islamaumaroc

ميلاد العرش المغربي بقيادة آل بيت المصطفى

  محمد يسف

341 العدد

لعل قيادة الأمم، وسياسة الشعوب، من أشرف المهام، وأنبل المسؤوليات، وهي في نفس الوقت من أشدها خطورة، وأكثرها حرجا.
وقد تكون في طليعة مايحمله مضمون الأمانة التي تلفت إليها الآية الكريمة: "إنا عرضنا الأم انة التي تلفت إليها الآية الكريمة: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان...".
لكن، من هو هذا الإنسان الذي تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، ومن يحملها حمل الصابرين، ويؤديها أداء الأمناء الصادقين؟
الحق سبحانه وتعالى، لم يأتمن على الوحي-وهو أثقل الأمانات وأعظم الودائع-إلا من استخلصهم من خيرة أنبيائه، واستصفاهم من أكرم رسله، بعدما أعدهم له إعدادا، وهيأهم له روحا، وفكرا ووجدانا، ومع ذلك فإنه جعلهم فئتين انتين: أولي العزم والع زيمة وهم قمة الرسل، وغير أولي العزم، وهم دونهم عزما وصبرا، مصداق ذلك قوله تعا لى في حق آدم عليه السلام:"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسي ولم نجد له عزما".
وقد جعل سيحانه فئة أولي العزم من الرسل، أنموذجا عاليا في الصبر والمصابرة، والتضحية والتحمل، ودعا إلى التحلي بأوصافهم، والائتساء بسيرتهم، والتخلق بأخلاقهم، فقال تعالى: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل".
ولاجدال في أن سول الله، وخاتم النبيئين في مقدمتهم، قاد المسلمين في شؤون دينهم ودنياهم، وأسس للحاكمين تقاليد الحكم ومناهج القيادة، وحدد لهم فرائضها وآدابها، كما أبان لهم سبل الجمع بين الدين والدنيا في تفاهم، وتلاحم، وتواصل وتكامل، بحيث لايهيمن جانب منهما على الآخر، فلكل منهما حده، بلا إفراط ولاتفريط "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولاتنس نصيبك من الدنيا".
ولئن كانت قيادة النبي طبيعة خاصة، تجعلها مختلفة عن غيرها من أشكال القيادات البشرية المحضة، التي لايسندها وحي ولايدعمها شرع، إذ هي ذات مرجعية سماوية مباشرة،تستطيع التدخل في كل وقت وحين، بحيث ينتفي معها تصور أي خطأ ناشئ عن اجتهاد النبي، كما في سيرته كحاكم من الاجتهادات القائمة على محاولة إدراك المصلحة بالعقل، مايساعدنا على خوض ميدان استعمال قدراتنا العقلية لحل مشاكلنا في ضوء الشرع.
وبالرغم من أن الخطأ في الاجتهاد معفو عنه، بل مثاب عليه شرعا، لأنه عبارة عن حركة عقلانية تأملية جادة، تتغيى الوصول إلى الحق في أمر ما، فإن حدوث الخطأ وبالأحرى استمرارية الخطأ في الفعل الاجتهادي للرسول غير وارد، إما لأن الرسول يوفق في اجتهاده إلى إصابة الصواب، وفي هذه الحالة فلا تعقيب للوحي عليه، وإما لأن الوحي تدخل في النهاية للتقويم والتصحيح في حالة ماإذا لم يحالفه الصواب، وفي كل الأحوال فإن الخطأ مستعبد ابتداء أو في الختام.
ولا خلاف أن استعمال العقل، وإرهاق الحس، من أجل جلب المصالح ودرء المفاسد مطلب أساسي من من مطالب الإسلام، ومكون رئيسي من مكونات ثقافته، والشرع مظلة تحمي هذا العقل، وترشد خطاه، فإذا عجزت اللقدرة العقلية بإمكاناتها عن ملامسة الحق، تدخل الوحي لتسديده ووضع قدمه على سواء الصراط.
عرفت مرحلة مابعد الوحي نظا حكم إسلامي مثالي، عرف في التاريخ السياسي للإسلام، باسم الخلافة الراشدة أو بخلافة النبوة، تميزا لها عن غيرها من أشكال الحكم ونظمه للتي ظهرت بعد ذلك.
التزمت الخلافة الراشدة منهج النبي في الحكم والسياسة والتدبير والسلوك، واستقام الحاكم فاستقام المحكوم، وأخلص في خدمة الشعب فالتف الكل حوله وتقيد بأوامره ونواهيه، غير أن عمر هذه الحكومة المثالية كان قصيرا جدا لم يتجاوز ثلاثين عاما، وكانت موقعة صفين التي تعد في تقديرها منعطفا خطيرا في حياة  الأمة الإسلامية.
التقت في حرب صفين فئتان، فئة تقاتل دفاعا عن استمرارية الخلافة الراشدة، ممثلة في علي بن أبي طالب وأخرى تقاتل من أجل تأسيس نظام بديل-ولاأقول معاكس-ممثلا في معاوية بن أبي سفيان.
ولأمر أراده الله، وحكمة هو وحدة يعلمها انتصرت فئة معاوية التي تريد التغير، وليس بلازم أن يتجه التغيير نحو الأحسن دائما، فلطالما يدل الناس نعمة الله كفرا، ولطالما استحبوا الكفر على الإيمان، والضلالة على الهدى، ولطالما، استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ابتعدت الخلافة الأموية قليلا أو كثيرا عن نهج الخلافة الراشدة، وحدثت بدع سياسية، وتجاوزات أخلاقية، وتساهل في الالتزام بصرامة الأحكام الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي أجمعت الأمة على أن حكمه يمثل بكل المعايير امتدادا حقيقيا لخلافة النبوة.
الذين يقرأون التاريخ قراءة تفقه، ويتدبرون الأحداث والوقائع الحاسمة يعقلون على وقعة صفين بقولهم: لو انتهت نتائج المواجهة فيها إلى غير ما انتهت إليه لكنا اليوم نقرأ تاريخيا ووقائع وحضارة تختلف كل الاختلاف عن تلك التي أفرزتها المسيرة السياسية التي تشكلت بعد صفين.
ولئن اختفى نموذج الخلافة الراشدة، واختفى معه المنظور الإسلامي المضرق في تنظيم الدولة وإدارة الإنسان فإن الأمل في إعادته من جديد، ظل حلما يراود المصلحين في كل عصر مصر، وهاجسا يسكن عقلهم ووجدانهم.
وقد يكون الإحساس بمرارة ذنب التفريط في الأمانة التي حملها خلفاء المصطفى، كامنا وراء تحريك المعارضة ضد الحكم الأموي، والتي لم تكف عن النقد والتنديد، بل وحتى والتحريج أحيانا.
لم يلبث رموز المعارضة أن نظموا أنفسهم داخل تكتل هاشمي قوي ومنظم، سعان مادخل في مواجهة أدت إلى انتهاء الحكم الأموي، وكان الأمل في تجديد الخلافة الراشدة بات وشيكا.
غير أن أقطاب تلك المعارضة، الذين كان لهم تصور واضح فيما يبدو في مرحلة ماقبل انتهاء الحكم الأموي، لم يكن لديهم مشروع واضح المعالم فيما بعده، فكانت النتيجة نشوب صراع بين أبناء الأسرة الهاشمية التي تنازع رموزها السيادة، وبلغ بهم الأمر حد الاقتتال الذي حسم الموقف لصالح البيت العباسي.
ويبدو أن قادة العباسيين كانوا قد أعدوا للأمر عدته من قبل، في سرية كاملة، ووضعوا خطة محكمة لاستلام السلطة من يد الأمويين، كما أنهم كانوا يمتلكون تصورا للوضع الأمني للدولة بعد استلام
الحكم، ومن ثم قرروا القيام بحملة قمعية ضد رموز البيت العلوي الذي كانوا يدركون شعبيته الواسعة في كل مكان، وخطورته الكبيرة على نظامهم.
وجرت بين الفريقين وقائع وأحداث، سالت فيها دماء غزيرة، كان من أشهرها وقعة "فخ" الشهيرة التي قتل فيها عدد من رموز البيت العلوي، والذين نجوا منهم آثروا مغادرة المشرق، والضرب في فجاج الأرض بحثا عن مكان آمن.
لجوء إدريس الداخل إلى المغرب وميلاد العرش المغربي:
لئن بخل الشرق الإسلامي عن آل البيت بما جاد به على غيرهم، من حيث أن نصيبهم كان الاضطهاد والإقصاء، ومصادرة اتلحقوق، ولاسيما فيما بعد صفين وما صاحب الحكم ا|لأموي-باتستثناء، حكم عمر بن عبد العزيز-من لعن للإمام علي رضي الله عنه فوق المنابر، فإن مرحلة مابعد الحكم الأموي لم تكن أرحم من التي قبلها.
لئن كان هذا حظ آل البيت في المشرق، كما وصفنا، فإن المغرب الإسلامي كان على خلاف ذلك، حفيا بهم، وفيا لوصية جدهم المصطفى بهم، فما كانت أقدام المولى إدريس الأول تستقر بأرض المغرب حتى عانقه السعد وأقبل عليه الحظ، وابتسمت له الحياة، وتسارع أهل المغرب إلى الالتفاف حوله، وتسليم الأمر إليه يتقدمهم اميرهم يومئذ، إسحلق بن عبد الحميد الأوربي الذي بايعه بالإمارة، ثم تتابعت باقي القبائل وافدة معلنة الطاعة والولاء، وصدق الله العظيم: "فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين".
وليس عجبا أن يضيق المشرق بآل محمد من علي وفاطمة، فقبل ذلك استعصى قادة مكة على جدهم المصطفى بعد أن لبث فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا فلما أراد الله لدينه النصرة والذيوع والانتشار ساق له رجالا من غير أهلها فتحوا له قلوبهم وبيوتهم، فنصروه وعززوه، واتبعوا النور الذي أنزل معه.
فلآل البيت في جدهم أعظم قدوة، وأكمل إسوة.
وبهذه البيعة التي انعقدت للمولى إدريس يبدأ المغرب والمغاربة كتابة صفحة جديدة في تاريخهم المجيد بقيادة العرش الذي تعاقب علىيه منذ ذلك اليوم إلى عصرنا هذا، عصر أمير المومنين الحسن الثاني-أطال الله بقاءه-ملوك غر ميامين، صنعوا من تاريخه قلادة، حلوا بها جيد الأطلس الشامخ.
وإن القارئ لميلاد الدولة المغربية المستقلة بقيادة العرش لابد أن يلاحظ:
1- إن إسناد القيادة فيها لآل البيت كان اختيارا شعبيا حرا لم تفرضه قوة خارجية، ولااحدثته ضغوط داخلية، فالمولى إدريس إنما كان وافدا لاجئا لايملك جندا ولامالا، وإنما هي قوة معنوية، وزاد روحي، ونسب شريف، يمت بأوثق صلة إلى الشجرة النبوية المباركة، فوجد لدى أهل هذا البلد قلوبا طاهرة نقية، لم تعبث بها الأهواء، ولم تتوزعها المذاهب الزائفة، والنحل الضالة، أو كما قال الآخر: "فصادق قلبا خاليا فتمكنا".
2- إن المغرب، فيما نعلم، أول فضاء إسلامي في تاريخ  الإسلام، تقوم فوق أرضه دولة يقود زمامها آل بيت محمد صلى الله عليه سلم من علي وفاطمة، كتب الله لها البقاء والاستمرار، على امتداد الأجيال والعصور، وما تزال تواصل رحلتها الظافرة نحو المستقبل في تحد وصمود لكل عوامل الزمان والمكان.
3- على خلاف ماهو شائع من اعتقاد وجود علاقة عضوية بين التشيع كسياسة واعتقاد، وبين آل بيت علي، فإن هذا الاعتقاد  لاينطبق على الدولة المغربية التي يقودها الأشراف، وهي مع ذلك سنية خالصة من كل غلو أو ابتداع.
ومعنى ذلك أن قضية الارتباط بين آل البيت والتشيع بالمعنى المعروف هي مسألة وهمية من ابتكار المحترفين، اتخذوا منها ذريعة للخوض في قضايا الحكم والسياسة.
وإن الإنحياز إلى الخط السني لايعني أن حب أهل المغرب للأشراف من عترة النبي دون حب غيرهم، فقد يكونون أشد حبا لهم ممن سواهم، ولكنه حب على طريقتهم الخاصة، فهو كما قال أحد فضلائهم النابهين:
"إننا معاشر أهل المغرب، نحب آل بيت النبي حب نشرع، لاحب تشيع"، ومع بداية تتويج الأشراف العلويين ملوكا على المغرب تدفق دم جديد في شرايين العرش المغربي المجيد، دم تدفق من ينبع النخل، تجدد به شباب العرش، ولانتظم إيقاعه.
وكما وفد إدريس الأول لاجئا فقوبل بالتجلة والتكريم، وتوجوهقائدا لهم وإماما، دخل الحسن الداخل جد الأشراف العلويين بطلب من أهل المغرب، ورغبة ملحة من أهل الفضل والصلاح منهم، ثم اجتاز المغرب ظروفا احتاج فيها إلى من يوحد صفوفه، ويجمع شتاته، ويجدد شباب دولته، فلم يكن ثمة غير الاشراف لذلك أهلا، لما كانوا عليه من علم وصلاح وجهاد وعفة وتقوى، فاصطفاهم لذلك والتف حولهم.
فكانوا لثقته أهلا، قادوا خطوه على المحجة البيضاء، وسفينته إلى شاطئ السلامة.
وبعد، فإني أعود لما بدأـ به أول هذا الحديث لأقول: إن تأسيس العرش المغربي، كان شكلا من أشكال العودة إلى نظام الخلافة، الذي اختفت معالمه مع الزمن، في حين بقيت تقليد الدولة المغربية في السياسة والحكم وفيه له على امتداد العصور وتعاقب الدول.
وفي هذا الصنيع مايذكر بمعنى قول الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم: "لاتزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق، لايضرهم من مخالفهم حتى يأتي أمر الله".
وفي الرسائل الملوكية التي درج ملوك دولة الأشراف العلويين على توجيهها إلى العالم الإسلامي في مطلع كل قرن، وآخرها رسالة أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني-أطال الله بقاءه-مايؤكد-إن شاء الله-أن الطائفة الظاهرة على الحق في الحديث الشريف توجد على هذه الأرض ممثلة في قيادة العرش العلوي المجيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here