islamaumaroc

الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش المجيد لسنة 1419-1999

  الحسن الثاني

العدد 342 ذو الحجة 1419/ أبريل 1999

بمناسبة عيد العرش المجيد، و حلول الذكرى الثامنة والثلاثين الميمونة لتربع مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله و أيده على عرش أسلافه المنعمين وجه  - جلالته رعاه الله – خطابا ملكيا ساميا إلى الأمة المغربية، و ذلك صباح يوم الأربعاء 15 ذي القعدة 1419 هـ موافق 3 مارس 1999، من رحاب القصر الملكي العامر بمدينة مراكش.
و كان جلالته – دام علاه – أثناء إلقائه للخطاب الملكي السامي، محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، و صنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير المجيد مولاي رشيد.
و فيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي الذي نقل مباشرة على أمواج الإذاعة و شاشة التلفزة.
 

الحمد لله وحده
و الصلاة و السلام على مولانا رسول الله وآله و صحبه
شعبي العزيز :
إن العيد الذي تحتفل به اليوم بكل فخر و ازدهاء، و تحتفي به مزهوا بمشاعر الولاء، هو مناسبة متجددة تخلد فيها كل سنة ذكرى اعتلاء العرش من لدن من ائتمنه الله على قيادتك، و حمله عظيم أمانتك، مخلصا له تعلقك و ولاءك، ممحضا له محبتك و وفائك ، حريصا عل أن تجمع في هذا الاحتفاء و ذاك الاحتفال بين تقديس مؤسسة العرش و تكريم المتربع عليه خادمك الأول.
فالعرش- كما أدركت ذلك شعبي العزيز بوحي فطرتك، هو إرادة عبر عنها أسلافك على مدى اثني عشر قرنا. و أورثوك مؤسستنا و روح الالتفاف حولها من أجل حياة وطنية يسودها التعايش و الوئام. فهو رمز هذه الأمة، و مجسد إرادتها، و مشخص تاريخها المديد، و دليل قدرتها على إثبات وجودها بما يتجاوز ما يمكن أن يعبر عنه أي مفهوم من أي نوع كان، و الروابط التي تصلك بعرشك و تصل العرش بك، و الأواصر التي تشدك إلى عاهلك مثلما تشد عاهلك لخدمتك هي أكثر من وحدة مشاعر، أو تكامل مصالح، لأنها من طبيعة كيانك.
و في أجواء هذا العيد الباعثة على التأمل في عمق هذه الروابط المقدسة، يجدر بنا أن نذكر بأنه على امتداد التاريخ الذي عشناه معا حققنا بفضل الله تعالى نجاحات باهرة. و رفعنا تحديات عديدة، و تفادينا عثرات كبيرة. و قد أتاحت مكتسباتنا الجلية الظاهرة، و نجاحاتنا المشهودة الباهرة لكل منا الاعتزاز المشروع بوطنه و الثقة في مستقبله، كما أتاحت للمغرب ذيوع الصيت بين سائر الأمم و الشعوب.
شعبي العزيز :
منذ أن أناط الله بنا أمانة قيادتك، و السير بك نحو المستقبل الجدير بماضيك، المستجيب لطموحاتك المشروعة. لم نفتأ نعبد الطريق، أمام تقدمك المتواصل، متدرجين بك مرحلة مرحلة دونما تباطؤ و لا تسرع، مفضلين سياسة ما هو ممكن، التي لا تعني إيثار ما هو أسهل بل تعني انتهاج السبل و الخيار الوسائل المؤدية إلى ما ترتجيه.
فبفضل هذا النهج المتبصر الذي يساير رغباتك، و يستجيب لتطلعاتك، حرصنا على أن تتشكل مؤسساتك دوما وفقا لما هو أفضل.
و هكذا فعندما أحدثنا نظام المغرفتين في الدستور المراجع الذي وافقت عليه بما يقارب الإجماع. لم يكن ذلك منا قرارا اعتباطيا، و لا من قبيل المحاكات، بل تعبيرا عن تشبثنا بالمقومات الشعبية و الديمقراطية لمجتمعك العتيد، و سعيا كذلك من أجل بلورة برلمانية لقيم الملكية الدستورية الديمقراطية و الاجتماعية، غايتنا من ذلك أن نفسح أوسع مجال ممكن أمام تمثيلك الوطني. فالتعقيد الذي تتسم به التحولات الجارية اليوم، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، يطرح العديد من التحديات التي لا يمكن مواجهتها بنجاح إلا بتضافر ما لوطننا من طاقات خلاقة و فاعلة و منتجة.
و لذا عملنا على أن يكون صرحنا البرلماني مرآة معبرة عن سائر القوى الفاعلة التي تساهم في الحياة الوطنية، و قد جاءت التجربة واعدة. و لله الحمد، طبقا لما كنا ننتظره إذ برهنت الغرفتان على روح بناءة، سواء فيما يخص استيعاب نظام المجلسين. و الانكباب على ترويض آلياته. أو تنظيم علاقات تعاونهما مع الحكومة، مظهرتين بذلك قدرتهما معا على تمثل الدور المنوط بهما في النظام الجديد.
غير أننا ننتظر المزيد من منتخبينا. إذ نود أن نراهم أوسع خيالا، و أوفر إبداعا، و أكثر حضورا. لا في دائرة البرلمان فحسب، و لكن في كل جبهة من جبهات العمل.
و نود بالخصوص أن يكونوا مدركين ما لمهمتهم من ازدواجية دقيقة. هذه المهمة التي تجعل منهم في آن واحد لسان منتخبيهم لدى السلطات الحكومية من جهة، و مبعوثي الدولة إلى مفوضيهم من جهة أحرة. علما بأن الديمقراطية ليست شعارا دعائيا. و لا صياغة نظرية، و إنما هي ممارسة صعبة المراس إذا لم يساهم فيها كل بأحسن ما لديه.
إن هؤلاء المنتخبين بحضورهم في كل الجبهات لتعميق الحوار، و توسيع التشاور، بعيدا عن التعصب ألانتمائي و المزايدات الديماغوجية سيساهمون في ترسيخ الممارسات الديمقراطية، و إذا كان المتعارف عليه أن تتجذر بذور هذه الممارسات قبل كل شيء في التربة الخصبة للمؤسسات السياسية، فإن استواء الديمقراطية على سوقها و صلابة عودها يظلان مرتهنين بمدى انتشار بذورها عبر الحقل الواسع للعلاقات الاجتماعية.
لذلك اعتمدنا دائما المنهج البيداغوجي لإبراز مزايا الحوار و التشاور و التوافق، جاعلين من هذه المبادئ الثلاثة قواما للحكم، مفضين بالمغرب تدريجيا إلى المستوى الديمقراطي الراهن الذي يغبط عليه، فلقد أصبحت تجربتنا نموذجا يحتذى. كما أضحى تصورنا للتناوب قدوة لغيرنا.
و باعتبارنا رمزا لوحدة الأمة و ضمانا لاستمرارية الدول، و راسما لاختياراتها الكبرى، عملنا على إقامة تناوب لتيارات سياسية متعددة فرصة تدبير الشأن العام، و التباري حول الكيفية التي يجدر أن تنجز بها الأهداف التي رسمناها. وهكذا يمكن لنخبة جديدة منتمية لمشارب سياسية مختلفة أن تحل محل سابقتها لإعطاء إدارة الشأن العام نفسا جديد و قوة محفزة.
و هي مناسبة تتاح لهذه النخبة تمكنها من أن تلامس الواقع الصعب المراس للحكم، و أن تحتك بالملفات، و تكتسب في مجال التدبير ثقافة لم تكن من قبل لتقف على أسرارها و خفاياها.
بيد أن المغرب المعبأ أكثر من أي وقت مضى لن يتمكن من جني أفضل الثمار من وراء تعاقب النخب، ولا أن يزيد من حظوظه، كما تزداد الأرض خصوبة بتعاقب الزرع إلا إذا تمخض التناوب – ليس فقط – على مجرد التزام من أنيطت بهم المسؤولية الحكومية، و إنما بالتزام كل من والاهم، و التف حولهم، و تعبأ وراءهم، سواء كانوا من زمرة مساعديهم، أو من المنظمات التي ينتمون إليها.
فالتناوب نمط للحكم عملنا على ركوبه و على تعهده بالرعاية وإنضاج مفهومه إلى أن تبلور على أرض الواقع. و ما نزال نحيطه بكامل عنايتنا لتمكينه من بلوغ الأهداف التي حددناها له.
فبالتنافس الشريف داخل المؤسسات البرلمانية يمكن للأغلبية و للمعارضة أن يصبح كل منهما محفزا للآخر، و أن يضفيا على مداولاتهما ما هي قمينة به من النبل و الجدية. حتى يتسنى للتناوب الذي حرصنا على أن نوفر له كل الظروف الملائمة أن يوفي بما بعثه في النفوس من آمال.
و لكي يحقق التناوب هذا الغاية فإنه ينبغي ألا يقتصر على وجود أغلبية ملتزمة أشد الالتزام فحسب، و إنما يقتضي كذلك وجود معارضة جادة، كما كنا نتوخاه دائما، لأنه بدون هذه المعارضة لن يقوم تناوب ولا تعددية و لا ديمقراطية حقيقية.
و من نافلة القول التذكير بأن مهمة المعارضة هي تتبع العمل الحكومي بالنقد الحازم اليقظ بدون الوقوع في التحامل المغرض، كما أن عليها ألا تكتفي بالتنبيه إلى مواطن القصور، بل عليها أيضا أن تتقدم بالحلول البديلة الكفيلة بتداركها.
هذا هو الفكر الإيجابي الذي يجدر بنا أن نتحلى به إن أردنا أن نهيئ بلدنا لمواجهة تحديات الغد في إطار ثوابت الإسلام، و التلاحم بين العرش و الشعب و الوحدة الوطنية، وإرساء الديمقراطية.
فهذه هي القواعد التي يجب أن نتابع على هديها مسيرة مغرب الإيمان، و مغرب التسامح، و التفتح، ومغرب العدالة و التضامن.
و تلكم هي القيم الأساسية التي تدعو كل مغربي اليوم و أكثر من أي وقت مضى إلى أن يكونه مواطنا صالحا لنفسه و لأهله و لوطنه.
فالأمم التي تكسب الرهان هي التي يتجند كل أبنائها للعمل كل في ميدانه، و كل حسب و سائله، وكل بقدر مؤهلاته.
لذلك لم نفتأ نذكر بضرورة رد الاعتبار للعمل، و الرفع من قيمته، و إعطائه التقدير الذي يستحقه في سلم قيمنا.
و لهذا يجب أن تتضافر قوانيننا و سلوكنا اليومي على تشجيع كل طاقات العمل، و تحفيز روح المبادرة و مكافأتها، وهي التي يزخر بها بلدنا- و لله الحمد – في سائر الميادين.
و لابد من النبيه في هذا الصدد إلى كون التمييز التقليدي بين الميدان الاقتصادي و الميدان الاجتماعي قد تم تجاوزه اليوم، فهذان الميدانان يكونان في الحقيقة وجهين لواقع واحد هو الذي يقاس به التقدم الفعلي للأمم.
كما أن اعتبار الاقتصاد مجرد ملاحقة لوتيرة النمو و مراكمة الإنتاج توخيا للمزيد من الأرباح دونما اعتبار للطموحات الطبيعية لبناة الثروة اعتبار متجاوز أيضا، إذ يجب أن تكون الغاية من النمو ترقية الإنسان عن طريق التوزيع العادل لثمار ذلك النمو. فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي نستطيع بها ضمان التماسك الاجتماعي الضروري لتوازن البلاد و تنميتها.
و انطلاقا من هذا المنظور للتنمية يتعين علينا أن نتصدى للأولويات الكبرى للأمة، وهي أولويات عديدة، و من واجبنا أن ببين سبيل الإصلاحات ذات الأولوية التي يتعين إنجازها على الفور، على أن نستخلص من مجموعها النواة الصلبة للإصلاحات الأكثر استعجالا، و التي يجب أن يتم التركيز عليها، و أن تحدد أهدافها، و أن يتم حصر مضمونها، و أن تقيم أبعادها المالية و الاجتماعية و الاقتصادية، كما يتعين أيضا أن يوضع لها جدول زمني محدد مع بيان الكيفيات الكفيلة بتطبيقها.
شعبي العزيز :
مما لا ريب في أن من بين أهم ميادين العمل هاته، ميدان إصلاح نظامنا التعليمي الذي لفتنا النظر إلى طبيعته الاستعجالية و الملحة عدة مرات.
و استجابة لنداء المستقبل هذا الذي هو بالأحرى ضرورة آنية، علينا أن نقبل بعزم على إصلاح فعال لنظامنا التعليمي.
و لهذا قررنا تكوين لجنة خاصة بعهد إليها باقتراح مشروع لإصلاح نظام التربية و التكوين وفق المنهجية و الأهداف التي تم تحديدها في رسالة خاصة سنوجهها إلى مستشار جلالتنا السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه الذي عيناه رئيسا لهذه اللجنة.
و هنا نخاطب شبابنا الغالي فنقول له : لتحافظ على مالك من فضائل التفاؤل و الحيوية و الابتكار و التفتح و الوفاء للقيم المقدسة لوطنك.
عليك أن تظل عالي الرأس بعيون متطلعة إلى السماء، و أقدام ثابتة على الأرض، ألا يكون لديك أي داع للتشاؤم، أو للسلبية، أو للإحباط، أو للتيهان، و أن الدولة و الأمة بكل مكوناتها لعازمة على إمدادك بما أنت أهل له من المساندة و العون.
أجل، إننا عازمون – أكثر من أي وقت مضى – على استثمار كل الوسائل الضرورية قصد إعدادكم لخوض التنافس بنفس السلاح المتوفر لأمثالك في العالم من حولك، و في أي ميدان من الميادين التي تخوضها، علمية كانت أم تكنولوجية، أو ثقافية أو رياضية.
و بنفس الانشغال الملح بالإصلاح، نستحضر ميدانا أخر، ألا و هو ميدان القضاء، ذلكم أن مهمة القضاء ظلت عندنا إكبار و تشريف لا يوازيهما إلا الاعتبار و التقدير اللذان كان أسلافنا الأماجد يحيطون بهما قيم المعرفة و العدل، و قد قطعنا – و لله الحمد – أشواطا بعيدة في بناء و ترسيخ دعائم دولة الحق و القانون.
و حرصا منا على المزيد من تحقيق فضيلة الكمال فإن ميدان التأهيل الكامل للقضاء ما يزال مفتوحا. لأن على هذا النظام أن يعطي دائما الأحسن و الأفضل، و بخاصة في مجالين : مجال الإسراع بالبحث و التحقيق، و البت في الملفات، و تنفيذ الأحكام على مستوى جميع المحاكم، ومجال الشفافية، و النزاهة و وضوح المساطر، و حيثيات الأحكام بالنسبة لكل المتقاضين.
و كذا دعم المحاكم الإدارية، نظرا لحرصنا على أن تظل سيادة القانون متحكمة في كل الأعمال الإدارية باعتبار ذلك من ركائز دولة القانون التي بنيناها.
و إذا كنا قد وضعنا لبنة أساسية في هذا الاتجاه بتخويلنا المجلس الأعلى للحسابات صفة مؤسسة دستورية، فإننا ننتظر من حكومتنا الإسراع بعرض القانون الجديد المنظم لهذه المؤسسة المهمة على أنظار البرلمان و تنصيب المجالس الجهوية للحسابات.
شعبي العزيز :
إن سياسة اللامركزية التي سهرنا على إنضاجها مدعوة اليوم لتخطي مراحل جديدة، ترسيخا لما تحقق من المكاسب، لاسيما و أن إسهام الطاقات المحلية عامل حاسم في إنجاز أي سياسة وطنية.
و في هذا السياق، نؤكد بأن تجديد و تحيين آليات اللامركزية في إطار مدونة للجماعات المحلية و التي من شأن مقتضياتها أن تقنن ديمقراطية محلية قائمة على القرب من المواطنين، و على الشفافية في تدبير أمورهم، يجب أن تواكبهما سياسة حقيقية للاتمركز. كما دعونا لذلك خلال افتتاحنا للمناظرة الأخيرة للجماعات المحلية و كما ينبغي أن تكون الجهة الإطار الأفضل للتلازم الضروري بين اللامركزية، فإنها مدعوة لأن تؤدي دورا أساسيا في التخطيط للتنمية الجهوية المندمجة.
إن مفتاح أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية صناعية أو فلاحية رهين بما نعطيه للامركزية و اللاتمركز من نجاعة و فعالية، من شأنهما تحقيق الاستثمار و التشغيل على نحو أفضل، و تلكم هي روح البنيات المؤسساتية للدستور الجديد.
و بصفة عامة، فإنه يجب مواصلة إصلاح إدارتنا و تحديثها لجعلها قادرة على الاستجابة للمتطلبات الجديدة للمحيطين الوطني و الدولي و التحولات التي يعرفها دول الدولة.
و من هذا المنظور لا يبقى أي مجال لبيروقراطية ضاغطة تتسم بالمبالغة في تدخلاتها و بالشطط في مساطرها.
و علاوة على ضرورة تحلي إدارتنا بفضائل بساطة المساطر و عقلانية التوظيف و التقييم المستمر للموظفين. و ذلك عبر إصلاح النظام الأساسي للوظيفة العمومية، فإنه يجب ضمان الشفافية و الحزم و النزاهة في كل العمليات و المعاملات الإدارية. مما يستدعي مواجهة لا هوادة فيها ضد كل الانحرافات.
شعبي العزيز :
لا يخفى عليك مدى انشغالنا بموضوع التشغيل، ولاسيما تشغيل الشباب. فقد تطرقنا لهذا الموضوع في مناسبات سابقة. آخرها الندوة الوطنية الأولى للتشغيل التي أشرفنا شخصيا على افتتاح أعمالها.
يكفي أن نذكر فقط بأن من حقنا أن نكون مرتاحين الآن، بلدنا يتمكن من تحقيق معدل سنوي جد مشرف من مناصب الشغل في ظرف عالمي يتسم بالصعوبة بالنسبة لسائر البلدان، لكننا بالطبع لا نحتمل أن تحرم مجموعة من رعايانا الأوفياء النشطين من فرصة المساهمة بكدها و عملها الشخصي في بناء هذا الوطن.
و تأسيسا على هذا الواقع، و انطلاقا من اقتناعنا القوي، لابد لنا من التأكيد على وجوب التمييز بين العمل المنتج و العمل العقيم : فإنعاش الشغل النافع للأفراد و للمجتمع إنما يتأتى من النمو الذي يتمخض بدوره عن تحسين الإنتاجية و الاستثمار.
لذا، فإن تهيئة الظروف الملائمة للنمو و الاستثمار، و رفع العراقيل التي تعترض طريقهما تظل بمثابة الأركان الأساسية لإستراتيجيتنا الهادفة لإيجاد حلول دائمة. و على أوسع نطاق لمعضلة التشغيل.
و بما أن التشغيل يرتبط بحرية المقاولات و تنافسيتها، و اعتبارا لما تمثله علاقات الشغل كعنصر حاسم للوصول إلى هذه الغايات، فقد أصبح من الضروري تمكين البلاد من مدونة عصرية للشغل، تتسم بطابع التحفيز، و بالضمان النصف لكل من حقوق الشركاء الاجتماعيين و التزاماتهم . و سيمثل هذا الإجراء معلمة أساسية في طريق سعينا الدؤوب لإنجاح هذا الورش الواعد لإنعاش الاستثمار.
ذلكم أن علينا بذل مجهود كبير لتشجيع و جلب المزيد من الاستثمارات، الوطنية منها و الأجنبية، لضمان النمو القوي و المستديم الذي نطمح إليه، واضعين نصب أعيننا المحافظة على التوازنات الكبرى للمالية العمومية مع تشجيع الادخار.
و من جهة أخرى يجب الحرص على أن يتقى الاستثمار العمومي في مستوى مقبول يمكنه من القيام بدور المحرك للنمو الاقتصادي.
و بما أن المقاولات الصغرى و المتوسطة تشكل مكونا أساسيا للنسيج الاقتصادي لبلادنا، فإنه ينبغي أن تعطاها العناية الكاملة و الدعم اللازم.
و في هذا السياق، فإن التشاور و التعاون و الشراكة بين الدولة و بين الجماعات المحلية و الفاعلين الاقتصاديين الخواص بعد ضرورة ملحة أيضا. ففلسفة الحوار و الشراكة تقتضي من القطاع الخاص في بلادنا إظهار تنافسية أكبر و هيكلة أحسن، و تنظيما أقوى لكي ينهض بالدور الفاعل في تحريك النمو الاقتصادي و خلق الثروات و إنعاش الشغل.
شعبي العزيز :
منذ يضع سنوات، انطلقت عملية تحويل بعض المؤسسات العمومية إلى القطاع الخاص و هي عملية جديرة بالتوسيع و الإثراء، و باستخلاص العبرة من تجربتها.
غير أن عملية الخوصصة هذه لم تكن لتعني بالنسبة لنا قط مجرد نقل للملكية، أو عملية تستهدف تمويل الميزانية، بل هي على العكس من ذلك تشكل بالنسبة لنا محورا أساسيا لعصرنة اقتصادنا و إعادة هيكلته.
و ذلك بهدف إعادة الاعتبار للمهام الحقيقية للسلطات العمومية من جهة و إشراك جميع الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين في مسؤولية تنمية البلاد من جهة أخرى. لذلك يتحتم على التشريع الجديد المتعلق، بالخوصصة أن يأخذ بعن الاعتبار نتائج التجربة الآنفة، و أن يضع ضمن اهتماماته كذلك فلسفة هذه الخوصصة التي ترمي إلى إغناء أولئك الذين يعملون في المؤسسات المخوصصة مع الأخذ بعين الاعتبار المتطلبات الحالية للمحيط الاقتصادي الذي يجب أن يتسم بالتنافسية.
و في هذا المجال أيضا، يجب أن ننطلق من حصيلة المكتسبات و الخطوات المنجزة لنعيد إلى الدولة ما لها من نبل المهام. و تحريرها من التدبير المباشر للاقتصاد حيثما أمكن ذلك، و تناسب و خدمة الصالح العام، بعيدا عن أي دوغمائية أو أفكار مسبقة. فالتنمية المستديمة تستدعي تصورا شاملا و عملا مترابطا و منسقا من لدن كل الفاعلين العموميين و الخواص على نحو مستمر.
و لهذه الغية ضمنا دستور المملكة مفهوم مخطط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و هذا المفهوم لم يكن ليعني لدينا في أي وقت الارتهان بنهج تخطيط ممركز و بيروقراطي.
و بنفس العزم سنظل نرفض النهج الليبرالي المفرط الذي يخضع البعد الاجتماعي لصالح السيطرة المتفردة و العمياء لقانون الربح المادي.
ذلكم أننا نتوخى لبلادنا تخطيطا مرنا يحدد معالم الطريق و يستبق التغيرات، و يوجه أصحاب القرار دونما تقييد لحرياتهم، مع التأكيد على واجبهم في المبادرة و اليقظة الدائمة و مسؤولية التقييم و التقويم المستمرين. فهذا النمط من التخطيط هو روح نظام الجوهرية و اللامركزية و اللاتمركز التي وضعنا أسسها، و التي هي مطالبة بتحقيق التطور التدريجي فمخططنا إذن يجب أن ينبثق من الحوار بين الهيئات المركزية و الجماعات الترابية بمختلف مستوياتها دون إغفال القطاع الخاص.
شعبي العزيز :
إن بلادنا تواجه كسائر المجتمعات – و لاسيما بالمقارنة بينها و بين التي تعرف نفس وتيرة النمو – عددا من الصعوبات في شتى الميادين، و إن بحدة أقل – و لله الحمد – و على الخصوص ما يتصل منها بضعف القدرة الشرائية لدى ذوي الخصاصة من رعايانا الأوفياء، و بفضل من الله علينا، فإن تماسك نسيجنا الاجتماعي – و بخاصة خليته الأساسية المتمثلة في الأسرة المتضامنة – يخفف من آفة الحرمان.
إلا أن هذا الواقع لا يعفينا من واجب تعبئة المجتمع و تحسيس أفراده بواجب التضامن الذي من شأنه محاربة هذه الآفة.
و قد أثلج صدرنا أن عمليات التضامن الاجتماعي و التي كان من بينها العمليات التي عهدنا بالإشراف عليها و توجيهها لولي عهدنا و ابننا البار الأمير سيدي محمد، قد فسحت المجال أمام مشاعر التضامن الاجتماعي لدى المغاربة للتعبير عن رسوخها في وجدانهم بصورة عفوية مطبوعة بالتألق و الحماس، غير أن هذه الانطلاقة المحمودة لا ينبغي أن تكون مرتهنة فقط بظروف آنية، بل على العكس يجب أن تتواصل. لأن الأمر يتعلق بمعركة نخوضها بعمق على واجهة جديدة من أجل ضمان عيش أرغد لكافة رعايانا الأوفياء.
لا يخفى عليك – شعبي العزيز – مدى الرعاية التي نوليها دوما لرعايانا الأعزاء من الفلاحين و لتنمية العالم القروي، تلك العناية التي تشكل أحد ثوابت سياستنا، و إذا كنا منذ اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين قد تمكنا – و لله الحمد – من إنجاز الشيء الكثير، سواء في مجال تعبئة المياه من خلال بناء السدود الكبرى و المتوسطة و الصغرى. أو توسيع شبكات الري، أو استصلاح الأراضي، أو تيسير القروض للفلاحين أو تجهيز العالم القروي بالبنيات التحتية الضرورية فإنه يتعين أن نوالي الجهود في مختلف هذه الميادين مستحضرين الضرورة الحيوية لاستقرار الفلاح على أرضه و انكبابه على خدمتها ضمن محيط قروي موفور الوسائل من أجل عيش كريم. و تلكم أقوم سبيل للحد من الهجرة القروية المتزايدة و جعل الفلاح يرتبط بأرضه الخيرة المباركة.
شعبي العزيز :
إن بلدا كالمغرب يطل على ملتقى البحرين لا يمكنه أن يعيش منطويا على نفسه، و لا بمنأى عن التأثر بالتحولات الدولية. و لذلك فالمغرب يؤمن بفوائد التعاون، و بجدوى مد أسبابه و توثيقها مع أكبر عدد ممكن من الشركاء. كما أنه يؤمن بأن أي تنمية اقتصادية لن تتحقق له إلا بقدر ما يكتسبه من إشعاع، و ما يحققه من حضور في العالم المحيط به.
و يجدر التذكير في هذا السياق، بأن للمغرب مواعيد حاسمة بالنسبة لمستقبله الاقتصادي فهناك مفاوضات عسيرة تنتظره، سواء في إطار اتفاقية الشراكة التي تربطه بالاتحاد الأوروبي أو بسياق تفعيل التعاون متعدد الأطراف للمنظمة العالمية للتجارة بالنسبة إليه. فعليه إذن أن يجد في إعداد نفسه لمواجهة هذا الشريك متعدد الأطراف بالإضافة إلى المجموعات ذات البعد الإقليمي لأنه، و هو يواجه ذلك بمفرده، لا يمكن أن يعتمد إلا على مثابرته، و جرأته. و على يقظته المستمرة حتى لا يؤخذ على حين غرة.
إن المغرب يتوفر على رصيد مهم من العلاقات الدولية، و من ثمة يتعين على جميع الفاعلين الاقتصاديين مثلما يتعين على الإدارة أن يسهروا جميعا على جني أفضل المكاسب بمضاعفة جهودهم في تحقيق التقارب، و في تكثيف بعثات الاستكشاف.
وفي هذا السياق، و هذا الاتجاه، و نحن أكثر ما نكون اقتناعا بوحدة المصير التي تشدنا إلى أشقائنا العرب، فقد حرصنا خلال السنة الفارطة على تمتين أسباب التعاون المؤسساتية مع الدول الشقيقة مصر و تونس و ليبيا و الأردن، فقد ترأسنا شخصيا بالقاهرة مع أخينا صاحب الفخامة الرئيس محمد حسني مبارك أشغال اللجنة الكبرى المغربية- المصرية، في حين تم بنفس الاهتمام عقد اجتماعات اللجن المشتركة على مستوى الوزراء الأول، التي أقمناها مع الأردن و تونس و ليبيا. كما عملنا على تقوية علاقات التعاون و التفاهم مع أشقائنا من دول الخليج.
إن سعينا الحثيث في هذا الاتجاه لينبثق من المفهوم الأمثل لتعلقنا بالموحدة المغاربية ومن رغبتنا الملحة في توسيع التعاون المؤسساتي مع جميع الأشقاء العرب. آخذا بعين الاعتبار كون الهدف الأقصى الذي نتوخاه هو تحويل العلاقات الثنائية فيما بيننا إلى نظام إقليمي للتعاون يمكن أمتنا العربية من تبوأ مكانها بين المجموعات الإقليمية الكبرى فذلك هو الخيار الوحيد اليوم أمامها كي لا تفقد هويتها في عالم يوشك فيه العامل الاقتصادي أن يفرض حدوده على الخريطة السياسية.
إن بناء تجمع إقليمي من هذا المستوى سيكون بكل تأكيد أقرب إلى التحقيق، إذا ما توطدت عوامل الأمن و الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط و لذلك ظل بالنا منشغلا غاية الانشغال بجمود مسلسل السلام بعدما كانت تباشيره قد لاحت خلال السنة الماضية و من المؤكد أن هذا لم يكن ناتجا عن موقف من لدن الجانب الفلسطيني و على رأسه أخونا الرئيس، ياسر عرفات، فهو قد برهن على مرونة استحقت التنويه من لدن المجموعة الدولية و الأمل أن تسفر الانتخابات الإسرائيلية المقبلة عن انتصار مطلب السلام من أجل إعادة انطلاق مسلسله الرامي إلى تسوية عادله و شاملة و دائمة لصالح شعوب المنطقة.
و هنا نستحضر الرزء الذي أصاب العالم العربي بفقدان أحد قادته أخينا المغفور له جلالة الملك حسين، فقد عرفناه في جميع الظروف قائدا عربيا شهما، و ملكما هماما، حريصا على مصالح بلده و أمته في مناخ جهوي و دولي لم يكن دائما سهل القياد.
و إننا لنستمطر عليه واسع الرحمات، متمنين لابنه وخلفه جلالة الملك عبد الله الثاني كل سداد و توفيق. مؤكدين له مودتنا و مساندتنا.
شعبي العزيز :
في خضم هذه الانشغالات الوطنية و الدولية تظل أقاليمنا الجنوبية المسترجعة تتصدر اهتمامنا، و كما أكدنا ذلك مرات عديدة، سنظل متمسكين و بكل عزم و إصرار بمخطط التسوية الذي اعتمدته هيأة الأمم المتحدة.
و إننا لنعتبر أن تطبيقا عادلا و منصفا و غير قابل لأي تمييز لهذا المخطط من شأنه أن يمكن  من وضع حد للمراوغات و التأجيلات من لدن من يقفون في وجه التطبيق الحقيقي لعملية الاستفتاء التأكيدي لمغربية صحرائنا، إذ لا يجوز أن يحرم أي واحد من أبنائنا الصحراويين من حق ممارسة التعبير عن رأيه ما دام يستجيب لأحد المعايير الخمسة لتحديد الهوية المعتمدة من لدن الأمم المتحدة واثقين من أنه عندما يتمكن أبناؤنا المحتجزين « بتندوف»  من الالتحاق بأسرهم و بيوتهم. فإنهم سيؤكدون بتصويتهم تجديد بيعتهم لنا، هذه البيعة التي تشدهم إلينا و تشدنا إليهم برباطها المتين و عهدها الوثيق.
و إن ما خطوناه أخيرا من خطوات، سواء مع  «الأمانة العامة لهيأة الأمم المتحدة» أو مع «المينورسو» أو مع «المفوضية السامية للاجئين» ليؤكد بكيفية لا مراء فيها، أن المغرب مقبل على الاستفتاء، و أنه لا يرى سبيلا آخر غير الاستفتاء.
شعبي العزيز :
ها نحن إذن في خضم سلسلة هامة من المشاريع و الأوراش الكبرى و الحاسمة التي اخترناها بعد تحليلها و تقييمها، متفاعلين مع ما يفرضه علينا المناخ الدولي من عولمة، و إزاحة للحدود.
و إن نجاحنا في هذه الأوراش و المشاريع ليقتضي منا الارتكاز على مكتسباتنا و الاستمداد من قيمنا الأخلاقية و الدينية و الحضارية فبلادنا محتاجة إلى جميع أبنائنا، و هي تعول على اقتناعهم بإمكاناتهم، و على حس المسؤولية و الشعور بالواجب لديهم، و على طاقاتهم الخلاقة و ملكاتهم المبدعة و تعول بالأحرى على وطنيتهم بمقوماتها في خضم انفتاحهم على العالم. بيد أن متطلبات التفتح و مسايرة العولمة لا تلغي بتاتا قيم الوطنية، و لا التفاني في خدمة الوطن و التعلق بهويته، لأن الانتماء للعصر هو في نفس الوقت تفاعل مع أنفس ما يملكه المرء من مشاعر وطنية و ثوابت هويته و هكذا نستطيع أن نضطلع ببناء مستقبلنا متسلحين بعقيدتنا في الله سبحانه، و بحب وطننا، فخورين بالحفاظ على هويتنا، و نبيل تقاليدنا، متذكرين بإجلال و إعظام من كانوا مناضلين في سبيل حريتك و استقلالك و عزتك و سيادتك.
ففي هذه الأجواء العبقة بمشاعر الوفاء نتوجه إلى الله العلي القدير، مترحمين على فقيد العروبة و الإسلام أب الأمة و بطل تحريرها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه و أكرم مثواه متذكرين ما أسداه لشعبه من خير و إصلاح، و تقدم و فلاح، و ما تحمله في نضاله الملحمي عن حريتك و سيادتك من محن و تضحيات لا جزاء لها، إلا عند الله العلي القدير، الذي يكرم مثواه و يقعده صدق مع النبيئين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.
كما نترحم على أرواح المجاهدين الأحرار و الشهداء الأبرار الذين جعلوا من حياتهم و أرواحهم فداء لعزة الوطن و مقدساته في معارك التحرير و الدفاع عن حوزة الوطن و صحرائه المسترجعة.
كما نعبر في هذا السياق عن كامل رضانا و فائق تنويهنا بقواتنا المسلحة الملكية و بقوات الدرك و الأمن و القوات المساعدة المرابطة في تخوم الوطن الساهرة على أمن المواطنين و طمأنينتهم ، فهي المؤتمنة على حفظ المقدسات و الذياد عن الحرمات و الوفية لقسمها و عهدها الذي لا يخيس في الولاء و الوفاء لله و الوطن و الملك.
اللهم إنك قد أورثني قيادة شعبي و سددت في السهر على سيادته و مصالحه خطاي و حققت على طريق وحدته و تنميته و رقيه مسعاي فأعني على ما أوليتني و أيدني فيما قلدتني و واصل إمدادك لي ظاهرا و خفيا، و لطفك بي باطنا و جليا لتحقيق المزيد من إسعاده و نمائه و توفير ما يطمح إليه من أسباب رخائه و اجعل اللهم حياتي وقفا على تقدمه و ارتقائه فإنك معين الصادقين و ناصر المصلحين و ظهير المؤمنين.
«ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي و أن أعمل صالحا ترضاه، و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين»
صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here