islamaumaroc

الالتزام بالشريعة .. لا تحيينها

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

الحمد لله
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله و صحبه
حضرات السيدات و السادة :
يشرفني و يسعدني أن أشارك في هذه المناظرة الدولية حول « المسألة النسائية و دور الاجتهاد في الإسلام » و التي تنظمها جمعية « جسور ».
و أبادر إلى شكر الجمعية على دعوتها الكريمة و على الجهود التي بذلتها من أجل تنظيم هذه المناظرة و تحقيق هذا اللقاء بين هذا الجمع من المثقفين المهتمين بالمسألة النسائية.
وأسجل في البداية أن ما ورد في عنوان المذكرة التقديمية لهذه المناظرة و هو « من أجل تحيين الشريعة على ضوء التحولات المجتمعية » أثار في نفسي تحفظا و ضيقا و استغرابا في أول الأمر، لأن تحيين النصوص عند رجال الفقه و القانون يقتضي إدخال التغييرات و التعديلات اللازمة عليها لتصبح ملائمة للتطورات.
إلا أنني عندما تجاوزت العنوان، و قرأت نص المذكرة التقديمية وجدتها تقول: « و الذي يظهر أن  القراءة المتجمدة بالتقليد لهذه الشريعة تتعمد إغفال هذه التطورات، و أن الدعوة تبقى ملحة لإعادة قراءة النصوص الدينية في إطار الاجتهاد، و أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لاستيعاب كل التطورات و التغييرات التي عرفتها وضعية المرأة في المجتمع بشكل عام ».
فنحن إذا أمام « تحيين قراءة النصوص الشرعية و ليس أمام تحيين الشريعة »، و الفرق شاسع بين الحالتين.
و نحن نتفق مع « جمعية جسور » على ضرورة قراءة النصوص الشرعية قراءة جديدة بروح جديدة، و بفكر جديد و مجدد، و بأدوات الاجتهاد و ضوابطه، و نرى أن هذه القراءة الجديدة لابد أن تأخذ بعين الاعتبار التطورات الحاصلة في المجتمع العالمي، و التغيير الحاصل في الوضعية الاجتماعية للمرأة، و أن تنطلق من مقاصد الشريعة الهادفة إلى تحقيق مصالح العباد، و رفع الحرج عنهم، و توفير السعادة و الحياة الكريمة، لهم ذكورا و إناثا.
و لقد سبق أن أشرنا في مناسبات سابقة إلى أن المرأة كانت غائبة أو مغيبة إلى حد ما في مرحلة تأسيس الفقه و تكوين المدارس الفقهية،  فنشأ هذا الفقه في الجملة متأثرا بشخصية مؤسسيه، و تمت قراءة النصوص و تأويلها في كثير من الأحيان من منظور رجولي.
و بما أن الرجل كان يحتكر الاجتهاد الفقهي، و كان من جهة أخرى مهيمنا على المجتمع و حركته فإن الاجتهاد الفقهي اهتم في الغالب بما يحتاج إليه هذا الطرف الغالب المهيمن، ولم يهتم كثيرا بما تحتاج إليه المرأة التي كانت مغلوبة على أمرها إلا في حدود الأحكام الخاصة بالمرأة في الصلاة و الصيام و الحج و غيرها من العبادات.
لقد سارت الأمور على هذا النحو قرونا عديدة و أزمنة مديدة، و كانت المجتمعات الإنسانية بصفة عامة لا تعطي للمرأة كبير وزن بفعل الظروف الصعبة والحروب و قسوة الحياة التي جعلت من الرجل عمدة و ركيزة أساسية و جعلت المرأة ظلا له، و طرفا يعيش في حماه.
و أخذ المجتمع الإسلامي حظه من هذا الوضع، فكانت المرأة مكتومة الأنفاس لا تتكلم، و لا ينظر إليها إلا من وراء حجاب، لا بسبب الإسلام، ولكن بسبب الأفكار السائدة في المجتمع.
و نعتقد أن هذا الوضع كان له تأثير على الاجتهاد الفقهي، فلم يكن سهلا و لا ميسورا أن يقتحم الاجتهاد وضع أولئك النساء المغيبات.
و لعلنا، إذ نقرأ بعض الآراء الفقهية لبعض فقهائنا اللامعين نظن بهم أنهم كانوا مضطرين إلى مسايرة الوضع الاجتماعي، و الانسجام مع ما كان يعتبر في ذلك الوقت من صميم طبيعة الأشياء، و إن كانوا في خطابهم لا ينكرون التكريم الذي تحظى به المرأة في الشرع.
و لذلك نعتقد أن تطور المجتمع يؤثر على تطور الاجتهاد.
إن الرأي العام له تأثير كبير على مسار الفكر، و كم من المفكرين امتحنوا امتحانا شديدا لمجرد أنهم أدلوا بآراء و أفكار مخالفة لبعض المسلمات.
و لقد تم إحراق كتاب « إحياء علوم الدين » للإمام الغزالي لما فيه من أفكار مخالفة لآراء فقهاء عصره، و الأمثلة على ذلك كثيرة.
و نخلص من ذلك إلى القول بأن تحيين قراءة النصوص الشرعية، أو قراءة هذه النصوص قراءة جديدة تستحضر ما حصل من تطورات في المجتمع و في وضعية المرأة أصبح أمرا واردا و محمودا.
إلا أننا نؤكد في نفس الوقت أن الشريعة ليست في حاجة إلى التحيين، و لا إلى التغيير، لأنها، رغم كل شيء بقيت سليمة صافية مثل النبع النقي الرقراق الذي لم يختلط ماؤه، ولم يتغير طعمه و لا لونه، و ذلك لأن الله تبارك و تعالى تولى حفظها بنفسه فقال : ( إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون ).(الحجرات :9)
و ما يزال هذا الذكر قرآنا يتلى، و سنة نبوية شريفة محفوظة بأسانيدها الصحيحة من زمن سيدنا محمد ص إلى اليوم، و ما زلنا، و كأننا في زمن الرسول عليه السلام، نسمع الوحي غضا طريا، يخاطب المؤمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات، و يبشرهم و ينذرهم و يهديهم إلى ما فيه سعادتهم و صلاحهم في الدنيا و الآخرة.
و ما يزال باب الاجتهاد مفتوحا في فهم هذه الشريعة، واستنباط الأحكام من نصوصها لم يغلق، و ليس بوسع أحد أن يغلقه، لا في وجه الرجال، و لا في وجه النساء.
غير أن من الواجب أن نعلم أن الاجتهاد صناعة، لأنه عبارة عن إعمال الفكر في النصوص وفق منهج العلم و أدواته.
و لذلك، فالاجتهاد له شروط و ضوابط، و ليس بوسع أي أحد أن يدعي أنه مجتهد في الشرع، فيطلع عليها في كل يوم برأي، و يسميه اجتهادا.
بل إننا نرى أن الاجتهاد في الشرع لا يكون بدون إيمان بالله، و لذلك هو صاحب الشرع. و برسوله الذي هو مبلغه. و لذلك فمنطلقات الاجتهاد بجب أن تكون إيمانية لا علمانية.
و نرى أيضا أن البحث عن سعادة المرأة و كرامة المرأة، و تقدم المرأة و المستقبل الزاهر للمرأة، لا يتم إلا من خلال الهدي الإلهي و التوجيه الرباني، و قد أرشدنا الله سبحانه إلى ذلك منذ خروجنا من الجنة، و هبوطنا إلى الأرض، فقال لأدم و حواء عندما أزلهما الشيطان : ( قال اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى، و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى ...) (طه : 123-124 ).
لا نردد هذا وعظا و إرشادا وسط هذا الجمع من أهل الفكر و العلم و الثقافة الحديثة، و لكننا نردده فكرا و علما و ثقافة حديثة، ونطرحه أمام أنظاركم فلسفة في الحياة.
حضرات السيدات و السادة :
أجدد شكر ل « جمعية جسور » و أتمنى للمناظرة كامل التوفيق و النجاح، و أرجو أن يوفقنا الله جميعا لتنسيق جهودنا، و توحيد كلمتنا، و مرجعيتنا، حتى نحقق للمرأة ما هي أهل له من مكانة و كرامة في ظل الإسلام، الذي جعل الجنة تحت أقدامها أما، و نسج بيننا و بينها المودة و الرحمة زوجة، و أوجد رحم الإيمان بيننا و بينها أختا، و أوجب لنا شفاعة نبينا عليه السلام إذا ربيناها و أحسنا تربيتها بنتا، و جعلها شقيقة لنا في الأحكام، و أوصانا بإكرامها و الرفق بها على الدوام.
كما نسأل الله تعالى أن يحفظنا في راعي المرأة و محررها صاحب الجلالة الحسن الثاني، و أن يقر عينه بسموه ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد، و صنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، و سائر أفراد أسرته الملكية الشريفة.
و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here