islamaumaroc

أزمة الأسرة المسلمة المعاصرة.

  فاطمة خليل

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

تعتبر الأسرة أقدم المؤسسات الاجتماعية التي عرفها الإنسان، و ليست الأسرة أساس وجود المجتمع فحسب، بل هي مصدر الأخلاق و الدعامة الأولى لضبط السلوك، و الإطار الذي يتلقى فيه الإنسان الأول دروس الحياة الاجتماعية، و نظرا للدور الحيوي الذي لعبته الأسرة في المجتمعات، فقد أخذت باهتمام الباحثين، و ظهرت مدارس و نظريات حول قيام الأسرة أثرت على التطور الذي عرفته هذه المؤسسة خلال القرون الأخيرة.(1)
1- موت الأسرة في المنظور الغربي
و رغم تعدد اقترابات دراسة الأسرة في العلوم الاجتماعية في الغرب، و ادعاء هذه الاقترابات الاختلاف  التمايز، فإن المتأمل في جوهرها، يكشف اشتراكها في السمة المادية العلمانية، و مع بلوغ هذه الأخيرة ذروتها في الستينات، أضحت الأسرة «ثمرة تطور تاريخي» فا شيء مقدس بشأنها، و تكالبت عليها كل الفئات: الملحدون، و الاشتراكيون، و الراديكاليون، ثم الانتهازيون المستغلون للمرأة في الاقتصاد و الإعلام و الدعارة، ثم الحركات النسوية.
و هكذا حسمت المعركة بين الأسرة و الدولة لصالح الأخيرة، كما تنبأ البعض و تأكد الخبر الذي تعجلت بعض المصادر نشره و هو «موت الأسرة»(2)
و الآن، وفي نهاية القرن، يخرج علينا «مؤتمر السكان العالمي» الذي عقد في القاهرة (1994) بمفاهيم جديدة للأسرة، فقد أقر البناء الأسري القائم على رابطة الزوجية أو بدونه، و أقر الزواج القائم بين الرجل و المرأة، أو بين الرجل و الرجل، أو بين المرأة و المرأة، و عمل هذا المؤتمر على إضفاء أكبر قدر من الشرعية و الحماية لمثل هذه العلاقات الشاذة و الاعتراف بها كذلك عمل على تغيير المصطلحات المستخدمة في هذا النوع من الدراسات لمسخ المفاهيم و الإتيان بأخرى بديلة، لها مقاصد مختلفة.
فعلى سبيل المثال : إن هؤلاء الذين يرفضون فكرة الزواج، و يفضلون حرية الجنس، و أصبحوا يلقبون بالأشخاص المتفردين، و الفتيات اللواتي يمارسن الجنس منذ الطفولة، و يحملن، فإنهم يتمتعن بقدر العناية و الرعاية و الاحترام، و يلقبن «بالمراهقات الحوامل» و إن تزوجن زواجا شرعيا – وهن في مثل هذه السن – فإن هذا الزواج يلقب بانتهاك « الطفلة الأنثى».
2- وحدة الأسرة في المنظومة الإسلامية :
أما الأسرة في الرؤية الإسلامية فهي تعد وحدة من وحدات النظام الإسلامي، تشترك في تحقيق مقاصده و أهدافه، وهي مبنية على احترام خصائص الفطرة الإنسانية و حاجاتها و مقوماتها.
و ينشق نظام الأسرة عن معين الفطرة و قاعدة التكون الأولي للأحياء : (و من كل شيء خلقنا زوجين لعلمكم تذكرون). (سورة الذاريات – الاية : 49).
(سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض و من أنفسهم و مما لا يعلمون). (سورة يس – الآية: 36).
ثم تندرج الرؤية الإسلامية لتذكر النفس الأولى الواحدة : (يا أيها الناس اتقوا بربكم الذي خلقكم من نفس واحدة...) (سورة النساء – الآية : 1).
ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين لتتجه إلى إقامة الأمر على أساس السكن و المودة و التراحم : ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ) (سورة الروم الآية : 2).
و على هذا الأساس تبني الرؤية الإسلامية الأسرة لتقوم على أمانة دين الله في الأرض، و منهجه في الحياة، و نظامه في الناس. و هكذا بقيت الأسرة مجالا لدراسة الفقه و الأخلاق، ومن هنا كانت القيم الأسرية مستمدة من الشريعة، و بهذا ضمنت الوحدة و القوة و الخصوصية على مدار القرون، حتى في عصور الضعف و الجمود الذي مهد لاستعمار البلاد الإسلامية، و تمكم المستعمر رغم المقاومة الشديدة للقاعدة من فرض سيطرته على شعوب هذه البلاد، و اهتم بشكل خاص ينشر التحديث الثقافي و التربوي، و السيطرة على التعليم في هذه البلاد.
3- الأسرة المسلمة في مواجهة التغيرات :
و رغم انحسار الاستعمار، فقد تمكن من فرض تصوراته و أفكاره، و صياغة الحياة في هذه المجتمعات بالشكل الذي يخدم مصالحه، و كان لارتداد العامل الروحي، و سيطرة المادة أثر كبير في التغيرات الواضحة على الأنماط التقليدية للأسرة، فتراجعت بنية الأسرة الممتدة التي تجمع الآباء و الأبناء و الأحفاد في إطار الأسرة الكبيرة التي تقيم في منزل كبير مشترك، أو منازل متجاورة، و كانت تقوم بوظائف اقتصادية و اجتماعية و تربوية أساسية، و تربط الأجيال بعضها ببعض، و تربط الفئات الاجتماعية المختلفة عن طريق القرابة و الجوار.
و رغم تراجع هذا النموذج الأصيل الذي يوفر للأفراد التآزر ، و التكافل، و الحب و الألفة ، و الإشباع العاطفي، فقد ظلت بعدها الأسرة المسلمة الصغيرة المكونة من الزوجين و الأولاد أو الأسرة محافظة عموما على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، و على امتداد علاقة صلة الرحم في ظل الرؤية الإسلامية للأسرة، ولكن في العقود القليلة الأخيرة ضعفت الأساليب التقليدية للتفاعل داخل الأسرة، و أصبحت موضوع انتقاد و مراجعة، و لم تعد فاعليتها تساير العصر الحديث، كما الم تألف الأسرة و لم تستسغ الأساليب الحديثة، ولم تتعود عليها، و هكذا تقف الأسرة المسلمة في مفترق طرق صعب اجتيازه، و معنى ذلك أنها تمر بأزمة نتيجة لوقوعها تحت ضغط كبير من العوامل الداخلية و الخارجية التي قد تدفع إلى الانفراط و الانحراف، و العنف.
4- الأبحاث الاجتماعية و الأسرة المسلمة :
تعددت الأبحاث الاجتماعية التي اهتمت بأزمة الأسرة في المجتمعات الإسلامية، ولكن أكثرية هذه الأعمال تأتي متأثرة بالنظرية الاجتماعية الحديثة في هذا المجال، و التي تنبع من الإطار المعرفي الغربي الذي من سماته الكبرى استبعاد الوحي كمصدر للمعرفة، و يؤدي هذا إلى رفض مسبق، و نفي قاطع لصفة العلمية عن أي معرفة تستند إلى الوحي و تقوم بتقديم و تحليل الواقع على ضوئه، فيما نرى أننا إذا تعرضنا للبحث في الأسرة المسلمة لابد و أن تتحرك الدراسة وفق النموذج المعرفي الإسلامي، الذي يصوغ الرؤية للأسرة على مستوى المسلمات و المنطلقات، و على مستوى المنهج بتجاوز فكرة الصراع إلى مستوى الغايات و المقاصد، لأن غاية البحث و هدفه هو تقويم الواقع ليتناسق و الرؤية الإسلامية.
لذا ارتكزت الأبحاث و الدراسات المذكورة، و التي تقوم بها خصوصا النخبة العلمانية المسيطرة، على قناعات و معطيات تحاول إخضاع أزمة الأسرة و واقع البلدان الإسلامية لها و هي كالتالي :
• الإسلام دين يقوم على التفرقة بين الجنسين و يضطهد المرأة.
• التمييز بين مجال الذكورة و مجال الأنوثة في علاقة تراتبية تفرض تفوق الرجل و خضوع المرأة.
• اللامساواة في توزيع الحقوق و الواجبات في محيط الأسرة بين الرجل و المرأة من خلال نظرة ميكانيكية بيولوجية.
• المكانات و الأدوار التي يدافع عنها الخطاب الشرعي تفقد دعامتها في الواقع.
• الحجاب و الفصل بين الجنسين رموز و مؤشرات لخضوع المرأة.
• دفع المهر يضع اللبنة الأولى لنوع العلاقات التي ستسود داخل الأسرة : الذكور و القدرة الاقتصادية و الرئاسة، الأنوثة و الاستهلاك و الطاعة.
و هذه الأبحاث عموما تصل إلى نفس الحصيلة الاستنتاجية هي :
• طوباوية الخطاب الشرعي، و تهافت نظرية الحياة الأسرية التي يسودها السكن المودة.
• العمل على استبعاد الفكر الديني عن مجال القيم الأسرية.
• تحرير المرأة وفق المفهوم الغربي و المعايير الغربية هو هدف النساء في البلدان الإسلامية حسب زعمهم.
• التحديث على النمط الغربي هو وسيلة تحقيق هذا الهدف، و تحسين وضعية المرأة في الأسرة و المجتمع، ترتبط بمستوى التحديث ارتباطا طرديا، هذه المرتكزات و المفاهيم العلمانية للأسرة التي سادت النخبة المثقفة المغربية في مجتمعاتنا، اتجهت إلى تحطيم الأسس الإسلامية في عقيدة بلداننا، و فكرها، و حضارتها، و أنماط عيشها، و نهج حياتها، و تروضها لكي تنظر إلى الغرب باعتباره مركز الحضارة المتقدمة، و ربط الإسلام و التراث بالتخلف و الجمود، و كانت نتيجة ذلك أن انعكست على حياتنا أنواع من الخلل و الانفصامات غريبة عن هويتنا الحضارية، و عن مقوماتنا الأساسية، و تعددت مظاهر الأمة و استفحلت، و تجدرت التبعية و إن تغيرت ألوانها، و تعددت مظاهرها و أشكالها.
و هم يستندون في ذلك إلى أن الإسلام يعتمد على الإيمان، و الوحي، و المعتقدات، و المسلمات، بينما المذاهب العقلية لا تستند إلا على العقل، و ما يقبل و ما يرفض، و هم يستندون أيضا إلى التجربة التاريخية الأوربية، و يسحبون صورة الكنيسة الكاثوليكية على الإسلام، و يعتبرون المعركة الدائرة هنا في البلدان الإسلامية بين الإسلام و العلمانية هي امتدادا للمعركة التي دارت هناك.
و هذا اتجاه خاطئ لأن الآخذين بالوحي يرون ذلك في أعلى درجات العقلانية، فالإيمان بالوحي لا يأتي إلا من خلال منهج فكري محدد بقبله العقل، و لا يمكن أن يأخذ به مؤمن إلا إذا قبل به عقله، و وجد له مسوغات، الأمر الذي يجعل الفصل بينه و بين العقل أمرا تعسفيا من جهة، و غير واقعي من جهة أخرى، و لأن الإيمان هو قناعة بصحة حقيقة ما مرفوعة إلى درجة أرقى.
و من الخطأ أيضا سحب ما حدث في التجربة الأوربية على ما يحدث في البلاد الإسلامية، فلا الكنيسة الكاثوليكية هي الإسلام، و لا الأهداف التي تحملها هي الأهداف التي يحملها الإسلام.
و التحرر الحقيقي من هذه التبعية، يأتي من خلال التخلص من هذه المسلمات التي فرضها علينا الغرب من حضارته و أفكاره و قيمه، و بيان نسبتها و بعدها عن الموضوعية، و درجة خضوعها للمنطلق.
5- مؤشرات الأزمة
أ- غياب الوعي الديني و تدني السلوك الأخلاقي :
من الأسرة المسلمة يتكون المجتمع المسلم، و لابد لقيام الأسرة المسلمة من وجود زوجين ملتزمين بالإسلام يمتلآن عقيدة و سلوكا و معاملة، و كان اهتمام التشريع الإسلامي بالحياة الزوجية، حيث رأى أن الغاية من الزواج هي إنشاء كيان عائلي يكفل للزوجين و أولادهما حياة كريمة تسودها الموجة و التراحم و الأخوة الإيمانية.
و ندد بالزواج الذي لا يكفل الاستقرار و الاستمرار المادي و النفسي، و لا يتمكن من التغلب على نزوات الانحراف و دوافع الجنوح عن خط السير في سبيل تحقيق الإنسانية الخيرة (و لا تنسوا الفضل بينكم). (سورة البقرة – الآية : 237).
ففي مؤسسة الزواج عظم الإسلام حق المرأة على رجلها، فأوصاه بحسن عشرتها، و جميل مودتها، و كامل رعايتها، وعد خير الرجال خيرهم لنسائهم، و جعل النفقة على الزوجة و العيال أفضل النفقات، و أفضل من النفقة في سبيل الله، بل استثار في الرجل كوامن العزة و دوافع المروءة فقال (ص) : «ما أكرم النساء إلا كريم و لا أهانهن إلا لئيم». كما عظم حق الرجل على زوجته فأكد حرمته، و أوجب طاعته بالمعروف، و أبرز الطابع الأساسي لرئاسته للأسرة، وهو التكليف و المسؤولية.
و لكن ظروف التخلف و الانحطاط و الجهل التي عرفتها الأمة، ثم ظروف التغريب و الاستيلاب التي اجتاحت مجتمعنا مع الاستعمار و بعده، جعلت تلك المعطيات التشريعية تكاد تنعدم و تختفي في الرجل و المرأى على حد سواء، و طمست كثيرا من السمات الرئيسية التي تم التأكيد عليها.
و ترافق ذلك مع ظهور أعراض مرضية عديدة لفساد فطرة الزوجين و تنكبهما عن المنظومة الأخلاقية والنسق القيمي الذي خطته الشريعة، فعانت المرأة من الاستبداد و القهر و الرئاسة في الأسرة، و فهمت قوامة الرجل على أنها ضياع المساواة العامة الأصيلة، و أسبحت طاعة المرأة تعني الانغماس في حماة الشركيات و الشعوذة كسلاح في وجه قهر الرجل و استغلاله غير المنصف لحق الطلاق و التعدد.
و النجاح الذي صادفه تيار التغريب، و الاستلاب الذي اجتاح أمتنا، يعود إلى شيوع هذه الظواهر المفجعة، و إلى ضعف المقاومة لانتشار البلوى، خصوصا بعد مبادرة هذا التيار بالمطالبة بتعلمي المرأة، ثم استغلال على الأوضاع الاجتماعية و أنماط العلاقات المتردية ليؤسسها على تعارض مع أحكام الإسلام و قيمه، فكانت المطالبة بحقوق المرأة و تحريرها، و ما أعقب ذلك من السفور، و المطالبة بالمساواة المطلقة، و التشكيك في مضمون الذكورة و الأنوثة، ة تأكيد سببية هذا المفاهيم و ارتباطها بالبيئة الثقافية المتخلفة و التنشئة لا لحقيقة قدرات كلا الطرفين.
و تعددت الأبواق التي تنادي بالنموذج الغربي لتحرير المرأة وسط خلط في المفاهيم، و محاولة الربط بين اضطهاد المرأة و التعاليم الإسلامية، و قلب الحقائق الدينية، و خنق الصوت الإسلامي الأصيل، و تم التركيز على علاقات القوة داخل المؤسسات المسماة بالتقليدية كالأسرة، و دعوا إلى قيامها على الندية، و ما تجره من صراع و عدم استقرار.
و لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل حاولوا إبعاد الإسلام و تنحيته عن الحياة باسم الإصلاح، خصوصا المطالبة بإصلاح قانون الأحوال الشخصية، التي تقوم عليه الأسرة تحت دعوى تطوير القوانين الخاصة بالمرأة بما يحقق المصلحة، و المصلحة أصبحت تعني تنحية التشريع الديني، و إحلال القانون الغربي الوضعي محله.
و من السهل جدا أن تثار مسألة المصلحة و أحقيتها بالرعاية والاعتبار، فمن أقوال العلماء المعبرة عن هذا المعنى : «حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، و حيثما كان شرع الله فثم المصلحة».
و لكم المشكلة هي :
متى نعد الشيء مصلحة، و متى لا نعده كذلك ؟
و متى نعد الشيء نفعا و متى نعده ضررا ؟
إن ما قد يظهر من أشكال التعارض بين المصلحة و النص الشرعي إنما مرده إلى أحد أمرين : إما خلل في فهم المصلحة و تقديرها، و إما خلل في فهم النصوص و تطبيقها.
ب- إشكالية عمل المرأة :
لقد ترتب عن نزول المرأة المسلمة إلى سوق العمل، و تعاظم مشاركتها فيه، يوما بعد يوم، و اتساع نطاق أدوارها الاجتماعية نتيجة لذلك، و تداخل هذه الأدوار، بل تعارضها و تصارعها نتائج كثيرة على مستوى الأسرة، وعلى مستوى تربية النشء، و على مستوى قيمة العلاقة الزوجية، بل كان لذلك تأثير كبير على المرأة نفسها و علاقتها بذاتها و علاقتها بالآخرين : الزوج و الأولاد في المقام الأول، ثم في علاقتها بالمجتمع أفرادا و مؤسسات و قيما و أعرافا، فكثير ما نرى هذه المرأة أمام مطالب و توقعات متعددة، و اختيارات صعبة قد تكون مستحيلة في بعض الأحيان، فما ينتظره منها البيت قد لا يمكنها منه أداؤها لواجبات عملها خارج البيت، و ما يتوقعه الزوج و ينتظره قد يحول دونه حاجات الولد، و مطالب البيت،  أو ضيق الوقت، و نفاذ الجهد.
إن ما تتمناه المرأة لذاتها أو ترجوه لنفسها من صورة معينة، تبدو عليها شكلا و أداء أو تحقيقا لقيم و مثل عليا قد لا يتاح لها حينما تجد نفسها موضوعة دائما أمام اختيارات و أولويات متعددة، و عليها أن تقدم منها و أن تؤخر حتى تحافظ على الحد الأدنى من استمرارية الحياة.
و هذا كله يتعلق بوجود صراع الأدوار بصفة عامة لدى المرأة العاملة، و شعورها بضيق الوقت بسبب قضاء الجزء الأكبر منه خارج المنزل بسبب العمل، و عدم كفاية هذا الوقت لتربية الأطفال و توجيههم، كما يتطلبه دور الأبوين معا من تربية إيمانية، و تربية خلقية، و مشاركة و تقديم للقدوة العملية، لأن الوقت الطويل المستنفد في العمل الخارجي من الجهد و الطاقة يؤثر على القيام بهذه الأدوار الأساسية، زيادة على عدم القدرة على توفير الإشباع العاطفي للطفل، فضلا عن متاعب رعاية الطفل الصغير أثناء فترة العمل.
كما أن العلاقة الزوجية تستقطب حجما كبيرا من كمية هذا الصراع، حيث يشعر الزوج بعدم إشباع كل رغباته في المعاشرة الزوجية، و أن زوجته بحكم الإرهاق لا تهتم بالنواحي العاطفية، و ليس لها الوقت للعناية بالحياة الخاصة.
و الإسلام لا يحرم المرأة من حقها في العمل، و تولي الوظائف، إلا أنه يرى أن للمرأة وظيفة أساسية يجب عليها الاضطلاع بها في المقام الأول، و التفرغ لها أثناء فترتها، و هي وظيفتها كزوجة و أم، راعية لشؤون الأسرة مع زوجها، وهذه الوظيفة تكليف شرعي لا يمكم مخالفته، و قد رتبت عليها الشريعة جميع الأحكام المتعلقة بالمرأة.
إن العمل قيمة أصيلة في الدين، إذ جعل الله الإيمان و العمل الصالح متلازمين، و العمل الصالح لم يصنف و لم يبرمج، بل هو الصدق في النية في كل ما يقوم بهالإنسان : امرأة كان أو رجلا في السعي وراء الرزق، في القيام على الأسرة، في الوظيفة، في التجارة، في العبادة، في السر و العلن.
و سوق العمل تحدده الكفاءة، و الخروج للعمل يحدده الاختيار و التفضيل و الرغبة بعيدا عن الاتجاهات التي تضغط لجعل العمل و الكسب المادي شرطا لازما لتحرر المرأة، و بالتالي تدين تفرغها للأسرة و تربية النشء و إعدادهم، و تعده تخلفا و قهرا و وبالا على المرأة و مكانتها في المجتمع.
و الخطورة عند هذه الاتجاهات أن العمل غالبا ما ينطلق من فكرة إثبات الذات، و ليس من أجل بناء المجتمع، بل من أجل ما يسمى بالتحرر الاقتصادي و ليس لدفع عجلة التنمية إلى الأمام.
و لا أدري كيف أصبحت هذه العبارة متداولة هنا و هناك في سوق النساء : « أريد أن أحقق ذاتي و أثبت وجودي» صارت شعارا يرفع، و صارت مذهبا له أتباعه، وله المدافعات عنه.
و من البديهي أن المرأة يمكن أن تثبت ذاتها بالعلم نفسه، بتنمية شخصيتها و ثقافتها، بالشهادة العالية منفصلة عن العمل خارج البيت و الأولاد، كما تتحقق الذات بالجهد و العمل المثمر و التحسن الدائم، و الإنجاز المبدع، سواء كان ذلك في جهد خارج البيت في غير فترات الإنجاب و التربية، أو في تربية أولاد متفوقين دينا و خلقا وعلما و صحة من طرف أم يسكنها هاجس المسؤولية التربوية النوط بها.
و إذا كان العمل بالنسبة لعدد كبير من النساء، أصبح يمثل حاجة اقتصادية – و هذا لغياب البدائل الإنتاجية البيتية ذات المردود الاقتصادي – فهو بالنسبة لأخريات نوع من التعويض أو الترويح يتيح فرصة الخروج من البيت، والتمسك و لو بقدر قليل من مشاكل الأولاد و الأعباء و المسؤوليات المنزلية التي لا تنتهي، وهذا النوع من العمل – و هو كثير أيضا- سد في الواقع الطريق للطور الثقافي للمرأة لأن التي تعود من عملها مرهقة، و في نفس الوقت مطالبة بتلبية حاجات كثيرة، لا تجد الفرصة المواتية للقراءة و التثقيف.
فالتغيير الذي حدث بسبب العمل هو تغيير في الكم فقط، و ليس تغييرا جذريا، و الإحصاءات في جميع بلدان العالم تدل على أن المرأة مازالت عموما قوة عمل منخفضة الأجر، مستغلة من طرف أصحاب رؤوس الأموال لتدني المستوى التأهيلي.
إن تفرغ المرأة لرعاية أسرتها لا يمكن أن يعد بحال إخلالا بمبدأ المساواة، فالفعاليات داخل الأسرة لها صفة تكاملية في إطار المودة و التراحم و الشورى، فلا يمكن أن تعتبر وظيفتها الأسرية تقليلا من شأنها، و من كفاءتها، و قدرتها، فالمرأة بهذا التفرغ تقوم بوظيفة هامة، و يمكن أن تعد وظيفة عامة من وظائف الدولة، و يطالب عليها بتعويض مادي، و ترك المرأة لهذه الوظيفة، يعود على المجتمع بأوخم النتائج في شبابه الذي هو أمل مستقبله و غده.
و المرأة المسلمة تطالب بوضع تنظيمات و أساليب خاصة بعمل المرأة تحميها و تحمي واجباتها الشرعية و هي كالتالي :
1- اقتراح تقرير تعويض مادي للمرأة نظير تفرغها للأمومة و رعاية الأسرة، و هذا الاقتراح هو من الإجراءات التي تثار في غالبية الدول الحديثة و المتقدمة، ففي فرنسا طالب خبراء الإدارة و المختصون باعتبار الأمومة وظيفة اجتماعية، فكان قانون دجنبر 1994 بتقرير أجر الأمومة.
2- القيام ببعض الأعمال المأجورة في البيت.
3- اقتراحات بإعادة تقسيم الأدوار داخل البيت و إشراك الرجل في المسؤولية.
4- منح المرأة الحق في العمل لنصف الوقت بنصف الأجر مع مراعاة استحقاقها لكافة الحقوق الوظيفية.
5- تقرير إجازات بدون أجر لرعاية الأسرة لا تفقد فيها المرأة وظيفتها.
6- توجيه المرأة إلى مجالات العمل التي لا تستنزف طاقتها و لا تهين إنسانيتها و أنوثتها.

ج- إشكالية التربية داخل الأسرة :
الوسط العائلي وسط وظيفي بمعنى أنه ليس فقط مجال التعايش والتراحم و الإحسان، كما جاء في النصوص الدينية، بل هو مصدر كل ما يشكل الشخصية الإنسانية و يلقن المهارات، و يعطي الخبرات الضرورية لمواجهة الحياة الاجتماعية، و بالتالي فإن الأسرة مركب من مركبات المنظومة الاجتماعية، بدونها تختل هذه المنظومة.
و التنشئة المجتمعية التقليدية تتحقق في المؤسسات المجتمعية الأصلية، و أقصد بها العائلة ممتدة كانت أو نووية، و المؤسسة التعليمية، أي الأجواء المدرسية، على مختلف مستوياتها (من الابتدائي إلى الجامع، و كذا مؤسسات الشغل، و المؤسسات السياسية و الاجتماعية) كل هذه المؤسسات و على رأسها الأسرة و المدرسة تستعمل وسائل جاهزة لهذه التنشئة، أهمها اللغة، و المعتقد، و المنظومة الأخلاقية ، و العرف، و مضمون التعليم، و اللعب، و النوادي، و الجمعيات الفنية.
والتنشئة الحديثة يتقلص فيها دور الأسرة و تأثير الآباء، ليحل محل ذلك دور الحضانة، و الروض، و المدرسة، و المؤسسات الأخرى، هذه المؤسسات التي تعتمد وسائل جديدة للتنشئة المجتمعية، لذلك تسهم تقنيات التواصل من إذاعة و تلفزة و سينما و صور... إلى آخره... في العمليات التعليمية لجعلها أكثر سهولة و فاعلية، أو لملء أوقات الفراغ في جو المتعة أو لإشاعة المعارف المعقدة بأساليب مبسطة، و تطور هذه الوسائل ارتبط بالتطور الصناعي الكبير كسلعة مسخرة لاستهلاك.
و التناقض يتجلى في أن التنشئة التقليدية تمارس في ظل ثقافة أصيلة متفردة، أما التنشئة الحديثة فهي قائمة على احتكاك بين ثقافتين غير متعادلتين، و في الغالب ينتهي الأمر إلى انسلاخ ثقافي لصالح الثقافة الحديثة، أي اكتساح ثقالي لصالح الثقافة الأكثر جلبا و نضارة، ولكن الثقافة الأصلية تمكث في عمق صاحبها مهما بلغت درجة تقمصه للثقافة الجديدة، بحكم البيئة عموما.
و في الوضع الخاص بأمتنا المتخلفة، فإن ازدواج أو تعدد الشخوص داخل الفرد الواحد يعني اختلال و انهيار الوحدة الأسرية، و انحلال بناء الأدوار الاجتماعية  المرتبطة بها يعزى إلى تأثير هذه التغيرات و الصراعات في تعريف دور الأسرة تبعا للتغيرات التكنولوجية والاجتماعية و الثقافية، و نظرا لغزو الأفكار المادية العلمانية.
الأسرة الآن تصرف جهودها لكي يتعلم أبناؤها طبعا ذلك التعليم المتغرب المتاح، لكي تضمن انتقالهم في مستويات هذا التعليم، و لكسب الخبرة في الرياضيات و التاريخ، و ما إلى ذلك.
لكم هذا الجانب الحيوي وإلهام الذي هو العناية بالإنسان أين تضعه ؟ و هل تتشوق إلى نوع من التربية؟ تبذل الأسرة الآن لكي توفر الكثير من الأشياء المادي، و لكم تربية الأبناء هل يسكن همها الآباء؟ ما ني الميزانية التي تخصصها الأسرة لكي تتعرف على الأساليب المناسبة لتربية أبنائها؟ و ما هو الوقت الذي تخصصه لهذا الهدف ؟ ما هي الاستجابة اللازمة التي يجب أن تخصصها الأسرة لهذا المجال؟ أين حلقات التكوين و الحوار و تبادل الخبرات، حيث يستطيع الأبوان أن يطرحا المشاكل المختلفة و الصعوبة التي تواجههما في تربية أبنائهما؟ و من جهة أخرى ما هي العناية التي تخصصها مؤسسات المجتمع لتأهيل الآباء للقيام بأدوارهم؟
إن كلا من مستوى و نمط تكوين الأسرة، و مستوى و طبيعة تعليمها، و الحالة المهنية للزوجين، والحالة الاقتصادية و الاجتماعية لها ارتباط مباشر بمستوى و فاعلية التربية الأسرية الأساسية.
إن التغيرات السريعة في الأنماط و الوسائل التربوية أدى إلى ضعف التأثيرات الأسرية، و غياب سلطة الأبوين.
الأسرة الآن تحتاج إلى إعادة نظر في مقومات الوظيفة التربوية من انتماء الزوجين لثقافة اجتماعية و دينية متماثلة، ومن خبرات نفسية، و نضج انفعالي، و قدرة على مواجهة ما تأتي به الحياة من مواقف.
و عندما نتعرض لهذه المقومات التي تساعد في محافظة الأسرة على وظيفتها التربوية نجد أن الدعامة الأولى هي ضرورة الحفاظ على النفس و ترويضها. و إذا كان الدين لا يرتبط إلا بالقليل الهزيل الذي يدرس في مؤسساتنا وحدها فلن يجد له تأثيرا حاسما أو انعكاسا واضحا، و ضخامة المهمة يتأتي من سيطرة وسائل الإعلام على النشء ، و هذا ما يفرض خلق أجواء أسرية شفافة، متفتحة، تتوافر فيها روح الثقة و الحرية و المصالحة، بدل السلطة الصارمة، و فرض الخضوع.
فنحن نفتقر إلى الأسرة المسلمة التي يسودها التوازن و تلفها السكينة و الطمأنينة، وهذا لا يتأتى إلا بالنموذج الذي جاءت به شريعة الله عز وجل.
إن نمط العصر يفرض أن نجاهد من أجل تحقيق مشروع المدرسة الأصيلة التي تزاوج بين المعرفة المادية و المعرفة الدينية، و بين حاجات الروح و حاجات العقل، و يتعلم فيه النشء بلغته تراثنا، و تاريخنا، و لغة نموذجنا المعرفي الإسلامي، فلا توجد أمة على الأرض تتنكر للغتها في تكوين أجيالها الصاعدة، ذلك أن اللغة تحيى بأهلها قبل أن تحيى بتراكيبها، و الدين الإسلامي ليس عقيدة شخصية أو أسرية فقط، بل هو عقيدة المجتمع برمته. و الدين رابطة تربط المجتمع، تؤدي إلى المحافظة عليه، و تعمل على تماسكه.

(1) كالاتجاه التطوري Evolutionnisme و هو نظرية تأثرت بظهور النظرية الداروينية، و لقحتها أفكار مورجان، و باخوفان، ترى أن الأسرة نشأت في سياق تطور تاريخي للمجتمعات، و كذلك الاتجاه الوظيفي Fonctionnalisme الذي جاء بعد إخفاق النظرة التطورية، و الذي يرى أصحابه أن المجتمعات عبارة عن أنساق اجتماعية تعتمد أجزاؤها بعضها على بعض، و كل عضو أو جزء من نسق يؤدي وظيفة لبقاء الكائن، و هي الإسهامات التي تقدمها الأسرة لمختلف أعضائها، و يستمد هذا الاتجاه أصوله من علم النفس و الأنثروبولوجية، و يعتبر تالكوت بارسونز من أهم رواد هذا الاتجاه :
- Le système de sociétés modernes talcot Parsons Traduit par G.Y.Y.Nellaray 1973
أما الكتابات الأخيرة حول المجتمع المدني، فقد اعتبرت الأسرة مؤسسة إرثية لا تدخل في دراسة هذا المجتمع المدين، و ذلك لارتباط الأسرة في الواقع و الفكر الغربي بما هو ديني و خاص، والذي وضع في تضاد مع العالم المدني. و قد أثمر التحول إلى العلمانية هجوما شرسا على الأسرة بعد تجريدها تدريجيا من وظائفها في التنشئة الاجتماعية و الرعاية الصحية و التوجيه النفسي، فهي تتعرض للهجوم لا كوحد اجتماعية فحسب، و قد أصبحت من الهشاشة و من التقلص، بل الهجوم عليها كقيمة و مثالية. فالعلمانية يمكم إيجاز جوهرها بأنه «نزع القداسة» حيث يتم إخراج المطلق من المنظومة لتسود النسبة. (أنظر عبد الوهاب المسيري : العلمانية/ المعهد العالمي للفكر الإسلامي / 1991)
(2) أنظر هبة رؤوف : David Cooper : The death of family, 1970 /المرأة والعمل السياسي رؤية إسلامية/ ص : 187.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here