islamaumaroc

فقه النوازل من خلال [كتاب] المعيار الجديد.

  إسماعيل الخطيب

العدد 340 رمضان-شوال 1419/ يناير-فبراير 1999

تعتبر كتب النوازل من أهم المصادر في دراسة الإجتهادات  الفقهية، ومعرفة مستوى الاجتهاد لدى الفقهاء، كما أن هذا النوع من المصنفات يزودنا بالكثير من المعلومات عن المستوى العلمي لمختلف العصور، ويمدنا بمعلومات عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.
والمكتبة المغربية تزخر بعدد وافر من كتب النوازل، تدل كثرتها على مدى عناية المغاربة بفقه إمام دارالهجرة مالك بن انس، "وقد نهض الأندلسيون والمغاربة بالفقه المالكي منذ أن اختاروه مذهبا رسميا لهم، حتى إن جل ماألف في فقه هذا المذهب هم من وضعهم من مدونة سحنون إلى ما تلاها حتى يوما هذا، وكانت هذه المدونة على كبرها وكثرة مسائلها من محفوظات فقهواء الأندلس والمغرب"(1)
وتعتبر  "نوازل عياض"،و"نوازل" القاضي عبد الله ابن دبوس، مسائل ابن زكون أقدم ماألفه المغرابة، أو ماوصل إلينوا مما ألفوه في موضوع النوازل، ثم توالى بعد هؤلاء الاهتمام بالتأليف في النوازل، ولاأظن أن عصرا خلا من ظهور مصنف في الموضوع، فالأحداث  والوقائع تتجدد وتختلف من عصر لآخر، والناس بحاجة دوما لمعرفة حكم الشرع فيما يجد من نوازل، والفقه الذي هو "معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد"(2) قادر على مواكبة المستجدات وضبط أمور الناس ووضعها في إطارها الإسلامي.
لذلك حرص طائفة من علماء المغرب على تصنيف نوازل الفقهاء المعاصرين لهم أو السابقين لعصرهم في موسوعات جمعت أبحاثا ودراسات وأجوبة لفقهاء عاشوا في عصور مختلفة.
ويأتي كتاب "المعيار" للونشريسي في مقدمة هذه الموسوعات الفقهية الهامة، فهو يحتوي على عدد كبير من النوازل، هي أجوبة أو حلول لمشاكل وقعت لشخص أو أشخاص، تولى طائفة من المفتين-أمثال ابن رشد وابن زرب، والشاطبي، من "الأندلس"، والياصلوتي والقباب، وابن مرزوق، والمشدالي من (المغرب)، وسحنون والقابسي والمازري، من (تونس)-البحث عن حلول لها.
وهذه الموسوعات جمعت للدارسين أبحاثا ودراسات ماكان لهم أن يقفوا عليها، أو أن يهتدوا لمظانها، إلى هذه الحقيقة أشار الونشريسي في مقدمة كتابه بقوله: "جمعت فيه من أجوبة متأخرين العصريين ومتقدميهم ما يعسر الوقوف على أكثره في أماكنه، واستخراجه من مكامنه لتبدده وانبهام محله وطريقه".(3)
هذه الخدمة الجليلة للفقه وللدارسين المتطلعين لمنابعه قام بها فقيه مالكي أخر جاء الونشريسي بما ينيف عن أربعة قرون، واحتذى حذوة، وسمى موسوعته "المعيار الجامع المعرب عن فتاوي المتأخرين من علماء المغرب"، وهو بهذه التسمية  يلمح إلى مدى تأثره بكتاب الونشريسي الذي أسماه "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي إهل إفريقيا والأندلس والمغرب". فدراسة الوزاني لكتاب الونشريسي هي-بلاشك-كانت الدافع له لأن يسلك نفس السبيل فيعمل على جمع فتاوي علماء المغرب دون غيرهم.
وقد ظل الكتاب منذ صدوره مطبوعا على المطبعة الحجرية الفاسية في حياة مؤلفه، مرجعا متداولا بين العلماء في الفتاوي والأحكام الشرعية، وازدادت حاجة الدارسين إليه في العقود الأخيرة حين أصبح في عداد نوادر المخطوطات العزيزة الغالية الثمن.
كما سعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب إلى طبع المراجع الهامة في مجال الإفتاء والقضاء مثل "المعيار" للونشريسي، و"نوازل" العلمي، و"النوازل الصغرى" للوزاني، فقدمت بذلك خدمة جليلة للباحثين والدارسين وللفقه-بصفة خاصة-شرعت خلال شهر رمضان 1417هـ في طبع كتاب الشيخ أبي عيسى محمد المهدي الوزاني، وأسندت النظر في مراجعة طبعته والعمل على مقابلته وتصحيحه على النسخة الأصلية المطبوعة، للأستاذ الباحث عمزر بن عباد، الذي-كمزا ذكر في مقدمة تصحيحه-تهيب الأمر عند البداية "بعدما نظرت في الكتاب تأملت موضوعه ومضمونه وشكله وحجمه ومحتواه، فوجدته موسوعة فقهية غزيرة المادة بكل ماتحمله كلمة الموسوعة والغزارة من معنى، سواء من حيث وفرة النوازل والمسائل والفتاوي التي اشتمل عليها في كل باب من ابوابه".(4)
 وقد اعتمد الأستاذ ابن عباد في مقابلته وتصحيحه للكتاب على النسخة المطبوعة على المطبعة الحجرية، وبذل جهدا ملحوظا في المقابلة والمراجعة والتصحيح، فقد كان عليه أن يتوقف "عند بعض الكلمات والعبارات التي لاتكاد تتضح كتابتها أو لايكاد يظهر مدلولها ومعناها المراد منها..."بالإضافة إلى تصويب وتصحيح نأجده وأصادفه أحيانزا قيلية في ثنايا الكتاب من أغلاط إملائية".(5)
والفهرس التفصيلي الذي أورده المحقق لمسائل كل باب ييسر الباحث-إلى حد بعيد-العثور على المسألة المرادة والمطلوبة، ويعطي للناظر فيه فكرة مجملة ونظرة عامة عن مضمون الكتاب ومحتواه، فقراءة هذا الفهرس التفصيلي ترشد الدارس إلى جل المسائل التي تضمنها الكتاب، لذلك كان عليه أن بيدا بها أولا ليتبين له أن عنوان الباب لايكفي للاهتداء إلى ماتضمنه من نوازل.
وإذا كان الشيخ المهدي ا لوزاني قد جمع في موسوعته فتاوي علماء أجله من أثال: عبد القادر الفاسي، وقاسم العقباني، وعبد الله الزواوي، ويحيي السراج، ومحمد بن الحسن الجنوي، وموسى بن علي الأغزاوي، فإنه ضم  الى فتاويهم وأبحاثهم، فتاويه وأبحاثه التي تبرز مكانته العلمية التي بوأته مكان الصدارة بين علماء المغرب وجعلت من موسوعته  مصدرا لاغنى عنه الباحثين .
وفقه النوازل يضع بين يدي المؤرخ مادة أولية حافلة بقضايا اصطده بها المجتمع المغربي العتيق، فهاهو ينقل أقوال الفقهاء في (التشوق) فيذكر أن الشيخ الرهونزي سئل عن إمام راتوب يسعمل عشبة (طابة) هل تصح الصلاة خلفه أم لا، فقال: "الراجح والمعمول به حرمة استعمال العشبة المذكورة، قال ابو زيد الفاسي في عملياته:
            وحرموا طاب لــــلاستعمال
                              وللتجارة على المـــــــنوال
ولا ينبغي تقديم صاحبها للامامة، ولاسيما راتبا في المسجد، فإن وقع فالصلاة خلفه صحيحة على الراجح مع الكراهة"(6)
والقول بالتحريم هو مختار الفاسيين، وقد وقع الخلاف في شأنها، وفي ذلك يقول: "ثم الخلاف جار في شمها وشربها وبيعها وشرائها، وكثيرا ماتتوهم العامة أن صلاة حاملها أو من يقتدى به أو بمن يستعملها باطلةّ، وليس كذلك، بل صلاته وصلاة من صلى خلفه صحيحة، إلا إذا كانت لذمي فتجرى حكم ما صنعوه أو دبغوه أو صبغوه"(7)
أما الحشيشة فيذكظر أن البلية بها قد عمت في زمانه ووقع التساؤل: هل هي من المحرمات؟ فيجيب: نعم، قال سيدي حسن الشرنبلالي في شرحه على الوهبانية من كتاب "الخظر والإباحة" : اتفق مشايخنا ومشايخ الشافعي على تحريم الحشيش، وهو ورق القنب، وأفتوا بإحراقه، وأمروا بتأديب بائعه، والتشديد على اكله، فهو زنديق مبتدع، وحكموا بوقوع طلاق المتحشش زجرا  كالسكران، ومظم ذلك في بيتين فقال:
                       وأفتوا بتحريم الحشيش وحرقه.
                                            وتطليق محتش لزجر وقرروا
                        لبائعه التأديب والفسق أثبتوا
                                            وزندقة للمستحل وحرروا(8)
وبالنسبة لحكم طهارتها ونجاستها، فيقول: اختلف في انها من المفسدات فيحكم لها بالطهارة، أو أنها من المسكرات فيحكم لها بالنجاسة، وبالأول قال القرافي، وجحه جماعة، وبالثاني قال أبو عبد الله  المتوفي، وعلى الأول فيجوز تناول القدر الذي لايغيب منها كسائر المفسدات، وظاهر التوضيح منع القليل منها...".(9)
 ويظهر ان القهوة  عند ظهورها لم يكن يتناولها إلا السفهاء من الناس، كما كانت تعقد لشربها مجالس يقع فيها الاختلاط بين الرجال والنساء والمرد، مما دفع بعض العلماء إلى القول بكراهة تناولها، وأنشد بعضهم وقد سئل عن شربها:
                      أقول لأصحابي عن القهوة: انتهوا
                                            ولاتجلسوا بمجلس هي فيه
                      وليست بمكروه ولابمحــــرم
                                             ولكن غدت مشروب كل سفيه
ونقل قول الخطاب: "الحق أنه لاإسكار فيها، ولكن حرمتها لما عرض لها من إدارتهم لها والإنشاد عليها، والصفق، ومن خلطها بشيء من المفسدات كاالحشيشة، ومن الاختلاط فيها مع من لايحل من النساء والمرد، ومن ضررها بصاحب الصفراء والسواد".
فإن خلت من هذه الأمور فلا حرمة"(10)
أما الدخان، فيظهر من مختلف الفتاوي التي نقلها، أنه شاع شيوعا ظاهرا منذ أن ظهر بعد الألف، ولعل من أسباب ا نتشاره اختلا ف العلماء في حكمه، فمنهم من قال بتحريمه، ومنهم من قال بإباحته، ومنهم من توسط وقال بكراهته، ونقل فتو ى العلامة الأمير المالكي
نظرات وتاملات في كتب
التي قال فيها: "وكان حدوثه في مصر في زمن اللقانــــــي(11) والأجهوري، فأفتى اللقاني بتحريمه، ونسب ذلك للشيخ سالم السنهوري، وألف في تحريمه(12) وتبعه الخرشي وجماعات، وعللوه بتعاليل، منها إضاعة المال بحرقه من غير فائدة، وأفتى الأجهوري بعدم التحريم، وألف في ذلك،(13) ورد على من قال بالتحريم، وتبعه جماعات، واعتمد أكثر المتأخرين كلام الأجهوري، وإن كانت أدلة التحريم أقوى".(14)
وكان لصدى هذه الفتاوي التأثير الواضح على استعمال الدخان بالمغرب حيث "انتشر بسرعة وأقبل عليه مختلف الطبقات، غير أن الحظ الأوفر كان للرعاع والسلفة الذين أخذوا يتعاطونه في مجالس اللهو والقيان، فزاد ذلك من تنفير أهل الورع من العلماء وشيوخ التصوف، وغدوا يرون فيه بدعة سيئة تتعين محاربتها، ومنكرا يجب تغييره".(15) وعندما شاع ببعض جهات المغرب "تلق يح الصبيان وحجامتهم لدفع ضرر الداء المعروف بالبجذري" كان على الفقهاء أن يبينوا حكم التلقيح: هل هو جائز شرعا؟
ويظهر أن فتاوي الفقهاء تعددت، وانتشر لدى البعض القول بتحريمه بعدمظا تداول المغاربة فتوى الشيخ عليش الذي ذهب فيها إلى أنه "لايجوز لولي الطفل ولالغيره فعله به ولو خاف الولي على نفسه من ظالم، لأنه إدخال ضرر وتغرير بنفس الطفل وأطرافه وإن بلغت السلامة، وهو من فعل المجوس يتحيلون به بزعمهم على تطويل الحياة ورد القضاء، وإن وقع ومات الطفل فهو جناية عمد...".(16)
لكن الشيخ المهدي الوزاني لم يظهر له وجه القول بالمنع وقال: "إن غاية ماهناك أن الجدري داء ينزل بالصبيان من جملة الأدواء العرضة، والفصد على الكيفية المعلومة من جملة الدواء الجائز شرعا تعاطيه بعد نزول الداء او قبله حفظا للصحة، وليت شعري أي فرق بين هذا الفعل وبين الفصد والحجامة من خوف مزول الأضرار التي ينشأ عنها الموت بمقتضى الحكمة الإلاهية".(17)
بل يبدي الوزاني حماسا لاستعمال التلقيح ويقول: ومن  العجب أن التلقيح وإن عم نفعه، وظهر نجحه ترى بعض الناس لايحتفل به، ولايقول بطبه، ويتركون أولادهم بلا تلقيح  حتى يظهر عليهم الجدري الصحيح، فيعاقبهم الله بموت الأولاد، وكفى بذلك حرقة للأكباد، فيجب على ولاة الأمر غاية الانتباه، وأن يعاقبوا من لم يمتثل الأمر بالتلقيح ولايرعاه".(18)
                                             *-*
إن هذه  الطبعة "المعيار الجديد" ستساهم إلى حد بعيد في التعريف بالعطاء العلمي لفقهائنا، وستسير البحث والدراسة للناهلين من تراثنا، هذا التراث الذي يسعى جيلنا إلى إبرازه وإظهاره ليستمر الانتفاع به.


(1)  د. محمد بن شريفة-مقدمة تحقيقه لكتاب "مذاهب الحكام في نوازل الأحكظام" طبع دار الغرب الإسلامي-1990.
(2)  تعريف إمام الحرمين للفقه-الورقات ص: 12 بهامش "إرشاد الفحول".
(3)  احمد بن يحيي الونشريسي:  "المعيار العرب"...نشر وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية 1401هـ/1981م.
(4)  النوازل الجديدة الكبرى: ج: 1، مقدمة المحقق-طبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية 1418هـ/1996م.
(5)  المصدر السابق.
(6)  النوازل  الجديدة الكبرى1: 47.
(7)   النوازل  الجديدة الكبرى1:  101.
(8)   النوازل  الجديدة الكبرى1: 110.
(9)   النوازل  الجديدة الكبرى1: 100.
(10)   النوازل  الجديدة الكبرى1: 100.
(11)  تو في اللقاني المالكي المصري عام 1041.
(12)  كتاب اللقاني هو ( نصيحة الإخوان باجنتاب الدخان) يشتمل على مقدمة واحد عشر فصلا وخاتمة، خصص الفصل السابع للحديث عن بداية شيوع الدخان ودخوله إلى مصر (مخطوط الخزانة الحسنية رقم: 7579).
(13)  كتاب الأجهوري هو (غاية التبيان لحل شرب مالا يغيب العقل من الدخان-يوجد ضمن مخطوطة"مجموع الدخان" خ،ح.
(14)  النوازل الجديدة الكبرى 1: 110- وراجع كوضوع انتشار الدخان بالمغرب عند: محمد حجب: الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين-منشورات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر 1396هـ/1976م.
(15)  د، محمد حجي-الحركو الفكرية بالمغرب في عهد السعديين 1:246.
(16) النوازل الجديدة الكبرى 1: 129-وللشيخ بن احمد عليش المتوفى 1299، مجموع فتاوي بعنوان (فتح العلى المالك الفتوى على مذهب افمام مالك) في جوأين.
(17)  النوازل الجديدة الكبرى 1: 130.
(18)  النوازل الجديدة الكبرى 1: 132-133.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here