islamaumaroc

مفهوم العرشيات

  عادل بنمنصر

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

نقصد بالعرشيات في إطار الدراسات الأدبية المغربية مجموعة القصائد الشعرية التي قيلت بمناسبة احتفال الأمة بعيد جلوس جلالة الملك على عرش أسلافه الكرام، انطلاقا من أول احتفال تم و بشكل رمزي...، فأشادت بخصال الملك، و أبرزت فضائله، و نوهت بمواقفه المجيدة و الشجاعة.
و العرشيات بهذا المفهوم أو المعنى إنما تستمد قوتها و شرعية وجودها و استمراريتها من شخصية البطل الراحل جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، و انطلقت جحافل الشقراء في عملها الإبداعي، معبرة و متغنية بميلاد نص شعري، أغنى بقيمه الروحية، و أبعاده الوطنية فضاء التجربة الشعرية، و أمدها بنفس جديد كان له بالغ الأثر في توسيع نطاق و آفاق المضمون الوطني للشعر العربي الحديث بالمغرب، مما جعله يحوي سمات و خصائص ميزته عن باقي الأنماط الشعرية التي عرفتها الساحة الثقافية يوم ذاك، خاصة فيما يتعلق بالمديح و التهنئة اللذين ارتبطا بمناسبات دينية أكثر منها وطنية، كالمدح و التهنئة في ليلة عيد المولد النبوي، أو عيد الأضحى،  أو عيد الفطر، و هي مناسبات خاض فيها الشعراء بشكل واسع.
و الحق أن تحديد مصطلح العرشيات، و على هذا المنوال من الدقة، قد يعد أمرا مفروضا و ضروريا في نطاق الحقل الثقافي المغربي، و في نطاق البحث العلمي الأكاديمي، ولكنه في الوقت ذاته قد يكون مدعاة لإثارة وجهة نظر مخالفة، فليس من البعيد أن لا يستأنس بعض الباحثين بهذا التحديد و بهذه الصياغة، ذلك أن العرشيات كمفهوم حي قائم بذاته يستمد دلالته من واقع الحياة و صلبها وقع رهينة مجموعة من الأحداث كان امتدادها الزمني مختلفا، و لكن تأثيرها كان قويا و متشابها، هذه المجموعة تمثلت في سنوات 1927 و 1933 و 1934، و التي كان اليوم الثامن عشر من شهر نوفمبر هو الحلقة الوحيدة التي تجمع شتاتها.
إن هذه السنوات جميعها تبقى في حد ذاتها جد مغرية، و تبقى حاملة لأبعاد معرفية، قد تساهم بشكل أو بآخر في تحديد مصطلح العرشيات بشكل مغلوط، و من ثم، فإننا ندعو الباحث أن يتريث في إصدار أي حكم، و ندعوه لينظر إلى الحقيقة الشعري، فلعلها تكون السبيل الوحيد لفك الإشكال و حسم الخلاف، فقد كان و ما يزال لكل حساسيته في رؤية الأشياء و في مواجهتها، و قد كان الخلاف ضاربا في أبسط قضايا الحياة ذات البعد المادي و المحسوس، فما بالك بالقضايا التي تفتقدذلك، و تتأثر بهوى الذات، و تخضع لمقاييس الموقف الفكري للإنسان، مما يرجح أنه لو فسحنا المجال لحظة للباحثين لتحديد المصطلح و الكشف عن مفهومه و حقيقة زمنه، لوقع بينهم جدل و تضارب، و لعصفت الاختلافات بأفكارهم، فتشتتت و تنازعت، و أدركت آنذاك مدى صعوبة و خطورة الموقف الذي ينبغي أن يواجهه الباحث الناقد بعين متبصرة و ذات متفتحة لا تقر إلا بالحقيقة العلمية في مستوى من مستويات التفكير الحر المتين.
فمما لا شك فيه أن كل فريق أو كل طائفة ستتجه في تحديدها لهذا المصطلح متأثرة بإحدى تلك السنوات، بل هناك من سيذهب بعيدا عنها، ففريق سيعتبر سنة 1927 هي سنة تحديد المصطلح، إذ سيرى العرشيات ذات ارتباط وثيق بشخصية محمد الخامس، و بيوم و سنة جلوسه على العرش، و فريق آخر سنة 1933 هي المنطلق الحقيقي لتحديد المصطلح على أساس أن هذه السنة شكلت بالنسبة للمغاربة أول سنة يقومون فيها باحتفال رمزي بهذا العيد، و على أساس أن هذه السنة عرفت لأول مرة نصوصا شعرية ذات صبغة جديدة تجعل الاحتكام إليها شيئا ضروريا.
و حتما سيتجه فريق آخر إلى اعتبار التحديد الصحيح و المنطلق لهذا المصطلح مع سنة 1934 التي شكلت مظهرا حقيقيا و رسميا لاحتفال الأمة بهذا العيد، بعد فشل دولة الاستعمار في الإقرار بعدم أحقيته كعيد من حق الأمة أن تحتفل به و تقيم له من ضروب الاحتفال ما يعبر عن أهمية العلاقة التي تجمع، و من المفروض أن تجمع بين الأمة و سلطانها ما دام هو رمز كيانها، و محقق آمالها، و منشد وحدتها.
و مهما كانت درجة الاختلاف و التضارب فإن شيئا من الحق والصواب يجمع بين تلك الآراء رغم تنوعها و تناقضها، ذلك أن المصطلح يستمد مشروعيته، و يقوم بنفسه كوحدة معرفية مستقلة من خلال هذا التلاحم و الترابط المشترك بين هاجس تلك السنوات جميعها.
و هذا معناه أن التحديد الحقيقي لمصطلح العرشيات كان كامنا وسط تلك الحلقة من السنوات، لقد عرف انطلاقته و صورته الحقيقية مع سنة 1933 التي عرفت أو احتفال، و عرفت، و هذا هو الأهم، أو نص شعري عبر عن هموم القصيدة العرشية، و سطر أكب ملمح من ملامحها و استمد مشروعية استمراريته مع سنة 1934، التي لم تحدد نمط و صيغة هذا النص الشعري بقد ما جاءت فقط لتضفي عليه صفة المشروعية، و تلزمه بالاستمرارية الدائمة في كنف البعدين الوطني و الاجتماعي، اللذين تجليا في إصدار القرار الوزاري باتخاذ يوم 18 نوفمبر من كل سنة عيدا وطنيا تحتفل به الأمة جمعاء.
و لكن سنة 1927 هي الأخرى كان لها دور هام، ليس فقط في كونها شكلت من خلال يوم 18 نوفمبر موعدا مع التاريخ لتتجدد فيه ذكرى العرش، و طموحات صاحب العرش، انطلاقا من سنة الاحتفال بذكراه، و لكن لكونها عبرت بشك من الأشكال – و إن كان غير دقيق – عن هاجس هذا النص الشعري الذي اصطلح على تسميته بالقصيدة العرشية، مما جعل الأستاذ عباس الجراري – استنادا إلى رؤية خاصة – يتحمس لجعل شعر العرش ذا صلة وثيقة بهذه السنة.
لنتذكر في هذا الصدد عبارته حين استحضر أبيات (1) من قصيدة الشاعر محمد البيضاوي الشنجيطي التي مدح فيها جلالة المغفور له محمد الخامس، و هنأه بتولية العرش، إذ قال : « فهذه القصيدة الطويلة التي مدح بها الملك أو هنأه بها يوم اعتلاء العرش تكتسي في الحقيقة أهمية بالغة، لأننا ألفنا أن نتحدث عن شعر العرش ابتداء من سنة الاحتفال بعيده ثلاث و ثلاثين بشكل خاص، و في عام أربعة و ثلاثين و تسعمائة و ألف بصفة رسمية».(2)
و لاشك أن في هذا ما يؤكد أن موقف الأستاذ الجراري من هذه القضية بات واضحا كل الوضوح، فهو لا يكتفي بالهمس في آذاننا بأن شعر العرش مرتبط بسنة 1927، بل يدعونا من خلال موقفه إلى البحث و إلى إيجاد نصوص، من شأنها أن تدعم هذا الرأي، و تفصح عن هذا الاتجاه، بل إن الأستاذ الجراري لا يتردد في جس نبضنا، فيوظف بعض إرهاصات نص الشنجيطي.
لكن الشيء الذي يستدعي انتباهنا أن إمكانيات هذا النص الذي تحتفظ به خزانة الأستاذ الجراري لا تسعف في إعطاء تصور دقيق لهذا الموقف، ولا يمكن أن تقوم كدليل قاطع، من شأنه أن يجعلنا نحسم في هذه القضية بتلك الثقة التي كاد أن يحسم بها أستاذنا.
إن الشيء الجلي في موقف الأستاذ الجراري يبقى كامنا في رغبته في إيجاد علاقة واقعية و شرعية بين شعر العرش و زمن تتويج محمد الخامس. و هو شيء هام و منطقي إذا استحضرنا في ذهننا الظروف التاريخية التي أحاطت بهذا التتويج، و استحضرنا أيضا عمر جلالته يومذاك، و نظرنا إلى الآمال التي عقدتها الأمة على بيعته وعلى جلوسه على إمارة العرش.
كان محمد الخامس رحمه الله مثالا حيا للشهامة و النبل و الذكاء، و كان بشهادة التاريخ فتى زمانه، و رمزا لبطولة و أصالة شعبه، و كان بشهادة الجميع أيضا محط احترام و تقدير، و محض تفاؤل و استبشار.
و تبعا لهذه الحقيقة التاريخية و النفسية كان من الضروري أن يأتي النص الشعري مثقلا بشعاع هذه البطولة ليجسدها في شكل عيد تتغنى به الأمة.
و إذا كان هذا التغني قد تحقق فعلا على مستوى الواقع فإنه تحقق أيضا- و قبل ذلك – على مستوى الإبداع. تجلى ذلك بصورة واضحة من خلال بيت من قصيدة الشاعر محمد الطيب عواد نظمها في تهنئة جلالته باعتلاء العرش، قال فيها :
رعى الله هذا اليوم عروبة
    سيبقى له في الشعب ذكر مخلد(3)
و تجلى بصورة غامضة و عابرة من خلال بيت من قصيدة الشاعر عباس الشرفي، نظمها هو الآخر في نفس المناسبة، فجاءت مزيجا من التهنئة لجلالة المغفور له محمد الخامس، و الرثاء لوالده المولى يوسف، مطلعها :
بسما الخلافة أنجم تتوقد
          تبدو تباعا إن وافاها الموعد
ما غاب كوكب يوسف حتى بدا
       بدر السعادة ذو الفخار محمد (4)
خاطب فيها جلالته قائلا :
و أبشر بإخلاص الرعية و انشرح
          فسراتهم و وجهوهم لك أعيد
مما يدل على أن القصيدتين و من خلال هذين البيتين قد كشفتا عن شيئين اثنين :
• أولهما : عن إشراقة هذا العيد الذي كان على موعد مع التاريخ، و الذي كان نتيجة هذا الحب الذي اجتمعت عليه قلوب الأمة لعاهلها، و نتيجة هذه الفرحة و الانشراح اللذان غمرا افئدة أبنائها، مما جعل إخلاصها لجلالته واضحا، بدا في شكل اتحاد عبر عنه الشاعر في قوله :
و مواسم الأفراح قد دلت على 
             حسن اتحاد ليس فيه تردد
• ثانيهما : أن النص الشعري المغربي الذي ارتبط بالمناسبة مواكبا حدث التتويج و اعتلاء جلالته العرش لم يبق حبيس أرض الواقع، بل اخترق سماء الصورة الوثيقة ليعطي المفهوم الحقيقي لرسالة الشاعر في الحياة، و ليحدد طبيعة الفرق بين الشعر و التاريخ، مثبتا بشكل من الأشكال أن مهمة الشاعر الحقيقية لا تكمن في معايشته للأحداث، ثم روايتها كما يشاء للمؤرخ أن يفعل، و إنما تكمن أن يحدث في ارتباط وثيق بما هو كلي، و ليس في ارتباط بما هو جزئي، لأن ذاك شأن التاريخ، وليس شأن الشعر المثقل بعاطفة الصدق و ضخامة الإحساس.(5)
و لعل في ذلك أكبر دليل على أن شعراء العرشيات من أمثال عباس الشرفي، و محمد بن اليمني الناصري، و محمد البيضاوي الشنجيطي، و محمد الطيب عواد، حين وقفوا عند حدث اعتلاء جلالة محمد الخامس للعرش، غمرتهم التجربة الشعري بأشعتها الدافئة، و غمرتهم اللحظة بحدسها، و أمدتهم قوة الحدث بإحساس غريب، فتغنى الشرفي و عواد بنشوة العيد الآتي، وتغنى الشنجيطي و اليمني الناصري بنشوة الشعر الذي وجد ذاته مع سنة 1933، فعبرا عن بعض إرهاصاته، و كشفا عن بعض ملامحه.
و هذا يدعونا إلى التساؤل من جديد، هل يمكن اعتبار هذه الإرهاصات بدايات ؟
لقد فتح الدكتور عباس الجراري مجال التساؤل حين وقف موقفه الإيجابي من قصيدة الشنجيطي، فكاد أن يعتبرها بداية شعر العرش، و لو أن أي دارس أضاف إلى تجربة الشجيطي تجربة أخرى للشاعر محمد بن اليمني الناصري لتغير الأمر تماما، و لصارت بوادر الشك عنده تختفي شيئا فشيئا، ذلك أن الناصري نظم في نفس المناسبة قصيدة، مطلعها : (6)
حز من صفاء العيش كل معطر
     و ليذك صيتك مثل نفح المقرى
و ألق الزمان فقد أتى لك تائبا
     من جوره القاسي بحلم المنقري
إذ من محاسنه و من إنصافه
     تتويج مثلك رغم أنف المفتري
ختمها بدعاء، تجسد عبر هذه الأبيات :
فلتحي يا ملك البلاد متوجا
    بالعز و النصر العزيز الأبهر
و ليعل شأن العلم في عهد به
    أصبحت خير مؤيد و مظفر
و ليحي أنصار الجلالة في هنا
    و ليحي صدر الدولتين المقري
لكن أهمية هذه القصيدة أن خاتمتها التي تشكلت عبر هذه البؤرة «فلتحي يا ملك البلاد» اتخذها الشاعر سنة 1933 عنوانا لقصيدة كشفت :
1- عن نهج و نمطية الخطاب الشعري في ذاتيته الخاصة.
عن تفاعلها مع القصيدة السابقة في إلحاحها و تركيزها على هذه البؤرة، سواء في بداية القصيدة، كما تجلى ذلك ف عنوانها، أو في نهايتها، كما تجلى في خاتمتها من خلال هذا الدعاء الذي صار لفترة جزءا من صلب و هيكل بناء القصيدة العرشية لأسباب فكرية و حضارية :
فلتحي يا ملك البلاد مؤيدا
       بالله ملكك دائما جذلان
و ولي عهدك في ابتهاج دائم
       و كمال أخلاق به تزدان
و ليحي شعبك في ترق كامل
       و وجود مولانا لذاك ضمان
و ليهن مولانا بعيد جلوسه
       في العرش حيث سما به الإيوان
و لتهن أمته و صدر صدوره
       و من ازدهى بنظامه الديوان(7) 
إن هذا التفاعل بين القصيدتين يبقى في نظري تفاعلا ظاهريا، لأننا لو تأملنا عمق القصيدتين، لوجدنا أن هناك خلافا فكريا بينهما، على أن هذا التفاعل قد يفسح المجال للقول بأن قصيدة «فلتحي يا ملك البلاد» هي امتداد للقصيدة الأولى، أي لنموذج 1927، و أنها لأجل ذلك قد شكلت من جانب ما لقي مباشرا معها و أنها استمدت منها قوتها و طاقتها و منطلقها.
لكن هذا قد يبدو صحيحا في حدود غياب الحقيقة التاريخية التي لا تساير هذا الافتراض، و لا تدعو إليه و لا تسانده، ذلك أنه إذا كنا نعتقد أن جوهر الخلاف مرتبط أساسا بسنتي 1927-1933، فإننا نخطئ التقدير، و نتجاهل أن ما بين السنتين فاصل زماني ضمني و حاسم تمثل في سنة 1930، و أن الحق يقضي منا أن ننظر في هذه النشأة، و في بداياتها من خلال دلالات و خلفيات هذه السنوات جميعها، لأن المدلول الحقيقي للعرشيات مرتبط بلحظاتها التاريخية الدقيقة و الحاسمة.
1- لحظة 18 نوفمبر 1927 : إنها لحظة تتويج خلالة المغفور له محمد الخامس...، اللحظة التي شكلت وثبة في تاريخ الأمة، و في تاريخ المغرب الحديث، بدليل ما صاحبها من أمل و استبشار و تفاؤل، ذلك أن جلالته يوم اعتلى العرش صدع قائلا :
« إن الشعب المغربي ينتظر منا من بين ما ينتظر مجهودا مستمرا، لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، و لكن لنكفل له أيضا الانتفاع من تطور فكر يكون متلائما مع احترام عقيدته، و يستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يكون من السرعة ».(8)
مما يعني أن هذه اللحظة كانت لحظة إيجابية قدمت سلطة زمنية استأنس الناس بها، لكن رغم ذلك، و رغما عن كل شيء، فإن هذه اللحظة ظلت في حدود «الزمن» أي أنها لم تشمل وعي الإنسان و فكره، و إن كانت قد لامست طبعا ذاته و وجدانه، و هيجت مشاعره، و أثارت كوامن إحساساته لأسباب تاريخية و دينية.(9)
أما في عمقها، فقد ظلت لحظة تساؤل و قلق كشف عنها الخطاب الشعري من خلال وقوفه عند بؤرتين متناقضتين أشد ما يكون التناقض، تجليا في قول الشاعر :
فلتحي يا ملك البلاد متوجا
    و ليحي أنصار الجلالة في هنا
(الشـرعيـة – الملــك)
    (الحمايـــة – الحضــارة)
إن هذا التناقض كان يعكس حقيقة الاضطراب في الموقف الفكري و السياسي، و كان يعكس بالتالي حقيقة صراع دفين بين قيم متناقضة، ضاعت على إثرها الاختيارات الحقيقية، فتبدت الحياة أحيانا في شخص الملك، أي في الشرعية التي تحمل التقاليد و القيم والوطنية و التاريخية، و تحمل السلطة الدينية و الزمنية، و تبدت تارة أخرى في أنصار جلالته، أي في الحماية رمز الحضارة و التقدم البراق الذي جرف الشعب، و وقف معه مندهلا، متسائلا، حائرا، مترددا، و إن كان ذلك التساؤل قد بات أمرا مشروعا لأسباب متعددة يمكن إجمالها في نقطتين أساسيتين :
• نتيجة سلسلة الأحداث القاسية التي جرفت المغرب، و التي جعلت حدة و قوة الشعور الوطني تضعف، و هو الشيء الذي أخذ يؤدي في النهاية إلى الإيمان بالآخر كسلطة حضارية، و كقوة تاريخية تصعب مقاومتها.
• نتيجة الأثر و التفكك الذي أحدثه التدخل الاستعماري في المجتمع المغربي، ابتداء من عهد المولى الحسن الأول و مسّ جوانب وطنية مختلفة، و أدى إلى حدوث بعض القلاقل و الاضطرابات الاجتماعية.
و كذلك الأمر بالنسبة لعهد المولى عبد العزيز، و عهد المولى عبد الحفيظ، و ما كان فيه من عقد الحماية، مما هو مسطر و مفصل في كتب تاريخ المغرب و دولته الشريفة.
لكن انتقال العرش من المولى عبد الحفيظ إلى المولى يوسف، و ظهور جلالة محمد الخامس – بعد وفاة والده – شابا يمتلئ غيرة و طموحا، و يمتلك وعيا بالتطور الحضاري الذي لا يتعارض و مقومات الأمة، من دين و لغة و وحدة و أصالة، كانت تلك كلها بحق مؤشرات إيجابية أنبأت ببداية فجر جديد في حياة الأمة المغربية، و في حياة السلطة الزمنية فيها، التي ستسترجع من جديد هيبتها و قدسيتها و ثراءها الديني و الوطني على إثر التجربة التاريخية التي تمثلت في حادث الظهير البربري، الذي كان بمثابة ناقوس لإعلان نهاية التساؤل و الحيرة، و عودة الصفاء الديني، و استرجاع الشعور الوطني في حدته و قوته لأدل خدمة قضايا المغرب الكبرى التحريرية و الحضارية في التحام متين و قوي بين القمة و القاعدة :
2- لحظة 16 مايو 1930 : هي إذن اللحظة التي ارتبطت أساسا بالإنسان، فشملت وعيه و فكره، و خرجت به من إطار الانفعال العاطفي إلى إطار الفكر و التأمل و التجربة و المعايشة الحق، ثم الاقتناع الذاتي، بعد أن كشفت هذه اللحظة عن خطورة البناء الحضاري الاستعماري، الذي حاول أن ينزع السلطة الدينية و اللغوية و العقدية عن جزء كبير من أبناء أمتنا، و أن يجردها من سلطة الملك الدينية و الزمنية، مما جعل المغاربة يواجهون الحماية وجها لوجه، و يواجهون سياستها، و يدركون بالتالي أن الشيء الذي ارتبطوا به لم يكن حضارة، و إنما كان وهما و خرابا، و هو الشيء الذي قادهم إلى إحداث انتفاضة فكرية، و إلى إحداث انتفاضة على الذات التي لن تستسلم لواقع يخالف عقيدتها التاريخية و الدينية، و لن تستسلم لواقع ليس في مستطاعه أن يمنحها بتاتا قوة الشعور الروحي الذي ظل دائما يحركها للحفاظ على استقلاليتها و أصالتها.
من هذا المنطلق بالذات، فإن لحظة الظهير البربري، لم تكن فحسب بمثابة خلخلة تاريخية أعادت التوازن الفكري و السياسي للإنسان المغربي، و حددت موقفه النهائي من سلطة الآخر ( الحماية / الحضارة )، و إنما كانت أيضا سبيلا لخوض معركة ضد حضارة مزيفة، و سبيلا للاقتناع بأن الحضارة و التطور الفكري الحقيقيين لن ينبعا إلا من عمق الذاتية المغربية في ارتباطها و إحساسها بشعورها الوطني و الديني، و في ارتباطها و تشبثها بالشرعية الدينية، التي كانت على مر التاريخ المغربي أساس الدعم الحضاري الحق لهذه الأمة في خصوصيتها، و في أصالتها المتميزة.
3- لحظة 18 نوفمبر 1933 : لم تكن لحظة عابرة و تلقائية في تاريخ الشعور الوطني المغربي، و إنما كانت لحظة ناتجة عن مخاض حار، و عن اصطدام عنيف مع الذات في اختياراتها، و في صراعاتها.
لقد كانت لحظة وعي بمسؤولية تاريخية أثبت المغاربة من خلالها أن طابع الدولة المغربية ليس طابعا هشا و إنما هو طابع دولة لها كيان تاريخي، و لها دعم وطني و ديني، و تلك هي الحقيقة، وتلك أيضا هي المسؤولية التاريخية التي نهض بها الخطاب الشعري الذي برز مع هذه السنة، و التي كشف عنها بجلاء و وضوح، حين وقف مناقضا لموقف سنة 1927، ذلك أنه إذا كان النص الشعري لهذه السنة، قد مزج في خطابه بين الملك و الحماية، فإن النص الشعري لسنة 1933 مزج هذه المرة بين الملك و الشعب في وحدة، جعلت من القصيدة العرشية بناء حضاريا متكاملا تلتقي عنده إرادة الشعب و مطامحه مع إرادة و مطامح السلطة الزمنية، مما يفسر أن تجربة الظهير البربري كانت السبب المباشر في هذا التحول الذي أعاد الثقة إلى ذات الفرد، و أعاد قوة الشعور الوطني و الديني إلى نبعها الأصلي، أي إلى الطاقات الروحية الكامنة في ذات هذا الشعب.
إن الشيء الذي يمكن أن نستخلصه من هذه اللحظات جميعها أن النص الشعري الذي واكب حدث التتويج جاء أمينا و مخلصا للحظته التاريخية، لقد عكس لحظات التساؤل و القلق، و عكس لحظات التذبذب و الغموض في الموقف الفكري و الوطني، كما أن النص الشعري الذي بارك حدث الاحتفال بعيد العرش جاء هو الآخر أمينا و مخلصا للحظته التاريخية حين عكس التحول الذي طرأ في بنية المجتمع، فكريا، و سياسيا، و حين بلور فكرة العيد بدقة و وعي و إلحاح، سواء في خاتمة القصيدة كما تبدى في قول الشاعر : (10)
و ليهن مولانا بعيد جلوسه
           في العرش حيث سما به الإيوان
أو في صلبها كما تبدى في هذه الأبيات :
      و لنا بعيد جلوسك الأسمى على
عرش الجدود الأكرمين أمان
      إننا اتخذنا يومه عيدا به
عاد السرور و روضة فينان
         أضحى شعور الشعب متحدا به
 يبدو على إخلاصه عنوان
إن هذا التحليل يبقى دليلا كافيا على أن قصيدة سنة 1927 كانت مجرد تخطيط أولي و غامض لاتجاه شعري، سيكتسب بفعل حركة التطور السريع، و بفعل حركة الوعي المصاحب لها ذاتيته الخاصة، و يبقى دليلا كافيا على أنها في النهاية كانت مجرد عاطفة و إحساسات عابرة في سماء الفكر و الإبداع طرقت قلب الشاعر، و حركت سواكنه، و أثارت وجدانه، لكنها في الوقت ذاته اختبرت وعيه و نضجه الفكري و السياسي، فوجدته ضعيفا مهلهلا، فانصرفت عنه إلى غاية سنة 1933 بعد أن اكتملت مقومات حسه الوطني، و بعد أن اكتملت مقومات وعيه بهذه التجربة، فكان من الطبيعي أن تأتي في شكل مغاير، و كان من الطبيعي أن تأبي و قد اختفى من أحشائها جزء من ذاك الخطأ في تقدير شعرائنا للشعور الوطني الذي اكتنف القصيدة الأولى (نموذج سنة 1927) و الذي برز جليا في قول الشاعر في آخر بيت من قصيدته، و بالذات في الشطر الأول منه : « و ليحي أنصار الجلالة في هنا »(11) 
فأنصار الجلالة في نظر الشاعر ليسوا هم الشعراء و العلماء، و ليسوا هم الأدباء و الوعاظ، و ليسوا هم كبار رجال الدولة فقط، و إنما هم كذلك رجال الحماية.
إن هذا الخطأ في تقدير الجانب الوطني و في الشعور به تسر إلى الكثير من النصوص التي جاءت فيما بعد، و كان المسئول عنه غياب ملكة الوعي باللحظة التاريخية، سواء عند الشعراء أو النقاد الذين عبروا عن معانقتهم لزمن غير زمنهم و حنينهم لفضاء تاريخي لا يليق بأمة ظل الوعي التاريخي منطلق تكوين رجالاتها الفكري و السياسي و الشعري.
و مهما يكن، فإن تذبذب مواقف بعض الشعراء لن يغير من الحقيقة شيئا، لن يغير من عنف الإحساس باللحظة التاريخية و الحضارية التي تسربت إلى جدار التفكير الشعري رغما عنه، و رغم بساطته عند هذا الجيل من الشعراء، لتستشرف آفاق المستقبل حين تغنى الشعراء بعيد لازال في صلب التاريخ، و حين تنبئوا بإرهاصات ميلاد نص شعري، فأثاروا بعض قضاياه، و عبروا عن بعض خصائصه، و جسدوا بعض ملامحه.
بل إن النص الشعري عند محمد بن اليمني الناصري كاد أن يلامس المناخ العام للقصيدة العرشية و هو في طور التكوين و في طور نهاية سنوات العشرينات، لولا القلق الفكري و السياسي اللذان صاحباه، و اللذان كانا ناتجين عن المرحلة التاريخية، مما من شأنه أن يحمل دلالة كبرى، و هي أن القصيدة ربما كانت أول من احتفل بهذا العيد، و كانت أول من خاض غمار البحث عن المناسبة و لعل الشاعر كان أول من خاض تروج في ذهنه الفكرة دون أن يعي ذلك، ودون أن يحدد موقفه منها.
لقد كان الشعور الوطني يتحرك في هدوء ليسكن قلب الشاعر، و ليحدد موقفه من الحياة، و من القضايا التي صارت تتشعب في ذهنه، و لكن ذاكرة الشعراء ظلت محدودة الإدراك، و لم تتفطن إلى ذلك إلا بعد إقامة الذكرى و مرور بعض الزمن، حين استحضر محمد الطيب عواد بيته الخالد :(12) 
رعى الله هذا اليوم يوم عروبة
     سيبقى له في الشعب ذكر مخلد
فأعقبه بقوله الذي كشف الغبار عن ضلال بعض الشعراء في واحة الفكر و الإبداع :
فذلك وحي الفكر أبدع بسره
     فما ضل فيما كان ينوي و يقصد(13) 
و هو ما يعني أن نظرة شعرائنا كانت نظرة أبدية صدق عليها قول الشاعر عبد الرحمن كشري حين قال: « و ليس الشاعر الكبير من يعنى بصغيرات الأمور، ولكنه الذي يحلق فوق ذلك اليوم الذي يعيش فيه، ثم ينظر في أعماق الزمن، آخذا بأطراف ما مضى، و ما يستقبل ، فيجيء شعره أبديا مثل نظرته ».(14) 
لقد كان من الممكن أن نغالط أنفسنا فندعي أن تلك القصائد مثلت البداية، لكن اقتناعنا بالحقائق السابقة و اقتناعنا بأن القصيدة العرشية تقوم على مبدأين أساسيين، هما : التجديد و الاستمرارية. جعلنا نبعد هذا الاعتقاد، و جعلنا نرى أنه إذا كان التجديد شيئا صعبا يحتاج إلى مراحل، و يتطلب مجهودات ثقافية و فنية وموهبة صادقة، فإن الاستمرارية لا تستدعي شيئا من ذلك سوى إحساس الشاعر بصدق مشاعره، و إحساسه بضغط الواقع الحضاري و الوطني لأمته على ذاته و شاعريته، مما سيجعل حضورها من هذه الناحية أمرا طبيعيا مفروضا و ضروريا،، لا كقوة فعلية حاضرة و موجودة، ولكم كسلطة تاريخية تمتزج بلا وعي و لا شعور الشاعر، و هذا شيء لم يتحقق مع نص شعر أواخر سنوات العشرينات.
فقد شيء لذلك النص الشعري الذي شكل إشراقة جميلة في جبين الشعر العربي الحديث بالمغرب، و في جبين الشعر الذي بارك يوم اعتلاء جلالته العرش أن يتوقف عطاؤه و هو في غمرة بهجته و إبداعيته، لا لتختمر صيغته في ذهن الشعراء فحسب، و إنما لنذكر من خلاله أن الحدث كان مفاجئا و عظيما في نفس الوقت و انه لأجل ذلك فاضت روح شعرائنا بشعاع أدبي رائع، و لنذكر أيضا أن زمن الشعر الحقيقي لن يعرف طريقه إلا مع شعراء جدد شباب أمثال محمد الحلوي، و علال الفاسي، و عبد الملك البلغيثي، و عبد الرحمان الدكالي، و محمد بن عبد الله العثماني، و غيرهم كثير، ممن استطاعوا تهيئ مناخ جديد للقصيدة العرشية. و أن ما جادت به قريحة أولئك الشعراء الشيوخ لم تكن إلا بداية و حنينا لزمن شعري مفقود في ذاكرتهم، و في بيئتهم (الماضوية) بل لعل هذه البداية و الأولية ستظل تطارد كثيرا من شعرائنا الشيوخ الذين لم يجيدوا القصيدة العرشية، لا لشيء سوى لغياب الطبع، و لغياب رقة الشعور، و ضعف الرؤية الشعرية عندهم ذات الأبعاد المتعددة و المتجددة في كياننا و تاريخنا.
لقد خاب أملنا شيئا ما في ضيق أفق هذا النص الذي لم يكسر جسر الماضي، و لم يكسر جسر الفترة بشدة ليخلف وراءه رؤية شعرية و تاريخية واضحة الاتجاه و الملمح يمكن اعتبارها أفقا متكاملا لشعر العرش تجسد بدايته.
على أن هذا لن يعني يأسا أبدا، فإن بريقا من الأمل سيظل ساكنا في أعماق نفوسنا و نفوس كافة الباحثين الذين يؤمنون بقوة الشعر و تاريخيته و إبداعيته، في أن تسعفنا المكتبة في يوم من الأيام في العثور على نصوص، من شأنها أن تغير نظرتنا هذه أو تضع يدنا على البدايات الحقيقية لهذا الشعر، أو ما يمكن أن نعتبره بدايات على حد تعبير الدكتور عباس الجراري.(15) شريطة أن تتوفر الشروط المناسبة للإقرار بمثل هذه البداية .
أمن النص الشعري الذي احتفظت به المكتبة المغربية ( الوطنية ) و جعلته طوع إرادتنا و الذي يعود إلى أواخر سنوات العشرينات – أي النص الذي واكب حدث تتويج جلالة محمد الخامس – فقد كان من الممكن أن يحفل بالشيء الكثير ليقدم إرهاصات شاملة و واضحة عن خطورة المرحلة، و دقتها، و ما سيكتنفها من عظيم الأحداث غير أن استمراريته تعطلت، و التذبذب و الغموض في الموقف الفكري و الوطني ساداه، فلم يكشف عن هويته الشعرية و التاريخية في عمقها إلا مع أواخر سنة 1933 التي فجرت بنية حدته، و كشفت عن احتضان الساحة الأدبية لنص جسد قضايا و هموم الفترة في نطاق تجربة شعرية ، ذات بعد جماعي، و ذات بعد وطني جديد حمل رؤى و سمات متميزة.
و نظرا لعدم توفرنا على نص جديد و صريح يمكن أن نطمئن إليه غاية الاطمئنان، و يمكن أن نجد فيه ذات شعر العرش واضحة و جلية محققة تواصلها و استمراريتها فإن العرشيات تبقى وليدة سنة 1933، و تبقى القصائد التي ارتبطت بحدث تتويج محمد الخامس، عبارة عن مدح تقليدي مزج بين التهنئة و الرثاء في شكل جسد مظهرا من مظاهر المديح السلطاني، تمثلت من خلاله رؤى الشعراء في استشرافهم لآفاق المستقبل، و في ذلك أكبر دليل على أن شعر المديح لم يكن في يوم من الأيام – رغما عن كل شيء – نقطة سوداء في جبين تاريخ الشعر العربي.
و تبقى العرشيات – في نظري – كمصطلح دقيق، كل قصيدة نظمت أولا و قبل كل شيء بمناسبة عيد العرش – أي من وحي هذا العيد – فخلدت ذكراه و ارتبطت بشخص السلطان لتشيد بخصاله و أعماله، و لتنوه بمواقفه و مجهوداته، في إطار رؤية وطنية ذات أبعاد متجددة مرتبطة بكيان الأمة و مصيرها و تاريخها الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الفكري و الديني، مما يجعلها في تفاعل مستمر مع واقع الحياة، و يجعلها من خلال تواصلها و استمراريتها كبناء أدبي حي و متطور تساهم في تطوير سبل حياتنا، و التخفيف من عبء أزماتنا.
* غياب المفهوم لدى الدارسين و النقاد :
و إذا كان مفهوم العرشيات واضحا و دقيقا في ذهن الشعراء، فقد كان متلاشيا و غامضا في ذهن الدارسين و الباحثين و النقاد، و السبب في ذلك راجع إلى كون هؤلاء لم يكونوا يقيمون حدودا فاصلة بين أدب العرش و أدب عيد العرش، رغم أننا كنا دائما في مجال الأدب و الفكر نحرص على إقامة هذه الحدود و على إبرازها.
و من ثم فقد صعب على بعض الباحثين التمييز أحيانا بين القصيدة العرشية و غيرها من القصائد التي تندرج في الإطار الواسع للقصيدة المدحية، فالأستاذ عبد الجواد السقاط على سبيل المثال حين يقف عند ديوان « وفاء و ولاء » يقول عنه، إنه : « مجموع القصائد التي جادت بها قرائح نخبة من الشعراء في مدح صاحب الجلالة أيده الله و نصره طوال الخمس و العشرين سنة التي مرت على تربع جلالته على عرش أسلافه الميامين ».(16) 
و هو من خلال هذا القول يخلط بين مناسبة عيد العرش، و غيرها من المناسبات الوطنية الأخرى، وهذا الخلط نتج عنه دون وعي و دون قصد من الباحث خلط بين القصيدة العرشية و غيرها من القصائد.
إن هذا المزج و الخلط في النظر و الرؤية إلى القصيدة العرشية، و عدم وضوح مدلولها و مفهومها بشكل محدد و دقيق، ظهر كذلك في ديوان هذه القصائد، الذي صدر منذ سنوات عن وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية تحت عنوان : « ولاء و وفاء » فقد استجمع هذا الديوان و ضم مجموعة القصائد المرتبطة بالعرش،(17) و التي قيلت في شخص جلالة الملك الحسن الثاني على مدة ربع قرن من الزمان و بمناسبة مرور خمس و عشرين سنة من تولي جلالته الملك، و تربعه على عرش أسلافه المنعمين، سواء تلك التي أنشئت و قيلت في مناسبة عيد العرش المجيد أو غيرها من عهده الزاخر بجلائل الأعمال، و الحافل بعظيم المنجزات.
ولعل الباعث على ذلك والمبرر له هو ما هدف إليه الديوان من إيراد مجموع تلك القصائد و جمع كل ما قيل في تلك المناسبة الوطنية الجليلة، أو غيرها من المناسبات الوطنية الأخرى، مما هو مرتبط بشخص جلالة الملك الحسن الثاني، و عهده الزاهر، و عرشه العلوي المجيد، ذلك أن القصيدة العرشية في المدلول الصحيح و المنظور الجلي الواضح، و المفهوم الجلي السليم هي قصيدة وثبة تاريخية مثلت الوعاء الحقيقي للجوانب الوطنية التي لازالت تعيش في أعماق ذواتنا، و أحشاء واقعنا، و إن هذه القصيدة تستمد حيويتها و خصوصيتها من هذا البعد التاريخي المتجدد في حياتنا، و المتحكم في مصيرنا، و الذي هو أساس تلك الخصوصية و الاستمرارية و الخلود.
و هذه الحقيقة التي غابت عن وعي كثير من الدارسين، و هذا المفهوم السليم الواضح للقصيدة العرشية، و الحافل بالعطاء الوطني و الروحي هو الذي ينبغي أن يظل حاضرا فيها، استمرارا للفترة التي أنتجتها و ناضلت من أجلها، و الاستقلالية و الخصوصية التي كانت تتميز بها.
غير أن الذي يجب أن نلفت الانتباه إليه، أن الحس الوطني في حدته و قوته، إذا كان قد أخذ يتجرد من ذاتية الباحثين و الدارسين، فإنه لازال قائما في ذاكرة المبدعين من الشعراء فالبعد الوطني لازال يحكم الكثير من جوانب القصيدة العرشية، و لازال يدعم الكثير من أبعادها.
وإذا كان النضال عبارة عن بناء شامخ لتحقيق مغزى وطني أصيل، فمن الأكيد أن البناء الحضاري و التعمير و التشييد، و محاولة النهوض بالمواطن المغربي، و تحقيق وحدة الأمة العربية، هي الأخرى أبعاد وطنية لا مجال للشك في قيمتها و أصالتها، اشتركت في إبرازها و إظهارها كافة القصائد الوطنية التي ظهرت بعد القصيدة العرشية، كقصائد المسيرة الخضراء، و كقصائد عيد الشباب، لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا أن القصيدة العرشية هي القصيدة الأم، وأن تلك القصائد فروع تفرعت عنها، و أن هذه القصائد و إن كانت أحيانا كثيرة قد استقلت بنفسها، فإن القصيدة العرشية استطاعت أحيانا أخرى أن تحتوي هذه الفروع لتغني من خلالها مجالاتها الإبداعية، و خير دليل على ذلك القصائد العرشية التي استطاعت أن تستثمر حدث المسيرة الخضراء – كحدث وطني خصب – في مثل قول الشاعر عبد اللطيف أحمد خالص :
ردد نشيد العرش في أرجائها
     و اقتبس شعور الفخر من أبنائها
و اختر من الأنغام أعذبها و من
     صدق المشاعر ما يفي برجائها
و ارقص على أرض الأمازغ نشوة
     فهي الشهيرة دائخا بولائها
لمليكها الحسن الحبيب المجتبى
     فخر البلاد و عزها و علائها
هذي المسيرة قد أنار سناءها
     خضراء تخطر في بديع روائها
شهم همام عبقري زمانه
     فاق البرية في عجيب دهائها
صحراؤنا تدعو له بعقيدة
     يحيى المليك : بقاؤه لبقائها
عاث الدخيل بأرضها متحديا
     آمالها، متجهلا لإخائها
فأغاثها الحسن الهمام مصمما
     في عزمه، و ملبيا لندائها
و أمدها بمسيرة خضراء أغنـ
     ى عن مضاء السيف سر مضائها(18) 
لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا أيضا أن أدب عيد العرش، و أدب العرش عموما، هو ثورة وطنية هامة جديرة بكل إنسان أن يعتز بها، و يعمل على نشرها، و الحفاظ عليها، لأنها ليست ثمرة جهد فردي ، و إنما هي ثمرة جهود أمة بكاملها، لم يصنعها الأدباء و الشعراء وحدهم، و إنما شارك في بنائها و ترسيخ جذورها أبناء الوطن دون استثناء. لأن مفهوم الوطنية لم يكن مقتصرا على فرد دون آخر، و إنما كان نتيجة اصطدام حار بالأخر، سواء في العهد القريب ، أو في العهد البعيد.
 

(1) الأبيات هي التالية :
ذهب الإمام أبو المحاسن سيدا  و محمد كفؤ الإمام السيد
التاج أقسم لا يفارق هامكم  ياآل حيدرة و آل محمد
أمحمدا يا ابن الحلاحل يوسف  جدد عهود محمد و محمد
وارع الإمامة و الرعية مشفقا  بسياسية و روية و تعهد
و اكشف عن الأبصار كل غشاوة و غباوة فالجهل أعظم مفسد
أنظر : دعوة الحق/ عدد 273/يناير – مارس 1989/ص: 120 – و «معالم مغربية»ص: 137-138.
(2) دعوة الحق / عدد 273/ يناير – مارس 1989 / ص : 120.
(3) أنظر « السعادة » عدد 3186/ 24/22 دجنبر 1927.
(4) أنظر « السعادة » عدد 3186/24/22 دجنبر 1927.
(5) أنظر ما أثير حول قضية الشعر و التاريخ في الكتب التالي :
- « فن الشعر » لهيغل ص :41.
-« الشعر و اللغة » للدكتور لطفي عبد البديع/ ص 118.
- « نظرية الأدب » لرينيه ويليك – واوستن وارين / ص : 35.
-« الأدب و فنونه » للدكتور محمد مندور / ص :26.
(6) أنظر « السعادة » عدد 3181/24/10 دجنبر 1927.
كذلك «شعر محمد بن اليمني الناصري» لعبد الحق بنطوجة/ص:374/رسالة دبلوم الدراسات العليا (كلية الآداب – الرباط) مرقونة.
(7) أنظر : مجلة المغرب / عدد 14 /2/نوفمبر 1933/ص: 18.
كذلك « شعر محمد بن اليمني الناصري» لعبد الحق بنطوجة/ص: 261.
(8) أنظر « خطب صاحب الجلالة الملك محمد الخامس» ج :1 – ص : 23.
(9) من ضمن هذه الأسباب، أن أمر السلطة الزمنية في المغرب كان و ما يزال الباعث الديني المتجذر في الذات المغربية يقف وراءه بقوة يغذيه و يحييه، و يمنح له قدسيته و هيبته و شرعيته.
(10) محمد بن اليمني الناصري (مجلة المغرب – عدد نوفمبر 1933 / ص : 18)
(11) محمد بن اليمني الناصري ( السعادة عدد 3181/24/10 دجنبر 1927)
(12) أنظر «السعادة» عدد 3168/26 دجنبر 1927.
(13) «السعادة» عدد 4177/31/20 نوفمبر 1934.
(14) أنظر «الشعر و اللغة» للدكتور لطفي عبد البديع / ص : 118.
(15) أنظر : دعوة الحق / عدد 273/يناير – مارس 1989/ص: 120.
(16) أنظر مقال « فن العرشيات» دعوة الحق / عدد 268 / ماسر 1988 / ص : 220.
(17) أنظر العدد 2/3 نوفمبر 1959 ص : 73/ تقول المجلة : « و مجلة دعوة الحق تخصص بهذه المناسبة باب «ديوان دعوة الحق» لنشر قصائد – و إن كان بعضها قد قيل في مناسبات أخرى – إلا أنها جميعها تتصل بالموضوع- بما تعبر عنه من تعلق الشعب المغربي بجلالة الملك، و تفانيه في محبته، و الإخلاص لعرشه»، و هذا حتما سيؤدي إلى خلط القصيدة العرشية بالقصيدة المولدية و بغيرها من القصائد.
(18) أنظر : دعوة الحق / عدد 6/17 مارس 1976 /ص : 42-43.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here