islamaumaroc

حقوق المرأة المسلمة بين شبهات الجاحدين وظلم الجامدين

  زينب النجاري

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

* تمهيد :
الحديث عن المرأة وحقوقها و واجباتها حديث لا يكاد ينتهي على كل المستويات المحلية و الدولية، و لا اعتراض على ذلك، لأن ما تعانيه المرأة اليوم، و المرأة المسلمة على الخصوص، من أهوال في مناطق الحروب، و من ظلم و فقر و جهل و هضم للحقوق في كثير من البلدان الإسلامية ليكون خير محفز و دافع للمزيد من البحث في أحوال المرأة المسلمة لكي لا تضيع عليها فرص اللحاق بركب الحضارة، و تضيع من يدها أسباب الرقي الحضاري المنشود.
اتهم الإسلام(1)  قديما و حديثا بأنه يعادي المرأة، و ينال من حقوقها، و يرسخ النظرة الدونية إليها، ويقف حاجزا دون تطورها و مساهمتها في التنمية، و ادعى المتهمون أن تغيير أحوالها إلى أحسن لن يتحقق إلا برفض أحكام الدين، أو بتغيير تشريعاته، كما رفض الغربيون المسيحية التي كان لها موقف عدائي من العلم و العلماء.
و ما هوجم الإسلام من طرف أعدائه مثل ما هوجم بقضايا المرأة في نصيبها من الإرث، و في شهادتها، و في لباسها، و في تعدد الزوجات، و في الطلاق، وفي قضايا التنظيم الأسري ككل.
و نحن في هذا المقام لن نكرر ما تم تقريره من طرف العديد من المنصفين للإسلام، مسلمين و غيرهم، بصدد التغيير الإيجابي الذي أتت به الشريعة الإسلامية لصالح المرأة، ومن يتتبع قضايا المرأة في التاريخ قبل ظهور الإسلام و بعده سيجد أن القرآن الكريم جاء مصححا و مغيرا الانحرافات الفكرية و السلوكية التي طبعت الحضارات و الديانات القديمة في شأن المرأة، و فتح بابا هاما لحقوقها في قائمة أبواب التشريع، الأمر الذي كان جديدا في تاريخ المدنيات، بل جعل الإسلام تسوية المرأة بالرجل، والرجل بالمرأة من الأسس التي بني عليها نظام العائلة الإسلاميــــة. (2)
إن الإسلام بتركيزه على سمو النفس البشرية، و على الإنسان كقيمة مطلقة، ذكرا كان أو أنثى، كبيرا كان أو صغيرا، اعتبر المرأة إنسانا مكرما حرا كامل الأهلية مكلفا و مسؤولا، بل و طبق مبدأ المساواة عمليا بينها و بين الرجل في الحقوق و الواجبات، و منحها الفرصة كاملة لتثبت جدارتها في الحياة الفكرية والاجتماعية و السياسية مع ما يتناسب مع طبيعتها، و اعتبر أن مصدر الحقوق التي تمتعت بها المرأة هو إنسانيتها، و مصدر الواجبات التي أنيطت بها هي عبوديتها لله.(3)
و لكن نتساءل : من أين ورثت المرأة المسلمة وضعية الظلم و الفقر و الجهل الذي تعاني منها اليوم ؟
هل من المبادئ و التشريعات الإسلامية كما أنزلت في القرآن و أتت بها السنة النبوية ؟
• أم من الابتعاد عن تعاليم ديننا الحنيف ؟
• أم من تحريف هذه التشريعات من التطبيق العملي لها ؟
• أم من واقع التخلف الذي ساد في المجتمعات الإسلامية ؟
1- جذور المشكل : تناقص مرجعية الحداثة و مرجعية الأصالة :
لا أحد ينكر أن المرأة المسلمة تعيش اليوم في عالم مملوء بسيطرة القوى العالمية و هيمنتها، وهي الآن في ورطة لأنها من جهة متأثرة بالغرب و ثقافته المخترقة لجميع البيوت عبر وسائل الإعلام، دون الأخذ بأسباب الحضارة الغربية المادية، مما يطرح مشكل الحادثة بحدة، و من جهة أخرى هي تنتمي في الأصل لحضارة عريقة أساسها الوحي الإلاهي مما يطرح مشكل الأصالة بحدة.
إن هذا التعارض بين ثقافتين : ثقافة علمانية مهيمنة و متحكمة و ثقافة محلية تقليدية – بسبب تخلف و تبعية أهلها لغيرهم – أو ما ترتب عن هذا التعارض من واقع التخلف و الفقر، هو من أهم أسباب الأزمة التي تعيشها المرأة المسلمة و المجتمعات الإسلامية، باعتبار أن المرأة جزء لا ينفصل عن هذه المجتمعات، ولأن مشكلات المرأة المسلمة في معظمها ليست خاصة بها، و إنما هي مشكلات المجتمع ككل.
و نتيجة لهذه الوضعية، أصبح قطاع كبير من النساء في المجتمعات الإسلامية يجهل الحقوق و الواجبات و المسؤوليات، كما يجهل طرق التغلب على التخلف، و طرق الأخذ بأسباب التحضر، و خاصة المرأة القروية.
و نتيجة لهذه الوضعية كذلك، تأسست الحركات التحريرية النسائية التي أخذت تضطلع بمهام الدفاع عن حقوق المرأة.
2- المرأة بين الغلو في فهم الأحكام و الغلو في معنى الحرية :
إن الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي و البيئي الذي عاشت فيه المرأة المسلمة عبر العصور جعل وضعها الحقوقي يتفاوت من مجتمع إسلامي إلى مجتمع آخر، و إلى يومنا هذا كان وضع المرأة المسلمة متأثرا بثلاث مؤثرات هامة :
• تأثير الدين الإسلامي.
• و تأثير المستوى الثقافي و التربوي للبيئة التي عاشت فيها المرأة.
• و تأثيرات خارجية فرضتها ظروف الغزو العسكري و الفكر الاستعماري.
إن الإسلام واحد، و لكن الاختلاف في تطبيق أحكامه ظل و سيظل قائما بناء على البيئة التي تطبقه : هل هي بيئة متعلمة أو بيئة متخلفة ؟ هل هو جيل سليم أو جيل استوفى عناصر الانحطاط ؟(4)
كما أن انتشار الوضّاعين و الكذّابين و القصاص و الوعاظ الذين روجوا أحاديث كثيرة منسوبة إلى الرسول (ص) قد تحط من قيمة المرأة مع إغفال الأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول (ص)، أو تحريف معنى هذه الأحاديث : كترويج أحاديث تدعو إلى حبس المرأة في بيتها، أو حرمانها من التعليم، أو منعها من حضور الجمع و الجماعات و الأعياد – و لم ينج حتى القرآن الكريم من تحريف و تشويه هؤلاء – أوقع المرأة المسلمة في ضرر بالغ ليبدأ بعد ذلك اتهام الإسلام بأنه دين ظلم المرأة و قهرها و حرمها من حقوقها، وعلى رأسها مساواتها بأخيها الرجل.(5)  
و لا زال عدد من الرجال في واقعنا يعتقدون أن ما يقومون به من تعسفات و تصرفات جائرة اتجاه المرأة سواء كانت زوجة أو غيرها، هي من الحقوق التي منحها لهم الإسلام، و يؤيدون تصرفاتهم الظالمة تلك بنصوص من الكتاب و السنة تذكر مبتورة حتى توافق هوى نفوسهم.
كما أن سلوك بعض الدعاة المتناقض بين أقوالهم في مواطن الوعظ، و تعاملهم مع زوجاتهم و بناتهم، و مغالاتهم في فهم و تفسير النصوص، لكفيل بتنفير المرأة المسلمة و الشباب المسلم من الإسلام. لهذا قال (ص) : « يسروا و لا تعسروا، و بشروا و لا تنفرو». (رواه البخاري)
«إن المنبت لا أرضا قطع  ولا ظهرا أبقى». بيد أن التسامح و الرفق والحلم لا يأتي إلا بخير، و حب عميق لله و لرسوله. فإذا ملأ الإيمان قلب المرأة و زوجها تفجر خيرات و صلاحا و تقوى ما نلبث أن نرى آثارها الواضحة في أسرتها و في مجتمعها.(6)  
ثم إن الغلو في فهم أحكام الدين جعل العديد من المتشددين يخيل إليهم أن المرأة المسلمة في عهد الرسالة كانت حبيسة البيت، و لا تشارك في اللقاءات العامة و لذلك تجدهم يسعون جاهدين إلى صد بناتهم و أهليهم عن أي احتكاك بالمجتمع، و يبالغون في إقصائهن عن الظهور في اللقاءات العامة. كما خيل لغير المقتنعين بمبادئه من المسلمين أن الإسلام ظلم المرأة، و حرص على أن نظل مدفونة في البيت، فغالوا في معنى الحرية، و بالغوا في تشريد أهليهم و بناتهم، و ابتعدوا عن سائر الآداب و الضوابط الأخلاقية.(7)  
لهذا لابد من تنقية الإسلام من شوائب الغلو و الأوهام، و أخذه مباشرة من مصدريه : القرآن و السنة، كما أن عدم فهم النصوص أو تحريفها عمليا يشكل عائقا خطيرا و مخيفا بين الإسلام و الأجيال المسلمة.
2- مثقفونا بين الجهل بالدين و تشكيك المستشرقين :
نعم العالم الإسلامي في قرونه الماضية بالإيمان الذي كان مهيمنا على حياة الناس، و منتشرا في أقوالهم و أفعالهم – و كان هذا الإيمان يوفر السكينة  النفسية و الاطمئنان الروحي – كما نعم بالسبق الحضاري، ولم يعتقد المسلم العادي أن هناك حاجة إلى النقاش العقلي بشأن فرائض الدين و واجباته، ناهيك عن مناقشة قضايا الوجود.(8)  
و لما جاءت فترة الامتداد الاستعماري، وجد العالم الإسلامي نفسه أمام هجمة قوية من الغرب مدعمة بقوة صناعية و عسكرية، و بأمور مادية محسوسة، و كان من أهداف الاستعمار بعد الحروب الصليبية هو توهين مكانة الدين، و الحط من قدسيته في نفوس المسلمين، و تشويه صورته في أفكارهم لينسلخوا منه تدريجيا، و ينفروا من التمسك بأحكامه و آدابه، حتى يستطيعوا التحكم في المستعمرات الإسلامية، فمل يدرس الإسلام كنظام اقتصادي و سياسي و اجتماعي و تربوي و تعليمي، و إنما درست بدلا منه الشبهات التي وضعها المستشرقون ليفتنوا المسلمين عن دينهـــــــــم.(9)   
وجد المسلمون إذن أنفسهم أمام المستشرقين الذين لهم طريقتهم المنطقية في البحث، والتي لا تقبل بالقناعات القلبية، و إنما تحتاج إلى سند و حجة قوية من حيث الصياغة المنطقية و الدليل المادي، و هما فريقان :
• فريق تمتع بالموضوعية، فأنصفوا الإسلام و ساهموا في إغناء الدراسات الإسلامية.(10)
• و فريق حاقد متعصب، كان لأصحابه دور خطير لما تضمنته دراساتهم من أفكار و آراء ضالة و مضللة، و لما تسرب من هذه الأفكار إلى عدد من الباحثين المعاصرين في العالم الإسلامي م التشكيك في بعض الثوابت و المسلمات، مما ظهر أثره عندهم، خاصة مسألة ميراث المرأة، و الشهادة، و القوامة، و تعدد الزوجات، و الطلاق.
• إن الدراسات الاستشراقية للدين الإسلامي قد أثار مشاعر الشك و الريبة في نفوس الباحثين المسلمين لكونها صدمتهم بسبب ابتعادها عن الموضوعية العلمية في معظم مواقفها، فانقسم الباحثون المسلمون أمامها إلى فريقين
• فريق تأثر سلبيا بهذه الدراسات لكونها صادفت جهلا و فراغا معرفيا لهم بالدين الإسلامي لأسباب مختلفة، فملأت فراغهم بالنتائج المغرضة التي توصلت إليها هذه الدراسات، واعتبرها هؤلاء المثقفون عين الصواب دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث أو الدراسة، فعادوا الإسلام كما عادته الدراسات الاستشراقية، و أنكروا الوحي كمصدر من مصادر المعرفة، و اعتبروه ظاهرة بشرية يمكم أن تخضع لمناهج نقدية تتحكم فيها الرؤية البشرية.
• و فريق ثان استطاعت هذه الدراسات أن تثير همته للبحث و الدراسة لمناقشة تلك الآراء و الرد عليها(11) و بذلك اغتنى الفكر الإسلامي، و ولدت حالة الشك ضوابط لحالة اليقين، و جعلت كل انتقال إلى يقين جديد خاضع للنقد و الدراسة و البحث، كما أنها فتحت الفرصة للتفكير الناضج في القضايا الدينية و المجتمع و الدولة، و جعلت كل رأي مطروحا للبحث العقلي و النقاش المنطقي،(12)  و كل هذا ساعد على معرفة الكثير مما كان مجهولا من كتب التراث.
• و قد يهون الجهل إذا كان وحده سببا للجحود و عدم الإنصاف، و لكن إذا اجتمع معه سوء النية، و خبث الطوية، فإن المصيبة تكون مزدوجة و مضاعفة.(13)  
4- لماذا الشبهات ؟
 - إن الشبهات المثارة حول حقوق المرأة المسلمة خاصة في النصوص القطعية : كالحقوق الإرثية من طرف بعض المثقفين تعود إلى سببين :
  - إما لضعف التصور و فساد العقيدة.
  - أو للغفلة و الجهل و الوقوع في تضليل المستشرقين.
فالذين يطالبون بتغيير النصوص القطعية أو عدم العمل بها، هؤلاء لابد أن يسائلوا أنفسهم : هل هم مقتنعون بأن رسالة الإسلام رسالة ربانية أم لا ؟
هل هم مقتنعون بأن رسالة الإسلام صالحة لكل زمان و مكان، و أنها رسالة إنسانية و عالمية و شاملة و واقعية ؟
أما إذا كانوا غير مقتنعين بذلك فإن القضية تنتقل من الشهادة إلى العقيدة. قال تعالى : (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها
لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون ) (سورة الروم – الآية : 30)
و إذا كانوا يعترفون بربانية الشريعة الإسلامية و لكن جهلا أو غفلة يعتبرون أن الإسلام عدو للمرأة، و ينتقص من كرامتها، و يعتبرها جسدا متاعا، و أداة للنسل فإنهم يلبسون الحق بالباطل ابتغاء الفتنة، و نذكرهم بقول الله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله). ( آل عمران – الآية : 7)
و لابد من التعاون على إظهار الحقيقة دون تهويل و دون تعصب أو تحيز لإنصاف العلم و البحث العلمي.
5- بعض القضايا المثيرة للشبهات :
غني عن الذكر أن القرآن الكريم قد أورد شبهات المشركين و أهل الكتاب فيما يتعلق بالذات الإلاهية و الوحي و الرسول، و رد عليها بما يبطلها دون أن يعطي لتلك الشبهات اعتبارا ولا شعورا بأن الإسلام في موقف الدفاع،(14)  و في آن واحد نجد القرآن الكريم في منهجه يعرض حقائق الدين بيسر و ببساطة، حاثا الإنسان على استخدام عقله حتى لا يضل و يتيه.
أ‌- القوامة :
و أساسها قول الله عز وجل : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم ). (سورة النساء – الآية : 33)
يقول بعض المغرضين : إن هذه «القوامة » التي خص الله بها الرجل، و أخضع المرأة لها، تنطوي على إجحاف بحقها، وعدم مساواتها للرجل، كما أن بعض الرجال يستغلون هذا الحق لظلم المرأة.
إن «القوامة» في الشريعة الإسلامية لها دلالة قيام الرجل بالنفقة على أسرته و القيام على مصالحها و رعايتها، و حسن الخلق معها و الجود و الكرم، و كل ما من شأنه أن يوفر لمؤسسة الأسرة الراحة و الطمأنينة و الحرية و المودة و الرحمة، وهي قوامة رعاية و إدارة و ليست قوامة هيمنة و تسلط.(15)  
يؤيد هذا ما روي من أحاديث تثبت حسن خلق الرسول مع زوجاته، وتحمل بعض جوانب الضعف منهن، و أيضا مشاركته في خدمة البيت تخفيفا عنهن، لأن الزواج في نظر الإسلام هو سكن و مودة و رحمة و تكامل، و ليس تسلطا و قهرا.
قال تعالى : ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسك أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ) (سورة الروم – الآية : 21).
و قال (ص) : « خيركم خيركم لأهله و أنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي.
و قالت عائشة رضي الله عنها : « ما ضرب رسول الله بيده خادما قط، و لا امرأة، و لا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله » رواه الإمام أحمد في مسنده.
و قال (ص) « الدنيا متاع و خير متاعها المرأة الصالحة».
إن سوء فهم درجة «القوامة» التي تعبر عنها الآية الكريمة : (و للرجال عليهن درجة) تجعل العديد من الرجال يعتبرون أن هذا التفضيل مطلق و ليس مقيدا، فنجدهم يقصرون في الإنفاق على بيوتهم مع إسراف البعض في الإنفاق على المحرمات، و تعوزهم حنكة الرئاسة السياسة، و إدارة شؤون أسرهم،(16) ولهذا نجد عددا من الأبناء ضاع، و ضاعت الأسر بسبب تفريط الآباء و الأمهات في المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، بل وصل الأمر ببعض الأزواج أن تقاعسوا عن العمل و استطابوا الجلوس في البيوت أو المقاهي، و استعذبوا الأكل من نفقات زوجاتهم، وذلك بغصب مكاسبهن، و مرتبات عملهن، و مدخراتهن المالية بدعوى أنهم
قوامون، بل و تجدهم يتطاولون على زوجاتهم الضعيفات أمامهم بالإهانة و السباب و الضرب.(17)
إذن « فالقوامة» تكليف و ليست بتشريف، لأن عجز الزوج عن الإنفاق يسقط القوامة، و درجة القوامة تعطي للمرأة حقوقا، و تفرض على الرجل واجبات.(18)
إن النساء و الرجال متساوون، و أعمالهم هي التي تجعلهم يتفاوتون في ميزان الله.
قال تعالى : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (سورة الحجرات – الآية : 13)، و قال سبحانه : (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض). (سورة آل عمران – الآية : 195).
يقول محمد سعيد رمضان البوطي : « مصدر هذه القوامة لا يتمثل في أفضلية ذات الرجل عند الله على ذات المرأة، و إنما مصدرها الأفضلية المصلحية الآتية من توافق إمكانات الرجل و وظيفته الإنفاقية مع ما تحتاج إليه الأسرة في مجال الرعاية و السهر على مصالحها الخطيرة، كما أن إسناد مهم رعاية الطفولة المتمثلة في الحضانة و الرضاعة و جزء كبير تستقل به المرأة عن الرجل، و إنما مصدرها الأفضلية المصلحية ذاتها التي تتجلى في توافق إمكانات المرأة مع هذه المهــــــــــام..(19)  فقول الله تعالى : (الرجال قوامون على النساء) هو إخبار عن واقع يفرض نفسه أكثر من أن يكون تقريرا لحكم مفروض».(20)
ب‌- تعدد الزوجات :
ما فتئ الغربيون و أتباعهم يعيرون الإسلام بالتعدد، و يعتبرونه برهانا حاسما على احتقار للمرأة، و الظلم في قسمة الحقوق بينها و بين الرجل، و الحقيقة أن الممارسات الخاطئة لهذا الحق من طرف الرجل المسلم – و إن كانت نسبته قليلة جدا – يجعل العديد يطالبون بإسقاط هذا الحق كما هو مسقط في الغرب.
و إذا كان القانون في الغرب يمنع الزواج بامرأة ثانية فإنه يبيح مسافحتها دون قيد أو شرط، إذ باستطاعة أي رجل غربي أن يعاشر من شاء من الخليلات، و يزاني من شاء من البغايا، فالمجتمع الغربي لا ينظر إلى الخليلات بعين الاحتقار، و إنما نراه يرفعهن إلى درجة التبجيل، و المستوى الذي قد لا بصل إليه الزوجة التي قد ينظر إليها على أنها قيد.
إن الإسلام لم ينشئ التعدد و لم يوجبه و لم يستحسنه، و لكنه أباحه للضرورة، و فضل عليه الاكتفاء بالزوجة الواحدة(21) ، و عالج به أمرا واقعا، وحل به مشكلة، و قيده بشروط، وفي إطار الحلال، حيث إن الرجل المسلم لا يرتبط بامرأة غير زوجته إلا بعقد يعترف لها بالحقوق الكاملة، و إلا تكون عقوبته الرجم.
فالذين يهاجمون التعدد الحلال في الإسلام يجب عليهم أن يقوموا بتأسيس ذلك المجتمع المسلم الذي لا يمارس فيه الرجال و النساء التعدد الفوضوي الحرام، إذ أن عددا من سكان المجتمعات الإباحية اليوم هم من مواليد الخليلات، و لا يحب أن تشيع الفاحشة بين المومنين إلا سفيه يطمح أن يضحى المجتمع جمعا من اللقطاء ّ!
إن إثارة مسألة تعدد الزوجات في كل لحظة و حين يجب أن يتحول إلى إثارة مسألة الدعارة المستشراة في مجتمعاتنا، و التي هي أكبر إهانة للمرأة، و إلى محاربة تجارة الرقيق الأبيض حيث أعراض النساء موضوعا للعرض و الطلب، و موضوعا للاستيراد و التصدير، و محاربة الملاهي الليلية التي تكون ضحيتها العديد من الفتيات، و الخارجات عن ضوابط الأسرة، و المتمردات على الولاية الأبوية، أو القوامة الزوجية.
6- اعتراف متأخر :
إن الذين يعتقدون أن القرآن الكريم هو كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و أن السنة النبوية كلام الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، يعتبرون أن الشبهات المثارة حول حقوق المرأة المسلمة، و حول الإسلام بصفة عامة، ما هي إلا افتراءات باطلة، و مخا يؤكد ذلك هو أن العديد من الأنظمة الأوربية أخذت تتبنى ما نفته سابقا، بعد أو أصيبت مجتمعاتها بأمراض عضوية و خلقية مضطرة إلى الاعتراف بالتشريع الذي أتى به الإسلام المجانس للفطرة. فمن ذلك اعترافهم :
- بحق الطلاق، فيوم إباحة الطلاق من طرف الكنيسة الكاثوليكية قدمت أربعون ألف قضية طلاق في يوم واحد في روما وحدها.
- بحق الرضاعة الطبيعية الذي لم يعترف بفضله إلا بعد اكتشاف فوائد لبن الأم.
- بضرورة التزام الفضيلة و الأخلاق الفاضلة بين الذكر و الأنثى، و تجنب الحرية الجنسية بعد اكتشاف مرض السيدا (22) ، و بعد تكاثر اللقطاء، و الأمهات العازبات.
بل و إن أكثر الأوربيين اليوم اضطروا إلى الاعتراف بضرورة تعدد الزوجات باعتباره قانونا واقعيا. فأيهما أفضل تعدد الزوجات الشرعي أم تعدد الزوجات السري ؟
* خاتمة :
إن المرأة المسلمة لها قدرات و طاقات، و لديها رغبة أكيدة في الإصلاح و التغيير، إلا أن واقع العالم العربي و الإسلامي الصعب يدفعها إلى الإحباط و الابتئاس على كافة الأصعدة، بل إن مجتمعاتنا العربية و الإسلامية بكام تركيباتها الاجتماعية و التربوية لم تكتمل عندها الصورة الحقيقية و الجوهرية للأنوثة و للمرأة في الإسلام.(23)
فمن المسؤول عن تخلف المرأة المسلمة ؟
• هل هو الإسلام ؟
• أم الوضع السيئ الذي تعاني منه المرأة و الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و النفسية السائدة في هذه المجتمعات ؟.
هل الإسلام مسؤول عن فقر هذه المجتمعات أن الطبقية السائدة فيها ؟
و كيف لعواطف الاحترام و المودة أن تنبث بين المرأة و الرجل في جو الفقر المدقع، و الكبت المرهق؟
و الفقر يستعبد المرأة للرجل، و يجعلها تتحمل ظلمه، لأنها بدونه تبقى بدون عائل، فهي في خوف دائم من أن يطلقها زوجها، و في المجتمع المتخلف تنزل القيم الإنسانية، و تصبح الفضيلة الوحيدة هي القوة، و بما أن الرجل يتصور نفسه الأقوى عقليا فإنه يحتقر المرأة و يظلمها.
و في البيئة المتخلفة تصبح التربية و الأخلاق الفاضلة ترف لا تتطلع إليه العيون، في حين يصبح المال و كسبه بطرق مشروعة أو غير مشروعة هو الهدف و الغاية المنشودة.
فهذه هي المشاكل التي جعلت للمرأة قضية في العالم العربي الإسلامي، إن مشاركة المرأة في الحياة العامة، اجتماعية كانت أو سياسية ليست حقا فقط، و إنما هو واجب عليها(24) .
قال تعالى : (و المومنون و المومنات بعضهم أولياء بعض يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر) (سورة التوبة – الآية : 71)
و إن ارتفاع المرأة إلى المجادلات البرلمانية، و المشاريع الخيرية، و خوض معارك حيوية أنقى لها و أرقى من أن تبقى متسكعة في الشوارع، و تخوض حياة دنيئــــــــة.(25)
و لابد من التأكيد على أن الإسلام عميق الجذور في المجتمع المغربي، و الدستور المغربي يعرف الدولة المغربية بأنها دولة إسلامية، لغتها العربية، أي أن انتماءها و ثقافتها إسلامية، و بمقتضى الدستور يجب على كل مغربية أن تعتز بالإسلام، و ما زالت المرأة المغربية بقبل على عقيدتها و دينها و ثقافتها و قيمها المستمدة من الإسلام، و ستبقى على ذلك العهد بإذن الله.
فالمطلوب هو إحياء تلك الروح المؤمنة في نفس المرأة المغربية المسلمة، لتعطي الكثير و الكثير في بناء الصرح الحضاري للأمة الإسلامية.
و لوضع حل لمشكلات المرأة المسلمة على العموم، و المغربية على الخصوص، لابد مما يلي :
1- تقدير دور الأم و الأسرة في بناء المجتمع،
2- تربية البنات على الإسلام، ففي هذه التربية إقرار لما لهن من حقوق، و التعرف على معا عليهن من واجبات.
3- عدم الذوبان في القيم الغربية دون روية أو تبصر، لأن ذلك يعطل مسيرة المرأة نحو إنماء مجتمعنا.
4- الرفع من المستوى التعليمي و الثقافي للمرأة.
5- بعث روح التدين لدى المرأة لكي تبتعد عن المفاسد الأخلاقية و استغلالها من طرف الرجل.
6- عدم ربط مفهوم تحرير المرأة بالابتذال و الخشونة و الاسترجال.
7- الرفع من مستوى خطاب الحركات التي تدعو إلى تحسين أوضاع المرأة و تحريرها، و ما تتبناه من أفكار و شعارات، و ضرورة تبني الرؤية الإسلامية في طروحاتها.
8- محاربة الاعتداءات البدنية المستهدفة للمرأة و على رأسها الدعارة والاغتصاب، فليس هناك إهانة للمرأة أكبر من الاتجار بجسدها.
9- الثبات أمام الحملات الهجومية التي تتعرض لها المكانة السامية للمرأة المسلمة، و تجاوز مواطن الدفاع عن قضاياها في الإسلام.
10- اقتباس روح العمل و النظام و الانضباط و أساليب البحث العلمي، و تطوير التقنية من الغرب، و عدم الاقتداء به فيما يخص فلسفة الحياة و المبادئ الأخلاقية و الحياة الأسرية لأنه فشل في ذلك.
11- الإنتاج و التفاعل مع الواقع من خلال المشاركة في صنع القرار الخاص بمسيرة المرأة المسلمة، و الأخذ بمبدأ الشورى في إقامة التصورات، و تسطير البرامج، و اختيار أحسن المناهج للمرأة المسلمة.(26)   
12- إدخال فقرات في المناهج التربوية و التعليمية تعمق مكانة المرأة في الثقافة العامة.
13- تعديل قوانين الرعاية و الضمان الاجتماعي : كحماية الأرامل و المطلقات، و وضع بعض البرامج الاقتصادية لإعانة المرأة على العمل، و تشجيع مشاركتها في المجالات الثقافية العامة.
14- إعادة الاعتبار للمرأة القروية باعتبارها امرأة مسلمة، و مساعدتها على تخطي صعوبات الجهل و قساوة العيش.
15- منع الأزواج من ضرب و تعذيب و إهانة زوجاتهم، فمن حق الدولة تقييد الحدود التي أجازها الله من خلال وضع الضوابط، و ضمان عدم إساءة تطبيقها.
16- حماية المرأة و الطفل من التسول و الاستغلال الاقتصادي.
17- توعية المرأة المسلمة بقيم دينها عبر وسائل الإعلام.
18- إشراكها في عملية التنمية لأنها نصف العالم الإسلامي، و إزالة العوائق عنها لكي تساهم في بناء مجتمعها، و في تربية أجيال مؤمنة بالإسلام و بالمستقبل، و لا يمكم أن تؤدي هذا الواجب إلا إذا كانت متعلمة و سامية الأخلاق

- الــمــراجـــــــــع -
• القرآن الكريم.
• سيد قطب : في ظلال القرآن.
• محمد علي الصابوني : صفوة التفاسير.
• نادية بلحاج : المرأة و الوضع الأسري/ مطبعة المعارف الجديدة – الرباط/1997.
• محمد سعيد رمضان البوطي : المرأة بين طغيان النظام الغربي و لطائف التشريع الرباني / دار الفكر/1996.
• محمد قطب : شبهات حلول الإسلام/ دار المشروق : 1995.
• عباس محمود العقاد : المرأة في القرآن/ دار الهلال.
• شوقي أبو خليل : الإسلام في قفص الاتهام/ دار الفكر /1974.
• عبد الحليم أبو شقة : تحرير المرأة في عصر الرسالة/ دار القلم للنشر و التوزيع/1990.
• أبو الأعلى المودودي : الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة/ دار القلم/1978.
• علي على منصور : مقارنات بين الشريعة الإسلامية و القوانين الوضعية/ دار الفتح للطباعة- بيروت /1970.
• محمد متولي الشعراوي : المرأة في القرآن الكريم/ مكتبة الشعراوي الإسلامية/ الطبعة الأولى.
• عائشة التاج : المرأة و التنمية / سلسلة شراع/1998.
• محمد أحمد الراشد : صناعة الحياة 1989.
• النساء و الإسلام : مقاربات (سلسلة بإشراف عائشة بلعربي) الدار البيضاء /1998.
• محمد عبد الجواد محمد : حماية الأمومة و الطفولة في المواثيق الدولية و الشرعية الإسلامية/1991.
• أحمد الأبيض : فلسفة الزي الإسلامي / الدار البيضاء /1990.
• محمد المهدي الحجوي : المرأة بين الشرع و القانون / الدار البيضاء/1967.
• محمد علي قطب : بيعة النساء للنبي (ص)/1982.
• مجلة الفرقان : عدد 36 /يناير 1996.


(1) لابد من الإشارة في البداية في هذا العرض إلى أم هام و هو أنه يجب التمييز بن الإسلام كمبادئ و تشريعات إلاهية و بين الإسلام كشخصيات تبنته ثم أخطأت أو أساءت إليه.
(2) محمد المهدي الحجوي : المرأة بين الشرع  والقانون / الدار البيضاء- الطبعة الأولى 1967/ص:13.
(3) محمد سعيد رمضان البوطي : المرأة بين طغيان النظام الغربي و لطائف التشريع الرباني/ دار الفكر1996 /ص : 25.
(4) علي عزت بيغوفيتش : ترجمة حسن عمر ساهيتش : عوائق النهضة الإسلامية/ سلسلة الحوار25/ منشورات الفرقان- الدار البيضاء ص: 44.
(5) زينب عبد السلام أبو الفضل : القوامة تحرير لا استعباد/منار الإسلام/صفر 1419- يونيو 1998/ص:86-89.
(6) المصدر السابق.
(7) محمد سعيد رمضان اللوطي : مصدر سابق/ص : 85.
(8) عبد الرحيم حسن : من الشك إلى اليقين/العالم/ عدد 634- غشت 1998/ ص : 42.
(9) محمد قطب : شبهات حول الإسلام/ دار الشروق : 1995- ص : 13.
(10) شوقي أبو خليل : الإسلام في قفص الاتهام/ دار الفكر : 1974 / ص : 13.
(11) عبد الرحيم حسن : مصدر سابق / ص 42.
(12) المصدر السابق.
(13) شوقي أبو خليل : مصدر سابق / ص : 13.
(14) شوقي أبو خليل : مصدر سابق / ص : 18.
(15) محمد قطب : مصدر سابق / ص : 8.
(16) زينب عبد السلام أبو الفضل : مصدر سابق.
(17) زينب عبد السلام أبو الفضل : مصدر سابق.
(18) سعاد صالح : القوامة تكليف و ليست بتشريف / الوعي الإسلامي- عدد 384-شعبان 1418 – دجنبر 1997، ص / 74.
(19) محمد سعيد رمضان البوطي : مصدر سابق / ص : 105.
(20) المصدر السابق / ص : 103.
(21) عباس محمود العقاد : المرأة في القرآن / دار الهلال/ ص : 84.
(22) محمد متولي الشعراوي : المرأة في القرآن الكريم/ مكتبة الشعراوي الإسلامية/ ص : 6.5.4.
(23) منى حداد: المرأة كانت تتطلع للصحوة و لكن الرجل احتل موقع الصدارة/ العالم العدد : 638- شتنبر 1998/ ص : 36-37
(24) محمد علي قطب : بيعة النساء للنبي ص/ مكتبة القرآن – 1982/ ص : 98.
(25) محمد المهدي الحجوي : المرأة بين الشرع و القانون / ص : 91.
(26) مصطفى أبو سعد : المرأة المسلمة و السلوك الحضاري المطلوب/ الوعي الإسلامي – عدد 390/صفر 1419- يونيو 1998/ ص : 76.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here