islamaumaroc

[كتاب] التوشيح لبردة المديح، تأليف محمد بن المعطي العمراني الدادسي

  خالد بن الحبيب الدادسي

العدد 340 رمضان-شوال 1419/ يناير-فبراير 1999

• تمهيد:
محمد بن المعطي بن أحمد بن محمد الشيخ بن يوسف العمراني(1) (1245 -2969هـ) فقيه جليل، ومؤرخ محقق، وشاعر فحل، وناقد مدقق، دادسي الأصل، بدليل قوله "...نسبتنا إلى السادات العمرانيين النازلين بدادس ببلد القبلة. فجاء أسلافه إلى بلد السراغنة بتساوت من الشط الشرقي مما يلي مدينة دمنات..."(2) وهذا مالم تشر إليه محققة فهرسته عند ذكر نسبه(3)
اشتهر بفهرسته القيمة الضخمة "حديقة الأزهار في ذكر معتمدي من الأخيار" التي ضمنها ترجمته وتراجم شيوخه ومقروءاته ومروياته، وبعض أشعاره البديعة، وبعض اختياراته الأبية الموفقة، مصحوبة بنظرات نقدية نظرية، وتطبيقية سديدة-سنعود إليها فيما بعد-، فجاءت الفهرسة بحق روضا زاهيا من رياض الأدب، غير أن تحقيقها لم يكمل بعد.
وله ورقات في فقه الزكاة، وهي عند حفدته بمراكش حسبما أخبرني بذلك شيخي الجليل العلامة محمد المنوني بارك الله في عمره، وهي من الأثار التي لم يرد ذكرها عند من ترجموا به.
وله أيضا كناشا(4) جمع فيها منظومات علمية وأشعارا مغربية: منها ديوان اليوسي، ومقصورة المكودي، وبعض قصائد المؤلف.
كما خلف محمد بن المعطي كتاب التوشيح لبردة ا لمديح، الذي لم تدرسه الباحثة شريفة حافظي في رسالتها الجامعية(5)، ولم تشر إليه على الرغم من قيمته  الكبرى كمصدر من مصادر النقد الأدبي التطبيقي للشعر في مغرب القرن الثالث عشر للهجرة.
من هنا  أتت فكرة التعريف بهذا المصنف ودراسته . ومن شأن هذه الدراسة كشف وجه جديد ومشرق من وجوه شخصية محمد بن المعطي الناقد، وإبراز منزلته العلمية الرفيعة، وبعث التراث النقدي الوطني الغميس.
هذا، وقد ارتاينا-استغلالا لهذزه الفرصة الطيبة-الإشارة إلى مااشتملت عليه فهرسته حديقة الآ زهار من وقفات نقدية هامة-على  قلتها-نظرية وتطبيقية وهي الغالبة.
فلنبدأ إذن بالتوشيح، ثم ننتقل إلى الحديقة فيما بعد، مركزين على قضايا الشرح الشعرية ونمهجه واتجاهه ومميزاته مرجئين ا لحديث عن المصطلح النقدي إلى مناسبة أخرى لصعوبة تتبعه في كتاب ضخم كالتوشيح.

• موضوع الكتاب وطبيعته وعنوانه:
موضوع كتاب التوشيح شرح بردة البوصري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل سبب اختيارها دون غيرها انتشارها وشهرتها لصدقها وصفائها وحسنها وبلاغتها وانسجامها مع ميولات الشارح واهتماماته الدينية...وفي ذلك يقول المؤلف: "مما شاع في الأفاق والأقطار وانتشر ضوء النهار، قصيدة الشيخ المحقق العارف بالله، الإمام، من ألقت المحاسن إليه بالرسن والزمام، الحهبذ البليغ المهام، محمد بن سعيد البويصري، المعروفة بالبردة المغزولة على الصدق والصفا، التي حوكت ونسجت على قد المصطفى صلى الله عليه وسلم ما حن رسم عفا، وكانت مشتملة على معان جمة دقيقة، ونكت بيانية ولطائف رقيقة، منها مايدرك بالذوق السليم، وينبئ عنه الطبع المستقيم، ومنها ما يستبد به ذو العلم اللساني، ويقوم بوظيفته النحوي والبياني، تحتاج إلى الحل والتفسير، والبسط ومزيد الإيضاح والتقرير".(6)
وقد جاء الشرح كبير الحجم، ضخما سمبكا، مسهبا مطنبا، مفرطا في العناية بأحداث السيرة النبوية العطرة، وبقضايا التصوف، خلافا لما ورد في خطبة الكتاب حيث قال المصنف: "وقد تصدى لشرحها غير واحد من الشيوخ أئمة التحقيق أولي الثبت والرسوخ، بيد أن منهم من أفرط في الإيجاز، حتى انخرط كلامه في سلك الألغاز، ومنهم من اعتنى بمواد اللغة فأسهب، واغتنى عن السيرة النبوية فأكثر من البديع وأطنب، وهي متداولة بين الخاصة والعامة، وبشرح مناسب للفن تكون الأغراض منها تامة، فاستخرت الله تعالى في وضع شرح عليها يكون بسيطا وسيطا، وبزبدة الشروح والتقارير محيطا"(7)
واهتمام الشارح البالغ بسرد أخبار الرسول ومغازيه، ربما مرده اشتغاله بالتأريخ والتوثيق والرواية...والناقد لايطمح أكثر من أن يكون عمله توشيحا لدرة البويصري اليتيمة، وتزيينا وتطريزا وتنميقا لها لجلال قدرها، " وسميته التوشيح لبردة المديح"، هذا مع غوص الفكرة وجمود القريحة، وتبدل
الطباع، فأنى لي بالمعاني الصحيحـــــة(8) وهذا تواضع منه كبير لايصدر إلا عن كريم ابن كريم، وذوق جمالي رفيع لاينبع من نفس شاعرة.

• دواعي التألف ومنهجه:
أما الداعي إلى التألف، فديني محض كما بفهم من كلام المؤلف "والباعث عليه خدمة النبي عليه أكى الصلاة و التسليم، والتشبث بأذيال ذلك الجناب العظيم..."( 9)، وهذا لعمر باعث جليل، قلما ألفيناه في شروح عدة-سبق لنا دراستها-صنفت إما بدافع ذاتي أو لغرض تعليمي-وماأكثرها-أو بأمر سلطاني...، وماهذا الحافز الديني على ناقدنا بغريب، أليس هو العلامة الفقيه؟!
 وأما بناء الكتاب، فجاء مألوفا، لايخرج عما هو متداول في مناهج التأليف في الغالب، وهكذا تضمن المصنف "مقدمة: تشتمل على فصول:
الأول: في التعريف بالناظم.
الثاني: في كيفية قراءة القصيدة وشرائطها.
الثالث: في فضائلها وسبب إنشائها"(10)
ثم يلي هذه المقدمة متن الشرح فخاتمة في فضل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وماورد في ذلك من آثار...

• وصف المخطوط:
رقمه بخزانه الرباط العامة 2901 د، حجمه كبير، مقايسه 23 على 18 سنتم، وسمكه ضخم، يبلغ عدد صفحاته سبعة وعشرين وثمانمائة (817) صفحة، في كل صفحة ثمانية عشر (18)   سطرا مكتوبا بخط مغربي مقروء جميل وبحروف كبيرة وواضحة، فقد رسمت ألفاظ اللبردة بلون أحمر قان، وخط التعليق بحبر أسود غربيب.
بالمخطوط خروم كبيرة في الوسط، وعلى هوامشه وقفات هي بمثابة عناوين فرع ية مع إضافات قيلية إلى المتن، فرغ من تبييضه يوم الخميس ثاني رجب سنة اثنين وتسعين ومائتين وألف (1292هـ)، ولعل ناسخه هو مؤلفه نفسه قبيل وفاته بأربع سنو ات، فنحن إذن  أمام نسخة أصلية.

• قضايا شعرية: 
لابد من الإشارة في البداية إلى قلة القضايا الشعرية ومحدوديتها في ال شرح بسبب اهتمام الشارح بالجانبين التار يخي والصوفي في القصيدة. مما جعل حظ الأدب في الشرح ضئيلا، كما يلاحظ اجترار نفس القضايا القديمة المتداولة لدى الشراح السابقين إلى حد الابتذال خصوصا عند الشراح الفقهاء، أو عند شرح قصيدة دينية-ربما لارت ياطها بالدين أو لوجود رأي للدين فيها- الأمر الذي أضفى على شروحهم  نوعا من التشابه، ووسمه بميسم التكرار والتقليد، وربما كان تكرار الموضوعات ذاتها دلالة على كونها لازالت مثار اختلاف، وأن النقاش لم يحسم بعد فيها...
ومن جملة هذه القضايا ابتداء الفصيدة بالحمدلة والتصلية، وعنها يقول محمد بن المعطي معلقا على مطلع بردة البويصري: "إعلم أنه اشتهر ابتداء هذه القصيدة ببيت هو:
الحمد لله منشئ ا لخلق من عدم
                          ثم الصلاة على المختار في القدم
فيكون الناظم لم يفته الابتداء بالحمدلة والتصلية، لورود الآثار بالإبتداء بهما، قال: وليس هو منها، وإن كان ثنائي حسنا في ذاته، لآن ابتداء القصيدة-القصائد بذلك غير مستحسن عند الأدباء، لما جرت به عادتهم من افتتاح قصائدهم بذكر لوازم العشق من ذكر الأحبة وديارهم، ومقاساة الأحزان والأشواق، وتحتمل مكاره البين والفراق، ويسمونه غزل وتشبيبا (...)، على اننا لانسلم أن الأمر في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لايبتدأ فيه باسم الله فهو أجدم"، وفي رواية بالحمد لله، مصروف إلى الإبتداء بها كتابة، بل يدل على الذكر اللساني، والناظم وإن لم يكتبهما، فإنه تلفظ بهما كما هو المتعين من حال أمثاله"(11)، فمحمد بن المعطي كما تبين-يجوز استهلال الشعر بحمد الله-مستدلا بالحديث النبوي-سواء تلفظ الشاعر بها أو لم يتلفظ، ومن ثم فابن المعطي يؤيد البويصري في اختياره ويؤثر رأي الفقهاء على عادة الأدباء لتأثره بالدين.
كما أثار محمد بن المعطي قضية مفهوم التشبيب، والفرق بينه والغزل والنسيب من غير إبداء رأيه الشخصي فقال: "قال سعد الدين: "قال الواحدي: معنى التشبيب ذكر أيام الشباب واللهو والغزل، وذلك يكون في ابتداء القصائد، فسمي ابتداء كل أمر تشبيبا وإن لم يكن في ذكر الشباب، وقد فرق الشيخ عبد اللطيف البغدادي في شرح "بانت سعاد" بين النسيب بتقديم النون على السين المهملة على وزن أمين وبين الغزل والتشبيب، ففسر الأول بأنه ذكر الشارح أحوال النساء وخلقهن وتصريف أحوال الهوى معهن، والغزل بأنه الأحوال الجارية بين المحب والمحبوب، والتشبيب بأنه الإشاعة بذكر المحبوب وصفاته ومحاسنه"(12) شبيه تماما بتعريف الشيخ عبد اللطيف البغدادي لمصطلحي الغزل والتشبيب مجتمعين.

• منهج الشرح:
1  النقد المقدماتي:

ويشمل التعريف بالنلظم، والحديث عن كيفية قراءة القصيدة وشرائطها، وذكر مناسبتها وملابسات نظمها، وبيان فضلها وقيمتها، وسبب تسميتها، وكل هذه العناصر تمثل القسم الأول من دراسة النص، وهو قسم التقديم والتعريف والتأطير، الذي يعتبر في رأينا موطئا وغالبا مايكتسي التأطير طابعا وصفيا استعراضيا تعريفيا، في حين يرتدي قسم الشرح لبوسا تفسيريا تحليليا.
1- التعريف بالشاعر:
ترجم ابن المعطي في مقدمة توشيحه بالشاعر البويصري، فذكر-بعد تحليته بالفقه والإمامة والعلم والتصوف-أسمه ولقبه وأصله ونسبه ونزله، وحدد تاريخي ولادته ووفاته، وأشار إلى رحلته إلى مصر وتلاميذته وبعض آثاره فقال: "هو الفقيه الإمام العالم الصوفي شرف الدين، أبو عبد الله محمد بن الفقيه الإمام أبي عثمان سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله الصنهاجي الحمر ي البجائي الأصل، نزيل بويصر، من أرض مصر، ومعروف بالبويصري، ولد سنة ثمان وستمائة ببجاية، وارتحل عنها مع أبيه إلى المشرق، فاستوطن بويصر وكان يؤم بجامعها الأعظم، وكان فقيها إمام عالما عارفا بالعربية والأدب والسعر والأصول، له الباع المريد في علم التصوف، موصوفا بالصلاح، وتوفي عام اثنين وتسعين ستمائة، كما للجادري في شرحه، وذكر الفاسي في شرح الهمزية أنه توفي سنة خمس وتسعين، فعمره على هذ القول سبع وثمانون سنة، أخذ عن العارف بالله أبي العباس احمد بن عمر المرسي الأنصاري، وهو عن القطب الكبير والغوث الشهير مولانا ابي الحسن الشاذلي الحسن، وهو عن القطب الهمام غوث الأنام مولانا عبد السلام ابن مشيش الحسني، انظر(لطائف- المتن)، وممن أخذ عن الناظم أبو حيان وأبو الفتح بن سيد اتلناس، والعز ابن جماعة وغيرهم، وله امداح عجيبة كالهمزية وغيرها...".(13)
مايلاحظ على هذه الترجمة المقتصدة أنها موثقة، وهذا من حسنات ابن المعطي، وإن كان الاعتماد على كتنب التراجم ف ي هذا الباب أوجب عليه من الشروح.
 كما يلاحظ تركيز المترجم على الجا نب الصوفي، سواء في تحليلة المترجم به، أو عند ذكر علومه ومعارفه، أو أثناء التعريف بأساتيذه، وهي أخيرا ترجمة ذات صبغة علمية ومنظور متكامل.
2- تقديم القصيدة:
أ- تسميتها: أول ماينبغي لملتقي النص الشعري معرفته التسمية إن كان له اسم، غذ مفتاح فهم القصيدة وتذوقها إدراك موضوعها أو غرضها وعلة وجودها العلم بعنوانها، ولاشك أن ابن المعطي قد فطن لهذا الأمر، ولعله سبب ذكره له" مبينا اختلاف العلماء في تسمية قصيدة البوصيري دون أن يرحج كفه على اخرى حيث قال: "اختلف في تسميتها: فقال بعضهم اسمها برءة بضم الباء مع الهمزة لأن المؤلف برئ بها، من تسمية السبب باسم المسبب، والتي حقها أن تسمى بردة بالدال هي بانت سعاد، قصيدة كعب بن زهير، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه عليها بردة حين أنشدها بين يديه، وقال بعضهم: إسمها بردة بالدال، لأنهزا في المعنى كسوة شريفة قرضت على قد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر فيها مدائحه عليه السلام، فسميت الصفات باسم الكسوة، لأن الصفات بتمامها استوعبت بدنه عليه السلام مثل الكسوة، وقيل بردية بياء النسبة، لأن المؤلف قرأها حين الإتمام على النبي صلى الله عليه وسلم، فألبسه صلى الله عليه وسلم بردته الشريفة فشفي بها، فسميت بردية قاله عمر بن أحمد الخربوتي في شرحه المسمى عصيرة الشهدة، شرح قصيدة البردة(14)
والراجح أن ابن المعطي يميل إلى تسمية القصيدة بردة، كما جاء في تعريفه بموضوع  سشرحه آنفا، فراجعه، وحقها في نظري أن تسمى برءة من تسمية السبب باسم المسبب، ولوجود قصائد أخرى جيدة قرضت على قد المصطفى كذلك، ولكون هذا الأخير إنما مسح بيده على جسد ابن المعطي، كما سبقت الإشارة ولم يلبسه شيئا.
3: سبب إنشائها: 
من جملة الأمور التي مهد بها ابن المعطي تفسيره لبردة البوصيري ووجه بها نظر متلقي النص، بيان مناسبة القصيدة حيث قال نقلا عن الناظم نفسه "قال ناظمها شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري رحمه الله: سبب إنشائي لهذه القصيدة أني كنت أصابني خلط فالج، عجز عن علاجه
كل معالج، فأبطل نصفي، وتحيرت إذاك في وصفي، فلم انتفع بنفسي، وقاربت حلول رمسي، فسنح في خاطري في ساعة سعيدة أن أمدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة  مستشفعا بها إلى الرب الجليل، لعله يخفف عني ويمن ببرء عبده العليل، فأنشدتها بهذا الغرض، وأديت لنفسي ذلك الحق المفترض، فتمت بعض الليالي، فرأيت البدر المتلألي، رسول الرحمة، الرؤوف بهذه الأمة، فسمح بيده الشريفة على جسدي السقيم، فعاملني سبحانه ببركة ذي القدر العظيم، وخرجت صبيحة فراغي من نظمها مابي بن بأس، فإذا أنا في الطريق إذ لقيني من كنت أعرفه من بعض الناس، فقال لي: أحب أن تسمعني القصيدة التي مدحت بها المصطفى، المبنية على صدق المحبة وكمال الصفا، فقلت إني مدحته بقصائد كثيرة، فما تريد من تلك الأمداح المنيرة؟ فقال لي أريد التي اولها: أمن تذكر جيران بذي سلم، فقلت له: ومن أين عرفتها وماكتبتها لأحد بقلم، ومانطق بها لسلني، وإنما لهجت بها في فكريوجناني؟! فقال سمعتها تنشد بين يدي الحبيب، وهو يتمايل عليه الصلاة والسلام تمايل القضيب، فناولته إذاك إياها، وعلمت أن لها شأنا به يجلو سناها، فذهب الرجل بها وذكر ما جرى بيني وبينه للناس، فبلغ ذلك الوزير بهاء الدين  فوقعت منه الموقع، ونذر أن لايسمعها إلا مكشوف الراس، وكان يكثر من تردادها، ويصغي لسماعها وإنشادها، وكان يتعاهدها وهو وأهله وعياله، فشاهد من بركتها مانمى به دينه وماله...."(15)
نالفت انتباهي في هذه القصة الطويلة هو طابعها العجائبي وشكلها الغرائبي الخارق للعقل والمنطق، خصوصا في صاحب البوصيري على سؤال هذا الأخير، بأنه سمع البردة تنشد بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ورآه يتمايل عند سماعها.
هذا، ولقد أحسن ابن المعطي حيث قص علينا خبر نظم القصيدة على لسان صاحبها نفسه، حرصا منه على التوثيق والتحقيق جريا على عادة المؤرخين الثقات. غير أن محقق ديوان الوبصيري ينفي تماما إصابة هذا الأخير بالفالج، وإنما أصيب بكسر في ساقه، كما صرح بذلك في شعره، كما ينفي إلقاء الرسول بردة عليه(16)

4- فضلها وقيمتها:
بيان فضائل القصيدة ومحاسنها وفوائدها من المحفزات الأساسية للإقبال على قراءتها، وهو من المهام الرئيسة التي يجب على الناقد الاضطلاع بها، وهذا مافعله ابن المعطي ببردة البوصيري بقوله: "فهذه القصيدة معروفة البركات، يتوسل بها في قبول الدعوات، ودفع الأزمات، وقضاء الحاجات، وإبراء المرضى وذوي العاهات، وهي مع ذلك في جودة نظمها، وفصاحة لفظها وأسلوبها العجيب، قد بلغت الذروة  العليا والغاية القصوى، كما يدريه الماهر اللبيب، بحيث لاتقاس بمثال، ولا ينسج مثلها على منوال"(17) إلا أن سيد كيلاني-محقق الديوان-يبطل بركتها(18)، فلو كان لها نفع حقا لاحتمى بها صاحبها من الفقر والتكسب بالشعر...
وإذا كانت لهذه القصيدة بركات كما يزعم ابن المعطي! فلا شك أن شارحها ودارس شرحها ينتفعان إن شاء الله بها ايضا، ويكتب لهما ثواب عملهما خيرا وفضلا. هذا ولم تفت الشارح الإشارة إلى قيمتها الفنية وإن أغفل بيان قيمتها المعرفية.
د- كيفية قراءتها وشرائطها: من بين العناصر التي أثارت استغرابي في مقدمة الشرح وخالف فيها ابن المعطي سابقيه-فيما أعلم-هذا العنصر الذي لايخلو من مغالاة وتقديس في تقريض القصيدة وتقييمها حيث يقول: "فصل في كيفية قراءتها: قال ا لخربوتي في شرحه: إعلم أنه يلزم في قراءتها على الوجه المرضي شروط لتكون مئثرة فيما قرءت له:
أولها: التوضؤ وثانيها: استقبال القبلة، وثالثها: الدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها ورابعها: كون القارئ عالما بمعانيها، لأن الدعوات إذا لم تكن القارئ  عالما بمعانيها لايكون لها تأثير، كما أشار له أبو الحسن في مقدمة حزبهخ الأعظم بقوله: "فعليك بحفظ مبانيه والتأمل في معانيه". وسادسها: حفظها. وسابعها: أن يكون القارئ مأذونا بقرائتها
من أهلها. وثامنها: قراءتها مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن بالصلاة التي صلى بها الإمام البوصري وهي: 
مولاي صل وسلم دائما أبدا
           على حبيبك خير الخلق كلهم
وتاسعها: الصلاة  بتلك  الصلاة  في تمام  كل  بيت "،(19)
فاشتراط التوضؤ واستقبال القبلة، والاستئذان بالقراءة ثم التصلية، فيه  تكلف  وعنت  وجرح،  وهي  شروط  بعيدة  عن النص  الشعري ،  ولاتليق  إلا  بالخطاب  الإلهي  المنزه  المطهر ، وهذا  ماذهب  إليه  سيد  كيلاني  أيضا .(20)

2  مستويات الشرح:
لهذا الشرح ثلاث مستويات ظاهرة وهي:
1- المستوى المعجمي:
تقوم تقنة ابن المعطي في التفسير اللغوي على شرح  الألفاظ، كل لفظ من كل بيت على حدة، أما نوع التفسير الغالب على الشرح، فهو التفسير المعجمي، ومن أمثلتة قوله في شرح فعل (همتا) من البيت التالي:
 فما لعينك إن قلت أكففا همتا
               ومالقلبك إن قلت استفق يهم
"همتوا من الهميان وهو السيلان، فعل ماض وفاعله وأصله هميت، قال في المصباح: همى الماء هميا من باب رمى، سال، زاد في القاموس الهميان قلبت الياء ألفا فصار همى، ثم حذفت الألف للالتقاء الساكنين وتاء التأنيث، وتحريك التا ء لأجل الألف عارض، والجملة جواب الشرط، وحذف الناظم المحول، والأصل هما.
دمعها فحول الإسناد عن الدمع إليهما وأتى به تمييزا ثم حذفه،(21)
ومن القضايا اللسانية التي اثارها هذا الشاهد الحديث عن بنيه الفعل وأصله وتحديد وزنه....
وفيما يتعلق بطبيعة المعلومات الواردة في المستوى المعجمي، فهي معجمية كلها، إلا ما اقتضته طبيعة اللفظ والاصطلاح من معلومات خارجة عن السياق المعجمي.
وإذا تأملنا في لغة لالتعريفات، فإننا سنجدها سهلة واضحة، فصيحة مبنية، ماهي  بالمقتضية ولاهي بالمسهبة....
هذا، وتأتي الأبيات الشعرية غير المنسوبة غالبا في طليعة شواهده في هذا المستوى من الشرح، تليها الأيات القرآنية الكريمة، ويبقى مصباح الفيومي وقاموس القيروز آبادي المرجعين المعتمدين عند ابن المعطي بكثرة مع الإستعانة أحيانا بصحاح الجوهري وكشاف الزمخشري.
وتتخلل  هذا الباب وقفات نحوية وإعرابية من كل اسم وفعل أو حرف أو جملة واردة في البيت المشروح، كما في المثال السابق.
2- المستوى الدلالي:
وهو ما أسماه الشارح بـ: "معنى البيت" أو محصل معنى البيت، "فائدة" "تنبيه".
ومن أ مثلة هذا المستوى قول ابن المعطي في تفسير معنى البيت أن المعنى جرد من نفسه شخصا مزج دمعه الجاري من مقتله بالدم، وخاطبه بذلك مستفهما عن سبب مزج الدمع الجاري من مقتله بالدم ماهو: هل ذكر الجيران المقيمين في ذي سلم، أي الموضع المسمى بذلك، والسلم شجر معروف ينبت في هذا المحل الذي بين مكة والمدينة، أو هبوب الريح من جهة كاظمة؟ فأدخل الهمزة على احد المتعادلين وأم على الآخر، ووسط بينهما مالايسأل عنه، وهو مزج الدمع بالدم كقوله تعالى: "قل إن أدري أقريب ماتوعدون أم يجعل له ربي أمدا؟) وعبر بقوله جيران، ولم يقل أحباب، والوزن يساعده فرارا من اللفظ المبتذل، لأن أحباب لفظ مبتذل لايستعمله إلا ضعفة الشعراء، والقوي العارضة منهم يجتنب الألفاظ المبتذلة.
وجرى الناظم على مذهب الشعراء من الكناية عن وطن المحبوب باسم سواه، ويتخرجون من تعيين الإسم والقبيلة والحي، إما للستر عن المحبوب أو غيرة عليه أو خوف الرقباء أو حفظا على وقار المحب، فإنه إذا كان متصفا بالوقار، كان حذره على الاطلاع عليه آكد، وقد أكثروا من الكناية بذي سلم، واستعملوه أكثر من غيره، قال:
                    ما ساعفتني الليالي بعد بعدهم
                                       إلا ذكرت ليالينا بذي سلم
وأما مزج الدمع بالدم فقد أكثر الشعراء فيه كقوله:
                     بكيت دما يوم النوى فمسحته
                                        بكعي فأحمرت بناني من دم
وتقدم أن دمع السرور بارد، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما ظننت أحدا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر فعل ذلك حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرةـ، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في صحبته والهجرة معه، قالت عائشة: فرأيت أبا بكر تجري دمرعه على خده من شدة الفرح، فقال الشاعر:
                           ورد الكتاب من الحبيب بأنه
                                           سيزورني فاستعبرت أجفاني
                          غلب السرور علي حتى كأنه
                                           من فرط ما قد سرني أبكاني
وقول الرب في الدعاء للمخاطب أقر الله عينك، معناه أعطاك حتى تقر عينك، فلا تطمح لغرض ولا تتشوق لمقصد بعد حصولك على جميع أغراضك وبلوغك أقصى أمنيتك، أو المعنى أعطاك الله حتى تقر عينك من القر بالفتح وهو البرد، والأمم بالضم أي تبرد عينك من الفرح والسرور.
(...) تنبيه: قال العصام: كلمة ذي إن كانت صفة لنكرة تضاف لنكرة، وإن كانت بالعكس فبالعكس، والفرق بين ذي وصاحب، أن الإضافة في ذي يكون المضاف فيها أشرف من المضاف إليه، كما في قوله تعالى: "ذو العرش المجيد" وفي صاحب بالعكس، يقال أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولايقال ذو النبي صلى الله عليه وسلم انتهى"(22)
هكذا نلاحظ إذن أن ابن ا لمعطي بعد أ ن أوضح معاني البيت الشعري ذكر بعض ما ورد فيه من محاسن التعبير وجميل الألفاظ مثنيا على البوصيري، كما اشارإلى جملة من المعاني المتداولة بين الشعراء وهي: الكناية عن وطم المحبوب باسم سواه، والكناية بذي سلم ومزج الدمع بالدم، مما يمكن أن يدرج فىي مبحث القضايا الشعرية.
وتتقدم الأبيات الشعرية غير الموثقة في الغالب شواهد الشارح في هذا المستوى الدلالي، وبقيتها بحسب الترتيب الزمني لحسان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والشافعي وأبي مدين التلمساني، وابن الفارض، وابن رشيد وبن يجبش التازي، وعبد الرحمان المكودي، ومحمد المعطي وغيرهم، تليها الأحاديث النبوية الشريفة، فالآيات القرآنية الكريمة، ثم الروايات أخيرا، بعضها للأصمعي...
أما مراجعه فغزيرة جدا نقتصر فيها على ماله علاقة وطيدة بموضوع القصيدة ومضامينها الرئيسة وهي: فتح الباري لابن خجر-سيرة ابن إسحاق-الشفا لعياض-عصيرة الشهد-شرح قصيدة البردة للخربوتي- شرح البردة للجاديري-شرح الهمزية لابن زكري...إضافة إلى مراجع مكملة، نذكر منها: الإحياء،والمنقد من الضلال للغزالي-الطبقات وجمع الجوامع للسبكي-تفسير البيضاوي-ترتيب المدارك لعياض-شفاء الصدور لابن سبع-الاستيعاب لابن عبد البر-التشوف للتادلي-الفروق القرافي-شرح الوغليسية لزروق....
 3- المستوى البلاغي:
وهو المستوى الأخير في الترتيب يتلو المستوى الدلالي مباشرة، وإن لم يميزه عنه بعنوان خاص، ولا يشمل كل ابيات القصيدة، وإنما بعضها فقط، ومن أمثلته قول الشارح في التعليق على البيت التالي من البردة:
                    ولاأعدت من الفعل الجميل قرى
                                        ضيف ألم برأسي غير محتشم
"في البيت من نكت البيان استعاره الضيف للشيب، وترشيحها بالقرى الذي شأنه أ ن يقدم للضيف عند حلوله كما مر، وفيه التضمين البياني، فإنه ضمن في بيت المتنبي في ذم الشيب حيث قال:
                    ضيف ألم برأسي غير محتشم
                                       والسيف أكثر وقعا منه في اللحم
وهو كما في التلخيص أن يضمن الشاعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن ذلك مشهورا عند البلغاء، إلا أن وصف الشيب بعدم الاحتشام في بيت المتنبي أوقع وأليق بالمقام، إذ جاء به المتنبي في معرض الأنفة منه، وساقه مساق الكراهة وعدم الرضا عنه، فناسب وصفه بعدم الاحتشام، بخلافه في بيت الناظم، فإنه تأسف على عدم الاستعداد له بما يليق من البر والتوفية بحقه، فوصفه إياه بعدم الاحتشام مع خجله من عدم إكرامه له غير مناسب"(23)
وننتقل فيما يلي إلى نموذج آخر نحو قول ابن ا لمعطي معلقا على بيت البوصيري:
                ولاالتمست غنى الدارين من يده
                                  إلا التمست الندى من خير مستلم
"خرج الناظم بهذا الكلام مما هو فيه من المدح بالكرم والندى إلى نوع أخر من المدح، وهو إثبات الخيرية على كل من أهل الاستدلال، وقامت به أوصاف الكلام، وهذا الأسلوب عندهم يسمى بالتعليق، وفيه أيضا براعة المطلب، وهي كما قال الزنجاني في كتاب المعيار، أن يلوح بالطلب بألفاظ عذبة خالية عن الإجحاف مقترنة بتعظيم الممدوح، تشعر بها في النفس دون كشف، ولذا قال القائل:
إذا أتنى عليك يومــــــا
          كفاه من تعرضه الثنــــاء(24)
يستخلص من الشاهدين ا لمذكورين أن طريقة الشارح في الدرس البلاغي-وإن كانت غير مطردة في كتابه-تقوم على عنصرين أساسيين:
أولهما: التعريف بالفن البلاغي مع ضرب المثال.
ثانيهما: ذكرة المرجع المعتمد في التعريف.
هذا، وقد يتجاوز الناقد أحيانا مستوى الكشف والبيان على مستوى الموازنة والتقييم، كما فعل في المثال الأول، حيث انتقد البوصيري وانتصر المتنبي.
ويعتبر الشعر  في مقدمة شواهده في هذا الباب.
أما مراجعه فهي التلخيص للخطيب القزويني، والمعيار للونجاني، وهذا الأخير غير متداول بين الباحثين فيما أعلم.
3- المقياس النقدي:
يظهر لنا من بعض النصوص المذكورة آنفا أن ابن المعطي ينحو منحى أخلاقيا في أحكامه وتصوراته ومواقفه النقدية، دليل ذلك الإشارات التالية:
الأولى: في حديثه عن دواعي تأليف الكتاب حيث قال: "والباعث عليه خدمة ا لنبي عليه أزكى الصلاة والتسليم، والتشبث بأذيال ذلك االجانب العظيم..."(25)
الثانية: في كلامه على كيفية قراءة القصيدة، حيث اشترط التوضؤ واستقبال القبلة والتصلية على الرسول عليه السلام.
الثالثة: في موقفه المذكور من ابتداء الشعر بالحمدلة والتصلية حيث قال: "اعلم أنه اشتهر ابتداء القصيدة ببيت هو:
                               الحمد لله منشئ الخلق من عدم
                                                 ثم الصلاة على المختار في القدم
فيكون الناظم لم يفته الابتداء بالحمدلة  والتصلية لورود الآثار بالابتداء بهما"(26)
ومما يؤكد احتكام ابن المعطي إلى المعيار الديني نظرته إلى وظيفة الأدب، وكذا طبيعة اختياراته الأدبية الواردة في حديثه الأزهار كما سنرى بعد قليل.
* اتجاه النقدي:
يحسن بنا-في ختام هذا البحث في كتاب التوشيح-تب يان اتجاه ابن المعطي النقدي من زاوية طبيعة هذا النقد، حيث نلاحظ من خلال آرائه النقدية الأصلية وشواهده المطبوعة ومراجعه المتواثرة، ميله إلى التيار التقليدي المحافظ، اما على مستوى الوظيفة فيمثل ابن المعطي الاتجاه الذي يولي الأو لوية لفهم ا لنص بدليل تركيزه على وظيفة التفسير والإيضاح والبيان في خطبة شرحه وعنايته بالمستويين المعجمي والدلالي في متنه...
* مميزات الشرح:
كما سبقت الإشارة، فإن مما يميز شرح ابن المعطي الإسهاب والإطناب، سبب ذلك كما قلنا آنفا الإفراط في سرد وقائع السيرة النبوية والعناية البالغة بالبحث في مسائل التصوف، وكل ماهو عجيب وغريب وخارق مثل حديثه عن كرامات البوصيري وبركات البردة، وتلك خاصية أخرى من خصائص الشرح تضاف إليها ميزة التوثيق، سواء بالإكثار من الشواهد والأمثلة، أو بذكر المراجع و الكشف عن المصادر المعتمدة.
غير ان ما يدعو للتساؤل هو قلة استشهاد ابن المعطي بأشعاره على الرغم من كونه شاعرا، وتقديمه الشواهد الشعرية على النصوص الشرعية في جميع مستويات الشرح، علاوة على خاصية التأريخ، إذ هي صنعته، وتتمظهر في اهتمامه بالترجمة، وبيان سبب النظم ونحو ذلك.
ولربط الخاص بالعام، نقول بأن ما جرى على شرح التوشيح من أحكام لايختص به وحده، وإنما يسري على جل شروح القرن الثالث عشر ا لهجري من اجترار للقضايا النقدية القديمة، وجمع بين التفسير والتحليل والتقييم، والمزاوجة بين النقدين النظري والتطبيقي، والعناية البالغة باللغة وعلومها حسبما خلصت إلى ذلك الباحثة شريفة علوي حافظي في رسالتها الجامعية(27)
ونستريح بعد هذه الجولة مع التوشيح في الحديقة لما حوته من أزهار نقدية بديعة وأشجار أدبية باسقة.
فمن وقفات ابن المعطي النظرية حديثه المستفيض مثلا عن فضل الأدب، منه قوله: "اعلم أن من أجل العلوم قدرا، وأفضلها محاسنا وذكرا، علم الأدب الذي به يفخر الإنسان، ويحصل على المآثر الحميدة والخصال الحسان، علم به يحسن الاعتناء، ولايحسن عنه الاغتناء فعلى اللبيب أن يكتب رائقه، ويحفظ منه فائقه، فينشد في كل حالة مايليق حالا، فإن لكل مقام مقالا، ومن أبدع الأدب وأعلاه، واطيبه وأحلاه، ماأودع اللبيبنثره ونظمه، من مثل سائر وحكمة، وأيضا فإن النفس ملول، والأذن مجاجة، وفي التلون والانتقال تطيب لها وتنشيط..."(28)
فالأدب في تصور ابن المعطي تربية وتهذيب، وإرشاد وتوجيه، وتلك لعمري وظيفة اخلاقية، والأدب الحق ماأتى مناسبا للمقام، كثير التضمين، آخذا من كل شيء بطرف.
 وهذا مفهوم تراثي للأدب، وهو المفهوم الذي نرتضيه، ولمزيد الاطلاع على نقد ا بن المعطي النظري، انظر حديثه عن المثل الشعري(29)، وحديثه عن الجودة والصدق(30)، وكلامه على ابيات المعاني والألغاز.(31)
ومن وقفاته التطبيقية قوله مثىلا في شرح غريب ألفاظ مطلع رائيته في تقريض صحيح مسلم: (من بحر البسيط)
هذا صحيح الإمام الناقد النضر
                والسنير الفرد بين البدو والحضر
"فقوله الناقد: هو كما قال في المصباح من نقدت الدرهم نقدا من باب قتل، والفاعل ناقد، والجمع نقاد، مثل كافر وكفار، إذ نظرتها لتعرف جيدها.
وزيفها، وقوله النضر بفتحتين، وبالضاد الساقطة، الذهب أو الفضة قاله في القاموس، وقوله السنبر بالراء آخره كجعفر، العالم بالشيء، المتقن له، قاله في القاموس أيضا".(32)
بالموازنة بين هذا النص ونظيره المذكور سابقا من كتاب التوشيح، نلاحظ أن منهج ابن المعطي ف ي دراسة المعجم ثابت قار لايتغير، سواء من حيث نوع التفسير أو طبيعة المعلومات أو ماهية لغة التعريف أو الشواهد أو المراجع.
ومن امثلة ملاحظاته البلاغية قوله في التعليق على لاميته في رثاء والده، وإن كانت نظراته التقدية في التوشيح أوفى وأبلغ مما هي عليه في الحديقة.
يقول ابن المعطي: (من بحر الطويل)
                 فأين ملاذ الطالبين إذا انطووا
                                  ومن مورد الظمآن إذ هو سائل؟
"قولي: ومن مورد الظمآن، فيه تورية، بالمعنى القريب: من يروي العطشان، والبعيد، أين مورد الظمأن؟ أي التأليف المعروف للإمام الخراز في رسم الخط أي أين من يتقنه..."(33)
وإليك نموذجا من نظراته العروضية.قال معقبا على ميميته في الشوق إلى الوطن، هذا مطلعا مبينا بحرها وتشكيلاته محددا حروف القافية.
 ايا قاصدا دمنات عج نحو بلدتي
                 وسلم ويصحبنك منها سلامها
" القصيدة من الطويل من الضرب الثاني، مقبوض كالعروض، فإنه لايستعمل إلا مقبوضا على ما مشى عليه الخزرجي، وقيده بعض الشراح بما إذا لم تكن القصيدة مصرعة، وإ لا فيستعمل تام العروض كقول امرئ القيس":
قفا من ذكرى حبيب وعرفان
                ورسم عفت أياته منذ أزمان
والميم في القصيدة روي، وحركتها مجرى، والألف قبلها ردف، والهاء بعدها وصل، وحركتها نفاد الألف بعد الهاء خروج كما تقرر في علم القوافي"(34)
فهذه إذن شواهد من وقفات ابن المعطي ا لنقدية التطبيقية مقتطفة من الحديقة، وهي على قلتها-كما تبين-أزهار منوعة.
ولنشر الآن إلى اختياراته الأدبية من خلال فهرسته لما تحمله من دلالات نقدية هامة، هذه المنتجات التي هي اشبه ما تكون بجوالات الحسن اليوسي في
محاضراته. هذه المختارات تعتبر-كما قلنا- مؤشرا ايضا على المعيار النقدي المعتمد عند ابن المعطي، ويكفي أن نلقي نظرة على عناوين بعض فصول الحديقة ليتبين لنا مذهب صاحبها، فقد أورد  أشعا را في الحض على الإنفاق والتوكل على الله والصبر ونحو ذلك(35)، وعقد فصلا في مقالة العرب بحسب الأجود وألأصدق منها(36)، وآخر في المواعظ والوصايا والرقائق(37) من أيات وأحاديت ومأثورات، وكل ذلك يؤكد مما لايدع مجالا للشك ما ذهبنا إليه في أحكامه ويتجه إتجاها محافظا في نقده.
والحمد لله أولا وآخرا.

(1) انظر ترجمته بتفصيل في مايلي:
-"إتحاف المطالع" عبد السلام بن سودة ج: 1، ص: 192.
- "الأعلام" الزركلي ج: 7، ص: 106.
- "الأعلام" عباس بن إبراهيم ج: 7، ص: 29 الطبعة الملكية.
- "حيقة الأزهار" محمد بن المعطي. تحقيق: مارية البحصي ج: 2، ص: 398 ومابعدها رسالة مرقونة محفوظة بخزانة كلية آداب الرباط.
- "دليل كؤرخ المغرب الأقصى" عبد السلام بن سودة ج: 2، ص: 297.
- "السعادة الأبدية، محمد بن الموقت المراكشي ج: 1، ص: 91.
- "فهرس الفهارس" عبد الحي ا لكنايا ج: 1، ص: 361.
- "المجد الطارف والتالد" محمد الأمين ا لصحراوي ص: 199-200.
- "المصادر العربية لتاريخ المغر ب" محمد المنوني ج: 2، ص: 110.
(2) حديقة الأزهار ج: 2، ص: 398 تحقيق: مارية البحصي.
(3)  المصدر المذكور ج: 1، ص: 32.
(4)  م خ ع بالرباط رقم: 491 ك.
(5)  "النقد الأدبي التطبيقي للشعر في المغرب من خلال شروح القرنين 13و14هـ،-رسالة مرقونة محفوظة بكلية آداب الرباط.
(6)  "التوشيح لبردة المديح" م خ ع بالربااط رقم 2901 د- ص: 2-3.
(7)  نفسه ص: 3.
(8)  "االتوشيح" ص: 3.
( 9)  نفسه.
(10)  "االتوشيح" ص: 4.
(11)  "التوشيح" ص: 11-13 والبيت من بحر البسيط.
(12) نفسه ص: 12-13 انظر النص نفسه في حديقة الأزهار ص: 370 (القسم المخطوط)، ولعل المقصود يسعد الدين هو التفتازاني صاحب شرح تلخيص المفتاح الذي كان من المصادر المعتمدة لدى الشراح وعموم المدرسين، أما الواحدي فهو أحد شراح ديوان المتنبي.
(13) التوشيح ص: 4-5 والمراد بالجاديري: عبد الرحمان بن أبي غالب بن عبد الرحمان المديوني من شراح العصر المريني، مختصر شرح البردة لأبي الوليد إسماعيل بن الأحمر الخزرجي، توجد منه نسخ مخطوطة بالخزانات التالية: القرويين رقم 643-الصبيحة رقم 210/1. ابن يوسف رقم 368 ضمن مجموع ولعل المقسود بالفاسي محمد بن زكري بدليل ذكره له في مواضع كثيرة من الكتاب، وهو من شراح العصر العلوي الأول صاحب شرح معارضة الهمزية، منه مخطوطات عديدة بخزانة الرباط العامة وهي: حرف الكاف 1245. 1372 حرف الدال 1799و3834و 410 ومنه نسخه بالخزانة الحسنية رقمها 797 حرف الزاي، أما كتاب لطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشبخه أبي الحسن فهو لابن عطاء الله السكندري صديق البوصيري وهو من المصادر الأساسية لترجكته. 
(14) نفسه ص: 11.
(15) "التوشيح" ص: 8-10.
(16) انظر: "مقدمة ديوان البوصيري" تحقيق: سيد كيلاني ص: 27-28 مطبعة البابي الحلبي.
(17)  "التوشيح" ص: 10-11.
(18)  "مقدمة الديوان" ص: 28.
(19)  "التوشيح" ص: 6-8.
(20)  "مقدمة ديوان البوصيري" ص: 29-30.
(21)  نفسه ص: 24.
(22) "التوشيح" ص: 16-18 والبيت الأول من بحر البسيط والثاني الطويل والبيتان الأخيران من بحر الكامل.
(23)  "التوشيح"  ص: 75 والبيت من بحر البسيط.
(24) نفسه ص: 412-413 والبيت من بحر الوافر.
(25)  "التوشيح"، ص: 2-3.
(26) نفسه ص: 11-12.
(27)  "النقد الأدبي التطبيقي للشعر في المغرب من خلال شروح القرنين 13و14هـ" ص 475-478.
(28) "حديقة الأزهار" ص: 351 م خ ع بالرباط رقم 1287 ك حيث ينتهي القسم المحقق منه عند حدود الصحيفة 247.
(29) نفسه ص: 390-396.
(30) نفسه ص: 398-402.
(31)  نفسه ص: 415-417 وص: 431-441.
(32) نفسه ص: 300.
(33)  "حديقة الأزهار" ج: 3، ص: 532 تحقيق: مارية الحصي.
(34) "حديقة الأزهار" ج: 2، ص: 403-405 والبيت من الطويل.
(35) "حديقة الأزهار" ص: 373-375 م خ ع بالرباط رقم 287 ك.
(36)  نفسه ص: 398-402
(37)  نفسه ص: 461-500.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here