islamaumaroc

الأسلمة في أوساط معلمنة: المستقبل مجال العقل

  محمد بريش

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

المستقبل مجال الفعل:

نقصد بمفهوم «المستقبل» في دراستنا صور الغد القريب الناتجة عن استشراف علمي للقادم من الأزمنة، من خلال إعمال محكم ودقيق لعلوم المستقبل المعاصرة، داخل أفق يمتد من بعد قصير المدى فمتوسطه بالنسبة لمآلات القرارات المتخذة حاضرا لاختيار بديلها الأصوب والأنجع، إلى بعد بعيد المدى بالنسبة للمقاصد والتوجهات، وما يلزمها من وسائل وطاقات، تسمح بصياغة المخططات والاستراتيجيات، من خلال الوعي بمضمون دائرة المستطاع اليوم ودائرة المستطاع غدا، على جميع الأصعدة الفاعلة والحية المحققة للمقاصد والغايات المرجوة.
ومن ثم فتحديد المفهوم يتجلى في مساءلة فنون دراسات وعلوم المستقبل المعاصرة عما تعنيه وما تقصده من مصطلح «المستقبل»، حين تتطلع لاستشرافه وتكهن مضامينه وأشكال حركاته وتياراته، و« علوم المستقبل»  أو«دراسات المستقبل»، أو«الدراسات المستقبلية»، أو«فنون استشراف المستقبل»، أو «المستقبلية»، هي قبل كل شيء منهج علمي، وموقف فكري، وتصرف عقلي، للتحكم في مسار الحاضر، ليس من خلال ادعاء التمكن من إدراك كلي لمضامين المستقبل، فذلك ضرب من المحال – ولو صدقت مقولات التنبؤ يوما بالصدفة – بل بتوجيه الحاضر نحو المستقبل المراد والغد المنشود.
فالأمر لا يتعلق بتصرف سكوني اتجاه ميولات الحاضر بمسايرة دوافعه وتياراته، فذلك موقف سلبي، لا دور للفكر فيه، لأنه يقضي بانتظار التغيير ثم الخضوع لحتميته، ولا عزما على تأريخ أحداث المستقبل، لأن ذلك ضرب من الكهانة لا يدعي علميته إلا سفيه أو محتال، ولكن ومستقبلات مرجوة، مع ترقب عقبات في وجهها محتملة، وموانع في طريقها متوقعة.
فالتعامل مع المستقبل من هذه الوجهة لا يتعلق برد فعل مع المداهم والمباغت من النوازل والمدلهمات، لأن المسألة ليست إقصاء لعمليات مجابهة الضار من الدوافع والجاذبيات، والشديد البأس من الموانع والعقبات، وإغفال الإعداد والتهيؤ لها إلى حين بزوغها، ذلك أن أية منازلة لها على ساحة التاريخ هي منازلة خاسرة، فعجلة التاريخ عجلة ساحقة.
ولكن المسألة فعل بدل رد الفعل، ينطلق أساسا من إعمال للفكر والذهن في معالجة الواقع على بصيرة وبعد زمني عبر تكهن علمي بمدى سطوة تلك الدوافع والجاذبيات قبل مجيئها، ومدى حدة عوائق الموانع والعقبات قبل الوصول لها، إعدادا وضمانا لسلامة التحصين وبلوغ مستويات راقية من المناعة حين مقابلتها أو مواجهة مثيلاتها.
وإعمال الفكر والذهن تبصرا واستشرافا ممكن في وجه تلك العقبات والموانع، والجاذبيات والدوافع، من الترقب الراقي والإعداد الواقي بعد بلوغ درجة من الظن الواعي بمباغتتها، ودراسة جدوى التحسب لاحتوائها، بعيدا عن عمليات التهويل والتخويف الصادرة غالبا عن فعل جهات ومؤسسات وتنظيمات تدفع بشتى الوسائل والحجج جهة الإيمان المطلق بحتمية وصدق ما ترمي به من التوقعات، وتحول بتلفيق في الأسلوب والمنهج دون التشكيك في استحالة وقوع ما تنذر به من التنبؤات.(1)
لذا كانت« المستقبلية» موقفا فكريا من جهة لابتسار نظري تصوري واع لحركة التغيير القادمة، وتكهن لما يبشر أو ينذر به تطور الأوضاع القائمة والأحداث المتفاقمة، وتصرفا عقليا من جهة أخرى لدفع عجلة التاريخ ورحى الأحداث نحو مستقبل منشود محدد سلفا، ووضع مرغوب معلوم مسبقا.
والمستقبلية زاد للوعي الجماعي، وإلا فلا حاجة لها على الإطلاق:
• وعي جماعي بأن الأمة معرضة للزوال في حالة عدم تبصر الخطر المحدق بها في كل قرار أو حركة جهة العقبات التي عليها اقتحامها، وإدراك درجة الكوارث المحتملة المانعة من إنجاز المصالح ودرء المفاسد حماية للفرد والمجتمع، وإقامة موازين الحق والعدل التي تتوخاها في مجتمعاتها ومحيطها، على مستوى يتجانس مع طموحاتها والمتوفر لديها من الوسائل داخل دائرة الممكن حالا، وما قد تتسع له أو تضيق به مآلا.
• وعي جماعي بانعكاس الخطر على الجميع أفرادا وشعوبا وحكومات ومؤسسات حين غياب الإيمان بضرورة العمل لصناعة الغد المشرق من خلال تعزيز الموجود وإيجاد المفقود من المصالح، والحرص على درء كافة الأخطار والمفاسد المهددة للبقاء.
 فإنعاش الذاكرة الجماعية هو الهدف الأساس من المستقبلية، وأس ذلك الإيمان والعمل، ومحاربة التآكل المعرفي، والحيلولة دون تآكل الذاكرة، هما المقصد الأسمى من الاهتمام بعلوم المستقبل، وأس ذلك العلم والتواصي بالثبات على الحق، والصبر على مواصلة السير، لبلوغ الأهداف المرسومة لازدهار الأمة ودوام السؤدد لها.
 ولقد سبق أن شرحنا بتفصيل ذي دراسات سابقة دلالات مصطلح« المستقبلية» من خلال أهم ما نشر من الدراسات الاستشرافية بالبلاد العربية والغربية المعرفة لمفاهيمه يمكن أن يرجع إليها.(2)
وحسبنا في هذه الفقرات تقديم بعض التوضيحات الضرورية حول القصد من إعمال علوم وفنون دراسات المستقبل المعاصرة في معالجة واقعنا حتى نعي المراد من مفهوم «المستقبل» من خلال عرض مركز لبعض الرؤى والمرتكزات والمناهج لتلك العلوم والفنون ورجالاتها ومؤسساتها ومدارسها، استخلصناها من تجربتنا المتواضعة، ومشاركتنا الدولية في مجال الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية. وهي توضيحات وإشارات منتقاة من مسودة مشروع تنظيري نعده للنشر حول هذا العلم الضروري، ثم تناوله من وجهة نظر ترمي لجعله عنصرا أساسيا من عناصر الاجتهاد المعاصر، مدخلا من مداخل إتقان البحث في المستحدثات والنوازل داخل ساحة واقعنا المتقلب.
ولهذا كان مفيدا ونحن نتطرق لمفهوم « المستقبل!» الذي هو أس كل معالجة استشرافية وبرنامج تغيير مستقبلي، أن نقدم نبذة مركزة عن القصد من تلك العلوم والفنون لنمارس من خلال التعريف ذاته منهجا للغوص في تحليل الواقع المعاصر، وكيفية البحث عن تحديد العوامل الفاعلة في تقلباته، والدالة على أشكال تغيراته.
ونشير بدءا قبل التطرق لمقاصد فنون المستقبل ومضامينها إلى أن هناك أنواعا متعددة لهذه الفنون تختلف باختلاف موضوعها ونماذجها، منها السلبي ومنها الإيجابي، أما السلبي منها فلن نطيل الكلام حوله لأنه بعيد عن المنهج العلمي، لصيق بالخرافة وادعاء علم الغيب، بل لا يصنف بتاتا عند العديد من الخبراء ضمن علوم المستقبل، وإن  كان غير عديم الفائدة في مجالات الأدب وإبداعاته القصصية المعتمدة على نسج الخيال، أو البرامج الإعلامية والمواد السينمائية التي قد تسد عطشا معرفيا أو حاجة ترفيهية من خلال التلويح بالعقل في سراديب الخيال ومتاهات المحال.
وحسبنا في هذا التعريف الموجز الإشارة إلى ثلاثة أنواع من النمط السلبي لا تفيد لا في المجال الأدبي ولا في المجال العلمي، حددها بدقة شيخنا وأستاذنا في هذا الفن، عميد المستقبليين العرب، الدكتور أبو سليمة المهدي المنجرة حفظه الله، تباعا كالآتــــــي(3) :
نوع يمكن تسميته بـ « المستقبلية التراجعية» يقاوم الحاضر بتبرير الماضي عوضا عن ابتكار المستقبل. ونوع يمكن نعته بـ « المستقبلية التخديرية» يلجأ إليه بعض الساسة ومن في فلكهم حينما يصبح الواقع لا يطاق لتبرير هروبهم إلى الأمام، وفرارهم من  معالجة الحاضر، من خلال سيل من التمني بعهود قادمة من الرخاء، بوابل قرارتهم وتصرفاتهم، أو العمل قيد شبر استعدادا للوفاء بتعهداتهم.
•  نوع يمكن أن نصفه بـ: « المستقبلية الاحتكارية» حين يكون على المستوى الدولي، أو بـ:«المستقبلية الانتهازية» حين يكون على المستوى الوطني، يعتمد أسلوب التأثير على الحركات الفكرية في حصر الأولوية لفائدة تصوراته المستقبلية، دون أخذ رأي المعنيين بالأمر أو استقراء رغباتهم وتطلعاتهم.
أما أبرز أنواع النمط الإيجابي فنوعان:
• نوع يمكن أن ننعته بـ:« المستقبلية الاجتماعية»، ويتميز بكونه نقدا اجتماعيا يعتمد أساسا على المستقبلية العكسية من خلال استقراء نقدي لتاريخ الظاهرة أو المنظومة المراد دراستها. وهو منهج علمي لكونه يعمد إلى إعمال منهج دراسي نقدي وتحليلي يقوم بتشخيص الحاضر وحركته وتوجهاته من خلال دراسة جينات انبثاقه ومسار تطورها في الماضي، ويمحص المستقبلات الممكنة التي تتولد عنها، ليستطيع بعد ذلك إدراك الاتجاهات الضخمة التي جعلت الكفة تميل جهة أحدها فقط، والمتمثل في الحاضر.
• ونوع يمكن أن ننعته بـ :« المستقبلية القرارية»، وهي تهدف أساسا إلى صياغة مشاهد للمستقبل تساعد على صناعة القرار وتوجيه مساره نحو الدقة، وذلك من خلال بسط ملامح تبدو مريحة على صعيد التفكير في المستقبل وتوجساته، لكنها تشحن بآمال تحققها طاقات رجالات القرار صوب العمل المتقن، والممكن من تجسيد الأكثر إمكانية والأصوب قصدا من تلك المشاهد على أرض الواقع. وانطلاقا من مقصدها القراري، يكون منهجها شديد العناية بمآلات القرار ومعوقاته وانعكاساته المحتملة، ومدى تحقق الأهداف المتوخاة منه، تستخلص منها مشاهد يمكن أن يطمأن إليها حين العزم باتخاذ القرار المراد أو عدمه.

وكثيرا ما نجد الدراسات المستقبلية اللصيقة بالمجالات السياسية والاقتصادية محتاجة ومستعملة لكلا النوعين المذكورين، محتاجة للأول لمعرفة شكل المستقبلات الممكنة، ومستعملة للثاني لاختيار بدائلها حين العزم على قرار يتعلق بإنجاز المتوخى والمرغوب من تلك المستقبلات.
ولا نستغرب كون بعض الخبراء يرون في  المستقبلية نوعا من الانتقام العقلاني من وقع جهل العقل بمعظم نتوءات وتجاعيد تطور الحاضر، لكننا دون أن نسلك نفس المذهب نراها نوعا من التحدي المعرفي المشحون بالآمال للتغلب على عقبات تحليل تطورات واقع المجتمع، وهي تأخذ أهميتها من شح المعلومات حول شكل القادم من الأحداث داخل ذلك المجتمع، بل وجدنا بعضهم يعرفها تعريفا واضح العيب والخلل يتهكم فيه قائلا: «إن المستقبلية، وخاصة منها المستقبلية الاجتماعية، هي بالتأكيد وفي آخر المطاف ما كان ينبغي أن نفكر فيه ابتداء من اليوم للمنظومة الاجتماعية القائمة».(4)
ولو تمعنا في القول لوجدنا صاحبه يخطو على خطى الفيلسوف الفرنسي «غاستون باشلار» Gaston Bachelard حين قوله: «الواقع الحقيقي ليس ما نظنه، بل هو دوما ما كان يلزم أن نظنه».(5) ثم يضيف نفس الباحث المستقبلي المتهكم لينهي تعريفه بكلام مقبول:
«المستقبلية الاجتماعية هي ما يلزم أن نعلمه عن منظمة المجتمع في الوقت الذي نضع أنفسنا موضع المتوقع لما هو محتمل الوقوع. وهي بذلك لا تعدو أن تكون إعادة بناء مستمر للحاضر الاجتماعي انطلاقا من معرفة أحسن لماضيه، وتساؤل مراقب علميا عن مصيره».(6)
ولهذا صنفت المستقبلية كعلم حديث من طرف علماء الاجتماع ضمن إحدى الشعب الجديدة لعلم اجتماع المعرفة. ويرون أن الهدف الأساس منها ليس تقديم أجوبة عن أسئلة معدة سلفا، ذلك أن التساؤل حول المصير مبدئيا يسبح في جو كامل من الحرية، من المفسد للمنهج العلمي تقييد فسحته وتحجير اتساعه إلا بما يمنع من الدخول إلى دروب المحال، أو الغوص بعيدا عن سليم المنطق في متاهات الخيال، بل الغاية منها الوصول إلى كيفية علمية أسئلة محددة ودقيقة، من النوع الذي تبقى أجوبته مفتوحة أمام عديد من التفسيرات والقراءات مهما كان موضوعها. بمعنى أن الصرامة الابستيمولوجية هنا تتجلى أساسا على مستوى صياغة السؤال، وليس على مستوى تحرير الجواب.
وأراهم نحو ذلك المنحى لكون السؤال تعبيرا عن إيجاد منفذ، يملي رغبة في التطلع، ويعبر عن عطش  معرفي يولده القلق حول المصير. أما الجواب فالغاية منه أن يوجه قرارا، أو يملي حلا، بعد أن يستغرق الذهن في التفكير حول ماهية وموضوع السؤال. ولهذا كانت الصرامة الابستيمولوجية بالفعل ضرورية على مستوى السؤال، وليس على مستوى الجواب. لكن لا يعني هذا أن الجواب يظل دون قيمة.
و لا غرو أن نجد المبرزين من الخبراء في فن المستقبلية يحصرون مهامها في ثلاث:
- مهمة التوقع.
- مهمة الإعداد للاختيار أو اتخاذ القرار.
- مهمة النقد العلمي للحاضر، أو إعادة القراءة للماضي.
وانطلاقا مما تقدم، تكون المستقبلية عبارة عن منظومة أدوات معرفية ومنهجية، تعتمد في تحاليلها أسلوبا نقديا مسترسل التساؤل العلمي حول ثبات الفرضيات التي انطلقت منها لتصور التطورات والتغيرات للموضوع المدروس أمام إمكانية صدق توقعاته، تستخلص منها مشاهد محتملة الوقوع، وأشكال لرسم مسار التطور والتغيير المرتقب.
تلك الأدوات المعرفية مكونة أساسا من قوالب علمية وبحثية لتحديد فرضيات لتطور وتغيير الموضوع المعالج، محكمة الصياغة، مترابطة فيما بينها وبين منطلقاتها ومسار تطورها وتطور الواقع الذي تعالج فيه في جميع أبعاده وميادينه المتعددة والمتشابكة، لكنها ليست على أي مستوى جردا ليقينيات أو أحداث حتمية الوقوع. فلا هي علم اليقين بالمستقبل، ولا هي منهج للتنبؤ الحتمي، بل هي قائمة أسئلة معمقة حول المصير، دقيقة من حيث الصياغة، مراقبة علميا في كل مرحلة من مراحل صياغتها، ومعتمدة على مجموعة من الملاحظات الدقيقة.
ولا عجب أن نجد ترابطا عضويا متينا بين الحاجة عند الإنسان للمعرفة والتفكير في المستقبل، فالحاجة تترجم عند الراغب فيها إلى هدف، ويحول التخمين في تحقيقها لديه إلى مشروع لا مجال لاستكمال ظروف تنفيذه إلا بعمليات التبصر والتدبر في الزمن القادم المراد تحقيقه فيه، واستطلاع مختلف الموانع والعوائق التي تقذف بإنجازه إلى أمد أبعد، أو تفرزه على شكل أقل من المرغوب ولا مرتقب، أو تحرم المشروع من الوجود أصلا. فهناك من يرى أن الحاجة هي التي تملي الرغبة في استشراف المستقبل وسبر أغواره، لمعرفة متى يتحقق إشباع تلك الرغبة، وفي أي وسط يمكن أن تستجمع ظروف تلك الحاجة. وهناك من يرى أن الخوف هو الذي يملي كل ذلك. فالخوف من القادم وأهواله هو ما يولد الرغبة في استشراف المستقبل. والخشية من زوال الطمأنينة – أو الحرص على توفرها – هو الذي يدفع لمعظم ذلك، وما نرى هؤلاء إلا مؤكدين على ما لعمليتي الترغيب والترهيب من دور في تحيز الذات الإنسانية.
وللأسف أن علماء النفس المسلمين لم يولوا هذا الجانب مزيدا من الاهتمام، إذ ظلت علومنا الاجتماعية والسلوكية في أمس الحاجة إلى توسيع مجالات الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية للبرهنة والتأكيد على كون الرغبة والرهبة عنصرين أساسيين لتحفيز همم الفاعلين في كل زمان ومكان، فالخطاب الدعوي لمختلف الأنبياء والرسل قد اعتمد على تحريك هذين العنصرين بفعالية تشحن حوافز الجمهور المخاطب، وتثير الاهتمام لديه.
ونحن لا نقصد من هذا التعريف بالمفهوم التوغل في التنظير لعلوم المستقبل من وجهة تنطلق من مرتكزات الثقافة الإسلامية، لأننا لا نرى ضرورة في تفصيل ذلك، إذ أننا لا ننتظر من دراسات المستقبل حلا شاملا لمعضلات قائمة، أو قرارا ناجعا لفك إشكاليات حاصلة، وإنما حسبها بعد الوعي بنتائجها وتوصياتها الإحاطة إجمالا بالموضوع، وتوجيه الأنظار لمختلف مركباته، وشكل حركاته، والمسار المتوقع لكيانه، المحدد لشكل مآلاته، ولهذا كانت عنايتنا في هذا التعريف بمفهوم «المستقبل» منكبة على مقاصد الفنون والعلوم المتعلقة بصياغة مشاهده لتوجيه تلك الأنظار نحو الغايات، لا تهويل الذات من خطر المستقبلات. ولن نتردد كلما سنحت الفرصة أن نعيد ما سبق أن نادينا به في دراسات سابقة – خاصة في عصور طغت فيها التقلبات، واشتدت فيها وتيرة وحدة التغيرات – ما أصبح شبه القاعدة عندنا من أن «البت في الحال، يفتي الإحاطة بالمآل».
ونحن حين نعالج المستقبلية، ونمارس عمليا دراسات المستقبل، فنمعن النظر استشرافا لآفاق عملنا الحالي والظرفي، في سبيل أن نقدم حاضرا داخل حقلنا الإسلامي على تصحيح ما ينبغي تصحيحه، وتغيير ما يلزم تغييره، لن نعدم من يصيح في وجهنا من بني قومنا وإخوتنا، ممن يشاطروننا الدين والعقيدة، ويحملون معنا هم الأمة، منبها كلما باشرنا الحديث عن المستقبل أننا نمشي في هذه الدنيا بقدر، وأن لا حركة لنا ولا سكون إلا بما قدر الله، ووفق ما قدر الله.
بل نحن حين نشق طريقنا على خطى ونهج نود أن يبلغنا الأهداف التي نرجو، ونحقق على دربه الغايات التي إليها نصبو، نسلم بأنه لم يبرح مكانه من راقه من أهل ملتنا وضع الذمي في حضارة القهر المعاصرة، واكتفى في حقها بترديد أوراد تطول أو تقصر من السب والشتم للآخر، وألوان شتى من التأسي والتمني حول زمن الأسلاف وإنجازاتهم، صارخا في صفوفنا – وهي تغالب أقدار الواقع تعاكس جاذبية أتعسها بالطموح والسعي لأخيرها مع الدعاء المتواصل لله المقدر المغير، كلما عزمت على استشراف ما توده من أزمنة قادمة راغدة توجه صوب شروطها عملها الحالي وسيرها الحاضر، حذرة من ضغط الجانب الفاتك من رحى تداول الأيام – مغلظا لها القول معاتبا ومرددا أن «استشرفوا ما شئتم من المستقبلات، فلن تسيروا إلا حيث أراد الله !».
ولقد شقينا إن لم نكن نعلم أننا ماضون في كل حالاتنا وأحوالنا وحركاتنا حيث أراد الله. إلا أننا نسمح لأنفسنا – انطلاقا مما تعلمناه من ديننا وما استنبطناه من شريعتنا – أن حجج هذا الصنف من المعاتبين داحضة. فهي من النوع الذي مضمونه الشكلي حقيقة، وقوام كلماته صدق، لكن أريد به تبرير كسل عن فعل لازم، أو منع من إقدام على عمل ضروري، أو استسلام لأمر حاصل مع ترويج خطاب يدعو لاستقالة من مغالبة الحاضر في انتظار الرجوع إلى عهد السلف، والاكتفاء مثل أصحابه بالعيش في وضع الذمي من الوجهة الحضارية بجميع مقاييسها، والاستمرار في أداء جزية جماعية نؤديها من حريتنا في إنجاز تطلعاتنا للعيش السليم، والحفاظ على ديننا القويم.
بل ننطلق من كامل اليقين بأن الإيمان لا يكتمل عند المسلم إلا بالإيمان بالقدر، وفق ما خطه الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المشهور:
«... قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت...».(7)
حجج المعاتبين الداحضة في سياقها الشكلي مشحونة بالحقائق، لكن في سياقها التبريري مقرونة بالمغالطات. فلا يلزم ولا يعقل بحال أن يلغي من ساحة الفعل والأقدار المصرفة له – بالوعي المعكوس أو المنعدم للموضوع والمقاصد والغايات – عدل الله عز وجل وقسطه. ولا يستحسن على أي وجه كان الانطلاق من تلك الحجج المبنية على قصور في الفهم وضعف في إدراك المعاني، لضرب سريان مفعول الأمانة الملقاة على بني آدم على مختلف الأزمنة والعصور.
أليس الله عز وجل هو المعاتب على من قالوا أنطعم من لو يشأ الله أطعمه؟ أليس الله سبحانه وتعالى هو الزاجر لمن قالوا لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا آبؤنا ولا حرمنا من شيء؟ ومن رام أننا ننفرد بالرأي في هذا المجال فليتدبر القرآن. يقول الله عز وجل معاتبا للكافرين، وداحضا تبريراتهم وحججهم للاستمرار في ضلالهم، في آيتين اخترناهما للمثل لا للحصر:
*الأولى: ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُم اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ? [يس: 47].
*الثانية: ?سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ? [الأنعام: 148].
فهذان مثلان يعاتب الله فيهما على قوم يحتجون في وجه من يدعوهم للإصلاح بالقدر. الأولون يدعون أنهم لا يريدون تغيير قدر الله، والآخرون يزعمون أنهم لا يستطيعون مخالفة قدر الله، فهل أجازهم الله على مواقفهم وأفعالهم أم أنكر زعمهم وادعاءهم؟
    ونحن لا نريد في سياق كلامنا أن ندخل في متاهات فلسفة القدرية وما جرته من جدال وصراع مدمر ومكبل بين مختلف الفصائل التي تصارعت في أزمنة سابقة في تاريخ أمتنا الإسلامي بين الجبرية والمعتزلة لكن أشير إلى ما قاله أحد الأئمة الأعلام، والسلف العظام، الإمام ابن القيم رحمه الله، في كتابه القيم " مدارج السالكين.(10)"
«وراكب هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفته: مصادمة أمواج القدر، ومعارضتها بعضها ببعض، وإلا هلك. فيرد القدر بالقدر. وهذا سير أرباب العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني: «الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. والرجل من يكون منازعا للقدر، لا من يكون مستسلما مع القدر». ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض، فكيف في معادهم؟
والله تعالى أمر أن تدفع السيئة، وهي من قدره، بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوع من قدره، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره. ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات، عاصيا وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره، وأمر بدفعها بأقدار تضادها، والدافع والمدفوع والدفع من قدره.
 وقد أفصح النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح، إذ قالوا: "يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟، قال هي من قدر الله".(11)
    ثم يضيف إمامنا ابن القيم رحمه الله بحجج دامغة شارحا أنواع دفع القدر بالقدر:
    «ودفع القدر بالقدر نوعان:
    أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه – ولما يقع – بأسباب أخرى من القدر تقابله، فيمتنع وقوعه. كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
    الثاني : دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بالتداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.
    فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة، فإنه عجز. والله تعالى يلوم على العجز، فإذا غلب العبد، وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجال، فهناك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. وهنا ينفع الفناء في القدر، علما وحالا وشهودا. وأما في حالة القدرة وحصول الأسباب، فالفناء النافع أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته، وعن حوله وقوته بحول الله وقوته وإعانته، فهذا الذي قام بحقيقة ? إياك نعبد وإياك نستعين? علما وحالا. وبالله المستعان.
    ونحن قوم بالطبع والفطرة لا نقول بسخرية القدر، لعلمنا أن القدر وهو على صنع ونهج رباني لا يسخر، ويستحيل أن يسخر. وكيف يسخر وهو مجال فعل لكل مكلف فيه من الحرية والحركة على قدر ما يمتطيه من أقدار الله المفسوحة أمامه، يفر من هذا إلى ذاك، يمتطي الأجود والأسرع من مراكب أقدارها لاختيار بدائل أقدارها، ويغالب المشهود والوشيك من أنواعها بما يتوق إليه من أحاسن أصنافها، مثلما قال عمر رضي الله عنه حين أبى أن يدخل الأرض التي قصد وقد حل بها الطاعون: «أفرار من قدر الله ؟»، فكان جوابه القاطع البليغ: «نفر من قدر الله إلى قدر الله». 
ومعنى ذلك أن الصالحين من عباد الله يسعون- ضمن نطاق التكليف وداخل دائرة أقدار الله- إلى التنقل من قدر الله، وأوسع لهم رحمة، وأضمن لهم ثباتا على الدين وممارسة لتعاليمه. من هنا كانت الكلمة البليغة للشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني رحمه الله نوعا من الحكمة التي لا يستوعبها إلا العارفون أولوا الألباب والنهى حين قوله: «والرجل من يكون منازع للقدر، لا من يكون مستسلما مع القدر».
فالإيمان بقدرة الله وقدره على المنحى السلبي الذي نراه اليوم في مجتمعاتنا والمنعدم الوعي للفرقد، بين التوكل والواكل، المفقد للإنسان طموح التغيير والإقدام على المبادرة، إيمان أجوف لا أس صلب له. بل الإيمان القويم المتين أن تضع قدر الله داخل مجال فعلك، وأن تغالب الأقدار التي لا مفر لك منها، تستجلب في محيطها صراعا ودفاعا وتدافعا قدرا أحب إلى الله، تكون فيه أقدر على القيام بما كلفت به من الله جل علاه، لإعلاء كلمة الله، خدمة لخلق الله، وحفاظا على موازين الصلاح في الكون المسخر للإنسان من الله .
 وسعيا لإبعاد تلك الرؤى السلبية التي رسخت في أذهان العديد من أفراد عالمنا الإسلامي، نقدم فيما يلي مجموعة من المعلومات المركزة عن فنون المستقبل موضوعا وغايات، لأننا لمسنا أن عديدا من جمهور المثقفين المسلمين قد اختلطت لديهم مفاهيم التخطيط والاستشراف والتدبير، وآخرون لا يميزون بين القدر والإعداد للغد، لعلنا نكون بذلك قد ساهمنا في إزالة الغموض، وشاركنا في تنوير النهى حول الغايات من إعمال فنون المستقبل وأدواتها المعرفية، للبت في قضايانا اليومية.
1- لعل الخطر الكبير التي يتهدد «علوم المستقبل» أو«المستقبلية» هو ذاك الكامن في إطارها الابستيمولوجي المستمر التطور والتبلور، لأنه لصيق بالعلوم الاجتماعية. فالمستقبلية منهج يخشى على الآخذ به حين التطبيق أن ينشغل بتحديد العوامل الفاعلة انشغالا يجد له حلاوة وجاذبية تبعده عن الصرامة الابستيمولوجية الضرورية والمواكبة لجميع مراحل البحث والدراسة، وتدفعه لتحميل المصطلحات المستعملة مفاهيم وتفاسير يمليها العناد لدى الخبير أو الباحث من جراء ميولاته الفلسفية والمذهبية لتفسير وتدعيم رؤيته ونظرته للموضوع المدروس مع مختلف صورها، وعدم وعيه العميق دون استعصاء فقه عوارضها وظروف انبثاقها، أو غموض بعض مظاهرها عليه كلية، فيلزم المنهج تحليلا يجد له نوعا من المنطق، وشكلا من التبرير العلمي، لكن يرفضه النسق الابستيمولوجي حين إعمال النقد، وإعادة التركيب، وتوجيه سهام التساؤل حول مبررات النتائج وعلل الفرضيات.
2- والخطر يكمن خاصة عند المهتمين بتلك العلوم والفنون في عدم التمييز بين «التداول» و«التقدم» فتداول الأيام سنة من سنن الله في الكون، قائمة دائمة إلى أن يشاء الله، وهي الأساس في التغيير، وهو مخالف للتقدم الذي قد يحصل حين التداول أو لا يحصل. ونحن إذ نشير لذلك، لا نريد فتح باب لتحديد كلا المصطلحين، ولكن لنلاحظ هناك عددا من المفتونين بالتقدم والتطور العلمي، يدعون أن المستقبل هو لمن له قدم راسخة في المجال الاقتصادي، وباع متصاعد في الميدان التكنولوجي، حتى إذا ما عالجوا ظواهر النسيج الاجتماعي الذي يتبلور فيه ذلك الاقتصاد، وأمعنوا النظر في مناخ تطور تلك التكنولوجيا، تبين لهم دور الجانب الإنساني والثقافي داخل المجتمع، فانهالوا حينئذ على صياغة تبريرات يلبسونها لبـوس العلم والمنطق، يبرهنون بها على تأثير أوضاع الاقتصاد والتكنولوجيا على ذلك الجانب الإنساني، ليعودوا إلى دينهم الأول وهم مقتنعون.
 ويسقط في نفس الخطأ الذين ينطلقون من السؤال: «ماذا سيقع في سنة 2000 أو ما بعدها من السنوات؟». فهؤلاء ليسوا من المنهج المستقبلي الابستيمولوجي في شيء. لأن الهدف الأساس من المستقبلية ليس كتابة تاريخ وقائع الأزمنة القادمة- مهما تعددت الوسائل العلمية لتكهنها- ولكنه النظر في إمكانية صنع مستقبل مرغوب، وتحديد العمل استراتيجية وبرنامجا لتحقيقه حسب شروطه، باستبصار مختلف العوامل الفاعلة في الماضي القريب والحاضر اللهيب، سواء منها المانعة من بزوغه، أو المشجعة على تجليه.
 4- وبأسلوب أكثر وضوحا، نؤكد أن المستقبلية من منظور إسلامي علمي هي تلك التي تعنى بدراسة بدائل المستقبل لحل المشاكل التي تتخبط فيها الجموع الإسلامية، وشن حرب ضروس على الجهل الذي ينخر جسمها، ومقاومة الفوضى السائدة ببعض صفوفها، وهي بذلك لا تنشغل بصور زهوق الباطل، ولكن تنظر للمستقبل على أساس أنه مجال حرية وإرادة وقرار لتحقيق دمغ الحق للباطل فإذا هو زاهق. فالقائد حين يقود حربا يكون هدفه النصر والتمكين لجيوشه من الفوز على الخصم. ولا نعلم قائدا عاقلا يقود الحرب لينظر بأي الطرق سيتجرع الهزيمة، أو ليلاحظ بأي شكل ستباد جيوشه وتزال شوكته.
5- إن المستقبلية تنطلق من جمع مختلف الأسئلة الحرجة حول وضع يراد دراسته ببدائل مستقبلية. فتحسن صياغتها بشكل تسلسلي مترابط يسمح بإبراز العناصر الفاعلة وترابطها. وفي غياب جو من الحرية يسمح بتقديم البدائل ومناقشة صلاحيتها، تتحول المستقبلية إلى نوع من الأسلوب القسري «الدكتاتوري» الذي يفرض رؤيا واحدة، يبرر أصحاب القرار علميتها ومنطقيتها من خلال إرغام الباحثين على السير على خطاها بما لهم من قوة نفوذ عليهم، فتضيع بذلك أزمنة كان يلزم أن تصرف للانتقال بالمجتمع نحو الأمثل، وتباد طاقات ليتها سخرت للنهوض بالمجتمع نحو الغد المشرق.
ولنا في النظم الاشتراكية والليبرالية والديكتاتورية على السواء في عالمنا العربي البئيس، والتي سادت في ماضينا القريب، أو التي تسود في أقطار شتى من عالمنا المهتز، خير المثل للدلالة على ما نقول. والنتيجة من ذلك تحول المستقبلية من فن يسمح بنهج سبل المستقبل المرغوب فيه عبر مشاركة الفاعلين من أفراد المجتمع، إلى تقنوقراطية لتمرير خيار القادة، وتبرير نهجهم بمختلف الوسائل العلمية والتقنية والمنطقية المتاحة، انطلاقا من إسقاطات رياضية متعددة، وتفاسير منمقة ومضخمة للظواهر الاجتماعية.
6- تسمح المستقبلية بتغذية الوعي الجماعي بفكر مضاد للفكر الرافض للتغيير ولهذا كانت طاقة مولدة لفكر منتج حينما تنبثق إسهامات جماعية لأفراد المجتمع، على عكس الصورة التي ذكرناها آنفا حين تنقلب أداة في أيدي الطغاة والدكتاتوريين لتبرير سياستهم، وإيجاد السند العلمي لتوجهاتهم.
ونحن نهدف من خلال إعمال فنون علوم المستقبل داخل مجتمعاتنا إلى دفع المسلمين قدما نحو الوعي الجماعي بإمكانية وضرورة إظهار الوجه الحضاري المشرق للإسلام، وتحقيق شروط إنزاله على أرض الواقع علما وثقافة وصناعة معرفية وحضارية. فإيمان المسلمين بمستقبل تتحقق فيه أمانيهم مؤازرة وتكافلا مع باقي فئات المجتمع الأخرى، بل تمثلهم لذلك المستقبل، وعيشهم ذهنيا وسط فضاءات تخيله، يجعلهم أكثر استعدادا لسلوك حصوله، ومن ثم كان الإيمان سابقا على العمل وأصلا له.
7- على ضوء ذلك، لا تكون المستقبلية ذات جدوى من وجهة نظرنا إلا إذا كانت منبثقة من الإيمان بأن الله ممكن للمسلمين دينهم الذي ارتضى لهم، وأن مستقبلهم بيدهم فلينظروا لشروطه، وأن الغد غدهم فليعملوا على تحقيق سبل تحصيله.
ومن ثم فهي أداة لتوسيع دائرة البحث والنقاش حول تلك السبل وصورها المحتملة الممكنة من تحقيق الشروط المطلوبة، والنظر بالعين البصيرة والدقيقة لمختلف الموانع والعوائق التي تحول دون ذلك، وطرق التغلب عليها ومواجهة المترتب عنها من العوارض والصعوبات، وما تمليه من تكثيف الجهد وحشد القوة لاقتحام العقبات.
8- في إطار ذلك تفهم « سورة العصر» في القرآن الكريم لأن الإيمان والعمل ضروريان للانطلاق وخوض غمار التغيير نحو المنشود، وضامنان لترجيح كفة تداول الأيام جهة الغد المشرق للإسلام، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر دعامتان لتحقيق الفوز حين مواجهة الموانع والعوائق، لازمتان لكسب النصر حين مدافعة الصعوبات وتحمل الشدائد حتى يحصل ذلك الغد المنشود، فيتشكل في هيأته المثلى على يد جيل من الأجيال القادمة، ثم الاستمرار على نفس النهج إيمانا وعملا جهادا وصبرا وتعاقبا من طرف الأجيال التالية، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
فانقطاع التواصي بين الأجيال قاتل لكل مشروع في عز تطوره، وماحق لكل مكتسب قبل نفاد عطائه، ومولد لأجيال يصفها الله عز وجل بقوله: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (12). فانقطاع التواصي بالحق والتواصي بالصبر منسف للإيمان، مجهض للعمل، مولد للخلف الضائع والمضيع، يفقد عقل الأمة استمرارية التوقد لبسط نفوذها على المستقبل، ويدفع عديدا من أفراد المجتمع للاستغراق في شهوات الحاضر، واللهو عن استيفاء شروط الغد القادم، وما مثال فلسطين عنا ببعيد.
9 – المستقبلية في منهجها السليم تقتضي نظرتين متكاملتين: نظرة إلى الأفق البعيد، ونظرة إلى الحاضر من بعيد. نظرة إلى الأفق البعيد لتكهن مآلات القرارات المتخذة الآن، ليس بقصد استغراق الذهن في التحديد الدقيق لتفاصيل مضمونها، ولا الاستمتاع ببراعة تخيل أشكالها، ولكن بهدف معرفة مجال المراجعة حاضرا، وفسحة إمكانية المبادرة حالا، لتغيير المسار نحو الأفضل، وتوجيه الواقع نحو الأمثل.
وتلك نظرة تقتضي بدورها كشف الجينات المولدة للاتجاهات الثقيلة التي تجر الأحداث بجاذبيتها، وتشد الواقع والوقائع تحت مفعولها، وهو أمر صعب دون نظرة أخرى من بعيد للواقع المدروس، نظرة تنطلق من زمن موغل في التاريخ بشكل كاف لاستيعاب المسار التاريخي للأحداث وفقه أشكال تطوره، ومعرفة غلبة الصورة منه التي تحققت على صور أخرى لم يكتب لها أن ترى النور، وإن كانت لها حظوظ افتراض الوقوع. والتحليل الابستيمولوجي الناقد بين النظرتين، من شرفة الماضي الذي انطلقت منه النظرة الأولى، إلى أفق المستقبل الذي بلغته النظرة الثانية، هو الزبدة المرتجاة من البحث والتحليل وهو المانع من أن يرجع بصر الباحث المستقبلي خاسئا وهو حسير، وما أمره على الدارس المستغرق الجهد بيسير.
10 – فنحن لا نسير على خطى الذين يدعون أن دراسة الماضي وحدها تحدد المستقبل، فهؤلاء يرون في تطور الأحداث أمرا سكونيا، ومعرفة أثر القادم لا تحتاج لديهم إلا إلى إسقاط تطورات الماضي على المستقبل، فتلوح لهم بذلك حسب ما يتخيلون أجزاء هامة من صوره، ولكننا نؤمن وننطلق من أن المستقبل هو الذي يصنع الحاضر، ليس لأن فقهاء المستقبلية يقولون بذلك ويعتبرونه أصلا لعملهم، ولكن لكون الإسلام كان سباقا في إرساء هذا المنهج والدعوة إليه، إذ المستقبل الأخروي المرغوب عند الفرد المؤمن هو الذي يحدد عمله الحاضر.
فمن كان يريد حرث الدنيا فقط، يؤتيه الله منها ما يشاء، وهو من وجهة الإسلام لا مستقبل له إلا النار.
ومن أراد الدار الآخرة وسعى لها سعيها في الحاضر، فإن له المستقبل الزاهر بإذن الله، وتلك أقوى الدلالات على قولنا إن المستقبل صانع الحاضر، وإن الإيمان بالصورة المرغوبة والممكنة منه محفز على العمل الآن، دافع للإقدام على استيفاء شروطه في الحال.
فالمستقبلية من منظور علمي، لا تنطلق كما يتبادر للذهن من السؤال: ماذا سيقع  من الحوادث في المستقبل؟ فذلك نوع من الكهانة لا يمارسه إلا مدع معرفته بالغيب، ولكن ننطلق أساسا من السؤال: كيف يقع في المستقبل القريب ما أريد بإذن من الله وتأييد منه؟ وما العقبات في وجهه؟ وما العوامل المساعدة على حصوله؟ وما عساني أفعله لو تعطلت خطاي، وسبقني المنافسون لصناعة المستقبل على شاكلتهم، بحيث تكون سنة تداول الأيام لصالحهم؟
تلك هي المستقبلية من وجهة نظر علمية، ومن منطلق إسلامي رصين، ولئن سئلنا بعدها عن ماذا سيحدث سنة 2000؟ سنجيب بكامل الابتسام: سيكون– رغم أننا لغزو ثقافي مكثف نسينا أو أنسينا مرجعية التأريخ بالهجري – أولها رمضان، وآخرها رمضان، وهو خير نهاية لقرن مليء بالانكسار والانهزام، معلن عن صحوة إسلامية مباركة تتنامى رغم اشتداد أنواع القهر والفتك، وقلة العدة والعدد، وغياب النصير، وضعف الظهير.
إنها سنة عادية من حيث الزمن، خاتمة لقرن متلاطم الأمواج، كثير المتغيرات، شديد الزلزال، كثيف التقلبات، إن كان لها ما يميزها عن غيرها من شيء هام، وتعلمه علم اليقين على وجه التمام، فهو أن انقضاءها يفسح المجال لمطلع شمس ألفية ميلادية ثالثة، وقرن جديد، وعام وليد، يبدأ الثلاثة والعالم الإسلامي يبتهج بأفراح عيد الفطر، فلا عجب أن يفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله أيا كانت حالتهم التي لا نخالها تخرج عن واقع مرير، لضعف في العمل وغياب في التنظير، لكنه فاتحة لعهد فريد، وموسم جديد يبدأ والأمة تعيش أيام الفرح بعيد الفطر السعيد فأنعم به موسما لثقافة الإسلام، وطالع خير للألفية والقرن والعام.

1 ) مما تقوم به تلك المؤسسات والتنظيمات مثلا تخويف شعوب الغرب وغيرهم من الإسلام، من خلال ادعائها أن المسلم أيا كان وحيث كان إرهابي الطبع، صلف الخلق، لا يمكن الاطمئنان لمواطنته وسماحته.  وهي في ذلك تعتمد على ترويج أفكار مغلوطة ومكذوبة، وصناعة افتراءات متناقضة، وتضخيم أحداث من الواقع ظرفية ومنعزلة. لتبرير المواقف، وتأكيد مشاهدها وتصوراتها المفزعة.
2 ) انظر مثلا دراستنا بعنوان « حاجتنا إلى علوم المستقبل»، مجلة المسلم المعاصر. العدد 61. خريف 1412 – 1991، ص 45 – 88؛ ومجلة المستقبل العربي، العدد 144، فبراير 1991، ص 21 – 51. وكذا دراستنا بعنوان « في سبيل استشراف محكم لمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي»، مجلة الهدى، العدد 31، ذو القعدة 1415، أبريل 1995، ص 22 – 28.
3) د. المهدي المنجرة، « من أجل استعمال ملائم للدراسات المستقبلية» ، مجلة عالم الفكر، المجلد 18، العدد 4، شتاء1988، ص، 3 – 6.
4)  "Prospective et societe". Travaux et recherches de prospective. N 28. la Documentation Française. N 14 p.2 mars 97.

5) G. Bachelard. La formation de l esprit scientifique 8 eme edition 1970 P. 13. Vrin.
"prospective et societe"
6) نفس المرجع المذكور فوقه .
7 ) الحديث رواه مسلم في أول كتاب الإيمان رقم 8، والترمذي في كتاب الإيمان رقم 2738، وأبو داود في كتاب السنة – باب القدر،  رقم 4695، والنسائي في كتاب الإيمان باب نعت الإسلام، 97/8. كما أنه ثاني أحاديث الأربعين النووية، وله شروح كثيرة.
8) سورة يس، الآية 47.
9) سورة الأنعام، الآية 148.
 10) ابن قيم الجوزية، «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى 1412 _ 1991 ج1، ص 232_233.
11) الحديث رواه الترمذي وصححه، رقم 2065، ورقم 2148، وابن ماجة، رقم 3437 والحاكم 402/4.
12 ) سورة مريم ، الآية 59

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here