islamaumaroc

الضوابط الشرعية لأحكام الأطعمة في الإسلام

  علي جمعة محمد

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه
    وبعد، فالطعام له مفهومه وضوابطه التي تؤدي إلى حل بعضه وحرمة بعضه الآخر، والله سبحانه وتعالى قد بين للبشر ما يحل لهم أكله وتناوله، وما يحرم عليهم، وفي هذا البحث محاولة لوضع الضوابط التي يمكن بها أن نتعامل مع هذه القضية بعلم وفهم وإدراك.

   *مفــهوم الطـعـــام :
كلمات « طـعـام » في لغة العرب اسم جامع لكل ما يؤكل(1) أو يذاق، وعلى ذلك يطلق الطعام على ما يمضغ، وعلى ما يشرب، وعلى ما اختص به البشر، وما اشتركوا في تناوله مع الحيوان، وما اختص به الحيوان أيضا، ومن هنا كان تقسيم الطعام إلى أقسام مختلفة من مداخل مختلفة أمرا مفيدا كما سنبينه في هذا المبحث.
   ولقد ورد إطلاق لفظ الطعام على الماء كما في حديث ابن عباس- رضي الله عنه – في بئر زمزم:
« إنها طعام طعم وشفاء سقم »، أي يشبع الإنسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام.
     وأهل الحجاز قديما كانوا إذا أطلقوا لفظ الطعام عنوا به القمح خاصة، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «كنا نخرج صدقة  الفطر صاعا من طعام أو صاعا(2) من شعير». قيل: أراد بالطعام هنا البر أي القمح خاصة.
    ولقد وردت مادة (ط ع م ) في القرآن الكريم 48 مرة بصيغها المختلفة، منها 18 مرة « طعام » بالرفع ومرتان بالنصب، وخمسة بالإضافة: طعامك، و طعامه.
    والمتأمل فيما ورد في القرآن الكريم من استعمال لفظ الطعام يجد أنه استعمله في المأكول فقط،  و يشير إلى ذلك آية: ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه)، (3) حيث فرق بين الطعام وبين الشراب، وقوله تعالى: (فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)، (4) حيث جعل الإطعام رديفا للأكل، وقوله سبحانه:(فلينظر الإنسان إلى طعامه)،(5) حيث أخذ في وصف إنبات النبات والزرع بعدها وصفا للطعام، وهكذا، على أنه استعمل الفعل بمعناه اللغوي الذي يشمل الشراب في قوله سبحانه: (ومن لم يطعمه فإنه مني)، (6) على أن ورودها في السنة ولغة العرب إنما وقع بالمعنى الواسع، كما قدمنا. 

   *أقسام الطعام:
   والمتأمل في الطعام يجده على أربعة أنحاء:
 * قوت: وهو ما يصلح لأن يقوم به جسد الإنسان فيما لو اقتصر عليه.
 * إصلاح: وهو ما يصلح الطعام ويعطي له نكهة تجعله أحسن مذاقا، مثل: البهارات والتوابل والملح.
 * فاكهة: وهي ما يفتكه به الإنسان ويتزين في طعامه، وهو معنى أوسع من معنى الفاكهة اللغوية بل والعرفية، فليست قاصرة على النباتات المصنفة زراعيا تحت الفاكة، بل كل ما يقابل فواتح الشهية والحلوى والمشروبات بعد الطعام والفاكهة إلخ..
* دواء: وهو ما يتناول بقصد العلاج والتغلب على الأمراض.
والطعام أيضا يمكن تقسيمه إلى:
أ - طعام مختص بالإنسان، وهو ما لا يتناوله إلا الإنسان ويصنع له مثل الشيكولاته والحلويات راقية الصنع.
ب - طعام مختص بالبهائم، مثل: العشب والتبن.
ج – وطعام مشترك بين الإنسان والحيوان: وهو أقسام ثلاثة:
1 – ما غلب في استعمال البشر مثل الفول والسكر.
2 – ما تساوى بينها في الاستعمال، مثل: الذرة والشعير.
3 – وما غلب في استعمال الحيوان مثل بعض الأعشاب التي تستعمل كدواء للبشر.

*محرمات الأطعمة:
والمحرمات في الشريعة الإسلامية التي يحرم تناولها هي:
1 – مذهبات العقل: الخمور والمخدرات.
2 – السموم: التي يغلب عليها القتل.
3 – النجاسات: الدم – البول - البراز– الميتة – الخنزير.
4 – المستقذرات: حتى ولو كانت طاهرة مثل البصاق، والمني عند من قال بطهارته، والدموع والعرق والإفرازات المختلفة التي يفرزها الجسد الإنساني.
    ونرى أن هذه الأقسام علل للتحريم أيضا، فالحفاظ على العقل مقصود للشرع، وبه يتم عبادة الله وعمارة الدنيا، والحفاظ على النفس من مقصود الشرع لأن إهلاك النفس محرم، والحفاظ على الدين  بالبعد عما حكم عليه بأنه نجس من مقصود الشرع، والحفاظ على آدمية الإنسان بالبعد عن المستقذرات واجب ومن مقصود الشرع.
    وهي بذلك تشمل:
  1 – الجمادات: الخمر – الدم – البول.
  2 – النباتات: النباتات السامة والمخدرة.
  3 – الحيوان: الميتة، والأسماك السامة، والخنزير.
وعليه فبعض المحرمات نجسة وبعضها طاهر، حيث يحرم تناول أشياء أخرى غير النجاسة على ما قدمنا.
   ونختار هنا تقسيم التناول إلى جانب الحيوانات والنبات والجماد من خلال علل التحريم: ذهاب العقل وذهاب النفس، والنجاسة، والاستقذار، والغرض هنا للمحرمات من خلال علل تحريمها على هذا التقسيم:  

  أولا – الحيوان:
 والحيوان منه محرم بالنص وأجمع المسلمون على تحريمه وهو:
• - الميتة: وهي كل حيوان حلال الطعام أصلا فارقته الروح من غير ذكاة شرعية ما عدا ميتة السمك وميتة الجراد فإنهما حلال باتفاق.
والذكاة الشرعية هي: إنهار الدم وذري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه مقرونا كل ذلك بالقصد لله، ويسمي العلماء قطع الحلقوم والمريء» والودجين من الحيوان مأكول اللحم بالذبح الاختياري وذلك في مقابل الذبح الاضطراري الذي هو العقر في حيوان وحش عجزنا عن إمساكه وأخذه، وهذا النوع يتم قتله ويحل أكله ما دام قد توافر فيه الشرطان أنه وحشي وأنه غير مقدور عليه فإن قدرنا عليه وجب الذبح الاختياري.(7)
• كيف يتم الذبح :
 إذن، فكيف يتم الذبح و ماذا يرى علماء المسلمين في ذلك؟
   بعدما اتفقوا على أن قطع الحلقوم والمريء والودجين يحقق بصورة كاملة الذبح الشرعي، اختلفوا ماذا يكفي في ذلك: أي ما أقل ما يحقق الذبح الشرعي ؟ على التفصيل الآتي:
  فقال الإمام مالك – رضي الله عنه:
   إن الذبح لا يوجد شرعا إلا إذا قطع جميع الحلقوم والودجين من مقدم العنق، واشتهر في مذهبه أيضا الاكتفاء بقطع نصف الحلقوم وقطع الودجين، أو قطع نصف الحلقوم ونصف الودجين، ولكنه قول ضعيف يعمل به عند الضرورة القصوى خوفا من ضياع أموال الناس عند حدوث نازلة.
   وقال الإمام الشافعي – رضي الله عنه:
  الذكاة (الذبح) التي تجزي من الذابح أن يقطع الحلقوم والمريء، لاشيء دون ذلك – وتمامها قطع الودجين – ولو قطع الودجين ولم يقطع الحلقوم والمريء لم تكن ذكاة لأن الحيوان قد يحيى مع قطع الودجين، ولكن لا حياة بعد قطع الحلقوم والمريء، فلا تؤكل الذبيحة بدون قطع الحلقوم والمريء في الذكاة الاختيارية.
 * وقال الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه:
المعتبر في الذبح قطع الحلقوم والمريء – وعن أحمد في رواية أخرى أنه يعتبر مع الحلقوم والمريء قطع الودجين أيضا.
  ثم قال «المغني»: ولا خلاف في أن الأكل حلال بعد قطع الأربعة الحلقوم والمريء والودجين.
وقال أبو حنيفة – رضي الله عنه:
 محل الذبح الحلقوم والمريء والودجان – وحل المذبوح بقطع أي ثلاث منها – وهل يكفي قطع أكثر كل منها خلاف؟ وصحح البزلي قطع كل حلقوم ومريء وأكثر ودج.  
   وعلى هذه الأسس الملحوظة في المذاهب عند كل إمام حصل اختلاف في التطبيق على الحوادث التي تحصل، فمثلا:
   رجل  ذبح شاة (نعجة) من مقدم عنقها فقطع الحلقوم و الودجين ولم يقطع المريء، فهي حلال عند الإمام مالك و الإمام أبي حنيفة، و حرام عند الإمامين أحمد بن حنبل و الشافعي لعدم قطع المريء وهو شرط عندهما.
ولو ذبح بقرة فقطع الحلقوم و المريء وأحد الودجين كانت حلالا عند الإمام الشافعي و الإمام أحمد (في بعض الروايات عنه) و الإمام أبي حنيفة، و حرام عند الإمام مالك في قوله المعتمد لأنه يشترط قطع الودجين.
و لو ذبح أرنبا تحت عظم لحييه فانحازت(الجوزة) أو لم يقطع شيئا من مشتملات الرقبة بل قطع اتصال الرأس بالعنق فلا تأكل على قول في مذهب مالك، لأنه ذبح في الرأس، و محل الذبح العنق، فلو بقى حلقة من الحلقوم ناحية الرأس حلت بلا نزاع، و لو بقى نصف دائرة منه نحو الرأس فهي على الخلاف. و الظاهر أن الذابح لم يقطع محل الذبح، بل فصل محل الذبح من الرأس، و لكن مع التدقيق نجد أنه قطع الودجين فقط لأن الحلقوم ليس متصلا بالرأس وكذلك المريء.
   وعند أبي حنيفة أنه إذا انحازت كل الرقبة ولم يقطع من الحلقوم شيء فقط قطع الوريدين والمريء والحلقوم.
   وأما إن لم يقطع شيئا من الحلقوم ولا المرئ فلا تؤكل، وقيل تؤكل إذا كان الذبح فوق العقدة، لأنه قطع ثلاثة من العروق، وعند الشافعي وأحمد لاتؤكل (المغلصمة) لأنه لم يتحقق فيها قطع الحلقوم والمريء فإن تحقق حلت.
  ولو قطع الودجين والمرئ دون الحلقوم لا يحل عند مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل لاشتراطهم في الذبح قطع الحلقوم بالذات، وتحل عند أبي حنيفة لأن قطع ثلاثة من الأربعة يكفي في حل لحم الحيوان المذبوح.
 • الذبح من القفا:
   الذبح من القفا إن كان ابتداء عامدا وقطع العرقين المجاذيين للرقبة حتى وصل إلى النخاع فقطعه فهي حرام باتفاق، لأن العنق هو محل الذبح من العقدة إلى الصدر من الأمام لقول الرسول ص: «الذكاة ما بين اللبة واللحيين».
     فلو قطع عصا الرقبة ونفذ حد السكين في عظم الرقبة فقطع النخاع ثم قطع المريء والحلقوم والودجين فحكمها كالآتي:
   عند الإمام مالك وصاحبي الإمام أبي حنيفة لا تحل، وأكلها حرام، لأنه نفذ مقتلها بقطع النخاع، فهي في حكم الميتة، فلا تنفع فيها الذكاة والذبح.
   وعند الإمام أحمد بن حنبل، إن قطع القفا حتى وصل لمحمل الذبح وقطعه وهي حية فإنها تؤكل حتى ولو أطاح رأس أوزة أو شاة بسيف ناويا الذكاة فله أكلها حلالا.
   وقال الإمام الشافعي: ولو ذبحها من قفاها أو من أحد صفحتي عنقها ثم لم يعلم متى ماتت هل قبل قطع الحلقوم والمريء أو بعد؟ فإن علم حياتها قبل قطعهما حلت وإلا حرمت.
   وعند الإمام أبي حنيفة يكتفي في الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح، فلو وصل إلى الحلقوم والودجين وهي حية بقدر حياة المذبوح حلت، وعليه الفتوى عملا بالقاعدة «إن  كل شيء ذبح وهو حي أكل حلالا» لقوله تعالى: (إلا ما ذكيتم)، من غير تفصيل بين منفوذة المقاتل أم لا.
   وقد اتفق الجميع على أن الحيوان الذي يمكن أن يذبح أو ينحر إذا لم يذبح أو ينحر حتى مات فأكل لحمه حرام، وإذا لم ينحر حتى مات فأكل لحمه حرام، وإذا لم يذبح أو ينحر في العنق أو اللبة بل ضرب على رأسه أو في رأسه أو في قلبه أو في أي محل حتى مات فهو حرام وميتة.
   وبمثل هذا تقتل معظم حيوانات اللحم في أوروبا وفي أمريكا وفي غير البلاد الإسلامية، فلحومها فطيس وحرام ونجسة لأنهم يضربون الحيوانات الكبيرة كالثيران بآلة في المخ فتنخر ميتة، ويقصون حنجرة الحيوانات الداجنة بالمقص، أو ينتزعون الرأس عن العنق بأيديهم أو بأي شيء آخر، ويأكلون الدم المسفوح ولحم الخنزير وهو غالب لحومهم  يصنعون منه عدة أصناف وأشكال يدخلونها مطابخهم فينجسون أكلهم حتى غير اللحوم بدهن الخنزير أو بلحمه.
    وأما اليهود فلا زال بعضهم يذبحون لحومهم ذبحا مطابقا لشريعتهم في محل الذبح وهو مقدم العنق.
    ولا شك أن اختلاف الأئمة في اجتهادهم في طريقة الذبح نتج عن أحد أمرين:
    أولا : من حديث شريف استند إليه المجتهد.
    ثانيا : مما فهم أن ما يقطع يؤدي لسرعة موت الحيوان، وأن هذا هو ما عمله الصحابة.
    فهل لو طبقنا العلم الحديث (الطب الحيواني ) على أقوال الأئمة يمكننا أن نصل إلا أي الطرق أصلح لموت الحيوان ولطيب لحمه؟
1- هل قطع الحلقوم وحده يكفي لموت الحيوان تأكيدا أو يمكن أن يعيش معه.
2- هل قطع الحلقوم والمريء دون الودجين يكفي قطعا لموت الحيوان بسرعة، أو يتأخر موته لعدم قطع الودجين فيعذب.
3- هل قطع الحلقوم والمريء دون الودجين دون المريء يكفي لموت الحيوان بسرعة أو يتأخر موته لعدم قطع المريء فيعذب.
4- هل لو قطع العصبان المتصلان بقفا الرأس يكفي لموت الحيوان بسرعة مثل قطع الودجين مع أنهما يمكن أن يؤديا نفس مهمة إخراج الدم مثل الودجين.
5- هل قطع بعض الودجين وبعض الحلقوم وبعض المريء يؤدي ما يؤديه قطعهما، أو يتأخر الموت فيعذب الحيوان وهو ما يتحاشاه الدين الإسلامي وهو معنى الحديث «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة». 
   ويجيب د. عبد الحميد حسن عن ذلك بقوله :
       1- إذا قطع الحلقوم وحده فلا يكون موت الحيوان سريعا إذ أنه لا يموت إلا من المضاعفات التي قد تحصل له من إجراء القطع نفسه، ويثبت ذلك أننا إذا قطعنا حلقوما بطريق الجراحة فإنه يمكن أن يظل الحيوان في حياته الطبيعية ما لم يحدث مضاعفات أن تستعمل الفتحة التي أجريت بالحلقوم أو القصبة الهوائية لإدخال الهواء وخروجه، وتسمى هذه العملية الجراحية «قطع القصبة الهوائية»، وكثيرا ما تجرى  هذه العملية للإنسان والحيوان على السواء إذا كان هناك أمراض تعوقه عن التنفس عم طريق المسالك الهوائية العليا مثل الفم أو الأنف، وبذلك يمكن بقاء الحيوان أو الإنسان على قيد الحياة ونجاته من الموت بالاختناق.
  2-أما إذا قطع الحلقوم والمريء فإن الموت يتأخر تأخرا ملحوظا، وإذا حدث في هذه الحالة فيكون سببه الاختناق ودخول سوائل غريبة من الحلقوم إلى الرئة عن طريق القصبة الهوائية، مثل : الدم فتمتنع الرئتان عن تأدية وظيفتهما لامتلاء فجواتها بالسوائل بدلا من الهواء، وبذلك لا ينق الدم الذي بالجسم، وهذا طبعا في الحالات الاعتيادية،- أما في الحالات الجراحية فيمكن بقاء الحيوان حيا كما بينا في البند الأول.
3- ولو أننا قطعنا الحلقوم والودجين دون المريء فإنه يؤدي قطعا إلى موت الحيوان وبسرعة تقل شيئا بسيطا جدا عما إذا قطع معهما المريء، فإننا بهذا القطع نكون قد منعنا عن الجسم الهواء الذي يجدد به الدم بواسطة عملية التنفس، كما أننا أعطينا له فرصة كبيرة لنزف الدم من الجسم بواسطة قطع الودجين.
4-أما إذا قطعنا بعض الودجين وبعض الحلقوم وبعض المريء، فإن بعض ذلك يؤدي إلى موت الحيوان ولو أنه يتأخر بشيء لا يذكر، وليس هناك تعذيب للحيوان أما إذا قطع الودجين والحلقوم والمريء قطعا كاملا فإنه يكون أسرع لموت الحيوان، وقطع هذه الأعضاء الثلاثة هو أسرع لموت الحيوان، وفي أقل وقت ممكن، فلا يشعر بأي تعذيب تقريبا.
ومما يجدر ملاحظته أنه أثناء عملية الذبح يكون  موضع الذبح تقريبا عند الحلقة الغضروفية الثانية من أعلى، وإذا عللنا ذلك بالشرح نجد أن هذا المكان هو الذي يكون به القصبة الهوائية والمريء والودجان في مواضع متقاربة فتكون عملية الذبح سريعة لقرب هذه الأعضاء من بعضها.(8)
• الخنزير : 
       هو محرم، بنص القرآن في كل من سورة البقرة، (9) وسورة الأنعام، (10) وسورة المائدة، (11) وعلى هذا انعقد الإجماع، وهو محرم مطلقا بسائر أجزائه.
      ذكر ابن حزم في كتابه « مراتب الإجماع»: واتفقوا أن الخنزير، ذكره وأنثاه صغيره وكبيره حرام، لحمه وشحمه وعصبه ومخه وغضروفه ودماغه وحشوته وجلده حرام كل ذلك.(12)
      فلا يجوز أكل أي جزء من الخنزير، لحما أو جلدا أو شحما، أو أي جزء من بدنه، وهذا متفق عليه عند الأمة.(13)
     وليس هناك من قال بحله، لحما أو شحما، كما قد يتبادر للبعض من خلال رأي الظاهرية، فقد ذكر الظاهرية في كتبهم، إذ قالوا على لسان ابن حزم، فالخنزير كله حرام لا يخرج من ذلك شعره وغيره، حاشا ما أخرجه النص من الجلد إذا دبغ فحل استعماله.(14) وشن ابن حزم هجوما على من قال بحرمة الشحم بالقياس، أو الإجماع بل هو بالنص، أي الإجماع على نص التحريم كما في اللحم، والخنزير كله محرم، لكونه رجسا، والرجس حرام، واجب اجتنابه .(15)
• المهل به لغير الله :
الإهلال: رفع الصوت، يقال: أهل بكذا، أي رفع صوته، ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته، والمراد هنا: ما ذكر عليه اسم غير الله، كـ (اللات) و (العزى) إذا كان الذابح وشيا، و(النار) إذا كان الذابح مجوسيا، و(المسيح) إذا كان الذابح نصرانيا، و(عزير) إذا كان الذابح يهوديا.
وما ذكر على سبيل المثال، لا حصرا، ومما يدخل فيها، ما يقع من إهلال بأسماء الأموات عند قبورهم, فإنه مما أهل به لغير الله، فسبحان الله عما يشركون.
    و ذكر الفقيه الحنفي «ابن نجيم» فقال: «وصرح في البزازية من ألفاظ التكفير، أن الذبح للقادم من حج أو غزو، أو أمير، أو نحوه، يجعل المذبوحة ميتة».(16)
 • الموقوذة :
       هي التي تضرب بحجر، أو عصا، حتى تموت من غير تذكية، إذ الوقذ، من وقذ يقذ وقذا، فهو وقيذ، والوقيذ شدة الضرب، وفلان وقيذ، أي مشخن ضربا، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت، ثم يأكلونها.
• المتردية :
 هي التي تتردى من علو إلى أسفل، فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أوغيرها.
والتردي مأخوذ من الردى و هو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو ردها غيرها.
• الـنطـيحـة :
نطيحة على وزن فعيلة، بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية
• أكـيـلة السـبع :
      هو ما افترسه السبع، وهو ما كان ذا ناب، كالأسد والذئب، أو ذا مخلب من سباع الطيور، كالصقر والنسر، والمراد: ما أكل منه السبع، إذ كانت العرب تخلص الحيوان المفترس من قبل السبع، حال كونه يأكل منه، ثم يأكلونه، مع أنه ميتة، ودون تذكية، إلا ما يلحق منه قبل الموت فيذكى، آنذاك حلال أكله، نظرا لقوله تعالى: (إلا ما ذكيتم).
 • ما ذبح على النصب :
       النصب واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت (الكعبة) يذبحون عليها، ويعدون ذلك قربة، وقيل هي الأصنام.
      وكانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقيل من البيت، ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام، قال المسلمون للنبي (ص): « نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأنصاب»، فأنزل الله : (وما ذبح على النصب).(17)
     وقد لاحظت، أني لم أذكر«الدم»لأن هذه العين من المحرمات داخلة تحت المحرمات من السؤال والفضلات الحيوانية.
     وكذلك مما يلاحظ: أن ما ذكر من محرمات الحيوان البري، منه ما هو محرم لذاته كالخنزير، ومنه ما هو حرام لوصف طارئ، وجد فيه، ويدخل في هذا النوع ما تبقى من المحرمات الأخرى:
     1 – الميتة المفارقة الروح بدون التذكية المعتبرة.
     2 – ما ذكر عليه اسم غير الله.
     3 – ميتة الوقذ.
     4 – ميتة التردي.
     5 – ميتة النطح.
     6 – مأكولة السبع.
     7 – ذبيحة النصب.
     وأضف إلى ما ذكر ما ورد في السنة من المحرمات، وهي سباع البهائم و سباع الطير، وما يدخل تحت باب الخبائث بشكل عام، بقطع النظر عن وجهات نظر الفقهاء، وهذا ما سنعرض لبيانه، عقب ذكر أنواع من الحيوانات، حل أكلها، من خلال القرآن والسنة النبوية.
    قال سبحانه( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد) .(18)
    الأنعام: هي الأزواج الثمانية المذكورة في قوله تعالى: (ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، ثمانية أزواج من الضأن اثنين من المعز اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، قل الذكرين حرم أم الأنثيين...).(19) ويلحق بهن كل حيوان يماثلهن في الاجترار وعدم الأنياب، بالنص ولملابسة الشبه.(20)
    ومما قد ورد حله بالسنة، ما ذكر في حل الخيل والدجاج والأرنب والضب، وغيرها.
    ففي لحوم الخيل ورد النص في كل من الصحيحين، وعند الإمام أحمد .
    وكذلك الأمر عندهم في أكل النبي (ص) للدجاج، وفي الأرنب، ورد عند الجماعة، برواية أحمد والنسائي.
    وأما الضب، فلما ورد عن طريق ابن عباس عن خالد بن الوليد وأكله منه بمحضر الرسول(ص)، ولم ينهه عنه، وفيه، فقال خالد بن الوليد: «أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته، و رسول الله(ص) ينظر فلم ينهني».(21)
    وفي نص متفق عليه عن طريق ابن عمر: «لا أكله ولا أحرمه»، وفي رواية أحمد ومسلم عن ابن عمر: «كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي»، وفي أخبار أخرى، مفادها الحظرية، لكونه من الممسوخات، فتردد
الحكم فيه، ولذا كان موضع اختلاف ونظر بين الفقهاء.
  *  الحلال والحرام على ضوء آراء الفقهاء:
   الحيوانات البرية، متنوعة، منها ما ألف الإنسان وعاش معه، ومنها ما نفر عنه وند منه، وما يعيش معه قد يكون حلال المطعم، وقد يكون محظورا، وكذلك الأمر فيها لا يعيش معه.
   و بيان الحكم في هذه الحيوانات، نتعرف عليه ونلحظه من خلال تبيان الأئمة والفقهاء، وعودة هذا، التبيان إلى الأصول والمستندات عند الحاجة.
 أولا : مذهب الأحناف :
    ذهب الأحناف إلى حرمة كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، فضلا عما حرم بالنصوص والشواهد الآنفة الذكر، كالخنزير والميتة، ونحوه.
    والمحرم من السباع بنوعيها، ما يدب على الأرض وما يطير في الهواء، هو ما كان ذا ناب أو ذا مخلب، شرط أن يكون طبعه الجرح والقتل والنهب والاعتداء، كالأسد والنمر والذئب والثعلب والقرد والعقاب والباز.
    ومما قالوا بتحريمه: كل ما لا دم سائل له كالذباب والزنابير والعقارب، وكذلك الحكم في هوام الأرض وما يسكن تحتها كالفأرة والوزغة والحية، وكل ما جاز قتله في الحرام، وكذلك الحمر الأهلية والبغال، لنهي النبي (ص) عنها: وكرهوا كل ما كان من شأنه أكل الجيف، لطبع الاستخباث، وكذا السلحفاة والرخ، وما شابهه.
    وما بقي بعد ذلك، فهو على الأصل في الأشياء، وهو الإباحة، وهذا ما كان من شأنه وطبعه، العيش على البقول والنباتات والأعشاب.(22)
    ثانيا: مذهب المالكية:
     ذهب المالكية إلى حرمة السباع من الحيوانات، كالأسد والنمر والذئب، وكل ما من شأنه الاعتداء، وحرم كل ما يعتبر من المستقذرات، كالحشرات وهوام الأرض، وحرم الخنزير المتوحش وغير المتوحش، والكلاب والحمر الأنسية و الخيل والبغال.
   وأما ما اختلف فيه، كونه ممسوخا أم لا، كالفيل والضب والقرد والقنفذ، فقد قيل بإباحتها، وقيل بحرمتها.
    ومن عالم الطيور، فقد حرم منها السباع، وذوي المخالب، و قيل بإباحتها عند الإمام مالك، وقيل بالكراهية، (23)
    ثالثا : مذهب الشافعية :
    ذهب الشافعية إلى حل بهيمة الأنعام،(24) وإلى حل كل بهيمة، سواء في ذلك مما يعيش مع الإنسان أم لا، سوى ما ورد استثناء حرمته بالتعيين: كلحوم الحمر الأنسية، والخنزير، والبهائم السبعية ذات أنياب، أو ذات مخالب، وهذه لما فيها من خصائص حسية دالة على طبع الاعتداء والإيذاء، وكذلك كل ما وجدت فيه خصائص الخبث والاستقذار، كالقردة، وصغار هوام الأرض، مثل: الخنفساء والدودة والبق والقمل والفائرة.
   وأيضا كل ما من طبعه السم والإيذاء كالعقرب والثعبان والزنبور والصرصار.
   وقاعدة الشافعية فيما لم يرد حله أو حرمته نص أو دلالة، يرجع به إلى مبدأ الاستطابة عند العرب، فكل ما استطابه العرب في حال رضائهم ورفاهيتهم، هو حلال، و كل ما استخبثته العرب، هو حرام، ويقصد بالعرب، العرب ذوو الطباع السليمة في حال الرفاهية واليسار.
    وعند الاختلاف بينهم، فبالأكثر، وعند التساوي، فبما تراه قريش، وإذا كان الحيوان مجهول الإسم، عمل بتسمية العرب، فإن لم يكن له تسمية عندهم نظر إلى أوجه الشبه في الصورة والطبع والطعم، فإن استوى شبهه مما هو حلال ومما هو حرام، أو لم يوجد له شبه، فهو حلال، نظرا للأصل في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسق أهل لغير الله به )، (25)) واستثنوا من هوام الأرض القنفذ والضب واليربوع والأرنب والضبع والظبي، نظرا لورود الآثار بحلها.
   والطيور حلال، سوى ما ورد حرمته بالآثار، فقد روي عن طريق جابر – رضي الله عنه- أنه (ص): « حرم- يعني يوم خيبر- لحم الحمر الأنسية، ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير».(26)
  فكل ما كان من ذوي المخالب من الطيور محرم، كالباز والشاهين والعقاب، هي خبيثة المطعم كذوي النياب من السباع.
   وجميع الطيور المائية حلال، لأنها من الطيبات، إلى اللقلق لأكله الخبائث، وكذلك الدجاج الأهلي والوحشي والحمام والحجل، وكل ما كان من طبعه « العب والهدر»، أي يشرب الماء من غير تنفس، ويرجع بصوته.
   وحل أيضا: العصفور وما كان على شكله، وإن اختلف نوعه ولونه، سوى الوطواط والخطاف والذباب والنحل، فإنها محرمة.(27)
   رابعا: مذهب الحنابلة :
   ذهب الحنابلة إلى أن الأصل في الأطعمة الحل والإباحة، بناء للنصوص العامة: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا )،(28) وقوله: ( يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلال طيبا)،(29) وغيرها من الشواهد النقلية.
  وأما ما هو محرم من الحيوان البري، فهو ما حوى مسخا أو خبثا أو عدوانا، مجتمعة أو متفرقة، وحرمت الحمر الأهلية والفيلة، وكل ما في طبعه الافتراس كالأسد والنمر والذئب، وكذلك القردة.
   وعد من المستخبثات: الفأر والنمل والذباب، وكذا الثعابين وعموم الحشرات من خنافس وحرباء وعقرب، وصراصير وبراغيث، وكل هامة شابهت هذه الهوام لكونها داخلة في إطار مميزات الخبائث، التي حرمت بقوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث).(30)
   ويحرم من الطير كل ذي مخلب معتد متقوي، كالنسر والعقاب والباز، وكذا كل ما كان من أكلة الجيف كالرخ والغربان الآكلة للجيف، والوطواط والهدهد والقنفذ والنيص.(31)
  وعند الشيعة الإمامية، يؤكل من البهائم الإنسية، الإبل والبقر والغنم، ويكره الخيل والبغال والحمير الأهلية على تفاوت بينها في الكراهية، ومن البهائم الوحشية: يحرم الكلب والسنور أهليا كان أو وحشيا،  ويحرم منها ما كان سبعا وما كان ذا ظفر أو ناب يفترس به قويا، كالأسد والنمر والفهد والذئب، أو ضعيفا، كالثعلب والضبع وابن آوى، ويحرم الأرنب والضب والحشرات كلها كالحية والفأرة والعقرب والجرذان والخنافس والصراصير وبنات وردان والبراغيث والقمل، وكذا يحرم الربوع والقنفذ ونحوه.
    ومن الطيور يحرم ما كان ذا مخلب قوي يعدو به على الطير، ويحرم ما كان صفيفه أكثر من دفيفه.
     ويحرم ما ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصية، ويحرم ما يتناوله التحريم عينا كالخفاش والطاووس.
     ويحرم الزنابير والذباب والبق .(32)

 *خلاصة القول في حكم الحيوان البري من حيثية الحل والحرمة :
     لقد تبين لنا الأمر من خلال المذاهب الفقهية إلى ما هو حلال وما هو حرام، ونظرتهم هذه تتجسد في أن الأصل في أعيان الحيوان الإباحة، وأنها من عداد الطيبات إلا ما ورد إخراجه، أي حرمته، لاعتباره من الخبائث التي حرمها الشرع الحكيم.
وبالإمكان وضع حدود وفواصل تتميز بها الحيوانات الطيبة من الحيوانات الخبيثة:
1- الأصل في الحيوان البري، أليفا أو متوحشا، الإباحة، إلا ما ورد إخراجه.
2- ما ورد إخراجه إلى الحظر، منه ما بنى على النص تعينا، ومنه ما بني على الطبع وصفا.
3- مما بني على النص تعيينا، كالخنزير، فإنه محرم لذاته بالنص، فضلا عما به من أمارات الخبث والخسة، وكذلك الحمر الأهلية والبغال- محرم- وإن لم تبد فيها طباع الخبث أو المسخ أو الاعتداء، ولذا صح الإنتقاع  بها، حمولة وركوبا وزينة، بخلاف الخنزير، حيث لا انتفاع به، حيا أو ميتا.
4-ما بني على الطبع كامن في كل كان خبيثا، كأكلة الجيف والحشرات وهو أم الأرض وأكلة المستقذرات، وفي كل ما كان ممسوخا، كالقردة، وفي كل ما كان من ذوي الأنياب من سباع البهائم أو من ذوي المخالب من الطيور، وكان من شأنه الاعتداء.
5- ما اشتبه به، ولم يرد فيه نص، يحال على استطابة العرب واستخباثها، إذ الأصل الحل حتى يقوم دليل ناهض ينقل عنه، أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع.
6- ينظر إلى صورتها وطبعها وخصائص تغذيتها، فتلحق بما شابهها من الحيوانات المعلومة الحكم، وإن عدم الشبه، فهي حلال لبقائها على الأصل.(33)

*أعيان حيوانية اختلف فيها الفقهاء:
 1- الحمر الأهلية : 
محرمة الأكل، ثبتت حرمتها بظاهر النصوص القرآنية وبالسنة النبوية الشريفة، فقد روي عن أبي ثعلب الخشني قال: « حرم رسول الله (ص) لحوم الحمر الأهليـــــــة»(34) وعن أبي هريرة أن النبي (ص)
« حرم يوم خيبر كل ذي ناب من السباع والحمار الأنسي ».(35) 
وأكثر العلماء من الصحابة ومن بعدهم قالوا: بتحريم الحمر الأهلية.
ونقل الشوكاني عن الطحاوي، لو لا تواتر الحديث عن رسول الله(ص) بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها، لأن كل ما حرم من الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير، وقد أجمع على حل الوحشي- الحمير- فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي.(36)
فالحمر الأهلية محرمة عند كل من الأحناف(37) والشافعية(38) والحنابلة، (39) سوى ما ورد عند المالكية من أنها مكروهة كراهة مغلظة.(40)
ويشهد لحرمتها، ومعها البغال، ظاهر قوله تعالى: (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون)، (41) فهي محرمة لدى الأمة، إلا ما ورد من إباحة عن ابن عباس وعائشة، وما روي من كراهيتهما عند مالك.
2 – الخـيـل :  
لم تكن الخيل موضع اتفاق بين العلماء، بل اختلفوا فيها، منهم من منعها، ومنهم من أباحها، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى حرمتها، (42) وكذلك المالكية في وجهة، (43)
وذهب صاحبا أبي حنيفة والشافعية والحنابلة والمالكية في وجهة إلى إباحتها، (44)
وللمالكية وجهة ثالثة وهي الكراهية، لكن دون مرتبة البغال والحمير.(45)
وما يدل على حل لحم الخيل، ما ورد من صريح الآثار:« وأن النبي (ص) نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل ».(46)
ونقل الشوكاني عن الفاكهاني :المشهور عند المالكية الكراهية، والصحيح عند المحققين منهم التحريم، وقد صحح صاحب « المحيط » و«الهداية» و «الذخيرة» عن أبي حنيفة التحريم، وإليه ذهب «أهل العترة»، كما حكاه في«البحر»، ولكنه حكي عن زيد بن علي الحل.(47)
3 – القنفذ:
القنفذ واحد القنافذ، والأنثى الواحدة قنفذة، ورد فيه عن عيسى عن نملة الفزاري عن أبيه، قال: كنت عند بن عمر فسئل عن أكل القنفذ، فتلا هذه الآية:( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما )، فقال شيخ عنده: سمعت أبى هريرة يقول: ذكر عند النبي (ص) فقال: «خبيثة من الخبائث، فقال ابن عمر: إن كان قاله رسول الله (ص) فهو كما قال »، (48)
وذكر صاحب« المغني » والقنفذ حرام، وكرهه مالك وأبو حنيفة، ورخص فيه الشافعي والليث وأبو ثور.(49)
وذكر أنه يشبه المحرمات ويأكل الحشرات فأشبه بالجرد.(50)
وعند أحمد، كل من القنفذ والنيص حرام، بناء للنيص على أنه خبيثة من الخبائث، والنيص عظيم القنافذ.(51)
فالقنفذ حيوان اختلف في حل أكله، منه من حرم، بناء لو ورد النص، ومنهم من أباح بناء للأصل، ويشفع لمن يقول بالإباحة، ما قيل في إسناد النص من ضعـــــف.(52)
أحلها الشافعية، (53) وفي قول المالكية.(54)
4 – الجلالة :
الجلالة هي أكلة الجلة، أي العذرة وغيرها من النجاسات، ولما لهذا النوع الحيواني من أهمية في حكم الأطعمة، فقد اقتضى بيان الحكم في هذه الحيوانات وما تولد عنها، وساء في ذلك البقر والغنم والإبل ونحوها، وكذلك الطير بسائرها.
روى عن ابن عباس، أنه قال: نهى رسول الله(ص) عن شرب لبن الجلالة».(55)
وكذلك روي عن ابن عمر أنه قال: « نهى رسول الله (ص) عن أكل الجلالة وألبانها».(56)
وروى أبو داود، أن النبي (ص)«نهى عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها».(57)
وعلى ضوء هذه النصوص، تعدد فهم الأئمة في الحكم على الجلالة.
فذهب الأحناف إلى كراهية أكل لحم الجلالة وشرب لبنها، أي التي تغذت من العذرة فقط، وهي التي إذا قربت وجدت منها رائحة، فلا تؤكل ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها ويكره بيعها وهبتها، ولا يحل أكلها إلا بالحبس حتى زوال رائحتها.

قال السرخسي: لا تقدر المدة بالأيام والأشهر، ولكن المذهب التقدير بالزمن ثلاثة أيام للدجاجة، أربعة للشاة، وعشرة للإبل والبقر، وفيما لو كانت النجاسة غير مختلطة بحيث لم ينتن لحمها حلت.(58)
وذهب المالكية إلى كراهية لحمها، وإن كان القياس يعارض حضر لحمها، بناء للأصل في لحمها.(59)
واشترط الشافعية لحرمتها تغير اللحم، والأصح تكره، وتحل عندما تطيب بالعلف الطاهر، وذات الحكم في لبنها وبيضها.(60)
5-الجنين : 
إذا ألقى الجنين ميتا قبل تذكية أمه، فلا يؤكل بالإجماع.(62)
وأما جنين المذكاة، فذهب الإمام أبو حنيفة إلى حرمة أكله ميتا، بحيث  لا يحل إلا إذا خرج حيا وذبح ذبيحة خاصة به، معتبرا إياه نفسا مستقلا بحالها، ولوجود الاحتمال في موته،قبل موت أمه أو بعد، فدخل الشك، وما ورد من الآثار فيه، إنما هو من باب التشبيه، أي ذكاة الجنين كذكاة أمه، كما قوله تعالى: ( وجنة عرضها السماوات والأرض)، أي وجنة عرضها كعرض السموات والأرض، ولهذا كره ذبح الشاة الحامل التي قربت ولادتها، لما فيه من إضاعة المال.(63)
واشترط المالكية لحله نبات الشعر وتمام الخلقة،(64)
وذهب الشافعية إلى حله، سواء في ذلك الميت والحي عند الخروج، والحي يذبح، وسواء الذبح – لأمه –أو الإرسال، بناء لما رواه كل من أحمد والترميذي، وصححه ابن حيان، « ذكاة الجنين ذكاة أمه»
وعلى هذا فذكاة الأم لجميع أجزائها، وهو جزء منها وعضو من أعضائها، أما إذا أخرج وبه حياة مستقرة، فلا يحل إلا بالذكاة المنفردة.

1) راجع « لسان العرب » لابن منظور  مادة « ط ع م ».
2) يقول الصاع اليوم بما يوازي 2.75 كيلو جرام و هو أربعة أمداد، والمد يساوي 675 جرام، راجع في هذا « المعنى الفقه الإسلامي وأدلته»، للدكتور وهبة الزحيلي/ ج: 1، ص: 75.
3) سورة البقرة – الآية: 259.
4) سورة الحج، الآية: 28
5) سورة عبس: الآية: 24.
6) سورة البقرة: الآية: 279.
7) راجع « اللحوم » لسيد عبد الله علي حسين، ص 17 و ص 30، طبع / مطبعة الأمانة، سنة 1946.
8) راجع كتاب « اللحوم» عبد الله حسين من ص 17 إلى 28.
9) الآية رقم : 173.
10) الآية رقم : 145.
11) الآية رقم : 3.
12) مراتب الإجماع : 148.
13) انظر : بداية المجتهد، جـ 1/488، القوانين الفقهية: 34، المغني لابن قدامة / جـ 1/ 78، الحاشية: لابن عابدين/ جـ: 1/136، مغنى المحتاج: جـ 1 / 77، شرح المنهاج : للقليوبي جـ1/ 69.
14) لا أكله.
15) المحلى: لابن حزم جـ 7 / 390 وانظر مراتب الإجماع ص : 12.
16 ) الأشباه والنظائر :  39 ، وفي « الدر المختار»، ذبح لقدوم الأمير ونحوه من العظماء يحرم ، لأنه أهل به لغير الله ولو ذكر اسم الله تعالى، ولو ذبح للضيف لا يحرم لأنه سنة الخليل، وإكرام الضيف إكرام لله تعالى، وقال صاحب « الحاشية»: وأعلم أن الدار على القصد عند ابتداء الذبح، فإن قصد التعظيم حرمت، وأن قصد التكريم لم تحرم /« حاشية على الدر» : جـ 5 /196، بتصرف.
17 ) تفسير ابن كثير : جـ 2/ 8 ، تفسير الشوكاني : جـ 1/ 169، جـ 2/ 8 وما بعدها.
18) سورة المائدة- الآية : 1.
19 )سورة الأنعام – الآية : 144.
20) انظر : تفسير البيضاوي : جـ 2 / 209.
21) رواه الجماعة إلا الترمذي.
22 ) الاختيار لتعليل المختار: جـ 5 / 15، الهداية؛ جـ 4 / 70، الحاشية؛ جـ 5/ 195.
23) انظر : القوانين الفقهية : 149، فتح الرحيم ص ؛ 6، أسهل المدارك: جـ 2 / 59.
24) انظر : مغنى المحتاج : جـ 4 /298.
25)  سورة الانعام – الآية : 145.
26) رواه أحمد والترمذي.
27) مغنى المحتاج : جـ: 4/303.
28) سورة البقرة – الآية 29.
29 ) سورة البقرة – الآية : 168
30) سورة الأعراف – الآية : 157.
31) المغني : لابن قدامة / جـ : 8 /586، منار السبيل : جـ2/ 410
32) شرائع الإسلام : جـ : 2/ 144.
33 ) انظر « نيل الأوطار» : جـ : 8/ 138- 144.
34) متفق عليه ، وكذالك روي عن ابن عمر.
35) رواه أحمد والترمدي.
36 ) نيل الأوطار : جـ : 8 / 130، وانظر - « سبل السلام » : جـ 4 /73 ، مراتب الإجماع: 149.
37) الاختيار: جـ : 5/ 14.
38) مغنى المحتاج :جـ: 4 /299.
39) منار السبيل جـ : 4/ 411.
40) القوانين : 150.
41) سورة/ النحل الآية : 8 ، وانظر : بداية المجتهد : جـ : 1 /491، المغني لابن قدامه جـ : 8 /586: ونقل عن ابن عبد البر أنه لا خلاف بين المسلمين في تحريمها، سوى ما نقل من اختلاف في عصر الصحابة من ابن عباس وعائشة .
42) الإختيار: جـ : 5/14 .
43) القوانين 150.
44) الاختيار : جـ : 5/14 ، مغنى المحتاج : جـ: 4/299، منار السبيل : جـ : 4/413.
45) بداية المجتهد : جـ : 1/ 491، مراتب الاجتماع : 149، تفسير ابن كثير : جـ : 2/ 562.
46) متفق عليه عن طريق جابر، ورواه أيضا نسائي وأبو داود والترمدي بلفظ آخر، واضح الدلالة على هذا الحيوان وروي أيضا في  الحل عند أحمد.
47 ) نيل الأوطار: جـ : 8/ 126.
48) رواه أحمدو أبو داود، انظر : نيل الأوطار : جـ : 8/ 132،سبل السلام : جـ : 4/ 77.
49) المغني: لابن قدامه / جـ : 8/ 586.
50) نفس المرجع.
51) منار السبيل: جـ : 2/ 433
52) سبل السلام : جـ: 4/77.
53) المغني المحتاج : جـ : 4/ 299
54) القوانين : 150.
55) رواه أئمة السنة سوى البخاري ومسلم وابن ماجة ، نيل الأوطار جـ : 8/ 139.
56 ) عند أئمة السنة ما عدا البخاري ومسلم النسائي ، نيل الأوطار جـ : 8/ 139
57) نفس المرجع.
58) الحاشية : لابن عابدين / جـ: 5/ 217، يتصرف.
59) بداية المجتهد : جـ : 1/ 487.
60) مغنى المحتاج : جـ : 4/ 304
61) منار السبيل : جـ : 2/ 416.
62) القوانين : 159.
63 ) الاختيار : جـ : 5/ 133
64) انظر : مراحل التكوين للجنين في : الحيض وأحكامه السريعة: 52 للمؤلف.
65) القوانين : 159، بداية المجتهد : جـ :  1/ 462.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here