islamaumaroc

من صور الانحراف في فهم الدين

  عبد العزيز بن ادريس

8 العدد

من المعلوم أن الدين الإسلامي مجموعة نظم روحية واقتصادية واجتماعية وخلقية، لا يمكن أن يعد المسلم مسلما بالمعنى الصحيح الكامل إلا إذا مارسها ونظم حياته على أساسها.                                   

  ولست أعني بهذا أن الدين الإسلامي  لا يعتبر الإنسان مسلما إلا إذا طبقها بدقة ولم يخرج عنها قيد شعرة، وإنما قصدي أن الإسلام ليس دينا سطحيا اسميا يكتفي من الإنسان بمجرد الانتساب إليه ولا يطالبه بممارسة نظم معينة، فالإسلام يمتاز من دون بقية الأديان بكونه وضع حلولا واقعية لمشاكل الإنسان،  وعلاجات عملية لجميع الأدواء التي تتخبط فيها البشرية منذ عرفت الحياة، وقد برهنت التجربة على أن الإنسانية تشقى على قدر بعدها منها وتسعد بمقدار قربها منها.

واليوم تبدو لنا في كثير من مجتمعاتنا ظاهرة من ظواهر البعد عن الإسلام، وصورة من صور الانحراف في فهمه ذلك أنك تجد أشخاصا يفيضون عصبية وحماسا للإسلام، ويطفحون غضبا وحنقا على أعدائه، بحيث يعتقد من رآهم لأول وهلة أنهم قد أشربوا مبادئ دينهم ودرسوها حق الدرس، وعرفوا لها قيمتها واعترفوا بسموها، ولكنك لا تلبث بعد أن تخبرهم قليلا أن تكتشف أنهم بعداء أشد البعد عن روح الإسلام، وأنهم لا يعرفون أبسط مبادئه، ولا يمارسون أبسط قواعده الأساسية، بل ربما أقدموا في اطمئنان على مخالفته وارتكاب ما نهى عنه، وتلبسوا في هدوء بجرائم تحريمها معلوم من الدين بالضرورة، كما يقولون، فما هي علة هذه الظاهرة يا ترى؟                                                                                                 

إن قرائن أحوال هذه الطائفة تدل على أنهم قد أعطوا لكلمة الدين معنى آخر غير معناها الحقيقي، فقد أرادوا أن تكون لها صفة الفكرة العنصرية، وطابع العقيدة الجنسية، التي تقتضي من الإنسان أن يتعصب لها تعصبا أعمى، غير مفكر في معناها، ولا ناظر في حقيقة أمرها، ولقد كان هذا النوع من الانحراف في مفهوم كلمة الدين معروفا إبان نزول القرآن، وكان اليهود والنصارى يكتفون من أتباعهم بمجرد الانتساب الاسمى، والقيام ببعض الشعائر السطحية، ويجعلون الحظوة عند الله والنجاة من عقابه مرتبطتين بالانتساب لهذا الدين أو ذاك، مهما كان نصيب المنتسب إليه من الأعمال الصالحة ضئيلا، وسرت هذه الظاهرة إلى بعض المسلمين إبان التنزيل، فجعلوا هم بدورهم يعتقدون أن الانتساب إلى الإسلام كاف للنجاة من العذاب الأليم، وفي الحظوة بالنعيم.                                                                                                

وقد رد الله جل علاه هذا الأمر إلى نصابه، وصحح هذا الوضع الخاطئ، وذلك في عدة آيات من كتاب الله، بين فيها بصراحة ووضوح وبصرامة أحيانا، أن الحظوة لدى رب العالمين، والنجاة من عذابه، مقرونتان بحظ المؤمن من الأعمال الصالحة، بمعنى أن الانتساب لدين من الأديان لا أثر له مطلقا في مصيره. وإنما مصيره مرتبط أشد الارتباط بدرجة تطبيقه لمبادئ الدين ونظمه في الحياة، وهذه الحقيقة تبدو واضحة جلية لكل من تتبع نصوص الشريعة، واستقرأ أهدافها وعرف ما ترمي إليه، اقرأ قوله تعالى في سورة البقرة، وهي السورة التي تكاد تكون خاصة بجدال اليهود وكشف عيوب رؤسائهم وبيان انحرافهم عن أهداف دين الله الحقيقي:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.) [البقرة: 62]

فقد جعلت هذه الآية فوز الإنسان بالأجر عند الله واطمئنانه على مصيره متوقفين على الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وذلك بالنسبة إلى جميع طوائف الأديان المعروفة إذ ذاك، ومنهم المسلمون الذين عبرت عنهم الآية بالذين آمنوا، فهذا صريح في أن الألقاب مهما كانت لامعة، فلا أثر لها في الدرجة عند الله .
واقرأ قوله تعالى في سورة المائدة التي عنيت عناية كبرى بجدال أهل الكتاب وخاصة النصارى:     
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [المائدة 69].                                                                              
 واقرأ قوله تعالى في سورة البقرة: (بَلَى؛ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة 81] جوابا لليهود الذين قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.                             
 وأصرح من هذه الآيات قوله تعالى في سورة النساء: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) [النساء 123].                                     

   فقد جعلت هذه الآية الاعتماد على الألقاب والانتساب إلى الدين الفلاني في النجاة من العقاب بمنزلة الأماني، أي ما يتمناه الإنسان ويحبه من دون أن يتخذ الوسائل العادية للحصول عليه، وصرحت كذلك بأن الإنسان مهما كان الدين الذي ينتسب إليه، مرهون بآثامه وسيئاته، معرض لأن يجازى عليها.

ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتعرض للآيات التي عرضت لهذا المعنى، ويكفي أن نعرف أن الإسلام بني على الصراحة والوضوح واعتبار عمل الإنسان دون نسبه أو انتسابه، (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] أي: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى أعمالكم وقلوبكم أو كما قال صلى الله عيه وسلم، ويقوى ما دلت عليه هذه الآيات الأمور الآتية:                                                                     
 1) مدلول كلمة الإسلام كما تقدمها الآيات الكريمة، فإن معناها إسلام الوجه لله، والخضوع التام، والانقياد الكامل، قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)   [النساء: 125ٍ]
وقال سبحانه (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ20) [آل عمران: 20] وهذا المدلول لكلمة الإسلام يتفق تماما مع مدلوله اللغوي، ومعنى هذا أن من دخل في الدين الإسلامي  فقد عقد مع الله عقدا على أن يتنازل عن هواه، ويخضع نفسه لله، ويحيا حياة مطابقة للنظام الذي يسنه له.          
 2) إن الله لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يريد من المؤمن ألا يكون مخلصا لله بجميع قلبه لا تشوبه  شائبة، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: 5]،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [النساء 135].                                                      
 3) حمل القرءان الكريم للمؤمن مسؤولية نفسه، وجعله رقيبا عليها، وذلك في قوله تعالى، (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ‏ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) [القيامة 14-15].                                                     
  4) اعتبار القرءان الكريم النفاق من أعظم الرذائل التي يستحق الإنسان عليها أقسى العقاب، قال الله سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء 145].                      

 ومن الواضح أن إعراض المؤمن عن تطبيق النظام الذي شرعه له الله في حياته، والانصراف عنه إلى نظام آخر يخالفه في المبادئ والأهداف، ليس إلا ضربا من النفاق العملي، لأنه تناقض بين ظاهر الإنسان وباطنه، وسره وعلنه.                                                                                          

ثم إن ظاهرة الاكتفاء بالانتساب إلى الدين، أصبحت واضحة في كثير من المجتمعات والأوساط الإسلامية، ولاسيما أولئك الذين أخذوا يعيشون حياة عصرية أو تقدمية كما يسمونها، أو كما يحلو لهم أن يصفوا أنفسهم، فيطبقون هذه الفكرة بصفة عادية أسوة بالأوربيين الذين يسمون الشؤون الدينية بالأمور الشخصية التي لا يجمل بالإنسان أن يتدخل فيها.

وقد تسربت هذه الفكرة بطريق العدوى إلى غير الأوساط الثقافية، وأصبحنا نرى في الأوساط التي كانت في ما مضى معروفة بالاهتمام والتشبت بأهداف الدين، أصبحت أقل إكتراثا وأضعف عناية.          

وليس استقرار هذه الظاهرة في أوساطنا إلا نموذجا ناطقا للاستعمار الفكري الذي أشربته قلوبنا وشغفنا به حبا، وهي بعد النتيجة التي أسفرت عنها الحرب المريرة التي قامت بين أحرار الفكر المستقلين وبين رجال الكهنوت في فجر النهضة الحديثة، فلقد اضطرت الكنيسة إلى الاستسلام والخضوع دون قيد أو شرط أمام تيار الأفكار المادية الجارفة، ولولا أن الخضوع لقوة غيبية أمر غريزي في الإنسان لما بقي للكنيسة ظل في كثير من الأقطار.                                                                                                     

نعم اضطرت الكنيسة تحت ضغط الظروف إلى أن ترضى من الغنيمة بالإياب، وأن تكتفي من أتباعها بأقل علاقة مهما كانت واهية، فتعتبرهم مسيحيين ولو كانوا لا يطبقون أبسط القواعد الكنيسية، فنتج عن ذلك أن تطبعت الأجيال التي عاشت في هذا الوسط بطابع اللامبالاة، واعتبار الدين شيئا تافها في الحياة لا تتوقف عليه أية حاجة من حاجات الإنسان.                                                                           

وهذه الحالة تسربت إلينا في جملة ما جاءتنا به المدنية من مساوئ، وصرنا نعتبر أن الدين عقيدة دون عمل، وفكرة دون تطبيق، وكلمة يلوكها الإنسان بلسانه ويفخر بها بملء فيه.                                    

 على أن ضحايا الاستعمار الفكري ذهبوا في تطبيق مبدأ اللامبالاة مذهبا أبعد مدى مما ذهب إليه أساتذتهم الأوروبيون، وذلك أنك تجد كثيرا من الأوروبيين ممن يزعمون أنهم ماديون، أو يزعم الناس لهم ذلك، قلما يتأخرون عن الذهاب إلى الكنيسة كل يوم أحد، لسماع وعظ الراهب وإن لم يكن له وقع في نفوسهم، وذلك لملء الفراغ الذي يحسونه في باطنهم من جراء ابتعادهم عن فكرة التدين، ومحاولتهم الحياة بدون عقيدة، بينما لا تكاد تجد شبابنا من النوع الذي ذكرنا، من يذهب إلى المساجد ولو في يوم الجمعة، بدعوى أن الخطيب جامد أو تمتام أو بدعوى كثرة  الأشغال.                                                                        

والخلاصة أن الإسلام يريد من المؤمن أن يعيش حياة متزنة في نفسه، وأن لا يكون ظاهره يخالف باطنه، وعمله يعاكس قوله، وذلك لجلب الاطمئنان النفسي والهناء الباطني الذي هو أكبر غاية يهدف إليها الإنسان.
                     
دعاء نحوي

 سمع أعرابي أبا المكنوز يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم ربنا والهنا ومولانا، فصل على محمد نبينا ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا مجلجلا، طبقا غدقا متعنجرا نافعا لعامتنا وغير ضار لخاصتنا. فقال الأعرابي: يا خليفة نوح، هذا الطوفان ورب الكعبة! دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء.

غني حرب

 جلس غني حرب يصف لصديقه الدار التي شيدها لسكناه فقال:... وفد جعلت بها ثلاثة مسابح، فابتدره الصديق قائلا: ولكن لماذا ثلاثة مسابح؟ أليس في واحد كفاية.   
  فقال الغني: واحد للماء البارد، والآخر للماء الحار، والثالث بلا ماء.   
فأجابه الصديق: الماء البارد والحار، نعم ولكن ما فائدة الذي لا ماء فيه؟   
فقال: إنك لا تفكر جيدا يا صديقي! إنه للذين لا يحسنون السباحة.              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here