islamaumaroc

[كتاب] نسيم الرياض في شرح شفا القاضي عياض تأليف شهاب الدين بن محمد الخفاجي المتوفى سنة 1069 ه

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 340 رمضان-شوال 1419/ يناير-فبراير 1999

في خزانة القرويين أجزاء متفرقة من هذ الكتاب ترجع إلى مخطوطتين وقع الاختلاط بين أرقامهما في السجل الخاص بالمخطوطات، وفي فهرس مخطوطات خزانة القرويين الذي وضعه الأستاذ محمد العابد الفاسي رحمه الله.
واقدم النسختين هي التي انتسخها المسمى محمد بن عطاء الله المصلحي من أصل المؤلف، وكان الفراغ من نسخها يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر عام ثلاثة وثمانين وألف هجرية حسب ماهو مكتوب بآخر ورقة من الجزء الأخير المسجل بالخزانة تحت رقم 1749
أما مايوجد من النسخة الثانية فإنه قد نسخ عام 1105هـ وهو لايحمل اسم ا لناسخ ويتعلق الأمر بمجلدين مسجلين مع مجلد من النسخة الأولى تحت رقم واحد هو 1089.
ونظرا لأهمية هذا الكتاب فقد طبع في استانبول عام 1267 هجرية في عهد الدولة العثمانية في أربعة أجزاء ضخام، وتداولته الهيآت العلمية، واتفظت به المراكز الثقافية والخزانات العامة والخاصة، وتوجد من هذه الطبعة نسخة بخزانة القرويين تحت رقم: 40/318.
وبالمقارنة بين الكتاب في طبعته وبين النسخة الأولى المخطوطة تبين لنا أن المخطوطة ينقصها شيء يسير من أولها، وأن اول مايوجد منها يتعلق بالفصل الخامس من الباب الول من القسم الأول، وهو الفصل الذي تحدث فيه القاضي عياض عن قسم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبه يبدأ المجلد الذي اشرنا إليه من قبل حينما ذكرنا أنه مسجل مع السفرين الموجودين في النسخة الأخرى.
وبعد ذلك نجد جزءا مسجلا تحت رقم: 1854 يوافق أوله بعضا من الفصل المتعلق بأسمائه صلى الله عليه وسلم، ثم يقع بتر وينتهي عند الفصل المتعلق بخصائصه صلى الله عليه وسلم ويستمر الكتاب إلى نهايته حسب الأرقام التالية: 1992-1748-1757-1749، ويتضح من هذه الأرقام أن تسلسل الكتاب لاينسجم مع ترتيبه العددي، وهو ماأشرنا \غليه من قبل.
ولاشك أن الاطلاع على هذه النسخة سيفيد كثيرا أهل العلم في التحقق من مضمون الكتاب نظرا لكونهامنقولة من أصل المؤلف، وسيساعد الباحثين على المقابلة بينهما وبين ا لنسخة المطبوعة التي تسربت غليها بعض الأخطاء المطبعية رغم حرص ناشرها على ان تكون سالمة من تلك الأخطاء.
ومن المعلوم أن قيمة هذا الكتاب ترجع أولا إلى موضوع متنه، ذلك أن كتاب " الشفا في التعريف بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم" من أهم كتب القاضي عياض فهو قد وضعه في حقبة من الزمن كان المسلمون أحوج ماكنوا إلى التعريف بالسيرة النبوية على صاخبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وإلى إبعاد كل الشوائب التي علقت بها عن طريق الفرق الباطنية، ووضعها في قالب يربطها بالأصول السليمة لتقتبس من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وأخبار الصحابة وتأويلات المجتهدين من حملة الفقه والحديث واللغة، ومن أهل التفسير وأرباب المعاني.
وإذا كان القاضي ع ياض لم يهمل كثيرا من التأويلات والترجيحات فإن شهاب الدين الخفاجي في شرحه هذا حرص كل الحرص على الربط بين تلك التأويلات والإشارات وبين مصادرها المختلفة، وأعانه على ذلك تبحره في العلوم اتلإسلامية والعربية بحيث يمكننا أن نعتبر الخفاجي أحد العلماء الموسوعيين ذوي الخبرة الكبيرة بكتب التفسير والحديث واللغة، فهو كما يظهر في تقريراته وتحليلاته ملم بقواعد اللغة بالأصول وبالتاريخ، وبمعرفة طريقة الجدل والحوار وأساليب المناظرات، وكان يعمد- رغم مايظهر من التطويل في تقريراته-إلى الاكتفاء بالإشارات إلى بعض كتبه التي تحدث فيها عن الموضوعات المتحدث عنهوا حتى لايطيل فيها، كإشاراته مثلا إلى حاشيته على تفسير البيضاوي المسماة "عناية القاضي وكفاية الراضي" وكإشارته إلى شرح "درة الغواص" للحريري وإلى كتاب "السوائح" وإلى كتاب "طراز المجالس" وغيرها.
وقد اشاد كل الذين ترجموا له بقدرته العلمية وكفاءته المتجلية في مختلف مؤلفاته، فقد وصفه الإمام محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي الحنفي في كتابه: "خلاصة الآثر في أعيان القرن الحادي عشر" بقوله:
"هو أحمد بن محمد بن عمر قاضي القضاة الملقب شهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي، كان في عصره بدر سماء العلم، ونير أفق النشر والنظم، رأس المؤلفين، ورئيس المصنفين، سار ذكره سير المثل، وطلعت أخباره طلوع الشهب في الفلك، وكل من رأيناه أو سمعنا به ممن أدرك وقته معترفون له بالتفرد في التقرير والتحرير وحسن الإنشاء:
ومما جاء في الترجمة التي وضعت له في صدر كتاب عناية القاضي أثناء طبعه أنه توفي رحمه الله يوم الثلاثاء لاثنتيي عشرة خلت من شهر رمضان سنة تسع وستين وألف، وقد أناف على التسعين، وكان توفي قبله بثلاثة أضهر الفقيه الكبير محمد بن أحمد الشوبري اللقب بالشافعي الصغير فقال فيهما السيد الأديب أحمد بن محمد الحموي ا لمصري يرثيهما وكان قرأ عليهما:
مضى الإمامان في فقه وفي آدب
                 الشوبري والخفاجي زينة العرب
وكنت أبكي لفقد الفقه منفردا
                  فصرت أبكي لفقد الفقه والأدب
هنا وإن شرحه لكتاب القاضي عياض كان في الواقع تحليلا عميقا، ومراجعة لكثير من الشروح التي سيقته، فهو قد كان يشير إليه موافقا أو مخالفا، وأشار إليها مجملة في أول كتابه حيث قال:
" فلما رأيت له شروحا ربما تنشرح لها الصدور، وإن لم تخل قصورها المشيدة من قصور، وفي بعضها أغليط وتطويل ممل وتخليط".
"فسودت بعض الأمالي، رجاء لأن تبيض بها صحف أعمالي، فيسر بها كاتب اليمين، وترفعها أيدي الكاتبين، فلما رآه بعض الأصحاب، سألني أن ابرز مخدراته من خلف الحجاب الخ..."
وهو في شرحه قد تعرض لهؤلاء الشراح والمعلقين الذي نذكر منهم على سبيل المثال:
1- ألإمام السيوطي المتوفى سنة 911هـ فىي كتاب "مناهل الصفا في تخريج أ حاديث الشفا".
2- أبا عبد الله محمد بن علي التلمساني الحسني في شرحه "المنهل الأصفى في شرح ماتمس الحاجة إليه من ألفاظ الشفا"، وقد فرغ من تأليفه في شهر صفر من سنة 917هـ.
3- تقي الدين أبا العباس أحمد بن محمد الشمني القاهري المتوفى سنة 871هـ في شرحه المسمى " مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا".
4- عبد الله بن محمد التونسي التجاني الذي كان حيا عام 717هـ في كتابه " الوفا ببيان فوائد الشفا".
وإذا كانت جل هذه الشؤوح تختص ببعض الجوانب المتعلقة بالأصل فإن الخفاجي حاول في شرحه أن يستوعب النص كاملا، وأن يتتبعه بدقة، وأن يربط بينه وبين الأعمال التي قام بها الذين سبقوه، فكان بسبب ذلك كتابا جامعا لشتى التأويلات التي سار عليها الأولون، موافقا لهم في بعض ماقرروه حينا، ومخالفا لهم حينا آخر، معتمدا في ذلك على النقول الصيحية، وعلى الاستخدام العقلي إذا اقتضى الأمر ذلك.
ويمكننا من خلال تت بع شرحه هذا أن نطله على المنهج الذي سار عليه أ ثناء القيام به، ويمكن تحديد بعض ملامحه فيما يلي:
أولا: في اعتماده في المنقولات على كثير من المصادر والمراجع القيمة سواء ف يما يتعلق بتفسير الآيات أو بتفسير الأحاديث، أو بتتبع كتب اللغة والتاريخ والأدب، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه المراجع والمصادر فيما يأتي:
- ففي التفسير: يرجع إلى الزمخشري، والرازي، والثعلبي، وابن عطية، وابن المنير، والبيضاوي، وغيرهم.
- وفي كتب المعاني ومجاز القرآن: يرجع إلى الراغ بالأصفهاني، وإلى عبد السلام، وغيرهما.
- وفي الحديث ينقل عن "صحيحي" البخاري، ومسلم، ويستدل بما جاء في "مقدمة" ابن الصلاح، وبعض كتب اتلحديث الأخرى.
- وفي اللغة: يرجع إلى المعاجم المتداولة، "كالقاموس" و "المصباح" و"المحكم" و"مثلثات" ابن السيد و"المقصور" و"الممدود" لأبي علي.
- وفي النحو: يرجع إلى أشهر الكتب فيه ككتب ابن مالك والأزهري.
- ومما أ شار إليه في الأدب: شرح الجواليقي لكتاب "آدب الكاتب" لابن قتيبة، وأشار في القراءات إلى كتاب "المحتسب" لابن جني.
- وفي السيرة: إلى السهيلي في "الروض الأنف" وإلى " سيرة ابن إسحاق".
- وفي التصور إلى كتب الغزالي "" كالإحياء ومشكاة الأنوار".
- وفي الفقه: إلى بعض كتب ابن تيمية وإلى كتاب لم يصنف في بابه مثله وإن فيه أمور غير مسلمة".
ثانيا: الإشارة إلى بعض كتبه التي ألفها قبل هذا  الشرح ليرجع إليها للتوسع في بعض الموضوعات وذكر منها على سبيل المثال: "حواشيه على تفسير البيضاوي". و"شرحه للدرة"، و"رسالة المصدر"، و"كتاب السوائح"، و"طراز المجالس".
ثالثا: عنايته بترجمة الأعلام الواردين في الأصل سواء كانوا مجرد رواة أو كانوا من أعلام الأدب والتاريخ، وقد اعتمد في ذلك ع لى "كتب الطبقات" و"كتب الت راجم" وأهم مايستفاد منه في هذا المجال م اقام به من تعريف لكثير من الذين ذكروا بألقابهم أو كناهم لأن البحث عنهم أصعب من البحث عن الذين ذكروا باسمائهم العادية.
ومن الأمثلة على ذلك أنه جاء في كتاب "الصفا" أن أبا سعيد الخدري روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول، تدري كيف رفعت ذكرك؟ فقلت: الله ورسوله اعلم، قال إذا ذكرت ذكرت معي.
قال ابن عطاء: جعلت تمام الإيمان بذكرك معي.
- وهنا قال الخفاجي (ج 1- ص: 159): لم يسم المصنف رحمه اللع تعالى ابن عطاء، فلم يدر ما  مرادع به، لأن المشهور به إثنان، فلذا قال التلمساني:
هو أبو عبد الله محمد بن عطاء شيخ وقته، وهو مات كما قال القشيري سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وقال الشمني: إنه أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء اتلزاهد البغدادي الأدمي، وجزم بأن المراد هذا الشارح الجديد لأن المشايخ قالوا: إن له لسانا في فهم القرآن يختص به وكان صاحب الجنيد.
رابعا: الإفصاح عمن ذكروا مبهمين عند القاضي عياض بلفظ (قال بعضهم)، أو (حدثني ثقة)، أو ما أشبه ذلك فهو يحرص على ربط هذا المبهم ببعض الروايات الأخرى التي تفصح عن اسمه،
ومن الأمثلة على ذلك أنه جاء في كتاب "الشفا" في الفصل الأول من الباب ألأول من القسم الأول أثناء تفسير قوله تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"  (التوبة 128) أن أبا الليث السمرقندي قال (ج 1 ص: 103): وقرأ بعصهم من أنفسكم ( بفتح الفاء) وقراءة الجمهور (بالضم)، وهنا قال الشهاب مايأتي:
والواو في قوله وقرأ من "المحكي" فهو معطوف على مذكور في أصله، وفي عبارة "المصنف" على مقدر وفي "المحتب" لابن جني أنها قراءة عبد الله بن قسط المكي...وهذه القراؤة شاذة كما يعلم من نسبة الضم للجمهور، وعزاها بعضهم لابن محيصن، وروتها فاطمة عنه صلى الله عليه وسلم".
وبعد ذكر المزايا الت ي تظهر من خلال هذه الآية في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم قال: قال بعضهم: أعطاه اسمين من أسمائه: رؤوف رحيم، وهنا تدخل كعادته في الإفصاح عن المراد من قوله ( قال بعضهم)، فذكر أن القائل لذلك هو الحسين بن الفضل.
خامسا: عنايته بتخريج الأحاديث النبوية، وذكر درجاتها صحة وحسنا، ويرجع في الغالب إلى ترجيحات السيوطي رحمه الله فهو مثلا يجد القاضي عياض يذكر في كتبه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا، فيعلق على ذلك بقوله: ( ج 1 ص: 132): هذا الحديث صحيح متنا وسندا رواه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: إذا أراد الله تعالى رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا بين يديها وإذا أراد هلكة أمة من عباده أحيا نبيها فأهلكها وهو ينظر فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره، وهكذا في النسخ بتقديم الفرط، ووقع في بعضها مؤخرا وكأنه من الناسخ، والذي في مسلم بإضافة رحمة لأمة مخالف لما في "الشفا"، فقول المخرجين أنه حديث مسلم لايخلو مافيه، فلعله رواه من طريق آخر إلا أن يقال أنه رواه بالمعنى واقتصر عل بعضه".
وكان أحيانا ينبه إلى ضعف بعض الأحاديث الواردة في كتاب "الشفا"، ومن ذلك تعقيبه على الحديث الذي أشير فيه إلى أن عليا كرم الله وجهه سأل ريول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته: فأجابه بقوله ( ج 2 ص: 161): المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، ولاصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة، فقد قال الشارح: هذا الحديث ذكره في "الإحياء"، وقال الحافظ العراقي: إنه لاأصل له، وقال السيوطي رحمه الله تعالى: إنه موضوع، وآثار الوضع لائحة عليه، وهو يشبه كلام الصوفية.
سادسا: كان يعني في الشرح بذكر الفروق بين الكلمات المتقاربة في المعنى: كالخلاف، والاختلاف، والرأفة، والرحمة، والعفو، والغفران، وماأشبه ذلك.
وفيما يأتي ذكر ماجاء من الفروق حول هذه الكلمات السابقة.
فهو مثلا يقول أثناء التحدث عن اختلاف المفسرين ما يأتي (ج 1 ص: 106): والخلاف والاختلاف متقاربان، إلا أن علماء الحنفية فرقوا بينهما كما ذكره الخصاف في "أدب القضاة"، فقال الخلاف: ماوقع في محل لايجوز فيه الاجتهاد، وهو م اكان مخالفا للكتاب والسنة والاجماع، والاختلاف بخلافة بأن يكون في محل يجوز فيه الاجتهاد، فالأول لو حكم به قاض، ورفع لغيره يجوز له فسخه بخلاف الثاني، وهذا معنى قولهم خلاف لااختلاف.
وأما بالنسبة إلى الرأفة والرحمة فإنه يقول: ( ج 1 ص: 114): والرأفة مع الرحمة حيث وقعت مقدمة لاللفاصلى كما قاله القاضي ومن تبعه لوقوعه كذلك في الحشو، كقوله تعالى: "رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها " (الحديد: 27)، بل لأن أصل معنى الرافة: التلطف والشفقة، ويقابلها العنف والجبروت، كما يسهد له كلام فصحاء العرب كقول قيس الرقبات:
ملكه ملك رأفة ليس فيه
             جبروت لهم ولاكبرياء
لذا قدمت على الرحمة بمعنى الإنعام كما في المثل الإيناس قبل الامساس، والذي غرهم قولهم في كتب اللغة الرافة أشد الرحمة ما في الصحاح وغيره، والرحمة في كلامهم بمعنى رقة القلب في حق البشر، وهي في حقه تعالى بمعنى الإنعام، أو إرادته نظرا لغايتها، وقد قلت هذا بطريق البحث.
ثم رأيت الإمام القرطبي قال في شرح الأسماء الحسني مانصه: قال الله تعالى: ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) ( سورة الحديد-الآية: 27)، وحيث ذكر هذان الوصفان قدم الرؤوف على الرحيم في الذكر، وسببه أن اتلرحمة في المشاهدة إنما تحصل بمعنى المرحوم من فاقته، وضعفه، وحاجته، والرأفة تطق عندنا على مايحصل الرحمة من شفقة على المرحوم، وقال المشايخ الرؤوف المتعطف الذي جاد بلطفه ومن يعطف انتهى "فحمد الله تعالى على موافقة الصواب".
وأما مايتعلق بالعفو والغفران فقد قال ( ج: 1- ص: 192): قد ورد العفو الغفور في أسماء الله عزوجل، وتغاير مفهومها واشتقاقهما مما لاشبهة فيه، ثم بعد ذلك قيل: إنهما متساويان وهو المشهور.
والتحقيق أن بينهما فرقا من وجوه منها م انقله الإمام الفاضل القرطبي رحمه الله في شرح الأسماء الحسنى عن بعض العلماء أن الغفران ستر لايقع معه عقاب وعتاب، والعفو إنما يكون بعد عقاب أو عتاب فإن استعمل في غيره فهو بطريق المجاز".
سابعا: الاستئناس بالشعر، إما تأييدا لمعنى، أو تأكيدا لاستعمال، وهو في ذلك قد يسشهد بأشعاره التي نظمها في الموضوع المناسب، أو يستشهد بشعر غيره.
فمن النوع الأول: قوله وهو في بلاد الروم متشوقا لمصر ( ج: 1- ص: 363):
لحديث نيلك مصر أمسي مصغيا
              حتى يخوضوا في حديث غيره
ياكوثرا إن سد عنه مسمعي
              ألقاه فيه قد جرى بخريره
وقوله أثناء تحدثه عن كتاب "الشفا" وعن كون السلف كانوا يبتركون بقراءته، ويعتبرونه امانا لهم ببركة سيدنا محمد صلى اله عليه وسلم مايأتي:
يارب ظهري مثقل بالعنا
          وما أقاسي من شديد الجفا
والمتن قد كل وصدري به
          ضيق فوسعه بشرح الشفا
ومن النوع الثاني: ماذكره أثناء تحدثه عن  الرؤيا وأنواعها، فقد ذكر منها نوعا لايفسر ويعرف بأضعاث الأحلام وقال عنه: إنه يأتي من الشيطان، ومن عوارض بدن الإنسان كمن غلبت عليه الحرارة فرأى نارا توقد عنه، أو البرودة فرأى ماء وبحرا، وكذا من غلب فكره في شيء، كما قال المعري (ج : 2- ص: 6):
إلى الله أشكو أنني كل ليلية
           إذا نمت لم أعدم خواطر أوهامي
 فإن كان شرا فهو لابد واقع
       وإن كان خيرا فهو أضغاث أخلام
ومن الاستدلالات التي ذكرها في شرحه قول ابن زيدون (ج: 2 – ص: 11):
أرى الدهر إن يبطش فمنك يمينه
              وإن تبسم الدنيا فأنت لها ثغر
عطاء ولامن وحلم ولاهوى
           وعلم ولاعجز وعز ولاكبر
ومنها قول ابن الفارض في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال:
وعلى تفنن وأصفيه بحسنه
         يفنى الزمان وزفيه مالم يوصف
ثامنا: حرصه على غزالة الالتباس مما يوهم التناقض، ويظهر ذلك مثلا في محاولة الموافقة بين ماجاء في الرغبة في اليسر وبين ماجاء في الرغبة في المشقة.
فقد قال القاضي عياض في فصل الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة والصبر على مانكره من الباب الثاني من القسم الأول مايأتي ( ج : 2 – ص: 15): حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي وغيره، قالوا: حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبيد الله، حدثنا يحيي ابن يحيي، حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عورة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ماخير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما، فإن كان إثما كان ابعد الناس منه، وماانتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن انتهك حرمة الله فينتقم لله بها.
ولما رلأى الشارح أن هذا الحديث قد تقابله أحاديث تفضل المشقة وتحبذها قال: فإن قلت هذا مناف لما ورد أن أفضل العبادة أحمزها، أي: أشقها على البدن، فكيف نختار غير الأفضل، قلت: إنما كان صلى الله عليه وسلم يوثر الأيسر لأمته، تخفيفا عليهم، لافي حق نفسه لأنه أرسل بالحنفية اتلسمحة، ولذا كان صلى الله علايه وسلم يقوم حتى تورمت قدماه، ويؤيده في نفس الأمر قوله في عجز الحديث أنه صلى الله عليه وسلم: ماانتقم لنفسه، يعني، أن التخبير بين الإثم وغيره من العباد يتصور، وأما منه فلا، والمراد بالإثم مالايليق به صلى الله عليه وسلم لعصمته كما إذا خير بين ملك كنوز الأرض وعيش الكفاف، (ج: 2 – ص: 16).
تاسعا: دقته في تحديد المصطلحات، ويمكن الاستدلال على ذلك بما جاء في التعليق الذي كتبه أثناء التحدث عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أشار القاضي عياض إلى حديث الأشعريين الذين كانوا عند قدومهم المدينة يرتجزون:
 غدا نلقي الأحبة
              محمدا وصحبه
فقد قال شهاب الدين ( ج: 3 – ص: 404):
يرتجزون أي ينشدون شعرا من بحر الرجز وتمامة مستفعلين ست مرات ومجزوه أربع، وهذا ليس منه، وإنما هو من الوافر والهزج، وقيل إنما سماه رجزا لمشابهته له لتقارب أجزائه وقلة  حروفه، ولعل العرب كانت تطلق على يقوله الركبان من الأوزان القصيرة رجزا، وماذكروه من تخصيصه بهذا الزون اصطلاح حديث بعد الخليل رحمه الله تعالى...ثم قال: والذي يظهر لي أن هذا كله تكلف لاحاجة إليه فإنه هنا بمعناه ومنه المرتجز اسم فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحسن صهيله و صوته، وكون المصنف لايخفى عليه مثل هذا سوء ظن به".
عاشرا: تعرضه لاختلاف بعض الأحكام الفقهية الناتجة عن الاختلاف في تأويل الألفاظ أو تأويل الأحداث.
فمن النوع الأول ماجاء في تحديد الهم الذي يواخذ به الانسان، فقد ذكر القاضي عياض أثناء إشارته إلى استحياء كثير مما يكتبه القصاص من أخبار الأنبياء دون اعتماد على نقل صحيح ماورد في تفسير قول الله تعالى في قصة يوسف: ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) سورة يوسف، (ج: 4 – ص: 230) فقد قال: "مذهب كثير من الفقهاء والمحدثين إن هم النفس لايؤاخذ به وليس سيئة لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه: إذا هم عبدية بسيئة ولم يعملها كتبت لهخ حسنة، فلا معصية في همة إذن.
وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة، وأما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه، وهذا هو الحق فيكون-إن شاء الله- هم يوسف من هذا ويكون قوله: "وماأبرئ نفسي" الآية: أي ما أبرئها من هذا الهم، أويكون ذلك منه عن طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي وبرئ.
وهنا يتدخل الخفاجي ليذكر أن الخلاف في المؤاخذة بالهم ناتج عن اخت لاف النصوص، وأن ا لتوفيق بينها ماقاله الغزالي من:
"أن أول مايرد على القلب كرؤية امرأة على الطريق مالت لها ا لنفس ويسمى حديث النفس وخاطرا".
والثاني: مايتولد منه من الرغبة وإعادة النظر وهو الميل الطبيعي.
الثالث: حكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل، وينبغي إعادة النظر.
والرابع: التصميم على ذلك، وترك الصوارف عنهّ: كالحياء.
والأول لايؤاخذ به لأنه يدخل تحت الاختيار، وكذلك هيجان النفس والميل والشهوة لأنها ليست اختيارية وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: عفي عن أمتي ماحدثت به نفوسها "وهو الخواطر التي لايتبعها هم وعزم، والاعتقاد وحكم النفس بأنه ينبغي أن يفعل فيكون اصطراريا ولايؤاخد به، واختياريا فيؤاخذ به، والرابع يؤاخذ به، فإن لم يفعل نظر فيه، فإن تركه خوفا من الله وندما على همة كتبت له حسنة لمجاهدته لنفسه، وإن تركه لعائق وعذر خوف من الله كتبت عليه وفي الحديث مايدل على هذا التفصيل، وهو كلام حسن، وهم يوسف كان عزما وتصميما منعه عنه خوف ربه فهو حسنة لا معصية...
ومن النوع الثاني: ماأشار إليه إثر شرح الحديث النبوي المتعلق ببيان أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أقاد من عكاشة قال القاضي عياض وهو شيخ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح، قد حاذت ناقتي ناقتك فضربت خاصرتي بقضيبك، ولاأدري أكان ذلك عن قصد، أو غير قصد فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: خذ قضيبي هذا واضرب إن كنت ضاربا، فقال: ضربتني وأنا حاسر عن بطني، فكشف له رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه فقبله،ة وقال له: فداك أبي وأمي من يطيق أن يقتص منك؟ فقال له: إما أن تضرب أو تعفو، فقال: قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني في القيامة فقال صلى الله عليه سلم: من سره أن ينظر على رفيقي في الجنة فلينظر على لهذا.
فقد تعرض الخفاجي في كتابه أثناء التعليق على هذا الحديث إلى حكم ا لفقه في القصاص بالضربة والطمة، وذكر أن ابن القيم الجوزية قال في كتابه "المعالم" أن الشافعية والحنفية والمالكية و الحنابلة قالوا بأن الضربة واللطمة لا قصاص فيها شرعا، وإنما فيها ا لتعزيز، إلا أنه ذكر أن النصوص تقتضي أن يكون فيها القصاص، وعليه همل الصحابة رضي الله عنهم لقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عل يه بمثل مااعتدى عليكم) وهو هدي الرسول صلى الله عليه .
إلا أن الخفاجي لم يرتإ ماذهب إليه ابن ا لقيم، ورأى أن قول الفقهاء أسلم، وذكر أنه هو مقتضى القياس لأنه لايمكن ضبطه، وقد يوجد فيه تفاوت كمن ضرب شخصا على عينه ولم يضر بصره فربما تخرج عينه ضربة القصاص ثم قال وإنما فعله الصحابة رضي الله عنهم لوثوقهم بعدم تجاوز أفعالهم فلا نقيس أنفسنا عليهم، فلا وجه لم اقاله ابن القيم رحمه الله.
وهكذا نجد الشارح لم يقتصر في عرض الأحكام على النقل المجرد، ولكنه كان يحرص على التعليل والمقابلة واستغلال الملابسات ا لمتعلقة بها سواء كانت مرتبطة بشرح الألفاظ كما هو الحال بالنسبة للنوع الأول، أو مرتبطة بتأويل الواقع كما هو الحال بالنسبة للنوع الثاني.
وفي الكتاب أمثلة متعددة صالحة للاستفادة منها في كلا المجالين السابقين.
وعلى كل حال، فإنه قد اتضح لنا مما قدمنا أن هذا الشرح الذي وضعه الخفاجي لكتاب "الشفا" يعتبر مرجعا هاما في الثقافة الإسلامية، تنظيرا وتطبيقا، وهو في الوقت ذاته يعد حافزا للهمم بحيث نجد ا لقارئ له يشعر بقوة هذا الشارح الذي يجول في فنون شتى من ضروب العلم والأدب فيرجو الافتداء به، والاطلاع على مااطلع عليه، والسير على منواله، نظرا لكونه يجمع بين عمق التحليل، وقوة الاستدلال، وسمو المعرفة، ودقة المقارنات، والموازنات، فهو بحق يعد من خيرة العلماء في القرن الحادي عشر، ولن ينساه التاريخ أبدا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here