islamaumaroc

الزكاة بين التشريع والتطبيق.

  يوسف الكتاني

341 العدد

لعل المغرب البلد الوحيد من بين البلدان والأقطار الإسلامية الذي ظل نظامه منذ التأسيس إلى اليوم إسلاميا ملكيا، يقوم على نظام البيعة، ويعتمد نظام الشورى من دون تبديل أو تغيير، مما يعطيه زيادة خاصة، ومزية ينفرد بها من بين جميع بلدان الإسلام، ينبغي أن تحافظ عليها وندافع عنها لما وفرته للمغرب من استقرار مستمر، وانتظام متوال، وأمن وسلام حقق للمغابرة مايصبون إليه، ومايرجون أن يستمر لهم ومعهم وبهم بفضل الله وتوفيقه ومنه، واقتناعهم الثابت بصلاحية هذا النظام الذي يحقق لهم سعادة الدنيا والأخرى، خاصة إذا حافظوا عليه، وتشبثوا به، ودافعوا عنه، لقيامة على الكتاب والسنة التي هي مناط كل خير وصلاح وتقدم، مصداقا لقوله  للهدي النبوي "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنتي".
وهكذا ومنذ تأسيس الدولة الإسلامية بالمغرب على يد الفاتح المولى إدريس بن عبد الله سنة 172 هجرية، استقر نظام الحكم واستمر على نهجه الإسلامي المعتمد على نظام البيعة، القائم على الاضطلاع بأعباء الرعية، والحرص على صيانة الشريعة الإسلامية، والإخلاص لله في تطبيقها ورعايتها من طرف ملوكنا، مقابل التزام الرعية بالسمع والطاعة، والإنتظام في سلك السنة والجماعة، على ما بايع الرسول عليه السلام، ومابويع عليه من الصحب والآل.
لقد ظل خلفاء المغرب وملوكه على اختلاف الدول والعهود يقدرون شورط البيعة، ويلتزمون قواعدها، ويحرصون على الوفاء بها، وهكذا استمر ملوك الدولة العلوية على هذا تلالتزام، ونافحوا عن تطبيق شريعة الإسلام دفاعهم عن حوزة الوطن واستقراره، وكان في مقدمة ماحافظوا عليه من قيم الشريعة وتطبيق أركانها، استمرارهم على ماكنت عليه دول المغرب في ذلك منذ الأدارسة، فحافظوا على تطبيق ركن الزكاة وجبايتها من الرعية، بانتظام واستمرار، إلى أن أخذ أمر مع بداية التدخل الأجنبي عن طريق الحماية القنصلية التي أخذ أمرها يستحفل، بالإصافة إلى الديون التي فرضت على بلادنا، وأخذت تثقل كاهل الخزينة العامة، حتى إذا جاء عهد الحسن الأول رتب إلى جانب الزكاة "نظام الترتيب الحسني" جمع فيه الزكاة إلى عدد من الضرائب، ولما بويع المولى عبد العزيز استغنى عن الزكاة، واكتفى بمجموعة من الضرائب على المواد الفلاحية والمواشي نتيجة اتستشارة أجنبية ألغت الزكاة اكتفاء بالضرائب بزعم أن في ذلك إصلاحا لبيت المال.
وعندما بويع الحسن الثاني ملكا للمغرب دأب على تجديد هذا الالتزام كل سنة، في خطاب العرش في ثالث مارس من كل عام، إذ جاء في خطاب العرش لسنة 1985 مايلي:
"لقد علمت شعبي العزيز، لما توفر ويتوافر لك كل حين من أدلة وشواهد، أن الجالس على عرش بلادك شاعر أقوى وأعمق مايكون الشعور، بما فرض الله عليه نحو رعيته من واجبات، ووكل إليه من مسؤوليات، ملتزم أشد مايكون الالتزام بما أمر الله به من أوامر، مراع أحرص ماتكون المراعاة، لما سنه هو نفسه من قوانين، وإقامة من نظم...".
وظل طوال عهده معنزا بهذا الالتزام، محافظا عليه، يحمل لقب "أمير المؤمنين" بافتخار، ويصونه ويدافع عنه، وظلت الدساتير المغربية التي صدرت كلها في عهد، متوجة بالنص على أن الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي، مما يتميز به الدستور المغربي على أكثر دساتير الدولة العربية، وزاد هذا الأمر تأكيدا واعتبارا في رسالة القرن التي وجهها إلى رعاياه وإلى جميع بلاد العالم الإسلامي ناصحا موجها.
الحسن الثاني يجدد أمر الشريعة:
لقد استطاع محمد الخامس أن يجعل من عهده عهد الكفاح والجهاد لاستقلال المغرب وتحريره، وقد قاد شعبه في هذه المعركة بمهارة وإخلاص حتى تحررت بلادنا من الاستعمار، الاستعباد، وجدد الشعب المغربي بيعته له "ملكا للاستقلال، ومحررا للبلاد"، فلما قضى الله امره، وخلفه جلالة الحسن الثاني من بعده، انطلق بحزم وعزم في توحيد البلاد، وتنظيم أمور الدولة ومؤسساتها، لتلتحق بلادنا بركب الدول الحضارية، فاتخذ لها دستورا، وبرلمانيا، ومجلسا دستوريا، ومؤسسات ومجالس جعلت بلادنا نموذجا حيا للدول العربية والإفريقة، وحقق للمغاربة الحرية والأمن والاستقرار.
ولم ينس المعنى الحقيقي للقبه أميرا للمؤمنين، فأحيا من المجالس العلمية ونطمها ونشرها في أقاليم المملكة، وأعاد للتاريخ الهجري اعتباره، وجعل من فاتح السنة الهجرية يوما للأمة، تحتفل فيه بحادث الهجرة النيوية الكريمة، وتأخذ منه العبرة العظة، وتراجع نفسها وسيرتها وسلوكها على هدي سيرة رسول الله عليع أفضل الصلاة والسلام، وعقد أول مؤتمر إسلامي في التاريخ الحديث أن يجمع قادة المسلمين حول مائدة واحدة في الرباط، ليتدارسوا شؤون أمتهم، وأمر وحدتهم، ويعتصموا بحبل ربهم، ويتمسكوا بدينهم وبرسولهم، ودعا أمته العربية الإسلامية إلى العن اية بقبلتها الأولى وحرمها الثالث، مدينة القدس، مسرى الرسول ومدينة الأنبياء عليهم السلام، فتأسست لجنة القدس وانتخب رئيسا لها إلى اليوم، فدافع عنها وناضل في كل الأنحاء والمحافل ومايزال، كي تعود إليها سيادتها العربية والإسلامية، كما أراد الله سبحانه وتعالى، وتعود القدس بأقصاها مدينة السلام والمحبة والدين.
ولإيمانه الصادق، واعتقاده المكين، بأن صلاح هذه الأمة ووحدتها وانتصارها، لايتم ولايكون إلا بما بدئ به أمرها، من بناشها على الدين، وتطبيق شريعة رب العالمين، فقد ذكر الأمة في رحاب الدروس الحسنية في رمضان الأكرم، بالعناية بأمر الصلاة باعتبارها عماد الدين، وأساس اليقين، ووجه الشباب خاصة إلى الإلتزام بها، وا‘طى الأمر لوزارة التربية الوطنية أن تنشئ المساجد في المدارس والجامعات كي يشب أبناؤها على الدين، ويلتزموا بهدية، ونحمد الله على أن مساجد جامعاتنا أصبحت منارات ومهوى أفئدة طلبتنا، وحبذا لو زادت العناية ببقية المساجد في المدارس والمعاهد التي أخذ بعض المسؤولين يتهاونون في أمرها.
وفي ليلة القدر من السنة الفارطة، برحاب القصر الملكي، ووسط علماء المسلمين، قرر جلالته تطبيق قانون الزكاة، والعناية بهذه الفريضة وتنظيم أمر جمعها وصرفها، لتحقق المقصد الأسمى من فرضها وتشريعها، بتوفير الكفاية لمجيمعنا، والحفاظ على استقراره وأمنه من غوائل الفقر والحاجة والضغينة بين أفراده.
وفي ليلة القدر لهذه السنة، وفي نفس المكان تلقى جلالة الملك دليلا للمقتضيات العامة والتفصيلية لقانون الزكاة، الذي تعاونت عليه المجالس العلمية، ووزارة الأوقاف، ووزارة المالية، وبالرغم من عدم توزيعه إلى الآن للاطلاع عليه ومناقشته، فإ ننا نتمنى أن يكون استفاد من تجارب الدول الإسلامية التي سبقتنا في هذا الميدان، ليكون قانون الزكاة كاملا متوازنا، باعتباره فريضة الزكاة فريضة إلاهية، لها خصوصياتها وحكمتها الكبرى التي قصدها الباري تعا لى لصلاح أمور البلاد والعباد.

نماذج مؤسسات الزكاة الإسلامية المعاصرة:
لقد سبقتنا كثير من الدول العربية والإسلامية لإحياء فريضة الزكاة وتنظيم جمعها وتوزيعها، وبيان أمور وشروط مستحقيها اعتمادا على الكتاب والسنة، ولعل لجنة قانون الزكاة المغربية استفادت من نظم وقوانين هذا المؤسسات، واطلعت على تجربتها، حتى يكون قانون الزكاة في بلادنا كاملا مبرا من كل نقص، وأذكر على سبيل المثال بعض هذه المؤسسات:
-مصلحة تنظيم فريضة الزكاة في المملكة العربية السعودية.
-نظام الزكاة الباكستاني.
-نظام تدبير الزكاة في ماليزيا.
-بيت الزكاة الكويتي.
-صندوق الزكاة في المملكة الأردنية الهاشمية.
-ديوان الزكاة في جمهورية السودان الديمقوقراطية.
-بينك ناصر الاجتماعي في جمهورية مصر العربية.
-بيت الزكاة في طرابلس ولبنان الشمالي.
-قانون الزكاة في ليبيا.
-صنودق الزكاة القطري.
ولعل التجربة السعودية التي انطلقت سنة 1951 ومستها تعديلات وتطور كبير إلى أن شملت أموال مواطني مجلس التعاون منذ تأسيسه وهي تقوم على مصلحتين أساسيتين:
1- تحصيل الزكاة.
2- توزيعها.
وكذا نظام الزكاة الباكستاني الذي انطلق مع تأسيس دولة الباكستان سنة 1947، وبدأ تنفيذه وتطبيقه بانتظام ودقة قل لها مثيل، وتميز خاصة بالتنصيص عليه في صلب الدستور الباكستاني في الفصل 31 الذي ينص على: "تعمل الدولة على ضمان تنظيم فيما يتعلق بمسلمي الباكستان".
إن هذين النظامين السعودي والباكستاني لتنظيم وتوزيع الزكاة، يعتبران في رأيي أكمل وأدق نظم الزكاة في العالم الإسلامي، وقمين بنا أ ن نستفيد كل الاستفادة من تجربتهما وحسن تطبيقه ما.

الآلية المطلوبة لإدارة مؤسسة الزكاة:
أرى ضمانا لنجاح قانون الزكاة، وحسن تنظيم مؤسسة الزكاة، وإقبال الناس على تطبيق فريضة الزكاة وأدائها، أن تسند المؤسسة إلى أمفراد ومنظمات اجتماعية، ويوكل التسيير والتنظيم إلى أفراد ميسورين أتقياء، يتطوعون لهذه المهمة السامية الشرعية، وتخضع المؤسسة إلى رقابة صارمة من الدولة حفاظا على أموال الزكاة، وضمانا لانتظام الجمع والتحصيل، وفقا لما حدده القرآن الكريم لطرق تحصيل الزكاة وإنفاقها على المستحقين لها، تحقيقا للأهداف المتوخاة منها دينيا، واجتماعيا، واقتصاديا، خاصة وأن الزكاة ليست مجرد إحسان، بل هي تنظيم اقتصادي واجتماعي تشرف الدولة عليه، ومن هننا تنوب مؤسسة الزكاة عن حكومة الدولة الإسلامية حتى تتحقق الفريضة بالأسلوب الذي رسمه الدين.
ولذلك من أن تقوم مؤسسة الزكاة في بلادنا على عناصر هامة، وأسس قويمة، لابد من توفرها وهي:
-التقيد بالنص القرآني، والتوجيه النبوي فيما يخص الفئات الثانية المستفيدة من فريضة الزكاة.
-إسناد مؤسسة الزكاة إلة هيئة مستقلة تتوفر في عناصر إدارتها الأمانة، والصدق، والاستقامة، وخوف الله، في الحفاظ على أموال الزكاة، ورعاية حقوق المستحقين لها.
-تكون مصارف الزكاة مخصصة لمصارفها المعينة، ولايجوز تجاوزها أو الخروج عليها.
- تكون ميزانية مؤسسة الزكاة مستقلة عن الميزانية العامة، لارتباط هذه وتعلقها بمشاريع ومصارف مختلفة متعددة، تحقيقا لما عرف في تاريخنا الإسلامي "بيت مال الصدقات".
- محلية توزيع الزكاة، وتعني أن المسنحقين للزكاة في كل تقسيم إداري وأحق بأموال زكاته من غيرهم، من المستحقين في بقية الأقاليم والجهات الأخرى، ومازاد وفضل يحول إلى الجهة القريبة أو إلى المؤسسة المركزية للزكاة.
-يسند الإشراف والرقابة الصارمة إلى الدولة، حفاظا على أموال الزكاة من كل تلاعب أو اختلاس، وترتب أقصى العقوبات والزواجر لمن يخالف أو يخون الثقة.
- حذف مبلغ الزكاة من الضريبة على الدخل العام حتى لانظلم الناس، ونعتدي على حقوقهم.
-الاستفادة من تجارب الدول الإسلامية في مجال الإدارة والتطبيق، حتى نتفادى السلبيات والأخطاء.
إن من شأن الالتزام بهذه المبادئ والأسس الهامة، أن نجعل من مؤسسة الزكاة المغربية نموذجا يحتذى، ومثالا يقتدى، لتكون خطوة أساسية لتطبيق اقتصاد إسلامي يحقق الأهداف المقصودة من فريضة الزكاة، ويعصم مجتمعنا من كل خلل وعدم استقرار، ومن كل ظلم اجتماعي فرض المشرع الإسلامي الزكاة لتلافيه، تحقيقا للتكافل الاجتماعي، والتضامن الإن ساني، ورحمة الغني للفقير، ومساهمة الميسورين في تحقيق الكفاية والعدل، الذي هو سمة المجتمع الإسلامي وأساس استقراره.
والأمل كبير والعزم وطيد في أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله، أن تتوالى هذه القرارات السامية، والخطوات المباركة، ليتوالى تطبيق الشريعة، وإعزاز أمرها في هذا البلد الذي عز وساد منذ ساد فيه الإسلام، وأصبح هويته وملاذه، وصدق الله: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here