islamaumaroc

التعليل وحسن التعليل: مصطلحان أم مصطلح واحد؟

  محمد إقبال عروي

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

* تمهيد:     
نشأ علم البديع، وعلم بديع القرآن، نشأة طبيعية، أملتها ظروف البحث في إعجاز القرآن، وتحليل أنماط الشعر العربي المستحدثة، وقد تطور ذلك العلم بشقيه لتصبح أدواته عناصر مدمجة في العملية التفسيرية، والعملية النقدية.
ومع تقدم البحث، وتكاثر العلماء والمهتمين، أصبح هذا العلم بحرا زاخرا، تمده رواد عديدة بالمفاهيم  والمصطلحات، غير أن ذلك الكم الهائل تحول في أصله وامتداده إلى أزمة أصابت علم البديع، وذلك لما نتج عنه من أوضاع سلبية تمثلت في تعدد المفاهيم للمصطلح الواحد، وتعدد المصطلحات للمفهوم الواحد.
     ومعلوم في سياسة الاصطلاح أن يكون لكل مفهوم مصطلح منضبط يدل عليه، ويعينه في معترك المخاطبات والإشارات، إذ « المعنى الاصطلاحي يتصف بصفة الخصوصية، ويجب، من ثم، أن يكون واضحا دقيقا، ودالا على معنى واحد غير متعدد ».(1) بخلاف الكلمات التي يستوعبها المعجم اللغوي، فهي تمتاز بالتعدد الدلالي حسب تنوع المسافات التي ترد فيها.
     إن المصطلحيين مجمعون على أن المصطلح « لابد أن يكون بدلالة واضحة وواحدة في داخل التخصص الواحد»، (2) ومن واجبه أن يكون محدد الدلالة، حيث يقتضي معناه بمجرد ذكره مفردا، ومفصولا عن سياقه، بخلاف كلمات المعجم، فهي تتلبس معاني متباينة بتباين سياقاتها.
     لكن علم البديع لم يحترم هذه الشروط، ولم يقو على أن يحافظ لكل مفهوم بمصطلحه الخاص به بغية تجنب الخلل والتداخل والالتباس، ووجدنا على عكس ذلك، مظاهر من الاضطراب، أضعفت من عطائه، وانتقلت به إلى صورة غير محمودة، لعلها تمثل أحد أسباب لمزه، والتنفير منه من قبل المفتونين بالحداثة النقدية.
     وبغية إخراج الكلام من دائرة التعميم إلى التخصيص، سنبرز، في هذه الوقفة النقدية جانبا من الاضطراب والخلل الذي وقع فيه علم البديع، وبديع القرآن، عندما خرقا الشروط الاصطلاحية السالفة، فاضطربا في تحديد مفهوم كل من « التعليل» و« حسن 
التعليل». واختلط عليهما الأمر، فأنشأ بينهما علاقة ترادفية غير سليمة.

*« التعليل» و«حسن التعليل»: المفهوم والعلاقة:
  داخل الحقل البلاغي، تداول المهتمون مصطلح «التعليل» أو « حسن التعليل»، ورغبوا في أن تكون دلالته متمخضة في اتجاه معين، لكن واقع التأليف شهد خلاف ذلك، إذ كثرت مفاهيمه، أو بعبارة أدق، صار له مفهومان متباينان لا يجمع بينهما إلا اللقب الرامز إليهما.
     أ- المفهوم الأول :
     آية ذلك أن ابن أبي الإصبع والسيوطي يعرفانه بكونه: « أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع أو متوقع، فيقدم بعد ذكره علة وقعه، لكون رتبة العلة التقدم على المعلول». (3)
    ومن شواهده قوله تعالى:{ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم }.(4) إذ كان « سبق الكتاب من الله تعالى هو العلة في النجاة من العـــــذاب»،(5) كما أن قوله تعالى: { ولولا رهطك لرجمناك }(6) داخل في هذا الفن، باعتبار أن وجود رهط شعيب هو العلة في سلامة هود من رجم قومه.
     وأضاف السيوطي قوله تعالى: {جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء}.(7) لأن فيها ذكر للغاية من الخلق،(8) ووضع السماء والأرض.
     وتتجلى فائدة التعليل في أنه يقرر الحقائق والمعتقدات بذكر عللها، لما عرف من طبائع النفوس من أنها « أبعث على قبول الأحكام المعللة من غيرها»، (9) وحيثما ورد التعليل في القرآن، فإن بإمكان المتلقي أن يقدر سؤالا تقتضيه جملة التعليل.
     ومن أدواته في القرآن: اللام، وإن، وإذ، والياء، وكي، ومن، ولعل....(10) ومجمل القول إن التعليل داخل في الوسائل المنتهجة من قبل الخطاب القرآني لإبلاغ أحكامه وعقائده، وتمكينها في نفوس المستمعين وهو تعليل حقيقي وواقعي يقوم على الحجة والبرهان.
      ب- المفهوم الثاني :
      ونجد صياغة دقيقة لمفهومه عند الجرجاني والقزويني والعلوي اليمني، يقول الجرجاني: « وهو أن يدعي في الصفة الثابتة لشيء أنه إنما كان لعلة يضعها الشاعر ويختلقها، إما لأمر يرجع إلى تعظيم الممدوح، أو تعظيم أمر من الأمــــور».(11) وأخذه القزويني، واختصره في قوله: « حسن التعليل هو أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي ».(12) أي إن المتكلم يتجاوز العلة الحقيقية للوصف أو الحكم ويتخيل علة متوهمة تصلح في نظره لأن تكون علة ملائمة لما هو بصدده.
      ولهذا الاعتبار توسع العلوي اليمني في إبراز طغيان العلة المتوهمة على العلة الوجودية الواقعية المتحققة، فقال: « وهو في مصطلح علماء البيان عبارة عن أن تقصد إلى  حكم من الأحكام، فتراه مستبعدا، من أجل ما اختص به من الغرابة واللطف والإعجاب، أو غير ذلك، فتأتي على جهة الاستطراف بصفة مناسبة للتعليل، فتدعي كونها علة للحكم»، (13) من أجل أن يتوهم المتلقي أنها علة محققة، فتقرر عنده وتثبت ثبات العلل الواقعية المنطقية.
     وقد لخص د. تمام حسان مفهومه وقدمه في صيغة دقيقة فقال: « هو توافق علة مخترعة مع أمر ليس معلولا لها على الحقيقة». (14)
     ومن شواهده، (15) قول المتنبي :
     لم تحك نائلك السحاب وإنما
                     حمت به فصبيبها الرحضاء (16)
     فالعلة المنطقية لنزول الغيث معلومة، لكن الشاعر تلطف في الإهتداء إلى علة متوهمة ومتخيلة، وهي أن السحاب أصيب بالحمى وهو يرى فعل الممدوح الجواد بالأعطيات والهبات.
     بهذا يتضح المفهوم الثاني للتعليل، وهو بطبعه مخالف للمفهوم الأول، إذ التعليل الأول، والقرآن منه، تعليل حقيقي واقعي، أما التعليل الثاني فهو تخيلي ومتوهم.
     بهذا التحديد، يتضح الفرق بين المفهوم الأول والثاني، وقد غلط بعض المصنفين في علم البديع وبديع القرآن، فخلطوا بين « التعليل» و « حسن التعليل»، وصاغوا لهما تعريفا واحدا أدخلوا الأول، بموجب خلطهم، في باب البديع، وجعلوه مرادفا للمفهوم الثاني.
     فقد جعل الإمام القزويني التعليل أحد أنواع حسن التعليل، (17) وكان لهذا الموقف تأثير سلبي على بعض المعاصرين، كما نوضحه بعد قليل .
     أما ابن سنان، المتقدم تاريخيا، فمع أن شواهده له تعني أنه يستعمله بالمفهوم التخييلي، إلا أنه لم يورد له من القرآن سوى قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}،(18) واعتبره جاريا مجرى التعليل الفني، وهو غير صحيح، لأن الآية تضمنت شرطا حقيقيا لا متخيلا، ثم إن القوم يعتبرونها شاهدا على المذهب الكلامي، لا التعليل. (19)
     أما في العصر الحديث، فقد أفرد الدكتور عبد الفتاح لاشين لحسن التعليل فصلا في كتابه « البديع في ضوء أساليب القرآن»،(20) دون أن يلتفت إلى  الفروق الجوهرية بين « التعليل» و « حسن التعليل»، خاصة وأنه لم يورد لحسن التعليل أي شاهد من القرآن، مما يجعل القارئ يتساءل: هل سبب ذلك راجع إلى أنه غير موجود في القرآن ؟ أم أنه لا يؤمن بوجوده في القرآن؟ أم إن عدم ذكره لشاهده القرآني دليل على أنه يميز بين « التعليل» و« حسن التعليل» وإن لم يصرح بذلك؟؟
    أما د. أحمد مطلوب، فقد أفرد في معجمه البلاغي بابا للتعليل في صفحة 390، ثم ذكر « حسن التعليل» في صفحة 463، وقال عنه:  « وهو التعليل»، وهذا غير صحيح، كما أوضحه عرضنا لمفهوميهما، إذ بينهما اختلاف في مقوم أساسي، ألا وهو« التحقيق» و « التخييل».
     إن مناط تعريف القوم لحسن التعليل يرتد إلى المستوى التخيلي في العلة المناسبة، لأنها قائمة على الإدعاء، وهذا ما يتضح من خلال تحديد القزويني له: «وهو أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي »، (21) أو هي قائمة على الاستطراف والإيهام بمصطلحي العلوي اليمني، (22) بخلاف التعليل القائم على الحقيقة والواقع، والمؤسس على علل واقعية.
     وبهذا المعيار رفض دارسون إلحاق حسن التعليل ببديع القرآن، لأن في ذلك مظنة وصفه بالتوهم، أو إلحاقه بخيالات الشعراء، (23) ونستطيع أن نستشف هذا الموقف من خلال تعريف العلوي اليمني لحسن التعليل، فقد استوعب تعريفه السابق مفردات دالة على مقوم التخيل والتخييل والادعاء والتلطف، ثم إنه لم يورد لحسن التعليل أي شاهد من القرآن، مما يعني أن « حسن التعليل» عنده ليس هو« التعليل».
     وفي العصر الحديث، ذهب د. الشحات أبو ستيت إلى ضرورة المباينة بين المصطلحين، يقول: «وينبغي التنبيه إلى الاختلاف بين حسن التعليل والتعليل الحقيقي، فحسن التعليل لون بديعي يقوم على التخيل والإدعاء، لا على الحقيقة، والعلل فيه علل خيالية غير مطابقة للواقع... ومن هنا لا توجد شواهد في القرآن الكريم، لأنه لون مرتبط بالخيال والبعد عن الواقع والحقيقة، والقرآن الكريم كتاب الحق الذي ينطق بالحق، ويتحدث بالحقيقة».(24)
     والنتيجة التي نخلص إليها هي أن « التعليل» و «حسن التعليل» مفهومان متباينان، وأن «حسن التعليل» بمفهومه التخييلي الإيهامي، لا وجود له في القرآن، ولا يحق له أن يعمر ضمن مباحث بديعه، وحقه أن يلحق بالنقد، فهو، هناك، مبحث طريف، ومجال رحب لإبداع الشعراء. وأما التعليل، بمفهومه العلمي الواقعي، فمع أنه موجود في مخاطبات القرآن، وحقه أن ينتمي إلى علم الكلام والجدل.
     وقد ساق الخلط بين « التعليل» و «حسن التعليل»، والافتتان بالتفريع والتقسيم، بعض البلاغيين إلى اصطناع أنواع للتعليل، محكمين في ذلك، منطق العلة الثابتة والعلة المتوهمة، والإمكان والاستحالة، وهما مناط التفريق بين المفهومين، فانتهت أنواعه، عندهم، إلى أربعة أقسام، وهي:
     - باعتبار الوصف المعلل، يكون التعليل قسمين: ثابت تريد تعليله، وغير ثابت تريد إثباته.
     - وباعتبار الوصف الثابت فهو قسمان: علة خفية، وعلة ظاهرة.
     - وباعتبار الوصف غير الثابت، فهناك قسم ممكن، وآخر غير ممكن.(25)
     وهذا التقسيم الذي يذهب إليه محمد قرقماس الاقتيري (802-882) (26) مردود، لأنه انبنى على أصل فاسد، وهو الخلط بين « التعليل» و «حسن التعليل»، وما انبنى على فاسد كان مآله الفساد، فضلا عن أنه محكوم بنزعة تفريعية، تمثل أزمة أخرى من أزمات علم البديع وبديع القرآن، وقد نفرد لها وقفة خاصة في قابل الأيام إن شاء المولى عز وجل.
     إن الهدف من إثارة هذا الإشكال متصل بالإحساس بأن اضطراب العلاقة بين المفاهيم والمصطلحات، وتداخلها المعرفي يسوق إلى اضطراب في الفهم، وإشغال الذهن بما من شأنه أن يصرف عن الفهم السليم، وقد لخص د. أحمد أبو زيد خطورة هذا الاضطراب في قوله: « إن الاضطراب في استخدام المصطلحات، في أي فن أو صناعة، ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن يقال عنه إنه لا يضر، فإن لم يكن من ضرر سوى إهدار الجهد في معرفة العديد من المصطلحات المترادفة على قسم واحد من أنواع البديع لكفى، فكيف والانشغال به يحول دون التعمق في أسرار بديع القرآن »، (27) بل كيف الأمر إذا كانت المصطلحات متباينة في دلالاتها، وتستعمل بمعنى واحد، كما وقفنا عليه مع مصطلحي « التعليل» و «حسن التعليل»؟
     لاشك أن الوضع يتطلب إصلاحا وتقويما في الحال قبل الاستقبال، وهو ما دفعنا إلى أن نفرد أطروحتنا لنيل دكتوراه الدولة لهذا الموضوع الخطير، رغبة في إسهام إصلاحي يستجيب للمتطلبات المنهجية، والله الموفق للفلاح.
 

1) د. إدريس الناقوري : « المصطلح النقدي في نقد الشعر»، دار النشر المغربية، البيضاء، ط: 1. 1982. ص :  
2) د. محمد فهمي حجازي: « الأسس اللغوية لعلم المصطلح»، مكتبة غريب، مصر، ط: 1993، ص: 12
3 ) ابن أبي الإصبع: «بديع القرآن»، ص: 109، وانظر السيوطي في المعترك ( ج: 1، ص: 282) إذ ذكر فائدته المتمثلة في التقرير و الأبلغية، و عدد حروفه، مثل اللام، وكي، ولعل، و غيرها.
4) سورة الأنفال – الآية: 68.
5) «بديع القرآن» ص: 109.
6) سورة هود – الآية :91.
7) سورة البقرة – الآية: 22.
8)«معترك الأقران...» ج : 1، ص : 282.
9) المرجع نفسه، ج: 1، 284.
10)  المرجع نفسه ج : 1، ص : 282.
11) الجرجاني : «أسرار البلاغة» ص : 277 – 278.
12) القزويني : «الإيضاح» ج: 6، ص: 518.
13 ) العلوي اليمني: «الطراز» ج: 3، ص: 138 – 139.
14) تمام حسان: «الأصول» ص: 381.
15) الجرجاني: «أسرار البلاغة» ص: 278 و انظر شواهد شعرية أخرى في: «سر الفصاحة» ص: 291، وقد سماه بـ «الاستدلال بالتعليل» و «الطراز» ج : 3، ص :139.
16) «ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح العكبري»، تحقيق: مصطفى السقا و زميله، دار الفكر (بدون) ج : 1، ص :30.
17) «الإيضاح» ج: 6، ص: 518.
18) سورة الأنبياء – الآية 22.
19) «سر الفصاحة» ص:261.
20) انظر الصفحة 16 من «البديع في ضوء أساليب القرآن».
21 ) «الإيضاح» ج: 6، ص: 76.
22) وذلك في معرض تعريفه لحسن التعليل ( انظر الطراز، ج: 3 ص: 138 – 139).
و للتذكير، فإن العلوي اليمني لم يورد لهذا الفن أي شاهد من القرآن، مما يعني أن حسن التعليل عنده ليس هو التعليل.
23) د.لطفي سيد صالح قنديل: «حسن التعليل، تاريخ و دراسة» القاهرة، ط: 1، 1983 ص:52 - 53.
24)د. الشحات محمد أبو ستبت: «دراسات منهجية في علم البديع» ط: 1، 1994 ص :159.
25) محمد بن قرقماس الأقتيري: «زهر الربيع في شواهد البديع»، تحقيق رشيدة الشعلي: رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف د. أحمد شوقي بنبين، سنة 1996، مرقونة بخزانة كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط تحت رقم : ( 414 شعل) ص : 161.
26)محمد بن قرقماس بن عبد الله الناصري، الشيخ ناصر الدين، الأديب الشاعر، القاهري الحنفي، من أبناء المماليك لمصر، ولد بالقاهرة سنة 802 هـ و توفي بها سنة 882هـ
من مصنفاته: (زهر الربيع في شواهد البديع ) و شرحه في (الغيث المريع على زهر الربيع)، و تفسير : ( فتح الرحمن في تفسير القرآن).
(انظر :«الضوء اللامع» للسخاوي، ج: 8/292 – 293، و «نظم العقيان» للسيوطي، ج : 2/158 – 159).
27 ) بديع القرآن و مصطلحاته: تنقيح و تجديد في الترتيب، ضمن ندوة «الدراسة المصطلحية و العلوم الإسلامية»، مطبعة المعارف، الرباط، ط : 1996، ص : 377.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here