islamaumaroc

مكانة القدس في الدين اليهودي

  موريس بوكاي

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

     إن لمدينة القدس في الدين اليهودي، كما في أذهان اليهود اللادينيين مكانة مقدسة، وعلى مرور سني الاحتلال، أصبحت هذه المدينة رمز الوجود اليهودي بالنسبة للجميع، مع المحاولة المستمرة لجعله يطغى ويعلو على وجود الثقافات والديانات الأخرى.
     ونذكر بأن القدس تحتل مكانة كبيرة في الشعور العالمي ليس فقط في أذهان اليهود، ولكن أيضا في أذهان المسيحيين والمسلمين، فالقدس هي الرمز المطلق بالنسبة للأديان السماوية الثلاث المسماة أديان الكتاب.
     إلا أن إسرائيل تلجأ إلى الاستغلال السياسي لهذا الرمز بما يمكنها من متابعة توسعها في المدينة المقدسة وحولها.

* نزع عروبة القدس بضراوة عبر التهويد :
منذ عقد اتفاقيات أوسلو، عمدت إسرائيل على عزل مدينة القدس عسكريا عن باقي الأراضي الفلسطينية، متذرعة بأسباب أمنية، ولكن السبب الحقيقي هو سياسي ويكمن في محاولة إسرائيل إضفاء الشرعية على كون مدينة القدس عاصمة لإسرائيل والعمل على تهويدها بطرق ضارية على حساب الشعوب الموجودة على الأرض ومحو وجودها من أذهان الجميع كمدينة عربية أساسا ومنذ فجر التاريخ.
     فالشعوب العربية والشرق أوسطية من الأديان الثلاث، كانت كلها تعيش سوية في القدس، وعلى سائر الأراضي الفلسطينية العريقة، وكانت هذه الشعوب صديقة يربطها حبها لهذه الأرض ولحجارتها القديمة العريقة، فجاء اليهود الأوربيون حاملين مشاريع تنمية وتطوير لا تنطبق على هذه الأرض الشرقية وهم يجهلون تماما أنماط العيش العربية السائدة في هذه المنطقة الشرق أوسطية فقضوا بذلك على التفاهم والانسجام الذي دام طوال عهود طويلة، وأثاروا العداءات بين مختلف المجموعات والأديان.
     وبدأت مدينة القدس تفقد شيئا فشيئا روحها العربية لتشبه المدن الغربية، فبفقدانها سكانها الفلسطينيين سواء منهم المطرودون من ديارهم أوالمحرومون من أراضيهم، وبنفي اليهود الشرقيين إلى الأحياء المحيطة بالمدينة، وتطويق المدينة بمستوطنات وطرق دائرية، وبنقل نموذج التنمية الغربي، فقدت القدس تدريجيا روحها الشرقية وبدأت تشبه المدن الأوروبية. 

*«إسرائيل»: فشل غير معترف به لاستعمار أوروبي في بلد من العالم الثالث:
      نحن على عتبة العام ألفين، أي أكثر قليلا من قرن عن ظهور فكرة « الدولة اليهودية» التي جاء بها تيودور هرتزل، ونصف قرن بعد إقامة دولة إسرائيل.
     كان هدف الحركة الصهيونية إقامة دولة لليهود الإشكنازيين من أوروبا الشرقية والوسطى الذين عانوا من الحركات المناهضة للسامية على  أرض فلسطين. في أواخر القرن التاسع عشر بلغ عدد سكان فلسطين 600 ألف نسمة من اليهود والمسيحيين والمسلمين، وبلغ عدد اليهود الإشكنازيين  في أواخر القرن التاسع عشر حوالي 11 مليونا ثلثهم كان يعيش في أوربا الشرقية والوسطى، والثلث الأخير كان قد هاجر إلى أمريكا.
       وأما اليهود العرب الشرقيون، الذين كانوا يعيشون في بلدان البلقان (التابعة للإمبراطورية العثمانية) وعلى أراضي العالم العربي والمسلم، والتي تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، فبلغ عددهم أقل من مليون نسمة.
     في تلك الفترة، كان الاستعمار الأوروبي في بلدان العالم الثالث في أوجه، فالمستعمر الأمريكي، كان يقتل هنود الفارويست للاستيلاء على أراضيهم، والمستعمر البريطاني عمد إلى القيام بالتنظيف العرقي في تسمانيا وأستراليا، والمستعمر الفرنسي طرد الفلاحين من السهول إلى الجبال في الجزائر، ففي هذه الأجواء، لم يبد التطهير العرقي في فلسطين من أجل إقامة مستوطنات اليهود الأوروبيين عملية غريبة شاذة.
     وفي أوضاع كهذه برز ازدراء اليهود الإشكازيين تجاه اليهود العرب الشرقيين الآتين من العالم العربي والمسلم. فاليهود الإشكناز كان يكرهون اليهود العرب كما يكرهون الفلسطينيين إن لم يكن أكثر. وينسب الشاعر الإسرائيلي بياليك نكتة معبرة عن موقف المستعمرين اليهود الإشكنازيين تجاه اليهود العرب الشرقيين: « سئل أحد المستعمرين اليهود الإشكنازيين»  لماذا تكرهون العرب إلى هذا الحد؟ فأجاب: « لأنهم يشبهون «الفرانكس» كثيرا» (الفرانكس تعني اليهود العرب الشرقيين في لغة اليديش ).
     وقررت الوكالة اليهودية في  شهر تشرين الأول ( أكتوبر) 1948 وتوقيف هجرة اليهود العرب الشرقيين نحو إسرائيل، وصرح الناطقون بلسان هذه الوكالة ما يلي: « يجب ألا ننسى أن دولة إسرائيل أقيمت على الأراضي الفلسطينية لحل مشكلة اليهود الإشكنازيين».
     إلا أن هذا الاتجاه تغير تماما بعد بضعة شهور، إذ أنه من أصل ملايين اليهود الإشكنازيين الذين خطط  ابن غريون لقدومهم من أوروبا وأمريكا لم يأت إلا 160 ألف لاجئا، أتوا إلى إسرائيل لأن جميع بلدان الهجرة الأخرى لم تفتح لهم أبوابها، وغدت الوسيلة الوحيدة لإعادة تعمير فلسطين بعد أن طرد منها 720 ألف فلسطيني، تشجيع قدوم اليهود العرب الشرقيين إليها بجميع الوسائل الممكنة، لم يكن مرغوبا في هؤلاء اليهود العرب الشرقيين، ولكن قدومهم كان أساسيا من أجل تأمين اليد العاملة اللازمة في قطاع البناء والصناعة، ولا سيما لتأمين العدد الذي كان جيش « تساحال» بحاجة إليه.
     أول اليهود العرب الذين أتوا إلى دولة إسرائيل كانوا من اليمن بعد أن قدمت لأمير البلاد هدايا وأموال كبيرة، ولا سيما الذهب، لترحيلهم، فقطعوا الصحراء سيرا على الأقدام حتى مرفأ عدن مما أدى إلى موت المرضى والضعفاء والعجزة، وأما الذين نجوا فقد تم نقلهم على متن طائرات مخصصة أوصلتهم إلى إسرائيل، بعد ذلك أتى دور اليهود العراقيين، إذ أن بن غورويون كان قد عقد معاهدة مع الديكتاتور نوري السعيد حيث أعطاه الحق بالاستيلاء على جميع أملاك هؤلاء اليهود، والتي قدرت بمليارات الدولارات، مقابل السماح لهم بمغادرة العراق نحو إسرائيل. وعقد بن غوريون أيضا معاهدات مع فرنسا لترحيل اليهود من شمال إفريقيا قبل اندلاع حرب سيناء الأولى، والتي شنتها فرنسا وبريطانيا ضد مصر سنة 1956.
     ( بعد تلك الحرب) اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، إلا أن أغلبية اليهود المصريين لجأوا إلى إسرائيل. وهكذا تحولت إسرائيل على الصعيد الديمغرافي في نهاية الألف الثانية إل دولة عربية تعيش فيها 3 مجموعات:
- الفلسطينيون الأصليون، وهم منحدرون من العبريين القدماء، والذين مازال أزيد من نصفهم، أي قرابة 4 ملايين، يقيمون في فلسطين حتى ولو تم ترحيلهم عن أراضيهم، يضاف إليهم الذين أرغموا على الرحيل إلى البلدان العربية المجاورة وهم قرابة 3 ملايين نسمة، والمليون الأخير المنشر في مختلف أنحاء العالم وهم يشكلون الجالية الفلسطينية المغتربة.
- ما يقارب مجمل اليهود الذين أتوا من العالم العربي الإسلامي.
- ما يقارب المليونين ونصف المليون يهودي اشكنازي.
عند إقامة الدولة الإسرائيلية كان معظم الشعب اليهودي فيها من الإشكنازيين، إلا أنه اليوم، أضحت غالبية اليهود في إسرائيل من أصل عربي. وتشمل هذه الغالبية اليهود الذين جاؤوا من العالم العربي الذي يمتد من المحيط إلى الخليج، وكذلك من البلدان الإسلامية الأخرى، مثل الباكستان وإيران أو أفغانستان، إضافة إلى اليهود السيفاراد من مختلف الأقاليم التركية والبلغارية واليونانية واليوغوسلافية التابعة للإمبراطورية العثمانية السابقة.

* القدس : مدينة عربية للأديان الثلاث :
في سنة 1967، لم يطلب من اليهود العرب الشرقيين الذين أرغموا على الرحيل سنة 1948، من الحي اليهودي في المدينة القديمة، العودة إلى مساكنهم الأصلية بعد حرب الأيام الستة. وتم إعطاء هذه المساكن إلى موظفين رفيعي المستوى وأغنياء أمريكيين وإلى طلاب المدارس الأكليريكية، وجميعهم من اليهود الإشكنازيين. وواجه حي يمين موشي الذي يقع مقابل أسوار المدينة القديمة، المصير نفسه، وقد كان هذا الحي خلال العشرين سنة من إقامة دولة إسرائيل، هدف لرصاص عساكر جيش الملك حسين. وقد تم بيع هذه المنازل بأسعار عالية جدا بعد إفراغها وتجديدها. إن أعمال شراء الممتلكات في الأحياء المسيحية والأرمنية وحتى العربية من المدينة القديمة، والتي سكنها بعد ذلك طلاب المدارس الأكليريكية من اليهود المتعصبين، تعكس الهدف النهائي للحركة الصهيونية وهو: تحويل القدس من مدينة مقدسة عند مليارات المؤمنين من الأديان السماوية الثلاثة، إلى عاصمة يهودية لدولة إسرائيل.
يسكن 200 ألف طالب أكليريكي من الإشكناز مدينة القدس، ويقيمون المستوطنات الجديدة التي تحيط بالمدينة بغية مواصلة عملية تهويدها كليا ونهائيا، هؤلاء الطلاب الأكليريكيون يتزوجون في عمر مبكر جدا وينجبون عدة أطفال على عكس اليهود الغربيين.
فبدونهم سيكون الإشكناز في عداد الأقلية، هؤلاء الطلاب الأكليريكيون يشترون المنازل والشقق السكنية في الأحياء المسيحية والأرمنية من المدينة القديمة العربية، فهم لا يقومون بأي عمل منتج، ويعيشون عالة على الدولة، مستفيدين من الإعانات التي تدخل إلى إسرائيل وتبلغ آلاف الدولارات كل عام.
إن المدينة القديمة التي طالما كانت مدينة شرقية يحاول اليهود إضفاء الطابع الغربي عليها على الصعيد الديمغرافي. كما يحاولون أيضا القضاء على عروبة اليهود الشرقيين.

* الوضع الحالي في الأراضي المقدسة:
  إن دولة إسرائيل الحالية هي دولة عربية مكونة من ثلاث مجموعات بشرية. هذا هو وضع الدولة على الصعيد الديمغرافي. هذه المجموعات هي: المجموعة العربية المؤلفة من الأديان الإسلامية والمسيحية والدرزية وغيرها، وهي تشمل أيضا الفلسطينيين الذين لم ينجح مؤسسو دولة إسرائيل  في ترحيلهم. ثم مجموعة اليهود من أصل عربي شرقي، التي تشمل اليهود الذين أتوا من العالم العربي، و الذين اقتلعهم المسؤولون الاشكنازيون من أوطانهم و ترحيلهم بالقوة  إلى إسرائيل. وأخيرا أقلية صغيرة من اليهود الأوربيين الذين نجح ابن غوريون في ترحيلهم خلال فترة الحكم النازي.
فبغض النظر عن الانتماء لدين واحد، وعلى مذاهب مختلفة، فلا شيء يوحد بين اليهود الإشكنازيين البولنديين أو الروسيين الذين يتكلمون نفس اللغة: اليديش، ولهم ثقافتهم الخاصة، ويعيشون حياة مختلفة تماما عن حياة الموجيك الروسيين أو الفلاحين البولنديين وبين اليهود العراقيين أو شمال إفريقيا أو اليمن الذين كانوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع العربي، حيث كانوا يعيشون منسجمين ولا يفرقهم عن باقي المواطنين إلا دينهم.
ولقد حاول المسؤولون الإشكنازيون الذين أتوا للعيش في فلسطين أن يبينوا هم واليهود العرب الشرقيين إلى شعب واحد.
طوال فترة الانتداب، لم تكن تعطي الوكالة اليهودية، وهي هيئة شبه دولية إلى اليشوف (الشعب اليهودي في فلسطين) إلا نادرا، إشهادات الهجرة لليهود الشرقيين. والحالتان الاستثنائيتان جاءتا إثر التمرد الفلسطيني سنة 1936، والذي تبعه إضرابهم، عندئذ أعطت الوكالة، بموافقة سلطات الانتداب، شهادات هجرة لبضعة آلاف اليهود السفراديين العاملين في المرافئ و السفن في سالونيك مع عائلاتهم و إلى 15 ألف يهودي من اليمن، استقدموا للعمل مكان الفلسطينيين في البساتين التي يملكها  الرأسماليون اليهود المحليون أو أعضاء الجالية اليهودية العالمية.

*اليهود العرب الشرقيون:
نادرا ما يعترف الاشكنازيون بالظلم الذي يعاني منه اليهود الشرقيون و يفصحون عنه تماما مثل الأمريكيين البيض الذين نادرا ما يشعرون بالذنب تجاه السود  المنحدرين من العبيد. سأذكر هنا شهادة أريي إيلياف اعترافه بالذنب. فقد قال هذا النائب السابق و أمين عام حزب العمل الإسرائيلي المكلف بأمور المهاجرين اليهود من أصل عربي، سابقا:«يكمن خطؤنا الكبير في تحجيم عائلات المهاجرين العرب الموسعة، و باستثناء "العائلات البطريقية (التي للأب فيها سلطة قوية ) صنعنا من هؤلاء حالات اجتماعية مستعصية. فقد حولنا هؤلاء العجزة، و المسؤولين الروحيين(الحاخام)، والحكماء، باختصار هؤلاء القادة الطبيعيين لمجموعاتهم الصغيرة، إلى أشخاص ينتمون إلى الدرجات السفلى من المجتمع، غير منتجين، وانتزعنا منهم تقريبا بالقوة أحد الأشياء الثمينة والغالية التي استقدموها معهم ألا وهي اللغة العربية، لقد اقتلعنا  اليهود الشرقيين من محيطهم و جردناهم من ماضيهم وأصلهم و مجدهم، وهذا سرعان ما أدى إلى تخلف اليهود الشرقيين وجهلهم، لقد وصلنا بسرعة إلى أسطورة تجهيل وتأخير اليهود الشرقيين  التي تصفهم بأنهم نزلوا لتوهم من الأشجار و خرجوا حالا من الكهوف. و يتردد على آذان كل شخص منكم منذ نعومة أظافره، أنه آت من الظلام، من لا شيء، وأن محيطه بدائي (وهذه العبارات تلمح مرة أخرى إلى الازدراء و الاحتقار الذي يعاني منه الفلسطينيون) إلى أن يقتنع بهذا الأمر. «عند وصولهم كانوا يعانون من الجهل و قلة الخبرة، فكيف يمكننا أن نترك لهم مكانا على مستويات إدارة الشعب؟ » .(1)
 أن الذين اعتقدوا أن الآراء المسبقة المتعلقة باليهود العرب الشرقيين، ستزول مع الوقت كانوا يرتكبون خطأ فادحا. فبعد مرور30 سنة على إنشاء دولة إسرائيل، وعشية العيد الوطني في شهر أيار(مايو) 1978، صرح رئيس الأركان، مردخاي غور ما يلي، خلال مقابلة أجريت معه: «عندما كنت أتولى قيادة غزة العسكرية، أردت أن أتعرف على العقلية العربية، ووصلت إلى نتيجة أننا سنحتاج 20 أو 30 سنة لكي نطور عقليتهم، والمؤسف هو أنه حتى اليهود من أصل عربي لن يخففوا هذا الفرق الاجتماعي الشاسع (مع اليهود الاشكنازيين) قبل 20 أو 30 عاما.
لن تؤدي جميع جهود شعب إسرائيل ( والمفهوم من هنا الاشكنازيون) المبذولة من أجل هذه المجموعات إلا إلى نتائج جزئية، ولن يصل إلى القلائل منهم إلى مراكز عالية في الدولة، وللأسف  الشديد، ستمر سنوات عديدة قبل أن يستطيع أفراد المجموعات الشرقية، وحتى الذين أنهوا دراساتهم الجامعية منهم، التوصل إلى مستوى العقلية والتكنولوجية الغربيتين ».
 أثارت هذه التصريحات صيحة غضب عامة، فلم ينكر غور هذه التصريحات، ولكنه أعطى التفسيرات التالية: « 80% من المراتب الدنيا في الجيش هي لليهود الشرقيين، وكذلك 30% من الضباط في الدرجات الأدنى. أما في صفوف ذوي المراتب العالية من الجيش – أي من درجة نقيب وما فوق – فعدد اليهود الشرقيين من بينهم قليل جدا، وهذا الوضع يزداد خطرا، بحيث أن معظم أفراد الجيش الإسرائيليين من العساكر، قد ولدوا في إسرائيل، ( والمفهوم من ذلك أنهم منحدرون مباشرة من أعضاء المجموعات العربية الشرقية التي تم ترحيلها إلى إسرائيل بعد سنة 1948). (2)

* فشل المشروع الصهيوني الاستعماري:
 سنة 1997 احتفل الإسرائيليون بالذكرى المئوية لنشر « الدولة اليهودية» لتيودور هرتزل، وبالذكرى الخمسين لإقامة الدولة الإسرائيلية، وقد حان الوقت، في فجر الألف الثالثة لتحليل الانجازات الديمغرافية الاستعمارية للحركة الصهيونية خلال الخمسين سنة المنصرمة، ونحن مرغمون على الاعتراف بأن إنشاء هذه الدولة كان أساسا للعديد من المآسي الإنسانية التي عانى منها اليهود الأوروبيون، والفلسطينيون، ويهود العالم العربي والإسلامي، وقد حان الوقت لكي نرى ما العمل لتجنب مآسي جديدة.

* الإنجازات الديمغرافية:
  إن إنشاء دولة يهودية اشكنازية على الأراضي المقدسة يمكن إرجاعه إلى زمن لا وجود له، فإن ملايين اليهود الإشكنازيين من أوروبا وأمريكا آثروا البقاء في وطنهم الأصلي، والأعظم من ذلك هو أن عددا كبيرا ومن أولاد الأشخاص الذين أتى بهم ابن غوريون خلال الثلاثينيات إلى إسرائيل هاجروا إلى بلدان أخرى. وقدوم أكثر من 700 ألف مهاجر من الإتحاد السفياتي سابقا منذ 1990 لم يحسن الأوضاع .
فقد تبين أن نسبة نمو اليهود الاشكنازيين حتى بعد قدوم أولئك الذين أتوا من الإتحاد السوفياتي، انخفض بنسبة 3400 نسمة حسب الإحصاءات. ولقد فرض وزير العمل في حكومة رابين الأخيرة، أورا نامير، على حكومته أن تعمد إلى الاختيار بين المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفياتي سابقا، لأن ثلث هؤلاء المهاجرين كان مؤلفا من العجزة، والثلث الآخر من المرضى، والثلث الأخير من العائلات المحطمة ( أي الأسر المنفكة بطلاق أو فراق لعلة ما). وتصدر اليوم مقالات في الصحف تفصح بأن ثلثا واحدا من هؤلاء المهاجرين هو من أصل يهودي، فإضفاء الطابع الغربي على الأراضي المقدسة كان مآله فشل، وفي هذا الإطار يجب أن نقوم بواجب الإشادة والاحترام ونحيي الأمهات الفلسطينيات اللواتي لم يتوقفن عن إنجاب العديد من الأطفال على الرغم من وضعهن المأساوي.

الإنجازات الزراعية:
     تبين أن نتيجة الإنجازات المتعلقة بالإنتاج الزراعي هي سلبية أيضا، وأوضح البروفسور كيشاياهو ليبوفيتز في هذا المجال ما يلي: « تعيش إسرائيل عالة على الإعانات التي تأتيها من الخارج. وفي المقابل فهي ترسل أولادها يقتلون ويقتلون من أجل خدمة مصالح الذين يعطونها خبزها اليومي، وتقتصر روحها الوطنية على ذلك » (3)
    كما بلغت أموال القرصنة ورؤوس أموال أخرى التي حصلت عليها إسرائيل، هذا البلد الصغير، خلال وجودها الذي طال مدة 50 عاما، ما يقارب  150 مليار، وقد وصل لإسرائيل خلال السنوات الأخرى من الأمم المتحدة 3 مليار دولار سنويا لشراء الأسلحة، و 2 مليار دولار سنويا لشراء المواد الغذائية، وما يقارب 3 مليار دولار من المؤسسات اليهودية. ما عدا الملياري دولار خلال مدة خمس سنوات كضمانات مصرفية. وزادت هذه الأموال عمليات بيع الأسلحة وأرصدة المهاجرين السوفيات. واستوردت إسرائيل سنة 1990، بضائع بما يعادل 15.4 مليار دولار، أي بنسبة 3500 دولار لكل مواطن إسرائيلي. و تبعية دولة إسرائيل المستقلة تجاه الولايات المتحدة، ظهرت جليا في تصريحات وزير الدفاع في حكومة رابين، مردخاي تزيبوري حين قال: « إذا أقفلت الولايات المتحدة الأسواق الدولية في وجهنا، لن يعود باستطاعتنا الشراء، ولا البيع، ولن يبقى أمام الدولة الإسرائيلية إلا الزوال. (4)
فقد قضت إسرائيل على الزراعة الفلسطينية، ولم تستبدلها بزراعة إسرائيلية من شأنها أن تشبع الحد الأدنى لحاجات هذا البلد. فالولايات المتحدة هي التي تؤمن الحاجات الغذائية لخمسة ملايين يهودي إسرائيلي، وأربعة ملايين فلسطيني، في حين أن باقي الفلسطينيين، مازالوا يعيشون كلاجئين في البلدان العربية المجاورة.
وفشل مشروع الكيبوتزات التي احتلت معظم أراضي البلاد الخصبة، كما فشلت أيضا الموشافيم الإشكنازية التي شيدت على السهول الساحلية، إذ أنها لم تستطع تأمين حتى جزء صغير من حاجات البلد الغذائية. بعد إنشاء دولة إسرائيل، أصبح الحل الوحيد لتأمين الحاجات الغذائية لـ13 مليون نسمة (5.8 مليون فلسطيني و 5 مليون إسرائيلي ) استيراد المواد الغذائية من الخارج، في حين تسود المجاعة مناطق كثيرة في العالم، فقد فشلت إسرائيل كليا في المجال الزراعي، إذ أنها لم تستطع إيجاد المزارعين المؤهلين للحلول محل الفلاحين الذين تعود خبرتهم ومعرفتهم إلى آلاف السنين.
و هكذا فشلت جميع مشاريع الموشافيم و هي المزارع الفردية و الكيبوتزات، أي المزارع الجماعية التي شيدت على الأراضي الفلسطينية بعد إخلاء 400 قرية فلسطينية و تشريد أهلها.
فلا يمكن لأي شخص أن يصبح مزارعا في ليلة وضحاها، وإذا انقطعت البواخر المحملة بالمواد الغذائية عن الوصول إلى مرفأي حيفا وأشدود، فسرعان ما ستعاني إسرائيل من المجاعة.
ويجدر التذكير هنا بأنه خلال فترة الانتداب، لم تكن الزراعة العربية الفلسطينية لتلبي حاجات الفلسطينيين الغذائية فقط، بل كان يباع جزء مما يفيض عنهم لليهود.

   

1 ) عن إيلياف أريي من مجلة الأوقات الحديثة العدد الخاص – الثاني بإسرائيل – سنة 1979 ص: 18 إلى 23.
2 )  جريدة « هآرتز » بتاريخ 1/5/78، وجريدة « صحيفة إسرائيل » بتاريخ 22/5/78.
3 ) جريدة هآرتز بتاريخ 12/4/84.
4)  جريدة هآرتز بتاريخ 11/4/85.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here