائز على الشهادات.
منذ سنة 1998 إلى يومنا هذا تمكنا من أن نشغل أحد عشر(11) ألفا من المتخرجين من التكوين المهني، وثمانية آلاف وثمانمائة(8.800) من الذين لهم شهادة في مستوى الإجازة، و ألفين(2.000) فقط من الدكاترة أو المهندسين ذوي المستوى العالي. وهكذا نصل إلى رقم واحد وعشرين ألفا وثمانمائة(21.800) في سنة واحدة لم نكن مهيئين تمام لاستيعابها، ولكن الله سبحانه وتعالى أيدنا بقوته، فأعطانا المخيلة اللازمة، والإقدام اللازم لإدراك هذا الهدف.
كما تعلم – شعبي العزيز- فإن المغرب يخلق لنفسه تلقائيا ما بين مائتي (200) ألف ومائتين وخمسين(250) ألف منصب شغل سنويا، ويبقى كل سنة تقريبا ستـــــــون (60) ألف يمثلون الراسبين في امتحاناتهم، سواء في السلك الثانوي أو العالي، وإذا نحن زدنا ستة آلاف (6.000) على ستين (60) ألفا رأينا أن هذا الرقم يتراكم. ويصبح رقما ضخما جدا يصعب استيعابه في سنة واحدة، ولكن – شعبي العزيز وشبابي العزيز – سوف أعطيك بعد قليل مخططا يجعلنا إن شاء الله نربح الرهان في ظرف زمني قصير سوف أعلنه لك.
أما فيما يخص نتائج هذه الحملة منذ السنة الماضية فيجب علينا كذلك أن نشكر القطاع الخاص الذي شغل في عمل مستمر ثمانية وعشرين ألفا وسبعمائة وثلاثيــــن ( 28.730) شابا من المتخرجين، وفي العمل الموسمي يمكنه كذلك أن يشغل اثنين وعشرين ألفا وثلاثمائة (22.300) شاب. وفي مجال التدريب يمكن للقطاع الخاص المغربي أن يستوعب سبعة عشر ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثيـــــــــــــــــــــن (17.733). وهكذا نصل إلى ما يزيد عن ثمانية وستين ألفا وسبعمائة (68.700) ويبقى رقم ستون (60) ألف سنويا من الذين رسبو في الامتحانات، والذين يجب علينا أن نجد لهم شغلا، زيادة على الشغل التلقائي الذي يوجده المغرب ، سواء تعلق الأمر بالإدارة أو جميع قطاعات النشاط الاقتصادي.
يمكن لكم أن تتساءلوا عن سبب كون الذين حازوا على الشهادات العليا في العلوم الدقيقة جدا هم الذين يجدون صعوبات في إيجاد الشغل، إن الجواب سهل، هو أن جل هذه الآلاف قد درسوا إما البيولوجيا المتقدمة جدا وإما الفيزياء النووية أو ما هو في مستوى هذه العلوم المتقدمة جدا والمتطورة جدا. فكيف يمكننا أن نخلق مختبرا لكل شاب أو شابة له دبلوم في البيولوجيا، وكيف يمكننا أن نشغل نحن في المغرب شخصا حائزا على شهادة الفيزياء النووية، فبصراحة هذه علوم تقتضي في الواقع من المربين والمدرسين والموجهين أن يحاولوا إبعاد أكثر ما يمكن من الناس عنها، لأنهم لن يجدوا مجالا للشغل ولا للتشغيل، فلهذا ترون أننا شغلنا ألفين (2.000) فقط، وكيف تم ذلك حتى بالنسبة لهؤلاء: لقد وضعناهم رهن إشارة الصناعات المتقدمة جدا والمتطورة جدا برضاهم بالطبع، والتزمت تلك الشركات وأولئك المقاولون بأن يستفيدوا من الدراسات العليا التي يتوفر عليها هؤلاء ، وأن يدمجوهم ويبرمجوا ويكيفوا تلك المعلومات التي يتوفر عليها هؤلاء الدكاترة حتى يمكنهم أن يندمجوا في النسيج الصناعي الوطني.
وهناك – شعبي العزيز – أخيرا ميدان مهم جدا. ألا وهو ميدان الذين يخلقون لأنفسهم شغلهم فتعينهم الدولة، وتعطيهم رأس المال، وينجحون نجاحا سارا وجيدا، حيث إن أقل ما يشغله الواحد منهم معه هو ستة أو سبعة أو ثمانية أشخاص.
     قلت في بداية الخطاب : إننا سوف نحاول أن نستوعب السنين ألفا التي تراكمت. وقد وضعنا تخطيطا ينص على رصد المبالغ المالية اللازمة لإدماج هذه الأعداد المتراكمة. وهنا قررنا أن تعطي الجماعات المحلية سبعمائة وثلاثة عشــــر (713) مليار سنتيم من ميزانيتها. والمؤسسات العمومية والمكاتب ألفا وثمانمائــــــة (1.800) مليار. وأخيرا مصالح الدولة ستعطي ألف (1.000) مليار. والمرجو إن شاء الله، أن تعطي أكثر. لهذا يمكن- شعبي العزيز- أن نقول : إننا في ظرف ثلاث سنوات إن شاء الله، من الآن إلى عام 2001 سنتمكن بحول الله وقوته وبإرادتك- شعبي العزيز وشبابي العزيز- من أن نقوم بوثبة جبارة، لا أقول بمعجزة، لأن المعجزات تخص الرسل، ولكن بكرامة شعبية متضامنة، فنكون في ظرف ثلاث سنوات. قد استوعبنا تلك الأعداد التي تراكمت على المغرب وشباب المغرب بوثيرة ستين (60) ألف شاب وشابة في السنة.
     هنا- شعبي العزيز- يجب أن أقول لك : إن هذا شيء غير طبيعي، وهو غير طبيعي لسببين :
     الأول : هو أن التعليم لم يأخذ بعين الاعتبار ظاهرة العمل والتشغيل. والسبب الثاني هو غلطة أفدح من الأولى هو أن الموجهين في ميدان التعليم لم يقوموا بواجبهم، وأطلقوا العنان للعديد من الشباب يجربون أنفسهم في هذه المادة أو تلك دون أن يكونوا عارفين لملف الطالب أو الطالبة ومدركين تماما لقابليته بالنسبة لهذا التخصص أو ذاك. وما هي قدرته بالنسبة لهذه المادة أو تلك.
     وبالنسبة لبرنامج التعليم سأحدثك عنه- شعبي العزيز- إن شاء الله في 20 غشت. لأني سأكون أنذاك قد توصلت من اللجنة بدراستها كاملة. وأريد أن أتطرق آنذاك شعبي العزيز إلى مشكلة التعليم وكيفية حلها مقارنة مع 20 غشت. لأن هي التي تجسد مقالة النبي (ص) التي رددها حفيده وسليله سيدي محمد الخامس طيب الله تراه حينما قال : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر». وعودة لنا في هذا الموضوع يوم 20 غشت إن شاء الله.
     هكذا ترى- شعبي العزيز- أنه في إطار تشغيل الشباب هناك آمال كبيرة مفتوحة أمامنا، ولكن المغاربة سواسية عندي وسواسية أمام القانون فيما يخص حقوقهم، فلا يمكن لي شخصيا وللدولة المغربية أن تنكب فقط على ملف الشباب الحامل للشهادات. فالتشغيل هو واجب على الدولة بالنسبة لكل واحد. وهو حق من الحقوق الدستورية لكل واحد من المغاربة ذكرا كان أم أنثى، وحتى في هذا الميدان- شعبي العزيز- عندي لك بشرى.. بشرى كبيرة بهذه المناسبة وهي الآتية :
     كما تعلم شعبي العزيز أقبلنا على خوصصة الاتصالات عن طريق الرخصة الثانية لاستغلال الهاتف المحمول، وكنا حينما شرعنا في هذا الموضوع توخينا أن نصل في هذه المزايدات والمنافسات إلى رقم 400 مليون دولار. الشيء الذي كان مهما جدا بالنسبة لحجم المغرب، وكم كانت دهشتنا وفرحتنا عظيمة حينما رأينا أن المتنافسين تنافسوا إلى حد أن الفائز بهذه الرخصة وصل إلى مليار وما ينيف عن المليار دولار. أو بعبارة أوضح 11 مليار من الدراهم، فلنقرأ شيئا من هذا الرقم الذي هو 11 مليار درهم أو مليار و100 مليون دولار، إنه لا يوجد هذا الثمن إلا في الدول الأوربية. أموال مهمة جدا. أما أن نكون قد وصلنا نحن هذا الرقم فزيادة على أنه حقيقة مفاجأة سارة فهو في آن واحد عنصر للاطمئنان ولشكر الله سبحانه وتعالى. ذلك أنه لا يصل هذا الرقم إلا الدول التي برهنت على طريقتها في دراسة الملفات من شفافية ونزاهة ودراية هي في مستوى الدول الراقية.
     فمنذ سنة 1995 والمغرب يدرس بدقة هذا الملف. ويحيط نفسه بسياج من النزاهة ومن الاستشارة ومن الاستعانة بالرأي الحصيف. وهو يعمل في صمت ولكن بجد واستمرار إلى أن وصل بعد خمس سنوات من الجهد الجهيد إلى أن يفتح ملفه أمام الملأ ويقول له: انظر هاهي صفحات ملفي طاهرة نقية شفافة ليس فيها إلا ما يدعو إلى الإرتياح وإلى الافتخار. فإذن تبقى- شعبي العزيز- من الأحد عشر مليار التي تحققت بعد أن أدخلت الحكومة في ميزانيتها 400 مليون دولار تبقى سبعة ملايير من الدراهم. وهو مبلغ مهم جدا. لأننا إذا عرفنا كيف نتصرف فيه يمكن لكل مليار أن يضاعف نفسه ثلاث مرات، وأن تصبح هذه السبعة ملايير درهم 21 أو 22 مليار درهم. وكيف ذلك.
     أولا : القرار الذي يجب أن يتخذ، وقد قمت باللازم في هذا الشأن وتذاكرت مع الوزير الأول حينما كان بالمستشفى، هو ألا تمس السبعة ملايير درهم أبدا. وألا تذهب إلى خزينة الدولة، وألا تصرف في ميزانية التسيير أو لسد الثغرات، بل يجب أن تكون في حساب خاص، وهذا الحساب الخاص هو الذي سيجعلنا بهذا المبلغ الكبير نجعل من المغرب ورشا كبيرا يهتز من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه. يهتز بالعمل والبناء والتجهيز لا بالأعمال التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولا بالأعمال الاجتماعية الفارغة فقط. بل بالأعمال التي تخلف ما يشغل. وهكذا يمكننا أن نضع برامج مدققة جدا خارجة عن التخطيط الخماسي. فانتظار التخطيط الخماسي هو روتين يأتي من الحكومة، هذه كرامة من الله. ورزق ساقه الله إلينا. يجب أن لاننتظر إدخاله في التخطيط الخماسي. فإن نأخذ من التخطيط الخماسي العمليات التي فيه أو بعض العمليات فهذا شيء ضروري، ولكن علينا أولا أن نستثمر في البناء... البناء الاجتماعي الكريم الذي لا يجعل الإبن أو البنت يكبر في جو من عدم الرضى عن مسكنه وعن جواره وعن بيئته، يجب أن نستثمر إذن في السكن.. السكن اللائق والكريم.
     ثانيـا : فك عزلة العالم القروي ببناء الطرق الثلاثية وتوفير الماء الشروب.
     وثالثـا: إعطاء الأولوية، كما كان ذلك من ذي قبل للري والسدود.
    ورابعا : النظر في خلق شبكة قوية للصيد البحري، تمكن أولئك الذين يصطادون في الشواطئ أو غير بعيد عن الشواطئ أن يكونوا سلسلة من المدن الساحلية.
     خامسا: بناء الطرق السيارة، تلك الطرق التي هي بمثابة الشرايين للجسد، وهلم جرا.
     وكيف سيمكن لكل مليار أن يضاعف نفسه ثلاث مرات؟ السر هنا واضح.
     يجب على الدولة أن تكون نواة صلبة، وأن تشرك معها الخواص، فالنواة الصلبة سوف تكون دائما مكونة من مؤسسة عمومية أو مكتب من المكاتب الاقتصادية التي لها القوة والدراية. وستجمع حولها الخواص والشركات المغربية والأجنبية. لأن تلك الشركات الأجنبية حينما تستثمر أموالها هنا سوف تريد أن تربح، ويتواصل ربحها، فيجب أولا اختيار المجالات الاقتصادية والاجتماعية التي تخلف بنفسها لنفسها ما يجعلها قادرة على النمو والتنمية، وثانيا اختيار البرامج، وثالثا وضع نواة صلبة لإشراك الخواص معها. ولمضاعفة هذا القدر ثلاث أو أربع مرات.
     شعبي العزيز- إن ما أقوله لك كان حلما وكان أمنية، وأصبح اليوم حقيقة، وعلينا أن نحمد الله عليها، وفي القريب إنشاء الله أي في سنة 2000 ولا يفصلنا عن سنة 2000 إلا ستة أشهر. وربما قبل ذلك سوف ترى بنفسك. شعبي العزيز، بلدك يهتز طربا وعملا وبناء وتشيدا وافتخارا وآمالا وسوف ترى كذلك- شعبي العزيز- العاطلين مشتغلين، وسوف ترى في كل ناحية من نواحي المغرب القاصية منه والدانية الأعمال والأوراش والمال مثل الماء يجري من هنا إلى هناك. إن الأموال عندنا في المغرب راكدة، والأبناك تكتظ بالأموال، وهذا مرض من الناحية المالية؛ مرض خطير في كل بلد إذا كان المال يكتظ في الأبناك، فالآن ستجد الأبناك فرصة سانحة معقولة اقتصادية ومالية لأن تخرج ذلك المال، فيكون هناك رواج، هناك «بايع شاري» كما يقول الناس، وهنا سوف تأخذ الدولة نصيبها من خلال الضرائب التي ستأخذها من هنا ومن هنا ومن جميع الخدمات التي ستتسع وستتغير وستتنوع.
     هذا- شعبي العزيز- مع ما حققناه بالنسبة للشباب ومع ما أعدكم بإنجازه في ثلاث سنوات بالنسبة للفائض الذي تراكم علينا فيما يخص تشغيل الشباب، وما أعطانا الله سبحانه وتعالى من خيرات في هذه المقاولة، وما در علينا من ملايير الدراهم، وسوف نرى إنشاء الله- شعبي العزيز- في أقرب وقت ممكن الدنيا بألوان أخرى، وسوف تتسع الآفاق أمامنا إتساعا يليق بماضينا ويطابق مطامحنا، وسوف نطمئن على فلذات أكبادنا وعلى الأجيال الصاعدة.
     إن الله سبحانه وتعالى لا يخيب من رجاه، ولا يخيب بالأخص من توكل عليه وعمل، قال النبي (ص) : «إعقلها وتوكل»، فنحن على الله نتوكل، ومع التوكل عليه سبحانه وتعالى سنعمل (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here