islamaumaroc

إن الله يحب العبد المحترف. [افتتاحية]

  عمر بنعباد

العدد 344 صفر 1420/ يونيو 1999

  الإسلام دين العبادة لله، ودين العمل في الحياة.
  والإنسان أوجده الله في هذه الدنيا لحمل أمانة، وأداء رسالة، هي أمانة العبادة لله، والقيام بالتكاليف الدينية، والتزام الأحكام الشرعية، ورسالة الإسهام في النسيج الإنساني، وتشييد صرح البناء الإجتماعي والحضاري للأمة، بكامل جوانبه وميادينه المتعددة. وبذلكم كان الإنسان مطالبا في حياته بأمرين، ومؤديا لرسالته في جانبين أساسيين:
  *الجانب التعبدي لله الذي أوجد الإنسان وخلقه وصوره في أحسن تقويم، بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وهو جانب يجد فيه المسلم المؤمن بربه ورسوله غذاءه الروحي واستقراره الفكري واطمئنانه النفسي، وزاده المعنوي من الإيمان والتقوى وصالح الأعمال.
 *والجانب الثاني، جانب العمل الفكري والسعي البدني، والتحرك اليومي المطلوب من الإنسان في هذه الحياة.  
وهو جانب يحقق المرء من خلاله نتائج حميدة، وفوائد كبيرة للفرد نفسه ولمجتمعه، ولأمته المسلمة كلها.
 فهو يبعث في الإنسان الحيوية في الفكر والجسم، ويمده بالقوة والنشاط في العلم والعمل، ويزيل عنه الميل إلى الدعة والراحة والخمول والكسل، ويحيي فيه الشعور والإحساس بذاته وشخصيته، وبمكانته ودوره في الوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه وينتمي إليه، وينمي فيه قدرات الإنتاج والعطاء و الإبداع، ويدرك أنه من خلال ذلك، يشارك في بناء مجتمع متقدم، و في تكوين حضارة متنامية متنوعة، و يؤمن في ذات الوقت لنفسه، و يوفر لأسرته و بيته، ما هو ضروري من متطلبات الحياة و مستلزماتها، و يحول بينه و بين أن يكون عالة على غيره من الناس.
و إذا كان ذلك رسالة الإنسان وواجبه المناط به في هذه الحياة الجادة التي لم يخلق فيها عبثا، و لم يترك فيها سدى و هملا، فقد يسر الله للإنسان وسائل ذاتية، و منحه طاقة كامنة لتحقيق تلك الغاية الحميدة، فكرمه بالعقل و نور الفكر و البصيرة، و زوده بالحواس الظاهرة و الباطنة، و أعطاه الإرادة و القدرة التي ينبني عليها التكليف و المسؤولية الدينية، ويتمكن بها من القيام بالتكاليف و المسؤوليات الدنيوية، وبعث إليه الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين، ليكون الإنسان على بيئة من أمره، ويسر له الكون ومظاهره، فسخر له الأرض والسماء، وما فيها من كائنات متحركة، ومخلوقات حية، ومن خيرات متنوعة وفيرة، فقال تعالى:(الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار)(إبراهيم:32 -34).               
  وانطلاقا من ذلك عليه وتأسيسا عليه، جعل الإسلام مختلف الأعمال التي يقوم بها الإنسان في أي وسط أو مجتمع، ويتم إنجازها وتحقيقها في أي عصر أو مكان، منطلقا للتعامل والتواصل، وأساسا للتعاون والتكامل بين الناس في مضمار شؤون حياتهم اليومية، وأداة لتوفير حاجياتهم المعيشية، والتمكن من تحصيلها كيفما كان شأنها ونوعها، مصداقا لقول الحق سبحانه: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، ورحمة ربك خير مما يجمعون)، وذلك ما جعل بعض الأدباء الشعراء، يعبر عن ذلك التعاون والتكامل الفطري والاضطراري في حياة الناس بقوله الجاري على الألسنة:
 النــاس للنــاس من بــــدو وحــاضرة
             بعـض لبعـض، وإن لم يشعــــروا، خـــدم
   واعتبارا بذلك، وإدراكا لهذه الحقيقة الإلاهية الكونية، والحكمة الربانية المتجلية في تنوع الأعمال، ومشاربها، فإن كل عمل مشروع من الوجهة الإسلامية يعتبر في منظور الإسلام عملا شريفا، وعطاء مفيدا، سواء أكان عملا فكريا وعلميا، أو إداريا واجتماعيا، أو فلاحيا وتجاريا، أو صناعيا أو غيره من الأعمال المشروعة، فليس في منظور الإسلام عمل يعتبر شريفا جليلا، وعمل يعتبر وضيعا وتافها، بل كل عمل مشروع ومن أي نوع كان، يحصل له في نظر الشرع نفس الوزن، وتكون له نفس القيمة والمكانة والاعتبار، بالمقارنة مع غيره من بقية الأعمال، وباعتباره ضروريا من ضرورات المجتمع، ولا يمكن الاستغناء عنه بحال من الأحوال.
   ولعل من أبرز ما يرشد إلى ذلك ويبرهن عليه، ويدل على القيمة الدينية والاجتماعية، والمادية والمعنوية للعمل اليومي في الحياة، ويرغب فيه ويشجع عليه الإنسان، أن المصطفين الأخيار من خلق الله وعباده، وهم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام، كانوا يتعاطون بعض الأعمال بين أممهم وأقوامهم، قبل أن يبعثهم الله إليهم وبعد ذلك، حتى يكونوا في ذلك قدوة للعباد، وحتى لا يستنكف عنه غيرهم من الناس، كما هو الشأن بالنسبة لنوح عليه السلام في صناعة الفلك، ولداود عليه السلام في صناعة دروع الحديد، واستئجار شعيب لموسى عليهما السلام مدة ثمانية أعوام قبل بعثته نبيا ورسولا إلى بني إسرائيل كما ذكر الله ذلك في كتابه العزيز، وخلده في القرآن الكريم، وكرعي النبي (ص) الغنم لأهل مكة في صباه وطفولته على قراريط أي أجر يأخذه، وتجارته للشام في مال خديجة رضي الله عنها، وهو عليه الصلاة والسلام في أوج شبابه وعنفوان رجولته، قبل أن يبعثه الله نبيا ورسولا إلى الناس كافة، ورحمة للعالمين، حتى يكون أسوة لأمته في العبادة و العمل والحياة.
   وتزداد نظرة المرء المومن إلى العمل قيمة ورفعة، ومكانة وأهمية في حياة الفرد والمجتمع المسلم حين يعلم ويدرك أن الإسلام اعتبر العمل اليومي في الحياة بنوعيه: الفكري والبدني نوعا آخر من العبادة والجهاد في سبيل الله، كما هو منصوص في كثير من الأحاديث النبوية، ومستفاد من أقوال وسيرة النبي (ص) كما في قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب فيبيعها فيكف الله بها وجهه عن السؤال خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». وجعل خير الناس من يهتدي للتوفيق بين العمل لدينه ودنياه في إطار مبدأ الوسطية والاعتدال في الإسلام، وأصول شرعه الحكيم، وفي غير ما إفراط ولا تفريط، مصداقا لقول النبي المصطفى الأمين: « ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب من كل منهما، ولا تكونوا كلا عن الناس »، أي عالة عليهم. بالإضافة إلى ما يناله المرء ويحصله من ثمرة معنوية وتغذية روحية، ويناله من مغفرة ورحمة، ورضوان ومحبة من الله ورسوله، كما هو صريح قوله عليه الصلاة والسلام« إن الله يحب العبد المحترف ».
   و حتى يكون كل عمل مشروع في الإسلام عملا سليما ونظيفا ومكسبه حلالا طيبا، والقيام به محققا للغاية المنشودة منه للفرد والمجتمع والأمة في مجال النهضة العلمية والثقافية، والطفرة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، وبالسرعة المطلوبة لمسايرة الحياة المعاصرة، ومواجهة قضاياها المتنامية المتداخلة، فلابد في المنظور الإسلامي أن يقوم على ركائز أخلاقية متينة، وأن يتأسس ويسير وفق مثل وقيم إسلامية راسخة، من صدق وأمانة، وإتقان وجدية، ووفاء بالالتزامات والثقة المتبادلة، وتوفير العدالة الاجتماعية والإنصاف المطلوب من كل طرف تجاه الآخر، كما هو منصوص عليه ومستفاد من أحاديث نبوية شريفة، مثل قوله (ص) : «من غشنا فليس منا»، وقوله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، وقوله: «من ظلم أجير في أجره كنت خصمه يوم القيامة».
  إنها حقا مبادئ قويمة، وأسس متينة لكل نهضة شاملة وتنمية سريعة نافعة، يجمعها الإخلاص لله في الدين، والنصح في العمل للوطن والأمة في كل حين، ويتحقق بها وعلى ضوئها كل تقدم وهناء، ويتيسر بها كل ازدهار ورخاء، ويتم بها تذليل الصعاب الطارئة، ومسايرة التطورات السريعة، ومواجهة التحديات الحاضرة والمستقبلية، وتقتضي من الفرد والمجتمع المدني التحلي بها وبغيرها من الإرادة الحسنة، والعزيمة القوية وروح الخصال الحميدة، ومن الصبر والحلم والأناة، والوعي واليقظة، وانتهاج الأساليب السليمة، والخطط الدقيقة الناجعة، الملائمة لكل عصر وجيل، والمحققة لكل غاية منشودة بأقوم منهج، وأحكم مخطط، وأوضح سبيل، كما يرشدنا إلى ذلك ديننا الإسلامي الحنيف، ويحثنا عليه من خلال قول الله تعالى في شأن العمل بعد صلاة الجمعة: ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)، وقوله سبحانه في شأن مريم عليها السلام ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا)، وقول النبي (ص): « من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له »، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كلمته المأثورة: « لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: الله ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة».
    فالإسلام رغب في العمل المشروع من أي نوع كان، ودعا إلى اتخاذ الأسباب الموصلة إليه، وأرشد في كل ذلك إلى اعتماد التوكل على الله والاستعانة به في بلوغ المقاصد النبيلة، وتحقيق الأهداف المتوخاة الشريفة، ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا)، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر الإرادات الحسنة تتحقق المعجزات والمكارم، ويتحقق الصلاح والإصلاح المنشود للفرد والأمة، وتنال الآمال والمطالب والأماني والرغائب المحمودة، ويصل المجتمع إلى مناه ومبتغاه.
 والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here