islamaumaroc

نظرات تربوية لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد

  عبد السلام الهراس

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

أما العلم الحق فهو معرفة الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ما هي عليه، وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي، والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة و تجنب الشقاء، و المعرفة بهذه الفعال هي التي تسمى « العلم العملي».
والفعال التي تعكس الحق تنقسم إلى : أفعال بدنية، والعلم بها يسمى الفقه، وأفعال نفسانية وأخلاقية دعا إليها الشرع أو عنها والعمل بها يسمى « الزهد » و« علوم الآخرة»، وإلى هذا نحا أبو حامد الغزالي في كتابه « إحياء علوم الدين ».(98)

• الشرع يراعي في تعليم الناس مستوياتهم العقلية والفكرية :
اشتمل الشرع على جميع أنحاء طرق التصديق وأنحاء التصوير لإمكان تعليم الناس العلم الحق والعمل الحق بالطرق البرهانية والجدلية والخطابية حسبما يناسب كل مستوى، فأكثر الناس يناسبهم من طرق التصديق الخطابية والجدلية، وأما البرهانية فهي خاصة لأقل الناس، ولكل من الصنفين فرضه، ففرض الجمهور حمل الأمور على ظاهرها في نطاق الأقاويل الخطابية، وقد يكون فرض بعضهم ممن له نظرية متميزة أن يرتفع بهم إلى الطرق الجدلية، أما الخواص ففرضهم التأويل الذي لا يدرك إلا بالبرهان.(99)    

• خطأ العالم وخطأ الحاكم :
وبما أن التأويل أمر مشروع لذويه فقط، وبما أن ما ينص عليه التأويل هو قضايا عويصة فإن الاختلاف فيه أمر لا مفر منه، وهذا يفضي إلى خطأ في جهة وصواب في جهة، والمصيب مأجور معذور. وإذا كان للحاكم المصيب أجران وللمخطئ أجر حسب الحديث الشريف، فأي حاكم أعظم من الذي يحكم على الوجود بأنه كذا أو ليس بكذا، وهو يرى أن هؤلاء الحكام هم العلماء، وهم المصفوح في الشرع عما يصدر منهم من خطأ. أما الخطأ الصادر من غير هذا الصنف من الناس فهو إثم محض، إذ الأول عن علم، أما الثاني فعن جهل. وسواء كان ذلك من الأمور النظرية أو العملية، فكما أن الحاكم الجاهل بالسنة إذا اخطأ في الحكم لم يكن معذورا كذلك الحاكم على الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحكم فليس بمعذور، بل هو إما آثم أو كافر.
ويشبه الحاكم العالم بالطيب الماهر الذي يعذر إذ أخطأ في صناعة الطب.(100)

• غاية المنهج تكوين الفقيه المجتهد :
من أهم تآليف ابن رشد في الفقه الإسلامي: « بداية المجتهد ونهاية المقتصد»، وحسب المطبوع فإن ابن رشد لم يبين غايته من تأليف هذا الكتاب، مما قد يجعل القارئ المتسرع يظن أنه أراد به تناول ما يمكن أن نسميه بالفقه المقارن الداخل أي كما زعم بعضهم داخل دائرة الفقه الإسلامي وبيان أسباب خلاف الفقهاء والمجتهدين، وقد سبق القول أن تأليفه هذا تلفيق من كتب آخرين، ولكني أستبعد ذلك، لأنه لو كان كذلك لما خفي على كبار العلماء القدماء والمحدثين ويكفي أن نقول ابن الأبار عن الرجل: إنه كان يفتي في الفقه كما كان يفتي في الطب. وقد عرفنا أيضا أن الرجل كان يحفظ ديواني أبي تمام والمتنبي، وكان كثير الاستشهاد بأشعارهما خلال إلقاء دروسه.
وما يهمنا أن ابن رشد ألف كتابه لغاية إعداد الفقيه إعدادا علميا يبلغ به درجة الاجتهاد، لأنه غير كاف حفظ المسائل واستيعاب القضايا مجردة عن المنهج الذي يجعل الفقيه مؤهلا لمواجهة النوازل الجديدة التي لم ترد ضمن تلك المسائل أو القضايا مواجهة علمية تفضي به إلى تقديم الحلول المناسبة اعتمادا على مواد الاجتهاد وآلياته: يقول ذلك صراحة أثناء كتاب الصرف:
     « فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد( لعله المبتدئ ) في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد، وإذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له من علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة  زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدر لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت».(101)

• وحدة الموضوع :
ومن أهم ما تناوله ابن رشد التزام وحدة الموضوع في التأليف، وهذه قضية هامة وجديرة بالإتباع، لأن كثيرا من مؤلفاتنا تحشد في الموضوع الواحد علوما كثيرة لدرجة قد تجعل المبتدئ ضائع بين تلك المسائل والقضايا الجانبية، غائبا عن روابط الفكرة ونسيج الموضوع الذي يدرسه. وليس معنى هذا عدم الاستعانة بالعلوم الأخرى عند ضرورة تبيين الفكرة أو شرح القضية، لكن دون توسع  أو انسياح وتشعب كما نلاحظ في كثير من مؤلفاتنا القديمة ولاسيما المتأخرة منها، يقول في كتابه: « الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى للغزالي » :
« وأبو حامد قدم قبل ذلك مقدمة منطقية زعم أنه أداه إلى القول بذلك نظر "المتكلمين في هذه الصناعة في أمور ما منطقية، كنظرهم في حد العلم وغير ذلك، ونحن فلنترك كل شيء إلى موضعه، فإن من رام أن يتعلم أشياء أكثر من واحد في وقت واحد لم يمكنه أن يتعلم ولا واحدا منها »(102). وهذا يذكر بالمثل المغربي المشهور: سبع صنايع، والرزق ضايع  والمثل الاسباني من أراد أن يجمع كل شيء ضيع كل شيء.

• علم التشريح طريق الإيمان:
كما يتوصل إلى معرفة الله بالبرهان الفلسفي فإنه يزداد إيمانه به إذا ما اشتغل بعلم التشريح، يقول: « من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانه بالله »(103) 
وهو في ذلك ينبه إلى باب هام من أبواب المعرفة بالله وهي العلوم العملية التي يواجه فيها الإنسان أسرار المخلوقات ونظام الأجسام للوقوف على كمال صنعة الخالق سبحانه وتعالى: ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ) ( آل عمران 191).

 

98 ) نفسه 49-50.
99) نفسه 50-52.
100) نفسه 42-44.
101 ) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 2/ 193- 194 المكتبة التجارية الكبرى مطبعة الاستقامة القاهرة.
102 ) الضروري في أصول الفقه، ومختصر المستصفى للغزالي، ص 37 دار الغرب الإسلامي، 1994 بيروت، تحقيق الأستاذ جمال الدين العلوي رحمه الله..
103) عيون الأنباء 2/ 77.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here