islamaumaroc

وإنه لهدى ورحمة للمومنين. [افتتاحية: رمضان...]

  عمر بنعباد

العدد 340 رمضان-شوال 1419/ يناير-فبراير 1999

يهل شهر رمضان من كل عام، ويستقبل فيه المسلمون شهرا مباركا كريما، يتميز بخصوصيات دينية، وأعمال تعبدية، تتجلى فيها عبادة الله وطاعتهّ، وتتضح فيه أكثر وحدة الأمة الإسلامية، واجتماع كلمتها على الحق المبين، كما تتجلى في سائر العبادات الأخرى، وشعائرها الدينية.
وهو شهر يتميز بكونه فريضة الصيام، التي هي ركن من أركان الإسلام، وبكونه الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى ورحمة للعالمين، مصداقا لقول الله جل علاه: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرأن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان....".
والعباات كلها في الإسلام ذات أسرار ربانية ومقاصد حكيمة، تبرز فيها عبودية العبادلا لربهم وخالقهم، وتتحقق فيها قوة إيمانهم ويقينهم، وتظهر طاعتهم لربهم والتزام أحكام دينه وشرعه الحكيم، وهي بذلك تحقق لهم المزيد من التقوى في قلوبهم والصلاح في أعمالهم، والتهذيب في اخلاقهم، وتجعلهم على صلة دائمة بالله رب العالمين، وتحثهم على الاستقامة في كل الميادين، مصداقا لقوله تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، وقوله: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم  لعلكم تتقون"، وقوله تعالى في عبادة الحج: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى".
ولتحقيق تلك الحكمة من العبادات جاءت بعض الأحاديث النبوية ترشد المسلم إلى ذلك، وتذكره  بما ينبغي أن يكون عليه حال القيام بتلك العبادات، وتأديتها خالصة لله، وأن يتحلى بحسن المكارم وجميل الخصال، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم"، ولقوله في التحذير من مخالفة ذلك: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
فشهر  رمضان هو إذن، شهر لتقويةالصلة بالله، وشهر للتحلي بمكارم الأخلاق، وتعويد النفس والسلوك عليها، وأخذ الزاد لمواصلة العمل في الحياة، بإيمان واستقامة واطمئنان، وشهر يحس فيه المسلم بما ينبغي أن يكون عليه من التكافل الاجتماعي والتراحم الإسلامي بين القوي والضعيف، بين الغني والفقير، ومن اهتمام المسلم بأخيه المسلم أينما كان وحيثما كان، فيعيش معه بفكرة وقلبه وآماله وآلامه، فيفرح لما يكون عليخ من الخير، والسرور، ويتألم لما يؤلمه ويضره في أي أمر من أمور دينه ودنياه.
وكيف لا، والقرآن الكريم، جاء هداية للناس ورحمة للمومنين، هدايةلهم في عقيدتهم وفي عبادتهم، وفي تعاملهم وسلوكهم، وداعيا لهم إلى التمسك بالكتاب المبين، والهدي النبوي الشريف، حتى يتجنبوا الوقوع في مزالق الانحرافات التي توقعهم في متاهات الضلال بكل أنواعه وأشكاله، ويتجنبوا الانسياق مع الأهواء النفسية التي تبعدهم عن الله وعن الصلة به، والتي تفصم العلاقة بين المسلم واخيه المسلم على مستوى الأفراد والأسر والمجتمعات المسلمة، وتؤدي بهم إلى العداوة والقطيعة، والإساءة إلى بعضهم البعض، وذلك نلا يرضاه الإسلام ولايريده لأمته المومنة، قال تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".
إن المسلم المتامل والمتبصر، حين يعود إلى التدبر والتفكر في كتاب الله تعالى، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرته الطاهرة، ويدرسها ويتاملها، ويربط ذلك بواقع المسلمين ماضيا وحاضرا، فسيجد أن شهر رمضان في الإسلام لم يكن شهر صيام وعبادة فقط، ولكنه كان في نفس الوقت دائما  وابدا ، وعبر مختلف العهود والأجيال، شهر صبر وجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، ونصرة دينه الإسلامي الحنيف، وإعزاز أمته المسلمة، كان شهر انتصارات كبيرة وفتوحات عظيمة تحققت للمسلمين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو الشأن في غزوة بدر الكبرى وغزوة أحد، وغزوة الفتح الأعظم لمكة، وغيرها من الغزوات، وكما هو الشأن في الانتصارات والفتوحات المتتالية الأخرى التي تحققت لأمة الإسلام في عهد نبيها الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفي عهد خلفائه الراشدين وصحابته الأبرار، وفي عهد المجاهدين التابعين لهم بإحسان ، وإلى زماننا الحاضر ووقتنا المعاصر، حيث يجد المرء في تاريخ كل بلد إسلامي انتصارات تحققت له في هذا الشهر المبارك الكريم، وعبر مختلف العهود والعصور.
والسر الكامن وراء ذلك كله، هو أن المسلمين يكونون في كل عصر وجيل وحدة إسلامية متراصة، وقوة حسية مهيبة، ويستشعرون أنهم أمة واحدة، مهما تعددت شعوبهم، وتباعدت أقطارهم، وتنآت بهم الديار، وشط بهم المزار، فهم يعملون لهدف واحد وغاية واحدة، ومصير واحد مشترك، هو نصرة الدين، وإعزاز المسلمين في كل مكان، والنهوض بهم وببلادهم علميا واجتماعيا، اقتصاديا وحضاريا، والسعي لمواكبة التطور الحضاري الذي يسير بخطى حثيثة نحو تسلق ذروة العلم والتقدم الإنساني في كل المجالات، والتغلب على التنحديات التي يأتي بها العصر، ويفرضها الواقع المعيش في سائر الحياة.
وعسى أن يكون شهر رمضان من هذا العام، وأن تكون سائر أيام الله وما فيها من مناسبات وأعياد دينية، وأمجاد إسلامية وذكريات وطنية، فرصة مواتية متكررة، لتجديد العزم والإرادة على التعاون المثمر، والوعي المتبصر، والنضج الكامل بجتمية التضامن البناء، والتكامل الإيجابي بين المسلمين في كل بلد ومكان، والتكافل المفيد بين الغني والفقير، وتحقيق ذلك الإخاء الصادق، والتآزر النافع لما فيه خير الأمة الإسلامية وصلاحها وإسعادها دينا ونيا، وإعزازها حاضرا ومستقبلا، تحقيقا لقول الله تعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمومنين".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here