islamaumaroc

مفهوم الإنسان في القرآن: قراءة في كتاب "مبدأ الإنسان" [لع.ع.ع.النجار]

  الطيب بوعزة

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

أعتقد أن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى معرفة معنى الإنسان! لماذا ؟ أولا : لأنها لا تعرفه، و ثانيا : لأن مناهج الاجتماع : الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية، هي أساليب و نظم وضعت لاستيعاب الإنسان و توجيه فعله و سلوكه، فمحورها و موضوع اشتغالها و اهتمامها هو الإنسان، و من ثم فمن الضروري – منطقيا و تجريبيا – أن تتأسس تلك المناهج على سابق معرفة و تحديد للكائن البشري.
و لذا فالجهل بحقيقة هذا الكائن يؤدي و لابد إلى فشل و فساد ما نبتدع من نظم و مناهج، و آية ذلك ما نراه واهنا في واقع الغرب، من إفلاس خطير في القيم الاجتماعية.
ذلك لأن حضارة الغرب – كما يقول أتدري مالرو –هي الحضارة الوحيدة ف تاريخ الإنسان التي تجيب على سؤال : ما الإنسان ؟ ب «لا أدري»!!
و اللاأدرية بكل ما تحمله من قلق و غرابة، و انهيار الدلالة و المعنى هي الفلسفة و « العقيدة » التي تسود الشعور الأوربي، بفعل انقطاعه عن الدين، و سقوطه في المادية.
و لكن غياب الجواب على سؤال ما الإنسان؟ «أو الافتقار إلى الجواب، الذي يتحدث عنه مالرو، ليس راجعا إلى عدم اهتمام الفكر و الفلسفة الغربية بهذا السؤال، إنما هو راجع إلى عجز عن الإجابة ّ!! ذلك لأن هذا السؤال كان دائما موضوع اهتمام و انشغال الفكر و الفلسفة، إلى درجة يقول الفيلسوف الماركسي أنطونيو غرامشي : إن السؤال ما الإنسان ؟ هو السؤال الأساسي للفلسفة في تاريخها.
و لكن وغم هذا الاهتمام و الاشتغال بهذا السؤال عجز العقل الفلسفي الأوربي عن إبداع إجابة مقنعة، و لم يكن العقل العلمي أحسن حظا من الفلسفي، وليس من الارتجال أن يعنون الحائز على جائزة توبل في الطب، «ألكسيس كاريل» كتابه الأشهر ب : « الإنسان ذلك المجهول».
و تأسيسا على ما سبق، قرأت باهتمام دراسة الدكتور عبد المجيد عمر النجار : «مبدأ الإنسان » الذي هو جزء من سلسلة يعتزم الباحث استكمالها، سلسلة من خمس حلقات خصصها الكاتب لبحث الحقيقة العقدية للإنسان :
1- «مبدأ الإنسان»،
2- «قيمة الإنسان»،
3- «القوام الإنساني في تركيبه الطبيعي روحيا و ماديا».
4- الغاية من إيجاد الإنسان و وظيفته،
5- المصير الإنساني.
في هذا الجزء الأول من هذا المشروع، يتساءل الباحث عن حقيقة الوجود الإنساني من حيث المبدأ وجوديا و زمنيا.
• المبدأ الوجودي للإنسان :
فمن حيث الوجود، تساءل عن علاقة الوجود بالماهية في الإنسان و أشار إلى أن هذه المسألة لم تطرح في الفكر الإسلامي طرحا مباشرا، و لهذا فالإجابات الإسلامية التي يمكن أن نستخلصها من تأليف علمائنا و فلاسفتنا إنما جاءت في سياق مسائل أخرى أي أنها طرحت بشكل غير مباشر.
و السؤال الأساسي في المسألة الوجودية و الماهية بالنسبة للكائن الإنساني. سؤال يتعلق بالأسبقية الزمنية : أي هل وجود الإنسان سابق على ماهيته، أي لمن يكن ثمة ماهية للإنسان قبل وجوده فعليا؟ أي أن ماهية الإنسان موجودة مسبقا و قبل وجوده، أي أن عملية إيجاده هي تجسيد للعم بماهيته.
ثمة إجماع في مقالات الإسلاميين على أن ماهية الإنسان سابقة على وجوده، أي أن ماهية الإنسان كانت قائمة في العلم الإلهي الأزلي قبل إيجاد الإنسان.
صحيح هناك بعض المفكرين الذين قالوا بأسبقية الوجود على الماهية، كصدر الدين الشيرازي، لأن ماهية الشيء في نظره، منتزعة من وجوده الخارجي.
« ولكن هؤلاء – يقول عبد المجيد النجار – عنوا بالماهية المتأخرة عن الوجود الماهية المتحققة في الخارج، و إلا فإن الماهية المتعلقة أو المتصورة في العقب، يصح أن تكون متقدمة على الوجود». (أنظر ج : 1/ص: 30). و كذلك هادي العلوي: « نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي» دار الطليعة – بيروت 1983 ص:/ 41 و ما بعدها).
كما تجمع مختلف الفلسفات الدينية على كون ماهية الإنسان سابقة على وجوده، على عكس الفلسفات الإلحادية، إذ تشير إلى أن وجود الإنسان سابق على ماهيته، لأن :« هذه الماهية لم يكن قبل الوجود عقل يحويها، أو علم تقوم فيه ». (ج:1/ص:31)، و من أشهر هذه الفلسفات « الوجودية ».
لكن ما هو موقف القرآن من سؤال الأسبقية بين الوجود و الماهية؟
يلاحظ في النص القرآني أن فعل الخلق الإلهي يقترن دائما بالعلم :
(يخلق ما يشاء و هو العليم القدير) سورة الروم – الآية : 54، (و خلق كل شيء و هو بكل شيء عليم) سورة الأنعام – الآية : 101، (فسواهن سبع سماوات و هو بكل شيء عليم) سورة البقرة – الآية : 29.
فهذا الاقتران يفيد إذا أن ثمة علما مسبقا بما سيخلق قبل وجوده، أي أن ماهية المخلوق موجودة في العلم الإلهي قبل إيجاد المخلوق.
و فيما يخص الكائن الإنساني، فإن النص القرآني يحدثنا بتفصيل و تدقيق أكثر عن عملية خلقه، مما يمكننا من الإجابة الحاسمة على سؤال الأسبقية الزمنية فيما يتعلق به « أي الإنسان» : ( و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خيفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) سورة البقرة – الآية : 30.
« فهذا الإعلام الإلهي للملائكة بخلق الكائن الجديد – الإنسان – يدل على ما قدر الله تعالى من ماهية لهذا الكائن قبل خلقه» ( أنظر ج: 1 – ص : 34/35).
و على أساس هذه الماهية حددت وظيفة «الخلافة»  كما ختم مشهد الحوار بين الله و الملائكة بقوله تعالى :
(قال إني أعلم ما لا تعلمون)، وهو تأكيد لما في علم الله من قيام لخصائص المخلوق الجديد، و هي ماهيته التي سيكلف على أساسها بالخلافة» (ج: 1 -  ص : 35).
نستنتج من هذه الآية و أشباهها أن ماهية الإنسان سابقة على وجوده و لكن إضافة إلى ذلك، يمكن أن نستخلص من آيات أخرى أن الماهية متقدمة في الزمان على الوجود الواقعي للإنسان، مثل قوله عز و جل : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) سورة الأعراف – الآية : 172.
إذا فالأسبقية الزمنية لماهية الكائن الإنساني ذات دلالة مزدوجة حسب القرآن الكريم :
- الأولى : الأسبقية بمعنى قيام الماهية في العلم الإلهي.
- و الثانية : وجود الماهية في الواقع على هيئة روحية.
و إذا كان القرآن الكريم يشير إلى أسبقية الماهية على الوجود، فالسؤال الذي ينبغي الإجابة عنه الآن هو : ما هذه الماهية التي تميز الإنسان ؟
ماهية الشيء هي الخصائص التي تجعله هو هو، و تميزه عن غيره، و ماهية الإنسان، حسب الفلسفة و الأديان تتحدد بخاصيات مادية و روحية، و يتم التركيز خاصة على الجوانب الروحية، التي بها يتميز الكائن الإنساني، كالتفكير و الإرادة و التمييز، و لكن الخطاب القرآني يضيف عنصرا آخر أو حاصية أخرى لم تتنبه إليها مذاهب التفكير المتناولة لماهية الإنسان. هذا العنصر هو « شهادة الربوبية، أي قيام الاعتراف بالألوهية و الوحدانية كعنصر أساسي في تكوين الإنسان » (ج: 1 – ص :39).
فآية العهد المشار إليها قبله تفيد أن شهادة الربوبية و الاعتراف بوحدانية الله مركوزة في الكائن الإنساني، و محدد من محددات ماهيته.
و هذا المعنى هو ما يمكن أن نستفيده من آية أخرى : ( ...... وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله )سورة الروم – ألاية : 30.
فالدين إذن مكون من مكونات الماهية الإنسانية ، و هذا ما يؤكدن كذلك حديث النبي (ص) « كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه و يمجسانه» (رواه البخاري).
لكن إذا كانت الوحدانية، أو الإسلام « دين الفطرة » يولد به المرء، أي محدد من محددات ماهيته فلماذا ينحرف عنه ؟
لو قارنا مسألة الماهية الإنسانية بالماهية عند الحيوان، للاحظنا اختلافا جوهريا، ذلك أن الماهية تتحقق و تتجسد واقعيا عند الكائنات الحيوانية بمجرد وجودها، دون أن يكون للحيوان دخل في هذا التحقيق و التجسيد.
و الإنسان تتحقق خصائصه المادية كالقوام الجسمي و مكوناته بمجرد وجوده و لكن عناصره الروحية تظل كامنة فيه مستخفية في حالة القوة – إذا أردنا استخدام الاصطلاح الأرسطي – و لا تتحقق بالفعل إلا بمجهود إرادي ذاتي، « فخاصية العقل» مكون من مكونات الماهية، و لكنها لا تتحقق و تحصل الإنسانية العاقلة المفكرة العالمة إلا بالتعلم و تربية العقل، و كذلك «خاصية الوحدانية » أي فطرة الإسلام، فهي مكونة في الكائن الإنساني و لكنها لا تتحقق بالفعل إلا بتوفر شروط أخرى من طلب الحق، و وجود الدعوة بإرسال الرسل، و حفظ الرسالة و لذلك يصف القرآن الكريم أولئك الذين لم يحققوا هذه النقلة، أي إخراج « شهادة التوحيد » من حالة الكمون و القوة إلى حالة الوجود بالفعل، بالكفر و التقصير عن طلب الحق ب : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) سورة الفرقان، الآية : 44.
إذن، فالكائن الإنساني هو الكائن الوحيد الذي تنفصل ماهيته عن وجوده، فقد يتحقق وجوده ، و لكن لا تتحقق ماهيته، فيكون أحيانا أبعد عن الإنسانية و أقر ما يكون إلى بهيمة الأنعام.
يقول الراغب الأصفهاني : « لما كان الإنسان إنما يصير إنسانا بالعقل، و لو توهمنا العقل مرتفعا عنه لخرجمن كونه إنسانا، ولم يكن إذا تخطينا الشج الماثل إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة، و العقل لن يكمل، بل لا يكون عقلا إلى بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم، و لذلك نفى الله العقل عن الكفار، لما تعروا عن الهداية بالشرع في غير موضع من كتابه، و الاهتداء بالشرع هو عبادة الله تعالى، فالإنسان إذا في الحقيقة هو الذي يبعد الله...» ( «تفصيل النشأتين و تحقيق السعادتين»  تحقيق عبد المجيد النجار، ط. دار الغرب الإسلامي – بيروت – 1911 ص : 149).
و انطلاقا من هذا المفهوم القرآني، يمكن القول أن الإنسان صانع ماهيته بمعنى أنه مخرجها من القوة إلى الفعل، و لكن هذا المفهوم لا يماثل المفهوم الوجودي، فإذا كانت الوجودية تقول بأن الإنسان صانع ماهيته، فيه تؤكد أن ليس فيه ماهية سابقة على وجوده. بينما الإسلام يرى أن الإنسان ليس خاليا من الماهية، و صنعه لها ما هو إلا إخراج لها إلى مستوى الفعل من مستوى القوة .
كما أن المفهوم الوجودي – في تجلياته الإلحادية – بنفيه لأسبقية الماهية، فهو بذلك يتماشى مع نفيه لوجود الخالق، و لكنه بهذا النفي المزدوج يسقط في تقرير عبثية الوجود الإنساني، و لا أدرية مصيره، ومن ثم غرابة أن تكون أكثر الألفاظ شيوعا في نصوص و أدبيات الوجودية هي : القلق ، العبث، الفوضى، الغثيان، إنها ألفاظ دالة على الآثار السلبية الخطيرة التي ينتجها هذا المفهوم الوجودي للإنسان في نفسية هذا الكائن و سلوكه و رؤيته لذاته و للعالم. بينما المفهوم القرآني يقدم للبشرية التفسير المنهجي الصحيح، و الصياغة المفاهيمية الكاملة لمفهوم الإنسان، محددا أسبقية الماهية على الوجود، و لكن دون تقرير الجبرية المطلقة، بل يترك للإنسان الاختيار و الإرادة في صنع ماهيته. بمعنى إخراجها و تنميتها، محددا أيضا « الوحدانية » العقدية الدينية كبعد أساسي و مركزي في الشخصية الإنسانية، أي في فطرتهاو ماهيتها، مقررا بذلك الحكمة من الوجود الإنساني أي عبادة الله، بالمدلول القرآني الشمولي، أي العبادة بمعنى امتثال أوامر الله و إعمار الأرض و ممارسة الخلافة.
إن استشعار المفهوم القرآني ينقذ العقل و النفس من القلق و العبثية، و يحسس الكائن البشري بمعنى وجوده و القصد منه، فيجعله كائنا مسؤولا ذا رسالة، لا فلتة من فلتات الصدف الطبيعية العمياء، كما ينعكس هذا المفهوم على العلاقات الاجتماعية، فيركز فيها قيم الاستخلاف و التعاون و طلب مرضاة الخالق.
• المبدأ الزمني للإنسان :
يشير الدكتور عبد المجيد النجار إلى أن الوجود الإنساني سبقه وجود كائنات مادية خالية من العقل و كائنات عقلية خالية من المادة. و من ثم يبدو أن الإنسان هو الكائن الأول الذي اجتمعت فيه المادة و العقل معا، فالكائنات الخالية من المادة و التي هي عقلية فقط، هي الملائكة و الجن، و الكائنات المادية الخالية من العقل، تتمثل في السماوات و الأرض، التي يؤكد القرآن و العلم الحديث سبق وجودها.
و تأسيسا عل ما سبق، نستشعر غرابة رأي القاضي عبد الجبار، المفكر المعتزلي الشهير الذي قال بأن الجمادات لم تكن لتخلق قبل الإنسان، و إنما خلقت معه و بعده، لأن المقصود بها هو حصول انتفاع الإنسان بها ، و من ثم فوجودها قبله عبث !!
يقول في كتابه « المغني » إن الجماد ÷نما ينتفع المكلف به على أحد وجهين : إما أن يعتبر به، أو بأن ينتفع به في الدنيا، و كلا الوجهين إنما يصح في حال وجوده، و لا معتبر فيه بتقدمه، فيجب ألا يحسن خلق الجماد قبل الحي » (مذكور في 1 – ص : 76).
لكن بعض المفسرين يذهب إلى وجود كائنات قبل الإنسان، اجتمع فيها أيضا البعدان العقلي و المادي، كما نجد في أساطير الهند إشارات تقول إن آدم كان عبدا من عبيدهم، ففسد، فطردوه، الإشارة إلى هذه الأساطير موجودة عند الطبرسي في « مجمع البيان » و ابن عاشور في تفسيره « التحرير و التنوير » و البهي الخولي في كتابه « آدم » و عبد الوهاب النجار في
« قصص الأنبياء » و قد عبر عنها المعري في « اللزوميات » بقوله :
تقول الهند آدم كان قنا لنا
    فسرى إليه مخببوه
لكن المعري يبدو أنه لا يرد هذه الأسطورة في سبيل الإخبار، بل يجوزها، إذ يقول :
جائز أن يكون آدم هذا 
         قبله آدم على إثر آدم
و هو رأي – يقول د. عبد المجيد النجار - : «لا سند له من القرآن و الحديث» (ج : 1 – ص :79).
لكن إذا كان آدم أول البشرية، فكيف نفسر قوله عز و جل : ( و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء ...) سورة البقرة – الآية : 31. ألا يكون قول الملائكة دالا على قياس آدم على مخلوق آخر من جنسه أفسد في الأرض و سفك الدماء ؟
إن هذا القول متداول عند بعض المفكرين، و لكنه حسب «د. النجار» مردود، حيث يمكن تفسير موقف الملائكة بكونه نتيجة لملاحظة طبيعة هذا الكائن، المركبة من روح و مادة، فمادية تكونه تحمل عامل جذبه إلى الفساد، و هو تأويل موجود عند الطاهر بن عاشور في « التحرير و التنوير » حيث يقول : « مجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق  العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل علي من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منه في الخارج، لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة » (ج : 1 – ص - : 79-80).
كان بإمكان الملائكة إدراك ذلك، خاصة أن الله عز و جل حدد لهم بالضبط طبيعة مكونات هذا المخلوق الجديد : ( و إذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته و نفخت في من روحي فقعوا له ساجدين) سورة ص – الآيتان : 71-72.
إذن فآدم هو الكائن الإنساني الأول ، لكن يبقى سؤال آخر هو : كيف وجد هذا الكائن؟ هل وجد بطفرة فجائية، أم هو حصيلة تطور تدريجي عبر سلسلة من الكائنات الحيوانية؟ هل يقبل الإسلام نظرية التطور الداروينية ؟
تشير نظرية التطور عند «لامارك» و «داروين» إلى أن الإنسان نتيجة تطور و تحول في الكائنات الحيوانية في اتجاه ارتقائي، و هكذا فالقرد و الإنسان ناتجان من نوع حيواني مفتقد، يعتبر حسب داروين الحلقة المفقودة، التي ينبغي البحث عنها، و هذا ما يفسر إيراد «داروين» لفكرته هذه على سبي الافتراض و التخمين.
و في هذا السياق أحصى أحد الباحثين ما في كتاب « أصل الأنواع » من تردد و تخمين فوجد ثمانمائة عبارة !!
و عند دخول نظرية التطور الداروينية إلى فضاء الثقافة العربية الإسلامية في مستهل القرن العشرين مع أعمال «فرح أنطوان» و «شبلي شميل» و سلامة موسى انفجر نقاش وجدال حاد. و قد كان الأفغاني في نهاية القرن التاسع عشر قد انتقد النظرية ،  معتبرا إياها مناقضة لما جاء به القرآن، و لكن محمد رضا آل العلامة التقي الأصفهاني لم ير في نظرية التطور ما يناقض حقيقة من حقائق الدين لأن الدين قرر إرجاع الكون و المخلوقات إلى الخالق، و لكنه لم يبين بالتفصيل كيفية الخلق.
يقول محمد رضا : « ليس فيها إلا بيان ترتيب المخلوقات، و كيفية الصنع فيها، و متى كان أهل الدين ينكرون ذلك، و يدعون إن الله  تعال خلق الأشياء في وقت واحد خلقا مستقلا عن الآخر؟ و هم يرون الله تعالى بلطيف حكمته و بديع صنعته يخلق الثمر من الشجر، و الشجر من النواة، و لا يجعل العنب حلوا إلا بعدما يجعله حامضا، و لا يجعله حامضا إلا بعدما يجعله مرا» ( 2 – ص: 100-101).
ولكن مجموع الآيات القرآنية ، تفيد معنى قريبا من أن الكائن الإنساني لم ينتج من عملية تطور تدريجي في الكائنات الحيوانية، بل هو مخلوق بصفة خاصة، على نحو استثنائي فجائي، و الأدلة على ذلك كثيرة :
- إن مفهوم الطور القرآني ( و قد خلقكم أطوارا ) سورة نوح – الآية : 14. يقصد به عملية تكوين الإنسان الفرد من النطفة إلى ميلاده، و نشأته : طفولة و شبابا و شيخوخة و كهولة، وليس فيها معنى ارتقاء الكائن الحيواني و تحوله إلى الكائن الإنساني.
- إن حادثة الخلق في النص القرآني تفيد « الفورية المطلقة » بالنسبة للكائن الإنساني، و هذا ما يفسر تفاجؤ الملائكة و اندهاشهم إذ قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء ) و هذا الاستغراب و التساؤل إذا ما وشع في سياق ما اعتيد في انصياعهم المطلق للأمر الإلهي ، إذ هم (يفعلون ما يؤمرون) لم نجد له من سبب سوى ما توفر عليه هذا المخلوق الجديد من جدة في خلقه لمن تكن معهودة في سلسلة المخلوقات» (ص: 90).
- إن كلمة « الخلق » التي عبر بها الله عز و جل واصفا فعل إيجاده للإنسان، يدل في « لسان العرب » على : « ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه »، و الابتداع طفرة وجدة، و من ثم يكون المعنى إيجاد الإنسان بخلق خاص لا نتيجة تحول و تطور.
و من هذا الأدلة و غيرها يستفاد أن المفهوم القرآني الخاص بخلق الإنسان قريب جدا من معنى أن الكائن الإنساني كائن جديد مستقل في نوعه عن غيره من الكائنات متميز عنها، متفضل عليه من طرف الله عز و جل بخلقه على نحو خاص، و الاحتفال به عند خلقه، و إسجاد الملائكة له، و قد يجوز أن يكون التطور بمعناه الدارويني صادقا على الأنواع الحيوانية، و يبقى أمر تأكيد ذلك أو نفيه للعلم. و لكن بالقياس العقلي وحده يمكن أن نجزم مع «د. النجار» أنه غير جائز بالنسبة للكائن الإنساني، فلو قارنا بين الأثر النفسي و الاجتماعي لنظرية التطور مع أثر نظرية الخلق الابتدائي المستقل للإنسان، سنجد أن تأثير النظرية الأولى جد سلبي، و غير لائق بمهمة الاستخلاف :
- فشعور الإنسان بكونه مجرد حلقة في سلسلة تطور حيواني عضوي حتمي، و أنه من ثم متساو مع باقي العناصر الكونية من حشرات و حيوانات، فإنه لا ريب سيستشعر ضالته و حيوانية أصله. و هذا ما يهدد قيمه و كرامته و يؤثر سلبا على وعيه بذاته، و ما ينبغي لها من قيم و سلوك.
 - و نظرية التطور بقيامها على مفهوم الصراع، و بقاء الأقوى، فإنا بذل تؤثر سلبا على النفس و الاجتماع، إذ ما دام الصراع آلية الطبيعة، و به أخرج الإنسان إلى الوجود، فلا ريب أن هذا المعنى لن ينتج إلا العدوانية و التصارع. مما يهدد النسق الأخلاقي الإنساني في الصميم.
و معلوم أن النظرية الداروينية بشيوعها في القرن التاسع و بداية القرن العشرين، كانت سندا علميا فلسفيا لحركة الاستعمار، ما دامت هذه الحركة بما تفيده من استضعاف القوي للضعيف منسجمة مع طبيعة الأشياء و الأنواع، و قانون طبيعي سائر في الكون.
بينما التأثير النفس و الاجتماعي لنظرية «الخلق الابتدائي المستقل » تأثير إيجابي «فالإنسان لما يقع في نفسه موقع الاعتقاد أنه كائن خص من بين سائر الموجودات الكونية بالوجود الطفري المكتمل، وأن مبدأه المكتمل ذلك متمثلا في وجود آدم عليه السلام، إنما هو تشريف له و تكريم، و أنه خلق بداية في أحسن تقويم فإنه لا محلة سيحدث ذلك في نفسه شعورا بقيمته الذاتية و تميزه على سائر الكائنات الأخرى » (ص:165) و شعوره بهذه القيمة و التميز و اختصاصه بالتكريم الإلهي له أثره على سلوكه في الحياة. إذ يستلزم هذا الشعور السلوك وفق أوامر الخالق.
« و من الناحية الاجتماعية فإن الإيمان بالخلق الابتدائي المكتمل للإنسان، يثمر القناعة بأن هذا الإنسان الذي خلق مكتملا ينطوي على فطرة ثابتة تستمد ثباتها من وجوده المكتمل، و على أساس هذا الثبات تبنى الحياة الاجتماعية على موازين و قيم ثابتة في الأخلاق و سبل التعامل و نظم العيش، وهي موازين و قيم تتأسس على احترام الإنسان و الإعلاء من شأنه ». (ص: 168).
من هنا تتبين قيمة المفهوم القرآني للإنسان، و بالنظر إلى واقع الفلسفة الغربية الساقط في الاأدرية و العبثية، تتضح ضرورة إشاعة هذا المفهوم القرآني ، لتصحيح وعي الإنسان بذاته، و بمهمته و مصيرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here