islamaumaroc

عمل أهل المدينة مظهر اجتهاد مالك وعبقريته.

  يوسف الكتاني

العدد 340 رمضان-شوال 1419/ يناير-فبراير 1999

ينفرد الإمام مالك بن انس الأصبحي المتوفي سنة 179/795 رحمه الله، في تاريخ الفكر الإسلامي كله، وفي تاريخ المذاهب جميعا من بين المفكرين والمجتهدين بالرياة والأستذية، لأسبقيته وعبقريته وأصالته، وللإجماع على إمامته ودينه، واقتداء الأكابر به وحاجياتهم إليه، وتحريه في العلم والفتيا والحديث، وورعه فيه وإنصافـــه(1) حتى اعتبره الشافعي: "مالك ابن أنس أستاذي، وما أد أمن علي من مالك، وقد جعلته حجة فيما بيني وبين الله"،(2)
وقال عنه عبد الرحمان بن مهدي: "مابقي على وجه الأرض امن على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من مالك"،(3) واعتبر الإمام البخار ي رحمه الله سنده أصح الأسانيد: مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وقد عده ابن سعد في الطبقة السادسة من التابعين، لكونه لم يلق صحابيا على الأرجح، روى عن الثقاة الأعلام، كأبي الزناد ونافع، وسالم بن عبد الله بن عمرو، وزيد بن اسلم، والزهري وسواهم.
وروى عنه الكثير من الرواة،÷ كابن القاسم، ونافع، وابن وهب، والثوري، والشا فعي، وابن عيينة، بل روى عنه شيوخه الكبار، كربيعة بن أبي عبد الرحمان والزهري وسواهما،(4)
ويكفي الإمام مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر به وبظهوره وعلمه، كما في حديث الإمام الترميذي وغيره، "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة،(5)
وكان ذلك هو مصداق ماقاله عنه الإمام ابن الحكار:
تأملت علم المرتضين أولي النهى
                فأفضلهم من ليس في جده لعب
ومن فقه مستنبط من حديثه
           رواه بتصحيح الرواية وانتخب
وما مالك إلا الهدى ولذا اهتدى
               به أمم من سائر العجم والعرب(6)

* منهجه في أصول مذهبه وادلته:
لقد جاءت أصول مذهب الإمام مالك وأدلته واجتهاداته تابعة من البيئة التي عاش فيها، وتعلم منها، وتكون فيها، المدينة المنورة مهاجر الرسول عليه الصلاة والسلام، ومركز دولته الإسلامية، ومهبط الوحي، ومثواه، كما كانت تلك الأصول والأدلة مرآة صادقة للصفات والخصائص والمزايا التي تميز بها مذهب مالك رحمه الله، من السماحة واليسر، والتمسك بالكتاب وبالسنة، وترك الشذوذ في العلم، وآية ذلك كتابه الموطأ الذي يجمع بين الحديث والفقه والفتيا، والذي يعتبر أول مصنف حديثي في الإسلام(7) بل أول تدوين للحديث والفقه، وأول كتاب جمع الحديث مبوبا مدونا،(8) ومنه اقتبس الأئمة المجتهدون، وعلى هديه ومنهجه سار المؤلفون من أصحاب المذاهب وأئمة ا لحديث والفقه والفكر عامة.
وسمة أخرى تضاف إلى سمات مذهب مالك وخصائصه، أن أصوله وأدلته تجعل باب الاجتهاد مفتوحا في الاستنباط والتخريج دوما، وذلك حتى لايقع بالناس ضرر وينغلق عليهم أمر دينهم، وكان هذا مظهرا من مظاهر تفوقه، وتفتح آفاقه، وكمال جوانبه  وابتكارته، وحرية أحكامه، مما جعله مذهب الحياة والأحياء الذين يجدون فيه الحلول، والاصلاح لمشاكلهم وأقضيتهم، كما ذهب إلى ذلك الشيخ أبو زهرة،(9)
ومن هنا كثرت أصوله وتنوعت أدلته حتى بلغت تلك الأصول سبعة عشر أصلا، وكان ذلك حسنة من حسناته ومزية من مزاياه الكبرى،(10) في حين أنها لاتزيد على السنة عند ابي حنيفة، ولاتعدو أربعة عند الشافعية،(11) بينما أوصلها السبكي والقرافي إلى خمسمائة ونيف(12) وحتى قال ابن تيمية: "من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول و القواعد، ولعل كثرة أصول مذهبه وأدلته وتنوعها ظلت مرآة لتنوع مشاكل الحياة التي وجدت فيها حلولها وعلاجها، وهي التي مكنت لمذهب مالك في كثير من البلاد، ووجدت فيه بغيتها ووحدتها واستقرارها في التشريع والتنظسم، وذلك ما جعل المطهب المالكي خصبا منتصرا، رابطا في بلادنا العزيزة لاينازعه مذهب آخر.
إن من بين هذه الأصول والأدلة التي تميز بها المذهب المالكي والتي كانت عنوانه ومزيته، نجد أ صلا أصيلا تفرد به مالك، وكان مظهر اجتهاده وفقهه ومنهجه، ذلك هو عمل أهل المدينة الذي يدفعنا التساؤل بادئ ذي بدء عن المقصد منه، وتعريفه، وأقيامه، وحجيته، والقائلين به، والمعارضين له، كي نصل إلى الغايات التي قصد مالك وأصحابه من اعتبار هذا الأصل وبنائه الأحكام عليه، وتفريع الفروع الفروع عنه.

* المقصود بعمل أهل المدينة ودواعيه:
كان منهج الإمام مالك رحمه الله في مذهبه وفقهه واجتهاده، أنه ياخذ بكتاب الله أولا، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيها عنده: السنة القولية والفعلية والتقرير، وماأضيف إليه صلى الله عليه وسلم من الشمائل والصفات، وتشمل كذلك فتاوى الصحابة الشاملة لقول الصحابي ومذهبه، وأقضيتم واجتهاداتهم، وهو مايعنيه في قوله، "سنة من مضى من أهل العلم"، ومنها عمل اهل المدينة، ويعني عنده:
1- ما قال به بعض أئمة الصحابة وكبار التابعين من أهل الحل والعقد، وهو ما يعبر به: ماعليه العمل عندنا.
2- مااتفق واجتمع عليه أهل الفتوى بالمدينة، من الصحابة وكبار التابعين، وممن عليهم الاعتماد، وفيه يقول: "هو الأمر المجتمع عليه عندنا".
ولقد كان عمر بن عبد العزيز يجمع فقهاء المدينة، ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها، ومالايعمل به الناس يطرحه، وكان يقال لأبي الدرداء قاضي عمر: بلغنا كذا وكذا بخلاف ماتقول، فيجيب: وأنا قد سمعته، ولكن أدركت العمل على غير ذلك، مما جعل مالكل بيني اجتهاده وفقهه على اليقين،(13)
وقد اعتمد في تلك على اسباب كثيرة منها:
" إن الدين ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى حجرها،(14)  ومااختص به اهل المدينة، من فضل العلم والإيمان، والسنة والقرآن، والمدينة، قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة ومبدأ الحلال والحرام(15)، وأنه كان يرى أهل المدينة أقرب مواقع الوحي، وهم أجدر بأن يحافظوا على ما سمعوه وشاهدوه وتعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن ماجرى عليه أهل المدينة لايبعد أن يكون الرسول اطلع عليه، وسكت عنه، وأقرهم عليه، وأن الرسول لبث في اهل المدينة عشرا يوحي إليه، وبها اقام دولته، وبنى قواعدها، ودبر شورن المسلمين.
إن صحابته بعده لم يغيروا شيئا من ذلك، تابعوا وافتدوا به في عمله وهديه.
وأن المدينة مركز الخلافة ومقرها، في عهد الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة، وهم أكثر عددا، وأوسع علما وأعلم بسلوك نبيهم.
وأن أبا بكر لما ولي الخلافة كان قبل أن يقضي بين الناس يجمع الصحابة فيما يعرض له من المسائل يقتدي، وعليها يعتمد، وكانوا مستشاريه في العلم والعمل معا، وقد تابعه عمر وعثمان واقتديا به في ذلك.
ثم جاء التابعون بعدهم، فانتهجوا نهجهم ونحوا نحوهم، وساروا على منوالهم، ناظرين إلى الدين بمنظار من سبقوهم، النص في عقولهم، والعمل شائع بين ظهرانيهم، وآثار الرسول معروفة بين صغيرهم وكبيرهم، يسمعها الأبناء من الأباء مجلين خطوات الرسول، مستحضرينها نصب أعينهم، كل ذلك يجري في المدينة، والناس شهود بعضهم على بعض.

*حجة علم اهل المدينة:
يعتبر عمل أهل المدينة أصلا من أ صول مذهب مالك، ودليلا من أدلته التي بنى عليها الأحكام والقواعد، وفرع الفروع واستنبط المسائل وخرجها، وقد كان الإمام يعتمد حجيته ويقدمه على القياس، بل الحديث الصحيح، ويحتج به، ويقدمه أيضا على خبر الواحد، لأنه عنده أقوى منه، إذ أن عمل أهل ا لمدينة بمنزلة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواية جماعة عن جماعة أولى بالتقديم من رواية فرد عن فرد كما روى عن شيخه ربيعة قوله: ألف عن ألف أحب إلي من واحد عن واحد، لأن واحدا عن واحد ينتزع السنة من ايديهم،(16)
وقد نقل الإمام في موطئه إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة(17) واستدل لذلك بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سار عليه الصحابة والتابعون من بعده، كما فعل الإمام في موقفه مع ابي يوسف صاحب أبي حنيفة،(18) وقد كان الاستدلال على حجية عمل أهل المدينة من ثلاثة طرق:
1- من طرف السنة:
وأجل ذلك وأعظمه أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وشهادته في المدينة وأهلها، وفضل علمهم وترجيحه على علم غيرهم، واقتداء السلف بهم، من ذلك ماروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم"(19)، يعني أهل المدينة.
ومارواه جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أ نه قال: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصح طيبها"،(20)
ومارواه البخاري عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون، فيتحملن بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون".(21)
وقال ابن أب ي أويس: سمعت مالكا يقول في معنى الحديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"، أي يعود إلى المدينة كما بدأ منها.(22)
2- من طرق الأثر:
فقد روى القاضي عياض في المدارك، عن مالك بن انس قال: المدينة محفوظة بالشهداء، وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها لايدخلها الدجال ولاالطاعون، وهي دار الهجرة والسنة، وبها خيار الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، واختارها الله بعد وفاته فجعل بها قبره، وبها روضة من رياض الجنة،  ومنير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لشيء من البلاد وغيرها،(23) ومن ذلك ماقاله زيد بن ثابت: إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة، وقال ابن عمر: لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيه إلى أهل المدينة، فإذا اجتمعوا على شيء "يعني فعلوه" صلح الأمر، ولكنه إذا صعق تبعه الناس، وكان همر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنة والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، لعله يعمل بما عندهم.(24)
3- من طريق العقل:
لقد استدل في أحكامه على ذلك:(25)
أ- بأن العادة قاضية بعدم اجتماع مثل هذه الكثرة من الموجودين في مهبط الوحي، الواقفين على وجوه الأدلة والترجيح، إلا عن راجح.
ب- بأن المدينة دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي، وموضع قبره، ومستقر الإسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها.
ج- وبأن أهلها شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا عارفين بأحوال الرسول أكثر من غيرهم، فبعد أن يخرج الحق منهم.
د- وبأن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، وبذلك يكون عملهم حجة على غيرهم.

* أقسام عمل أهل المدينة:
لقد ذهب المالكية وفي مقدمتهم القاضي عياض إلى تقسيم العمل على ضربين:
الله واختار له ماعنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته...".(31)
وروى أن عمر ابن الخطاب قال على المنبر: أعوذ بالله عزوجل أن أروي حديثا، العمل على خلافه.(32)
وقال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث.
وقال مالك: رأيت محمد بن ابي بكر بن حزم وكان قاضيا، وكان أخوه عبد الله كثير الحديث، رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية، قد جاءه الحديث مخالفا للقضاء يعاتبه يقول له: ألم يأت في هذا الحديث كذا؟ فيقول له اخوه: مالك لاتقضي به؟ فيقول: فأين الناس عنه؟ يعني ماأجمع عليه من العمل بالمدينة، يريد أن العمل به أقوى من الحديث.
وقال عبد الرحمان بن مهدي البصري المتوفي سنة 198هـ: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث،(33)
وبذلك يعلم أن ذهب إليه مالك من ترجيح عمل أهل المدينة على الحديث الذي لايصحبه عمل، هو مذهب السلف من الصحابة والعلماء، وكونه حجة عندهم وإن خالف الأثر، وفي ذلك يقول الشاطبي مبينا مذهب مالك:
ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك، في جعله العمل مقدما على الأحاديث، إذ كان إنما يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ماسوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث، وكان ممن أدرك التابعين وراقب أعمالهم، وكان العمل المستمر في عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في قوة المستمر(34)
وقد قيل لمالك: إن قوما يقولون إن التشهد، فاشار إلى الانكار عليه بأن مذهبهم كا لمبتدع الذي جاء بخلاف ماعليه من تقدم.
وسأله ابو يوسف عن الأذان فقال: مالك ماحاجتك إلى ذلك؟ فعجبا من فقيه يسأل عن الأذان، ثم قال له مالك: وكيف الأذان عندكم؟ فذكر مذهبهم فيه فقال: من أين لكم هذا؟ فذكر له أن بلالا لما أقدم الشام فسألوه أن يؤذن لهم فأذن لهم كما ذكر عنهم، فقال له مالك: ماأدري ماأذان يوم صلاة يوم؟ هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولده من بعده يؤذنون في حياته وعند قبره، وبحضرة الخلفاء الراشدين من بعده، فأشار مالك إلى أن ماجرى عليه العمل وثبت مستمرا، أثبت في الاتباع وأولى أن يرجع إليه، إلى غير ذلك من المسائل التي رجح فيها عمل أهل المدينة ماأجمعوا عليه، مثل سجود الشكر، والصيام عن الميت، وشجود القرآن في المفصل، وسواها من المسائل التي نص عليها في "العتيبة" وعند الشاطبي، وغيرها مما سؤكد أن العمل العام هو المعتمد على أي وجه كان، وفي أي محل وقع، ولا يلتفت إلى قلائل مانقل، ولانوادر الأفعال إذا عاضها الأمر العام والكثير.
وتأكيدا لهذا الترجيح ودعما له وعملا به، أجاب الإمام مالك عندما سئل عن سجود القرآن في المفصل، وقيل له، أتسجد أنت فيه؟ فقال: لا، وقيل له: إنما ذكرنا هذا لك لحديث عمر بن عبد العزيز فقال: أحب الأحاديث إلي مااجتمع عليه الناس، وهذا مما لم يجتمع الناس عليه، وإنما هو حديث من حديث الناس.
وأعظم من ذلك القرآن، يقول الله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات"، فلاقرآن أعظم خطرا وفيه الناسخ والمنسوخ، فكيف بالأحاديث؟ وهذا ظاهر في ان العمل بأحد المتعارضين  دليل أنه الناسخ للآخر، إذا كانوا إنما ياخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن ابن شهاب الزهري أنه قال: أعيي الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخه ومن هنا نجد أن كثيرا من المحققين والعلماء ذهبوا مذهب مالك، في اعتبار عمل أهل المدينة والأخذ به وتأصيله، لما في ذلك من الخير للعلم وللناس، كعبد الرحمان بن مهدي، وأبي بكر بن حزم قاضي المدينة وواليها، وسفيان، والزهري، وابن مسلمة، وسواهم كثير(42) وهو ماسار عليه الأمصار ألإسلامية كمصر والشام والمغرب وغيرها، كما وضح ذلك وفصل فيه القول ابن تيمية.(43)

المعارضون:
لقد تعرض منهج مالك ورأيه واجتهاده في خصوص عمل أهل المدينة هو من نحا نحوه للانتقاد والطعن، على أساس أن ماذهب إليه الإمام داخل في باب التشريع مما لا يحق له ولايجوز، لكون الله اكمل دينه، وأن القول بذلك من باب الابتداع في الشريعة إلى آخر ماذهبوا إليه، مما يتأكد منه أن هؤلاء المخالفين والمعارضين خلطوا بين عمل أهل المدينة وبين الاجماع، ومايناقض ماذهب إليه المخالفين الإمام الشافعي والسرخسي، وابن حزم، والغزالي، والآمدي وسواهم، وسنقتصر على رأي بعضهم اختصارا للقول:
1- موقف الإمام الشافعي ورأيه:
لعل موقف الإمام الشافعي من عمل أهل المدينة مر بمرحلتين:
الأولى:  ويرى فيها الأخذ بعمل أهل المدينة، واعتباره دليلا، ويتمثل هذا في تقريره بان ع لماء المدينة إذا اجتمعوا على أمر، كان ذلك الأمر موضع اتفاق العلماء في كل البلدان.
وقد أورد القاضي عياض في "المدارك" "باب فضل علم أهل المدينة وترجيحه على علم غيرهم واقتداء السلف بهم، أقوالا للشافعي تؤكد هذا المعنى، منها قوله: إذا وجدت معتمدا من أةهل ا لمدينة على شيء فلا يكن في قلبك منه شيء.
وقال: رحلت إلى المدينة فكتبت بها اختلافهم، وزاد في رواية قال: أما أصول أهل المدينة فليس فيها حيلة من صحتها.
وقال: كل حديث ليس له أصل بالمدينة، وإن كان منقطعا، ففيه ضعف(44)، "وإن إجماع أهل المدينة أحب إلى القياس".(45) فجميع هذه الأقوال تؤكد ترجيح الإمام الشافعي لعمل أهل المدينة وما أجمعوا عليه، وأنه هو الصواب، وأن أصولهم صحيحة ومعتمدة، وأن إجماعهم حجة.
كما نجد الرازي يسجل للشافعي موقفا أخر يؤكد هذا المعنى ويرجحه، في المناظرة التي جردت بين الشافعي وبين يونس بن عبد الأعلى، قال الرازي في المناقب:
روى البيهقي بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى قال: ناظرت الشافعي في شيء فقال: والله ماأقول لك نصحا، إذا وجدت أهل المدينة على شيء، فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق، وكل ماجاءك قوي كل القوة، ولكنك لم تجد له بالمدينة أصلا، وإن ضعف فلا تعبا به ولاتلتفت إليه،(46)
الثانية: وبالمقابل نجد موقفا آخر مغايرا للشافعي إزاء عمل اهل المدينة في كتابه "الأم" و"الرسالة" انتقده انتقادا مريرا وعارضه معارضة شديدة يقول:
"اعلموا أنه لايجوز أن تقولوا: أجمع الناس بالمدينة حتى لايكون بالمدينة مخالف من اهل العلم، ولكن قولوا فيما اختلفوا فيه: اخترنا كذا ولا تدعوا الإجماع فتدعوا مايوجد على ألسنتكم خلافه، فما أعلمه يؤخذ على احد نسب إلى علم أقبح من هذا، ولا تدعوا الاجماع أبدا إلا فيما لايوجد بالمدينة فيه تدعوا الإجماع أبدا إلا فيما لايوجد بالمدينة فيه اختلاف، وهو لايوجد بالمدينة إلا وجد بجميع البلدان أهل المدينة إلا مااختلف أهل المدينة بينهم(47)، وقد ضرب لذلك أمثلة:
منها مخالفتهم في القراءة في الصلاة كل مارووا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وا بن عمر، ولم يرووا شيئا يخالف ماخالفوا...إلخ،(48)
ومن ذلك يتبين أن الشافعي كان يحترم إجماع أهل المدينة إن أجمعوا لأنهم في نظره لايجمعون على امر إلا إذا كان الأمر موضع إجماع، وإنما كان موضع الخلاف بينه وبين شيخه واتباعه من المالكية في امر واحد، وهو صحة إدعاء الإجماع، فكانت مخالفته له في صحة الدعوى، وعى ذلك كان نقاشه والاختلاف بينه وبينهم.(49)
2- راي ابن حزم:
ونجد من بين المعارضين لمالك ومذهبه في تاصيل عمل أهل المدينة، ابن حزم، ولعله كان أشد المعارضين انتقادا وتحاملا على مالك ورأيه في الموضوع، حتى نعته وأصحابه بالوهم والكذب، و الخطأ والدعوى وسواها من الألفاظ والتعبيرات وهو يناقش عمل أهل المدينة في كتابه "الإحكام" معتبرا رأيهم فيه "في غاية الفساد".(50)
أ- لقد صدر ابن حزم من نفس المنطق الخاطئ الذي انطلق منه غيره من المعارضين للإمام، حيث تناوله في كتابه في "باب الإجماع" بقوله: الإجماع هو إجماع أهل المدينة،(51) وهو قول لم يصدر عن مالك ولا أصحابه، لكونهم اعتبروا كلا من الاجماع والعمل مصدرا مستقلا عن الأخر كما بينا فيما سلف.
ب- كما بني أبن حزم رأيه على أن مااعتمدوه واحتجوا به من الأحكام، فيها الصحيح وفها المكذوب، كرواية محمد بن الحسن بن زيالة وغيرها.
ج- وكون المدينة مهبط الوحي ودار الهجرة، ومجتمع الصحابة ومحل سكنى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أهلها أعلم بذلك من سواهم وشهداء آخر العمل من النبي صلى الله عليه سلم ومانسخ ومالم ينتسخ، وقد اعتبر ذلك كله لاحجة لهم في شيء منه، لأن مكة أفضل البلاد بنص القرآن، والسنة وأقوال الصحابة، وهو ليس بموجب لاتباع أهلها دون غيرهم، ولا أن إجماعهم إجماع دون إجماع غيرهم،(52)
كما أنه بالمدسنة منافقون وفساق وكذابون كما في سائر البلاد، وبذلك لايكون هناك فرق بين المدينة وغيرها، ولالتخصيص فضلائها دون فضلاء غيرها من البلاد، وهذا مالاسبيل إلى وجود برهان على صحته أبدا.
د- وأما كون أهل المدينة أعلم بأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم من سواهم، وأنهم شهدوا آخر حكمه، وعلم مانسخ بما لم ينسخ، فذلك ليس بحق، لأن أصحاب الرسول هم العالمون بأحكامه، سواء منهم من بقي بالمدينة أو خرج منها، لم يزد الباقي بالمدينة درحة في علمه وفضله، ولاحط الخارج منهم درجة من علمه
وفضله، وقد تساوي في ذلك الخارج من المدينة والمقيم كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم (53)

(1)  المدارك: 1/177 ومابعدها.
(2) النصدر السابق: 1/149و150.
(3) المصدر السابق: 1/153.
(4) المدارك: 1/117 ومابعدها.
(5) أخرجه مالك والترميذي والنسائي وا لحاكم وعياض في "المدارك" وابن عبد البر فب "التمهيد".
(6)  الفكر السامي: 2/159 محمد الحجوي.
(7)  ترتيب المدارك-الموافقات-حجة الله البالغة.
(8) انظر ذلك مفصلا في كتابنا ( مدرسة الإمام البخاري في المغرب) 1/22 ومابعدها.
(9)  مالك أبو زهرة: ص: 375و376.
(10)  إيضاح المسالك: للشيخ يحيي بن محمد المختار الشنقيطي ا لتسولي على التحفة 2/133.
(11) مالك: ص: 376 ومابعدها.
(12) طبقات الشافعية-الفروق للقرافي.
(13) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/21 ومسند أحمد 2/280و422
(14) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/21 ومسند أحمد 2/280و422.
(15)  الجامع الصغير: 6/164 (مع فيض القدير) ووفاء الوفاء 151.
(16) المدارك: 1/46.
(17) الفكر السامي: 2/166.
(18) أنظر المدارك: 1/48-49.
(19) الموطأ: 1/200 (مع تنوير الحوالك)، صحيح البخاري 3/22.
(20) صحيح البخاري: 3/21- الموطأ2/204-202- المدارك 1/33.
(21) صحيح البخاري: 3/21 وفاء الفاء 1/29.
(22) المدارك: 1/38.
(23) المرجع السابق: 1/34و35.
(24) المرجع السابق: 1/39.
(25) الأحكام: للآمدي 1/42 ومابعدها.
(31) انظر نص الرسالة كاملا في المدارك: 1/41-43.
(32) المدارك: 1-45.
(33) المصدر السابق: 1/44-45.
(34) انظر الموافقات.
(42) المدارك: 2/44و46.
(43) الفتاوى: 20/312 زمابعدها.
(44) المدارك: 1/40و41.
(45) تلمصدر السابق: 1/58.
(46) مناقب الشافعي للرازي.
(47) ألم: 7/188 الطبعة الأميرية.
الرسالة: ص: 334 طبعة الحلبي.
(48) المصدر السابق: 7/188 ومابعدها.
(49) مالك: ص: 283.
(50) اإحكام: 4/202-218 علي بن حزم-منشورات دار الآفاق الحديثة بيروت سنة 1400/1980 بعناية الدكتور إحسان عباس.
(51) المصدر السابق: 4/202.
(52) الإحكام: 4/203و204.
(53)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here