islamaumaroc

كان جلالة الحسن الثاني رضي الله عنه أمة وحده. [افتتاحية: انتقال العرش...]

  عمر بنعباد

346 العدد

     في عشري غشت من كل سنة، ومنذ ثلاث وخمسين وتسعمائة وألف (1953م)، يعيش المغرب ذكرى وطنية مجيدة، ويخلد مناسبة جليلة مهيبة، راسخة في ذاكرة الشعب المغربي وحياته الجهادية، مدونة بمداد الفخر والاعتزاز في تاريخه الحافل بالأمجاد العظيمة، والملاحم النضالية، إنها ذكرى ثورة الملك والشعب، التي تجسم بدورها مدى الارتباط القوي المتين، والتلاحم المتأصل المكين بين العرش العلوي المجيد، وشعبه الأبي الوفي الكريم، وتشخص تلك الملحمة الكبرى ، والانتفاضة العارمة المثلى، الذي خاضها المغرب بقيادة عاهله الملك الشهم الهمام، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه ونور ضريحه، وأقدم عليها من أجل التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار، وتمتيع بلده بالسيادة الكاملة ونعمة الحرية والاستقلال.
     وهي مناسبة عظيمة، وذكرى وطنية جليلة، كان جلالة المغفور له محمد الخامس بعد العودة المظفرة مع أسرته الملكية من المنفى يلقي خلالها خطابا ملكيا ساميا يوجهه إلى الشعب المغربي الذي كان يتوق إلى سماع صوته وخطابه الملكي السامي، ويتطلع إليه بكل عناية واهتمام، ويتحمس بكل شوق وشغف إلى ما يرد فيه من منجزات عظيمة تحققت ومن منشآت ومشاريع أخرى في طريق التحقق والإنجاز، ويأتي به من مطامح كبيرة وآمال عريضة متفتحة على المستقبل بنظرة فاحصة، متفائلة مستبشرة، وإلى ما يتضمنه ويحتويه ذلك الخطاب السامي من أفكار سديدة، وتوجيهات نيرة، ودرر غالية، ونصائح ثمينة حكيمة في مختلف مجالات الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الميادين الحيوية للأمة المغربية.
     وهي السنة الحميدة الطيبة التي سار عليها خلفه البار، ووارث سره المغوار، أمير المومنين جلالة الحسن الثاني منذ أن ولاه الله مقاليد الأمور في هذا البلد المغرب الكريم، وكان شعبه الوفي ينتظر في هذه السنة ذلك الخطاب الحسني السامي كالعادة، ويتوق ويتطلع إليه بكل شوق وأمل، وشغف واهتمام، لولا أن القلم جرى بما سبقت به الأقدار، فوافاه الأجل المحتوم على كل إنسان، وأسلم الروح إلى بارئها راضيا مطمئنا قبل أن يستمع شعبه الوفي مرة أخرى إلى كلماته الذهبية ودرره الغالية، وتوجيهاته النيرة الحكيمة.
فمساء يوم الجمعة 9 ربيع الثاني 1420هـ (موافق 23 / يوليوز – 1999 م) فوجئ المغرب ومعه العالم العربي الإسلامي والدولي بذلك الخبر المفجع الأليم، والنبأ المحزن العظيم، الذي لم يخطر لأحد بالبال، أو يرد له في الحسبان، أو يتوقع حدوثه بالذات في ذلك اليوم من الأيام، إنه خبر وفاة الأب الحنون للشعب المغربي الكريم، ملكه العزيز، وعاهله الحبيب، فقيد العرب والمسلمين، أمير المومنين جلالة الحسن الثاني قدس الله روحه، ونبأ انتقاله إلى جوار ربه الرحيم في دار النعيم المقيم، مشمولا بعفو الله ومغفرته، وواسع رحمته ورضوانه، وقوله المبين في شأن عباده المومنين الصالحين، ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).
     فقد غاب عن هذه الدنيا وحياتها العاجلة إلى تلك الدار الأخرى وحياتها الآجلة الخالدة أبو الأمة المغربية، ورائدها الملهم، وقائدها المظفر، وحكيمها الموفق، وزعيمها المحنك، وحبيب العرب والمسلمين في كل بلد ومكان، جلالة الحسن الثاني رضوان الله عليه، وأسكنه فسيح الجنان، فكان نبأ وفاته حدثا مفاجئا ومحزنا، وخبره مؤسفا ومفجعا، وخطبه جسيما مؤلما، ومصابه جللا ومذهلا، تأثرت له القلوب، وحزنت له النفوس، وذهلت له العقول، واهتزت له المشاعر النفسية والعواطف الإنسانية، وفاضت له العيون بالبكاء، وانهمرت بالدموع تتنفس بها الصعداء، وتكشف عما يختلج في النفوس ويتأجج في الوجدان من أثر الفاجعة العظمى، والصدمة الكبرى، وخرجت جماهير الشعب المغربي، في عفوية وتلقائية صادقة، وعواطف جياشة مخلصة، وعيون دامعة إلى شوارع المدن والقرى، رجالا ونساء، شيبا وشبابا، كبارا وصغارا، تبكي فقدان ملكها الراحل إلى جوار الله، ويعزي بعضها بعضا، وتعرب بلسان حالها ومقالها عن تعازيها الحارة للأسرة الملكية الشريفة وعلى رأسها ولي العهد المبجل، صاحب الجلالة والمهابة الملك سيدي محمد السادس نصره الله وأيده، وتفصح عن بيعتها الشعبية المتجددة لجلالته، وعن استمرار ولائها وإخلاصها ومكين حبها وتعلقها بأهذاب العرش العلوي المجيد، وراحت جماهير الشعب في تلك الحال المؤثرة واللحظات الحزينة المؤلمة تجأر إلى الله تعالى، وتضرع إليه سبحانه أن يلطف بها فيما حل بها من مصاب جلل، ونزل بها من قضاء وقدر، في وفاة عاهلها العزيز وملكها الحبيب، الذي استقر عرشه في سويداء القلوب، وسكنت محبته في أعماق النفوس، وتتوجه إلى بيوت الله ومساجده لتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، وقراءة سلك وختمات من القرآن المبين، وإهداء ثوابها لروحه الطاهرة، ونفسه الطيبة المطمئنة، وترفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير أن يتغمد ملكها الصالح المصلح، فقيد المغرب والعرب والمسلمين بسابغ عفوه ومغفرته، ويشمله بواسع رحمته ورضوانه، ويسكنه فسيح جناته مع المقربين المرضيين عنده سبحانه ممن أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
     كان ذلك كله في صبر وثبات، وإيمان ويقين، بأن الأمر أمر الله، وأن القضاء قضاؤه وقدره المحتوم على كل إنسان، وفي رضى وتسليم بأن الله سبحانه وتعالى يظهر في كونه وملكه ما يشاء، ويحكم في خلقه ما يريد، فله الخلق والأمر، ناصية الخلق بيده، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، والرضى بقضاء الله وقدره، والتسليم لأمره وحكمه، والصبر على ذلك بإيمان واطمئنان من شأن المسلم المؤمن بربه وقضائه، ينال عليه ما يناله من كبير الأجر وعظيم المثوبة، ورفعة الدرجة وعلو المكانة والمقام عند الله تعالى، مصداقا لقوله سبحانه،( كل نفس ذائقة الموت)، وقوله: ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) وقوله: ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
     ولا غرو يكون لتلك الوفاة المفاجئة، وفقدان الملك الراحل جلالة الحسن الثاني رضوان الله عليه، ذلك الأثر البالغ الشديد، والواقع المحزن الأليم في نفوس الشعب المغربي الوفي، وفي العالم العربي والإسلامي أجمع، وأن يأخذ الجم الغفير من أفراد هذا الشعب الأبي العطوف، المتفاني في حب ملكه وعرشه، المخلص في ولائه وبيعته وطاعته، وأن يقبل العدد الوفير من ملوك ورؤساء الدول الإسلامية والصديقة في التوجه نحو عاصمة المملكة المغربية، وأن تتوارد عليها الوفود تباعا من كل جهة لتعزية ولي العهد المبجل، والأسرة الملكية، ومواساة الشعب المغربي، ومشاركته الحزن والألم في هذا المصاب الجلل، ولإلقاء نظرة الوداع على الجثمان الحبيب الطاهر، وتشييعه إلى مرقده ومثواه الأخير بضريح وجوار والده المنعم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، في موكب جنائزي عظيم، ومشهد مؤثر رهيب، لم يسبق له في تاريخ المغرب نظير، ولا شوهد له في ظرفنا المعاصر مثيل، وفي خشوع بالغ وتأثر كبير، يصدق فيه قول الشاعر :
كــذا فليـجل الخطب و ليــفـدح الأمر
                    فلـيس لـعـين لـم يفض مــاؤها عـــــذر
لا عجب ولا غرو في كل ذلك، فجلالة الملك الحسن الثاني رضوان الله عليه ليس بالرجل و الإنسان العادي بالنسبة لبلده وشعبه، وبالنسبة للعالم العربي والإسلامي وأمته، وللدول والشعوب الإنسانية جمعاء.
فهو بالنسبة لبلده وشعبه وشعبه متزعم الحركة الوطنية إلى جانب جلالة والده، والأحرار من أبناء شعبه طيلة سنوات الكفاح والنضال الوطني لتحرير المغرب واستقلاله، وهو عاهل الأمة المغربية ورائدها الملهم، وقائدها المظفر، وحكيمها الموفق، على مدى ثمانية وثلاثين سنة، والمجسم لاستمرار العرش العلوي المجيد، خلفا لوالده المنعم جلاله المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، و جعل الجنة مقامه و مأواه.
وهو رمز الأمة والسيادة والكرامة المغربية، والعزة والمناعة الحصينة، وضامن الاستقرار والطمأنينة، ومحقق الحرية والوحدة الترابية والوطنية، وداعية السلم الاجتماعية، وحامل مشعل السلام بين الشعوب والأمم، وهو أمير المومنين، ومجدد أمر الدين، ورائد البعث الإسلامي، ومشيد صرحه ومعالمه، وحامي حمى الوطن في هذا البلد المسلم الأمين.
وهو صانع أمجاد المغرب الحديث، ومرسخ أركان دولته الإسلامية العظيمة، ومنشئ مؤسساته الدستورية، وواضع معالمها الديموقراطية، وباعث نهضته الثقافية والاجتماعية والحضارية، ومخطط مسيراته التنموية والاقتصادية، ومبدع معجزة القرن المسيرة الخضراء المظفرة، ومحرر الصحراء المغربية وأقاليمها الجنوبية، وهو الملك المثالي الشهم الهمام، الصالح المصلح، المجاهد المصابر، المكافح المناضل، العالم المشارك، والمفكر المتبصر، والمثقف الواعي المتنور المتفتح، راعي العلم و العلماء، المحب لأهل الفضل والخير، المعتني بالأرامل و الأيتام، الرحيم بالضعفاء والفقراء والمساكين، الساهر الأمين على المقدسات والحرمات الدينية، على إقامة الشعائر الاسلامية، المحافظ على الثوابت والمقومات الوطنية، المشخص للتقاليد المغربية الأصيلة المرعية، الحريص على جمع الشمل والكلمة للأمة المغربية، واتحادها حول المصلحة العليا للدين والوطن ولأمة الإسلام، وعلى أن يكون من المشمولين بقول رب العالمين في هداية و توفيق عباده الأبرار المجاهدين (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن لله لمع المحسنين)؛ وقوله عز وجل :(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلهم في الصالحين).
وجلالة الحسن الثاني رحمه الله بالنسبة للعالم العربي والإسلامي والدولي شخصية إنسانية عالمية، عظيمة بجميع مقاييس العظمة الإنسانية، وعبقرية فذة نادرة بكل مفاهيم العبقرية البشرية، ومدلولاتها الجلية، ومعانيها الجامعة لخصال الذكاء والنبوغ والصفاء والنباهة، الموهوبة منها والمكتسبة، ريادة فريدة بخصوصياتها الذاتية والموضوعية والمنهجية، بارزة بمبادرتها الحازمة الموفقة على مختلف الأصعدة، والمجالات الداخلية والخارجية، متميزة بما تمتلكه وتختزنه في فكرها الثاقب وذاكرتها الحافظة من ثقافة واسعة، وتحصيل معارف شمولية متنوعة ومتجددة، وتجيده من علوم إسلامية أصيلة، ولغة عربية متينة رفيعة، وتتقنه من لغات حية متعددة، وعلوم إنسانية قديمة وحديثة، وتستوعبه من أحداث عالمية ماضية وآنية، وقضايا عربية وإسلامية ودولية شائكة، وتراه في شأنها من آراء حصيفة، وحلول صائبة ناجعة، وتحمله من نظريات فكرية خصبة وسياسة رشيدة متفتحة، وترعاه وتدافع عنه بكل إيمان وحزم، وثبات وصبر ونفس طويل، من تثبيت الحقوق المشروعة للإنسان دينا وتشريعا، تقنينا وتنظيما، وترسيخها في السلوك تربية ومنهجا، قولا وعملا.
     وهو رمز العمل المتواصل دون كلل ولا ملل، لمعالجة القضايا العربية والإسلامية المستعصية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، والقدس الشريف، والمسجد الأقصى المبارك، بوصفه رئيسا للجنة القدس الشريف، وحامل الاهتمام الدائم بأمر التصالح والتكامل والتعاون بين جميع دول وبلاد العرب والمسلمين، وإيجاد أرضية صلبة لتحقيق ذلك والتوفيق بينهم في بعض البلاد والجهات التي تتأرجح فيها نار الخلافات والحروب، والفتن والاقتتال، وتضيع فيها قدرات وكفآت بشرية، وتهدر فيها طاقات مادية ومعنوية، هم في أمس الحاجة إليها وإلى توجيهها الوجهة السليمة النافعة للإسلام والمسلمين.
     وهو رجل السعي المتواصل من جلالته رحمه الله في توسيع دائرة التسامح بين الناس مع بعضهم البعض في العلاقات الإنسانية والمعاملات اليومية، وبلورة التسامح الديني بين أهل الديانات السماوية، وتركيز دعائم السلام العالمي بين الدول والأمم والشعوب، وغرس روح التعايش والتعارف السلمي بين عامة الناس وأجناس البشر، باعتباره مبدأ من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، والاقتناع بفائدة ذلك وجدواه على مستوى العلاقات الثنائية بين المغرب والدول العربية والإسلامية والإفريقية والعالمية، وبين الدول العربية والإسلامية مع بعضها، ومع غيرها من بلاد وشعوب العالم الواسع الآفاق والأرجاء، انطلاقا مما يدعو إليه القرآن الكريم بقوله تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
     وبذلك كله وبغيره من السمات البارزة والخصال الإنسانية الحميدة تجمع في شخص جلالة الحسن الثاني قدس الله روحه ونور ضريحه، وفي فكره الثاقب المتنور وتبصره النافذ، ما تفرق في غيره من الناس من نوابغ الدهر وعباقرة الزمن، ومن قادة وحكماء العصر، فجمع العلم وسلامة الفكر وبعد النظر، ورحابة الصدر وسعة الأفق ودقة التبصر والحكمة، وصدق الحدس وفراسة المومن، والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثوابت والحداثة، واستجمع مكارم الأخلاق الإسلامية، ومحاسن الفضائل الإنسانية، وتميز بذلك كله وبغيره من المحامد والمزايا، وبرز به في تاريخ المغرب: القديم والحديث، وانفرد به بين ملوكه العظام، المجاهدين الأبرار عبر مختلف عهوده الزاهرة المشرقة، وبين قادة العالم العربي والإسلامي وأمته المجاهدة، وبين قادة وزعماء الإنسانية المعاصرة، فكان بذلك جلالة الحسن الثاني رضوان الله عليه أمة وحده، وشخصية عظيمة فذة، وموسوعة فكرية متنوعة الجوانب والمباحث، ومنبعا ثرا غزيرا ،وكنزا غنيا ثمينا، سيظل مجالا رحبا للباحثين وميدانا فسيحا للدارسين والمثقفين والمفكرين على مدى الأيام وتعاقب الأجيال والسنين، وشخصية فذة يجود الزمان بمثلها، أويأتي بشبهها ونظيرها، كما تحدث عنه بذلك، وشهد له به كل من عاصره وعايشه في فترة حياته الزاخرة المعطاء من وزراء وموظفين سامين، وطيلة حقبة مديدة حافلة، واتصل به أو عرفه من قريب أو بعيد من ملوك ورؤساء وقادة العالم العربي والإسلامي والدولي، ومن شخصيات العلم والفكر والسياسة والاقتصاد، والثقافة والفن، ورجال الأدب والقانون والتاريخ والاجتماع من أبناء هذا الوطن المغربي المخلص الوفي لملكه ولعرشه، وغيرهم من قادة وساسة ومفكري ومثقفي العالم المعاصر، فعلى جلالة الحسن الثاني بما جمعه من مناقب ومكارم، وخصال حميدة، وحققه لبلده وأمته من عظيم المنجزات والمنشئات الخالدة، يصدق قول الشاعر :
                     حلـف الــزمــان ليــــأتين بمثلــه
                                       حنثـــت يمينــك يـا زمــــان فكفـر
     وإذا كان الله جل جلاله قد نفذ قضاؤه وقدره، فاستأثر بعبده الصالح المصلح جلالة الحسن الثاني رضوان الله عليه، واختاره سبحانه إلى تلك الحياة الآخرة، وإلى عنده من السعادة الأبدية التي هي خير وأبقى للعباد المومنين المتقين، فغاب بذلك عنا هذا الملك المحبوب، وتوارى عنا بحجاب الثرى شخصه الجذاب، واختفى عنا وجهه المشرق الوضاء، وافتقدنا بشره وتبسمه المعهود الأخاذ. وكان لرحيل جلالته عنا وعن هذه الدنيا ما كان من الحزن والأسى والتأثر الكبير والألم الشديد في نفس شعبه المغربي الوفي الذي كان يتمنى فداء ملكه العزيز بالمهج والأرواح، ولم يكن يسعه في ذلك إلا أن يسلم الأمر لله، ويرضى بقضائه وقدره المحتوم على كل إنسان، ويتحلى بالصبر والسلوان، المطلوب من المسلم في مثل هذا الموقف وفي هذه الحال، فإنه لم يغب عن بلده وشعبه بجليل أعماله، وعظيم منجزاته، وخلود مواقفه، ووفير عطاءاته، وحصافة رأيه وفكره، وسعة أفقه وبعد نظره، فهو بكل ذلك حاضر معنا، خالد بيننا، ساكن في قلوبنا ونفوسنا، راسخ الصورة في عقولنا وأذهاننا للملك الإنسان، بما جمعه من حكمة السياسة ومحامد الخصال، وبما أوضحه لأمته من مناهج الأعمال، في الحياة الخاصة، والعامة للأمة، وتركه من توجيهاته النيرة، ودرره الغالية، وخطبه ورسائله الملكية السامية التي كان يوجهها جلالته إلى المنظمات والمؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية التي كانت تعقد داخل المملكة المغربية وخارجها حول القضايا الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحول القضايا العربية والإسلامية الكبرى، وفي مقدمتها قضية تحرير القدس الشريف، والمسجد الأقصى المبارك، وتوحيد الصف العربي وجمع شمل العالم الإسلامي لما فيه خير البلاد الإسلامية، وشعوبها المؤمنة جمعاء.
     وهي أعمال وتوجيهات تعتبر بحق نبراسا منيرا، ومصباحا مضيئا، وسراجا وهاجا، وأضاءت جميعها في حياته معالم الطريق المثلى لشعبه وللكثير من شعوب وقادة الأمم، ونضيئها لهم بعد التحاقه بربه راضيا مطمئنا، في كل ميدان، وتنيرها لهم في كل سبيل ومجال مما يعتبر رصيدا ثمينا وهائلا من السمعة الطيبة والمكانة التقديرية المتميزة للمغرب لدى دول وشعوب العالم بأسره ينبغي الحفاظ عليه، والعمل على إنمائه واستثماره على مختلف الأصعدة لمواجهة المتطلبات والتحديات الآنية والمستقبلية في مطلع الألفية الثالثة، وتحقيق المزيد من التقدم والازدهار والنهضة الشاملة للأمة في كل الميادين، بكل إيمان وثبات وصمود ويقين وعزم وحزم واستعانة بالله رب العالمين.
     كما ترك جلالة الحسن الثاني رحمه الله مع كل هذا لشعبه المغرب المسلم ولأمته الإسلامية ما تركه لهم جده المصطفى الرسول الأكرم نبينا سيدنا محمد (ص) من التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه ورسوله الأمين، والاعتصام بالله وحبله المتين، والتحلي بمحبة آل النبي، وذريته الطيبين الطاهرين، والاقتداء بالصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، حين قال نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلوا أبدا، كتاب الله، وسنتي» وفي رواية أخرى صحيحة : « تركت فيكم أمرين: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما...».
     وإلى جانب تلك المنجزات العظيمة ، والأعمال الجليلة والنصائح والتوجيهات النيرة التي حققت في العهد الزاهر الميمون لجلالة الحسن الثاني رضوان الله عليه، وخلدت في صالح الأعمال ذكره بين العباد الصالحين الخالدين، فإنه ترك لشعبه الوفي ولأمته المسلمة خلفه البار، ووارث سره المفضال، ولي عهده المحبوب المبجل، الملك الشاب الألمعي الهمام، أمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين، سليل الدوحة النبوية الطاهرة، وفرع الدولة العلوية الشريفة، جلالة محمد السادس، المنصور بالله، والمؤيد بحوله وقوته وعونه وفتحه المبين، والذي نشأ وترعرع في كنف جلالة والده، وتربى وتثقف في أحضان مدرسته الحسنية المتميزة، وتكون فيها تكوينا متينا جامعا بين العلوم الإسلامية والإنسانية، وموفقا بين الأصالة والمعاصرة والحداثة، مما أهله لأن يكون ولي عهد جلالته، وفي حياته ورائد أمته وشعبه من بعده، ولأن يخلفه في الإمامة العظمى، والمسؤولية الكبرى وأمانة الخلافة في الملك، واستمرارية العرش العلوي المجيد، وإمارة المومنين في شخصه الكريم بهذا البلد العزيز المغرب القوي الأمين، فبايعه أهل الحل والعقد من الأمة، وبايعه الشعب المغربي بأكمله رجالا ونساء، شيبا وشبابا، وبكيفية تلقائية، وعواطف جياشة ومشاعر صادقة مخلصة في شخص من حضر ذلك المشهد الجنائزي العظيم، ومثل بقية الملايين من أفراد هذا الشعب الوفي الكريم، وفي مظهر الاستقبالات الحارة، والحفاوة البالغة والهتافات المخلصة التي يلقاها جلالته أينما حل وارتحل، تلك البيعة الشرعية التي هي أساس نظام الخلافة والحكم في الإسلام، ورباط مقدس بين الراعي ورعيته، وعهد وثيق ديني واجتماعي أصيل بين الملك وشعبه، يعتبر الالتزام به والوفاء به والحفاظ عليه من الدين، ومن شأن العباد الأوفياء المخلصين، ومن دأب الأتقياء الصادقين، وبعد استمرار لبيعة الرضوان من الصحابة لنبيه المصطفى الأمين، ولما سار عليه بعده صحابته من الخلفاء الراشدين، ومن اقتفى أثرهم وسار على نهجهم من خلفاء وملوك أمة الإسلام، تلك البيعة التي زكاها الحق سبحانه وأثنى على أهلها بقوله المبين : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما)، ورتب عليها سبحانه وجوب الطاعة لأولي الأمر في الإسلام بقوله الحكيم : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وبقوله النبي صلى الله عليه وسلم : في حديثه الصحيح : «ورتب على تلك الطاعة لله ولرسوله الفوز والفلاح والسعادة الفردية والجماعية في الدنيا والآخرة لعباده المومنين، مصداقا لقوله المبين : (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون).
     فرحم الله جلالة الملك الحسن الثاني برحمته الواسعة، ونور الله قبره وضريحه برضوانه ومغفرته الشاملة، وطيب ثراه، وبرد مضجعه وجعل جنة الفردوس مقامه ومأواه، وجازاه عن شعبه وعن المسلمين خير ما جازى به عباده المومنين الصالحين، ورفع قدره في أعلى عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
     وبارك الله في خلفه ووارث سره، ولي عهده المبجل، سبط النبي الأمين، أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين جلالة سيدي محمد السادس، وأمده بنصره وتأييده المكين وعونه وفتحه المبين، وجعل السداد والتوفيق حليفه في كل ما يصبو إليه من خير وتقدم وازدهار لشعبه الوفي المتعلق بأهداب عرشه العلوي المجيد، وأقر الله عينه وشد أرزه بصنوه وشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد، وحفظه الله في كافة أسرته الملكية الشريفة، ومتعه بموفور الصحة والعافية والهناء، وأجزل الله الخير على يديه للعرب والمسلمين.
     ورحم الله رائد التحرير والاستقلال، وفقيد المغرب والعروبة والإسلام، جلالة محمد الخامس، وطيب الله ثراه، وأكرم مثواه ونور ضريحه، وأغدق عليه شآبيب المغفرة والرحمة والرضوان، ومتعه بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم المقيم. وجعل البركة والخير واستمرار هذا العرش العلوي المجيد في ذريته وعقبه إلى يوم الدين، إنه سبحانه سميع مجيب وولي الهداية والتوفيق، ونعم المولى ونعم النصير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here