islamaumaroc

انطباعات عن الدورة الخامسة لجامعة الصحوة الإسلامية.

  عبد القادر العافية

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

لقد سعدت بحضور جلساتها، و تتبعت التدخلات و المناقشات، و كانت كلها هادفة و مفيدة، و كن الحوار صريحا دون غموض ولا التواء، تسوده روح المودة و الأخوة.
و مما أثلج صدور الحاضرين اتفاق المشاركين في الندوة على وجوب الانطلاق من النصوص الشرعية، فقد أعلن جميع المتدخلين على اختلاف توجهاتهم أن نصوص القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة، نصوص لها قداستها و مكانتها في قلوب المسلمين، و أن التشريع الرباني هو التشريع الصالح للإنسان في كل زمان و مكان و الخلل إنما يعود إلى التطبيق،  أو إلى التشبث بمفهوم سابقة كانت متأثرة بعوامل ظرفية، و بيئية، و بمقتضيات الزمان و المكان...
و مما لاحظه المتتبعون لأعمال الدورة الخامسة لجامعة الصحوة الإسلامية، أن هذا اللقاء بين المثقفين و المفكرين و علماء الشريعة، و علماء الاجتماع، و بين جميع الشرائح المهتمة بقضايا المرأة المسلمة، قد حقق أهدافه من حيث ما تجلى فيه من تلاقح الأفكار، و تقارب وجهات النظر، و قبل هذا و بعده، ما حققه من الإقبال الكبير، و الاهتمام البالغ بتتبع العروض و المناقشات، مهما كان أسلوبها أو توجهها، و كان التسيير الرشيد الرصين لمعالي وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، يضفي على هذا اللقاء روح الأخوة في أبرز معانيها السامية، و قد انعكست هذه الروح على كل الحاضرين من نساء و رجال و شبان و فتيات، و شيوخ و كهول، الكل ملتزم بالأخلاق الإسلامية و الاحترام المتبادل... و قد تحاشى المتدخلون كل ما يشعر بالتعريض، أو الإخلال بأدب الحوار، حيث التزم الجميع بطرح الأفكار البناءة، المعتنى بانتقائها و صياغتها، و بذل كان تجاوب الجمهور تجاوبا كاملا، تجلى في حرصه على الاستماع لكل المتدخلين مهما طال الحوار و النقاش، و كان كثير من الحاضرين يخشى أن يفقد مكانه فيظل جالسا دون كلل و لا ملل...، فالموضوع له جاذبيته، و بخاصة، بعدما أصبح موضوع المرأة يتناول في المحافل الدولية، و أصبح له أبعاد سياسية معروفة، و أبعاد اجتماعية و اقتصادية، و انتهازية، قصد إثارة المرأة ضد الرجل، و لو على حساب توازن المجتمعات البشرية !! و من الأهداف، كذلك جر المرأة المسلمة إلى متاهات لا تنسجم مع عقيدتها، و بمبادئ دينها، و أعراف مجتمعها.
و لهذه الاعتبارات و غيرها، كان موضوع الدورة الخامسة للصحوة الإسلامية، موضوعا أخاذا. الكل يريد أن يعرف ، حقوق و واجبات المرأة في الشريعة الإسلامية، و يردي في نفس الوقت ألا تفوته فرصة هذا اللقاء الذي يضم نخبة من العلماء و العالمات، و المفكرين و الباحثين و الصحفيين... رجالا و نساء.
و في الجلسة الختامية لاحظ الجميع أن جمهور الحاضرين و الحاضرات مازال في لهفة و شوق إلى سماع المزيد، مما يتعلق بشؤون المرأة المسلمة في عصرنا الحاضر، و كان من جملة الأفكار المطروحة في هذه الجلسة الختامية التي كانت جلسة حافلة بكل معاني الكلمة، و الحلول المقترحة ما عبر عنه رئيس الجلسة السيد وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية : « بالتدبير التعاقدي لأحوال الأسرة».
و مما لاحظته أن بعض الحاضرين فهم الاقتراح فهما غير واضح، و ظن أن الاقتراح فيه تعديل أو تصويب للنصوص الشرعية، مع أن ما ذكره السيد الوزير من الاقتراحات هو من صميم الفقه الإسلامي، فقد نص الفقهاء من مختلف المذاهب على جواز أن يتضمن العقد شروطا غير منافية له.
و من هذه الشروط : عدم التزوج عليها، و منها ألا ينقلها من بلدها إلى بلد آخر، و منها أن لا يغيب عنها غيبة قريبة أو بعيدة، طائعا أو مكروها قبل البناء و بعده، أزيد من ستة أشهر، و منها أن لا يضربها، و منها زيارة أقاربها متى شاءت، و منها أن لا تخدم نفسها بنفسها، و أن عليه أن يوفر لها من يخدمها، و منها إذا كانت ذات أولاد من غيره ألا يفرق بينها و بينهم في السكنى، إلى غير ذلك من الشروط التي ذكرها الفقهاء.
و لخصها العلامة أحمد بن عرضون في كتابه : « اللائق لمعلم الوثائق » :
و منها أن يكون محصول عملها مشتركا بينهما حسب الاتفاق، و هذا شرط لا يبطل عقد الزواج و لا يخل به، بل هو مما يدعم دوام العشرة و استمرارها، و يعمل على إزالة المحاذير و التخوفات...
بل نص فقهاء المالكية على أن المرأة إذا لم تشترط ذلك، يكو لها نصيب من متروك الزوج الذي توفر بعد زواجهما، على قدر عملها معه.
ففي « النوازل الصغرى » للشيخ المهدي الوزاني : سئل – أي الشيخ يحيى السراد – عن امرأة تخدم الصوف و لقط السنبل في الفدادين أيام الصيف، و لقط الزيتون بالأجرة، و شبه ذلك من خدمة النساء، حتى اشترى الزوج المذكور أصولا و ماشية و حوائج، ثم طلق الزوجة، و أراد الاستبداد و الاختصاص بذلك، فأبت هي و أرادت الدخول معه و الشركة في جميع ما شتراه من يوم تزوجها بقدر عملها و خدمتها، فيهل لها شركة أم لا ؟
فأجبت : إن لها ذلك حسبما نص عليه غير واحد ففي أجوبة الشيخ ابن ناصر أنه سئل عن رجل و امرأة، كل واحد منهما يخدم على قدر جهده حتى مات أحدهما أو طلقها، كيف يقتسمان أموالهما؟
فأجاب :
تأخذ المرأة بمقدار جريها مما زاد على ماله يوم تزويجها، بحسب نظر أهل المعرفة في ذلك .
و نحوه في أجوية العلامة سيدي محمد الورزيزي، فإنه سئل عن الزوجة تخدم في دار زوجها، هل لها حق فيما استفاده زوجها من خدمته، و خدمتها أولا ؟
فأجاب :
قال الإمام ابن العطار : مذهب الإمام مالك و أصحابه أن المرأة إذا كانت تعمل مثل النسيج و الغزل و نحوهما فإنها شريكة الزوج فيما استفاد من خدمتها،أنصافا بينهما (*) .
و مشاركة الزوج للزوجة فيما تملكاه بعد زواجهما كان مما عهد في الجبال الغمارية، و كان القاضي أحمد ابن عرضون يفتي بذلك، و هذا ما أشار إليه الشيخ عبد الرحمان الفاسي في  «نظمه» لعمل أهل فاس :
و خدمة النساء في البوادي
    للزرع بالدرس و بالحصاد
قال ابن عرضون : لهن قسمة
    على التساوي بحساب الخدمة
لكن أهل فاس فيها خالفوا
    قالوا: لهم في ذلك عرف يعرف
فابن عرضون كغيره من فقهاء الجبال الغمارية كان يرى أنه من الظلم أن تعمل المرأة إلى جانب زوجها إلى أن تصبح لهما ثروة من أرض و ماشية و متاع...، و في النهاية تحرم من نصيبها فيما جمعاه معا.
و لذا أفتى بذلك، و حكم به أثناء ولايته للقضاء، فنسبت إليه هذه الفتوى دون غيره من الفقهاء الذين أفتوا بها قبله و بعده.
و بما أن صاحب «نظم العمل الفاسي» نسبها إليه لشهرتها عنه، أصبحت هذه الفتوى محل نقاش واسع من طرف عدد من الفقهاء، ما بين مؤيد و معارض، و نجد هذا النقاش مبسوطا في المصادر الآتية لمن يريد تتبع هذه المسألة في كتب الفقه :
• نوازل العلمي : ط : حجرية بفاس بأمر المولى يوسف بن المولى الحسن الأول سنة 1332 هـ/1913م (الجزء الأول – ص : 247 و ما قبلها و ما بعدها).
• شرح العمل الفاسي : لأبي القاسم السجلماسي (ج : 1 / 249).
• البهجة : شرح التحفة : لأبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي ( الجزء الثاني – ص : 201) المطبعة البهية بمصر : 1318 هـ.
• تحفة أكياس الناس في شرح عمل فاس : ط : حجرية بفاس / 1310 هـ للشيخ المهدي الوزاني، الجزء الأول : ص 192).
• النوازل الكبرى : له ط : حجرية بفاس دون تاريخ ( الجزء السابع – ص : 332).
• حاشية الشيخ محمد بن يوسف الرهوني على شرح الزرقاني لمتن خليل : الجزء الرابع / ص 36.
• ابن عرضون الكبير : للدكتور عمر الجيدي، رحمه الله. ( ص : 193 و ما بعدها ) منشورات عكاظ : 1987.
هؤلاء جميعا تحدثوا عن فتوى ابن عرضون ما بين معارض و مؤيد :
- و ممن عارض هذه الفتوى من كبار العلماء المتأخرين الشيخ محمد بن يوسف الرهوني، محشي الزرقاني.
- و ممن أيدها و صوبها الشيخ المهدي الوزاني في « نوازله» و في «شحه للعمل الفاسي».
و هكذا يتضح أن الاقتراح الذي تقدم به السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يدخل ضمن مراعاة العدالة التي توختها الشريعة الإسلامية، و أفتى بها العلماء، قصد أن تطمئن الزوجة إلى أن عملها إلى جانب زوجها غير ضائع، و يكون التنصيص على ذلك حسما للنزاع، و زيادة في الاطمئنان.

(*) النوازل الصغرى : ج : 3 – الصفحتان : 304-305.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here