islamaumaroc

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال [كتاب] "تفسير المنار" للإمام رشيد رضا

  الحسنية مفيدي

العدد 339 رجب-شعبان 1419/ نونبر- دجنبر 1998

من المعلوم أن القران الكريم هو المعجزة الخالدة لسيدنا محمد (ص)  و له أكبر شأن في أمر الإسلام و المسلمين، فالقران ليس كتاب تشريع فقط و إنما هو كتاب هداية و إرشاد و تدبر و تذكر، وهو هديهم في شريعتهم، بل هو المنبع الصافي الذي ينهلون منه فلسفتهم الروحية و الخلقية .إذن غرو أن يكون القران الكريم موضع عناية المسلمين منذ القديم،و لذلك تتابعت أنواع التأليف في أحكامه و في تفسيره و في بلاغته و لغته وإعرابه.
و في هذا الصدد ألف العلم الكبير محمد رشيد رضا تفسيره المشهور بـ" تفسير المنار" هذا التفسير الذي  يشتمل على مواضيع عديدة، نخض منها بالذكر موضوع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. لكن-و قبل التطرق على هذا الموضوع- لا بأس أن نعطي نظرة موجزة عن هذا التفسير القيم الحكيم الشهير ب:"تفسير المنار".

* التعريف بـ:" تفسير المنار" للإمام رشيد رضا:
 إن "تفسير المنار" هو التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور و صريح المعقول الذي يبين حكم التشريع و سنن الله في الإنسان، وكون القران هداية للبشر في كل زمان ومكان، مراعيا فيه السهولة في التعبير، مجتنبا مزج الكلام باصطلاحات العلوم و الفنون، وهذه هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيم الإسلام الأستاذ محمد عبده رحمه الله.
وهو تفسير أثري، مدني عصري، إرشادي اجتماعي و سياسي يتكون من اثني عشر مجلدا، و في هذه المجلدات تحقيق الفروع و الفصول، وحل المشكلات و دحض الشبهات، وإقامة حجج الإسلام.

*وجوب طاعة الله و الرسول وأولي الأمر:
يقول تعالى:( ياأيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(1) فطاعة الله هي الأخذ بكتابه كله، و كذلك النهي عن الاختلاف و التفرق في الدين. وطاعة رسوله هي عين طاعة الله عز وجل، فتكون بعد وفاته عليه الصلاة و السلام هي الأخذ بسنته، و تذكر طاعة الرسول مع طاعة الله لأن من الناس من كانوا يعتقدن أن الإنسان يمكن أن يستعين بعقله و عينه عن الوحي، وهذا خطأ، لأنه لو صح ذلك لما كان في حاجة إلى (2)
و طاعة أولي الأمر في العمل بما يتفق أهل الحل  و العقد و أولوا الشأن، من علمائنا و رؤسائنا بعد المشاورة بينهم في أمر اجتهادي، على أنه هو الأصلح لنا الذي يستقيم به أمرنا، فأن وقع التنازع و الاختلاف وجب رده إلى الله و رسوله، و تحكيم الكتاب و السنة فيه، و لا يجوز أن يتمادى المسلمون  على التفرق و الاختلاف بحال.(3) وقد ذكروا أن الأقوال المأثورة عن علماء التفسير في أولي الأمر أربعة:
- الخلفاء الراشدون.
-أمراء السرايا، وهم قواد العسكر عند عدم خروج الإمام فيه.
- علماء الدين الذين يفتون و يعلمون الناس دينهم
-الأئمة المعصومون، و عزاه إلى الرافضة.(4)

* مفهوم المعروف و مفهوم المنكر:
جاء في شرح الأصول الخمسة:
- الأمر: قول القائل لمن دونه في الرتبة، "إفعل" و النهي: هو القائل لمن دونه "لا تفعل".
- و المعروف هو: كل فعل عرف فاعله  حسنه أو دل عليه، و لهذا لا يقال في أفعال القديم تعالى: معروف لمن لم يعرف حسنها و لا دل عليه(5)
و المعروف في اللغة ما تعرفه وتقره النفوس، و تتلقاه بالقبول، لموافقته للصالح، و انطباقه على الطباع و القبول.
-أما المنكر في اللغة هو:كل فعل عرف فاعله قبحه أو دل عليه، و لو وقع من الله تعالى القبيح لا يقال انه منكر لما لم يعرف قبحه و لا دل عليه.(6)
 والمنكر هو: المستقبح عند الناس الذين ينفرون منه لقبحه أو ضرره، و يذمونه و يذمون أهله.
والمعلوم بالضرورة يختلف باختلاف الشعوب و البيوت و الأوقات، فتحديده و تعيينه باجتهاد بعض القدماء بدون مراعاة عرف الناس مخالف لنص كتاب الله تعالى.
و لذلك جاء الشرع الحكيم بهما معا، و لا يضر مع هذا اختلاف الناس فيما يعرفون و ينكرون، فليكن المعروف كما قال الجصاص من أئمة الحنفية:" من يستحسن في العقل فعله و لا تنكره العقول الصحيحة".
أما بالنسبة إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فالسور التي نزلت في أصول الدين و كليات التشريع تثبت لنا العرف أو المعروف أحد الأركان الدينية و كليات التشريع، و قد ورد ذكر المعروف في السور المدنية، و أكثرها في بيان الأحكام الشرعية العينية. و الملاحظ أن المعروف في هذه الآيات معتبر في هذه الأحكام المهمة، و ان المعروف فيها هو المعهود بين الناس في المعاملات و العادات.

*مكانة الأمر بالمعروف و النهي عنى المنكر في الشريعة الإسلامية:
قال تعالى:( و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (7)  فحبل الله هو الصراط المستقيم و سبيله، و كأنه قال: و لا تتفرقوا بإتباع السبل غير سبيل الله الذي هو كتابه فمن تلك السبل المفرقة: إحداث المذاهب و الشيع في الدين كما قال تعالى: (أن الذين فرقوا دينهم كانوا شيعا لست منهم في شيء) (8) و لذلك أمر الله بالاعتصام بحبل الله بين جميع الأقوام و الأجناس.
من ذلك أن الحروب تطاولت  بين الأوس و الخزرج 120 سنة حتى أطفأها الإسلام، وألف بين قلوبهم برسوله (ص)  فهذا بعض ما أفادهم الإسلام قي حياتهم الدنيا.
و قد بين جل علاه عصيان بني إسرائيل و سبب استمرارهم على تعدي حدود الله وإصرارهم عليه بقوله تعالى: ( كانون لا يتناهون عن منكر فعلوه) (9) حيث كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن منكر من المنكرات مهما اشتد قبحها و ضررها.
و قد وردت عدو آيات و أحاديث، و ما قص الله علينا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به،و الواجب إذن دعوة الناس إلى الإسلام أولا، فإذا أجابوا، فالواجب أمرهم بالمعروف و النهي عن المنكر، و ذلك حفاظا للوحدة و مانعا للفرقة ، و لا أذل على ذلك ما كن عليه المسلمون في الصدر الأول، لا سيما على عهد الخليفتين أبي بكر و عمر رضي الله عنهما.(10) 
و يأتي بعد كل ما ذكرناه مرحلة النموذجية في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تومنون بالله )(11) حيث بين تعالى أن خيرة الأمة و فضلها قائمة على ما تكون عليه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان بالله تعالـــــــى.(12) 
و الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب و اللسان و باليد، و أقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل و كونها كذلك خير امة أخرجت للناس لأنها خير أمة ظهرت منذ وجدوا، و كونها كذلك أقوى حالا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من سائر الأمم.(13)

*  شروط الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر: 
أن للآمر بالمعروف و النهي عن المنكر شروطا يجب أن تتوفر فيه، وهي كالتالي:
• الشرط الأول:  التكليف:
وهو أن يكون مسلما قادرا، و هذا الشرط لازم، فالآمر بالمعروف باعتباره واجبا لا يجب إلا على مكلف، و يمنع غير المكلف من الأمر و النهي.(14)
الشرط الثاني: الإيمان:
 وهو أن يكون مؤمنا بالدين الإسلامي، فالمسلم هو وحده الذي يقع على عاتقه واجب الأمر بالمعروف و أما غير المسلم فلا يلتزم بهذا الواجب.(15)
الشرط الثالث: العدالة:
 أن الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر لا يصح أن يكون فاسقا لقوله تعالى: (  أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم ).(16)  و بما روي عن الرسول (ص) :" مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاهم بمقاريض من نار، من انتم؟ فقالوا: كنا نأمر بالخير و لا نأتيه، وننهى عن الشر ونأتيه".(17)
الشرط الرابع: الإذن:
يشترط  في من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر  أن  يأذن له الإمام  أو الحاكم بذلك، لان هذا الأخير يستطيع اختيار من يحسن القيام بهذه الوظيفة. و لكن جمهرة الفقهاء على خلاف هذا الرأي، و لا يشترطون في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذن شخص أو هيئة ما.
الشرط الخامس: القدرة:
هي أن يكون قادرا على الأمر و النهي،  و تغيير المنكر، و إن كان عاجزا فلا وجوي له إلا بقلبه، أو عليه أن يكره المعاصي و ينكرها و يقاطع فاعليها،  و يشترط فيمن ينكر و ينهى عالما بالمعروف الذي يأمر به، و المنكر الذي ينهى عنه، و في الناس جاهلون لا يعرفون الأحكام.
و هكذا يجب أن تكون الأمة الداعية على الخير الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، أي: القائمة   بالواجبات التي هي قوام الوحدة و حفاظها.(18) 

* الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من صفات المؤمنين دون المنافقين:
إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو المبادئ الأخلاقية العظيمة التي يتحلى بها الإنسان المؤمن، قال تعالى: (يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر)،(19)  فهاتان الصفتان من أخص صفات المؤمن التي يمتازون بها المنافقين و عن غيرهم من الكفار، و هما سياج حفظ الفضائل، و منع فشو الرذائل،وقد فضل الله تعالى بهما أمة محمد (ص) على سائر الأمم.
أما في بيان حال جميع المنافقين ذكرناهم و إناثهم، فقد قال تعالى: ( المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم، إن المنافقون هم الفاسقون). (20)
 هذا يعني أن أهل النفاق من الرجال و النساء متشابهون فيه وصفا و عملا، كان كلا منهم عين الآخر،حيث نسوا الله أن يتقربوا إليه بفعل ما أمر به، و ترك ما نهى عنه، و ذلك لشدة رسفهم في الكفر، فلم يعد يخطر في بالهم أن له تعالى عليهم حق الطاعة و الشكر.
 و خلاصة القول: أن المنافقين يشبه بعضهم بعضا في شكهم و ارتيابهم و نفاقهم و آثاره من قولب و  عمل، و إن المؤمنين بعضهم أولياء بعض في الولاية العامة من أخوة ومودة و تعاون وتراحم. (21)

*وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
 من مبادئ  العالمة في مجال الأخلاق و التشريع مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي يعتبر القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي بعث الله النبيئين به أجمعين، كما أوجب أن يكون الدين في الدولة الإسلامية من أهل الحال و العقد يمثلون الأمة، و ينظمون حكمها و سياستها.
و لا يقتصر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على هذه الجماعة فقط،  بل يعم القران على الواجب على المؤمنين جميعا.(22)
و الفقهاء اتفقوا على أتن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ليس حقا للإفراد يأتونه إن شاءوا، و يتركونه إن شاءوا، وليس مندوبا إليه، و غنما هو واجب على الأفراد ليس لهم أن يختلوا على أدائه، و ذلك حتى يستقر أمر الخير و الفساد بين الجماعة، و يقضى المنكر و الفساد بتعاون الصغير و الكبير، و الحاكم و المحكوم.
و الفقهاء وإن كانوا اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلا أنهم اختلفوا في تحديد هذا الواجب من وجهتين:
الأول:- في صفة الواجب.
الثاني:- فيمن يلزمهم هذا الواجب.
و انقسم الفقهاء على فرقتين في تحديد صفة الواجب:
 * فقال البعض: إن الواجب فرض عين،أي واجب محتم على كل مسلم أن يؤديه بنفسه  على قدر استطاعته حتى لو كان هناك من هو أقدر منه على تأديته،و هم يشبهونه بفريضة الحج، فهي فرض عين و لكن على المستطيع، بخلاف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فالاستطاعة فيهما ممكنة لجميع الأفراد، فالجاهل مثلا يستطيع أن يأمر بالمعروف فيما هو ظاهر كالصلاة و الصوم، و أن ينهى عن المنكر فيما يخفى كالسرقة و الزنى.(23)  
و يرى أصحاب هذا الرأي أن في جعل الواجب فرض عين حفاظا للأمة، و حرزا لها من الفساد و التعلل، و من ثم فإنه لا مكلف إلا و يجب عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه كما جاء في الحديث الشريف:" من رأى منكم منكرا فل يغيره بيده فإن لم يستطع   فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، و ذلك أضعف الإيمان".(24)
*أما الفريق الآخر وهم جمهرة الفقهاء أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من فروض الكفايات كالجهاد، وهو واجب حتم على كل مسلم. و لكن هذا الواجب يسقط على الفرد إذا أداة غيره، كما أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، ولا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر و نهى عن المنكر.
و يتفق الغزالي مع هذا الرأي الأخير في أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من فروض الكفايات، مستدلا بالآية الكريمة: (  و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولائك هم المفلحون).(25) موضحا بأن "و لتكن" أمر،و ظاهر الأمر الإيجاب، و أنه فرض كفاية لا فرض عين، حيث إذا قامت به أمة سقط الفرض عن الآخريــــــن.(26)

*ما يترتب عن ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من فساد الأمة:
قال تعالى: ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلون).(27) أي: كانوا لاينهى بعضهم بعضا عن منكر من المنكرات مهما اشتد قبحا، عظم ضررها،و إنما النهي عن المنكر حفاظ الدين، و سياج الآداب و الفضائل، فإذا ترك تجرأ الفساق على إظهار فسقهم  و فجورهم، و متى صار الدهاء يرون المنكرات بأعينهم، و يسمعونها بأذانهم، و تزول وحشتها و قبحها من أنفسهم، ثم يتجرأ الكثيرون أو الأكثرون على اقترافها، لأن وجود العلة لا يقتضي وجود المعلول، ولولا استمرار و قوع المنكرات لما صح أن يكون  ترك التناهي شانا من شؤون القوم و دأبا من دأبهم.
و قال تعالى : ( لبئس ما كانوا يفعلون)، فهذا تأكيد حسمي لزم ما كانوا يفعلونه، مصرين عليه من اقتراف المنكرات و السكوت عليها و الرضاء بها. و قد بين الله تعالى ذلك لرسوله وللمؤمنين عبرة لهم حتى لا يفعلوا فعلهم فيكونوا مثلهم، و يحل بهم من لعنة الله و غضبة ما حل بهم. قال رسول الله (ص) :" كلا،  و الله لتأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر، ثم لتأخذن على يد الظالم، و لتأطرنه على الحق أطرا ، و لتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قولب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما يلعنهم".(28)
فحتى العلماء الدين يعتبرون قدوة في المجتمع نجد بعضهم قد زاغ عن مبدأ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ومن العجائب أننا نقرأ توبيخ القران لعلماء اليهود على ذلك، و نعلم أن القران أنزل موعظة و عبرة  ثم لا نعتبر بإهمال علمائنا لأمر ديننا، و عناية علمائهم في هذا العصر بأمر دينهم و دنياهم، فالمنحرفون عن الحق لا يعدون من أهل الوجود، و إنما حكمهم حكم العدم الأخير في وجودهم. و قد قال رسول الله (ص): " إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم، وهم قادرون على ينكروه فلا ينكرونه".(29)

* نموذج من تفسير بعض الآيات الذي يوجد فيها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:
من النماذج التي تشمل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر قوله تعالى: ( و لتكن منكم أمة تدعون إلى الأمر بالمعروف و تنهمن عن المنكر و أولئك هم المفلحون)(30) اختلف في قوله تعالى: "منكم" هل معناه بعضكم، أو "من" بيانه؟
 ذهب مفسرنا الجلال إلى الأول لأن ذلك فرض كفاية، و سبقه إليه الكشاف و غيره. و قال بعضهم  بالثاني، قالوا:و المعنى" و لتكونوا امة تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر".
ثم عن هذه الدعوة على الخير و الأمر و النهي لها مراتب.

• فالمرتبة الأولى:
هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم على الخير، و أن يشاركوهم فيما هم عليه من النور و الهدى، و هذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطا، و شهداء على الناس. و كوننا نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر، و بحكم قوله في حق المؤمنين الذين لهم بالقتال (31) ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)(32)  فإذا اجتمعت الأمة على هذا المقصد العالي الشريف فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم، و المخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة، فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم امة تقوم بهذه الوظيفة.
 فها هنا فريضتان:
-إحداهما: على جميع المسلمين
-و الثانية: على الأمة التي يختارونها للدعوة.
و لفظ الأمة ليس معناه الجماعة كما قيل، و إلا لما اختير هذا اللفظ، و الصواب أن الأمة اخص منهم إرادة و عملا في إيجادها و إسعافها و مراقبة سيرها بحسب الاستطاعة.
• و المرتبة الثانية:
في الدعوة و الأمر و النهي هي دعوة المسلمين بعضهم بعضا إلى الخير، و تآمرهم فيها بنهيهم بالمعروف و تناهيهم عن المنكر، و العموم فيها ظاهر أيضا و له طريقان:
• الطريق الأول:
الدعوة العامة الكلية: ببيان طرق الخير،و تطبيق ذلك على الناس و ضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله، و إنما يقوم على هذه الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام، و حكمة الدين و فقهه، و هم المشار إليهم بقوله تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (33) ومن مزايا هؤلاء تطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان، فهم يأخذون من الأمر العام بالدعوة و الأمر و النهي على مقدار علمهم.
• الطريق الثاني:
الدعوة الجزئية الخاصة: وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم من بعض، و يستوي فيه العالم و الجاهل و ذلك بالنهي عن الشر و التحذير منه و التواصي بالحق و الصبر و الخير.(34)
 و يقول الأستاذ الإمام:" بقي علينا بيان معنى الاية  على القول بأن "من" للتبعيض، و جاء في قوله تعالى: (كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون الناس بالمعروف و تنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (35)  فعلم منه أن خيرة الأمة و فضلها على غيرها تكون بهذه الأمور:" الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان بالله تعالى":
- في قوله تعالى: (كنتم) ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنها تامة،كأنه قال: انتم خير امة في الوجود لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد، و أنتم تأمرون بالمعروف وتنهمن عن المنكر و تؤمنون بالله إيمانا صحيحا يظهر أثره في العمل.
الوجه الثاني: أنها ناقصة، و المعنى حينئذ كنتم في علم الله أو كنتم في الأمم السابقة كما في كتبها المبشرة  كنتم خير أمة الخ...
الوجه الثالث: أن"كان" بمعنى"صار" أي صرتم خير أمة، وهذا أضعف الأقوال، لأن روح الإسلام و الإخلاص له لا يكون إلا بعد القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بالاعتصام بحبل الله، مع اتقاء التفرق و الخلاف في الدين.(36) – وقوله تعالى: (كنتم خير امة أخرجت للناس) تأمرون أن يشهدوا أن لا إله إلا الله أعظم المعروف، و التكذيب هو أنكر المنكر.
- و قوله تعالى: "( خير امة أخرجت للناس) معناه خير أمة ظهرت لهم منذ  وجدوا، و قوله (للناس) من تمام قوله: (كنتم)  و التقدير كنتم للناس خير أمة.
و تعليل الخيرة بما ذكر هنا ليس لأن السبب في كون هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بل لأن ما كانت به خير أمة لا يحفظ و لا يدوم إلا بإقامة هذه الأصول الثلاثة، و لذلك اشترط على هذه الأمة أن يكون من غرضها في الدفاع عن نفسها و حفظ و جودها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
أما تقديم ذكر الأمر و النهي على الإيمان، فالحكمة فيه أنها هذه الصفة "الأمر و النهي" محمودة في عرف جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، يعترفون بصاحبها بالفضل.
و هناك حكمة أخرى وهي أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر سياج الإيمان و حفاظه، فكان تقديمه في الذكر موافقا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدما عليه.(37)
و هكذا فالأمة كافة إذن مطالبة بتهيئة الظروف و الأسباب لمن يأمر بالمعروف و بنهى عن المنكر، لأن القائمين بما ذكرهم الفائزون بما أعده الله من السعادة لأهل الحق دون سواهم.

(1)سورة النساء: -الآية:59
(2) تفسير المنار:ج4-ص: 29،(بتصرف).
(3)تفسير المنار:ج3-ص: 9.
(4)تفسير المنار:ج5-ص: 182-183.
(5) شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار/ص:141.
(6)شرح الأصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار/ص:141
(7) سورة الأنعام- الاية :153.
(8)سورة الأنعام- الاية :159
(9)سورة المائدة – الاية79:
(10) تفسير المنار- :ج:4-ص:57.
(11) سورة آل عمران: الاية :110.
(12)تفسير المنار- :ج:4-ص:57
(13)تفسير المنار- :ج:4-ص:61.
(14) التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي: عبد القادر عودة/ج:1-ص:495)
(15)التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي:ص:497.
(16) سورة البقرة: الاية :42.
(17) رواه الإمام أحمد ابن حنبل : ج:3-ص:239.
(18)تفسير المنار-:ج:4-ص:32-38(بتصرف).
(19)سورة آل عمران: الاية :114.
(20) سورة التوبة الآية: 67
(21)تفسير المنار-:ج:10-ص:542(بتصرف)
(22) روح الدين الإسلامي: عفيف عبد الفتاح طيارة ص:304 ( بتصرف).
(23)التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي:لعبد القادر عودة/ج:1-ص:403.( بتصرف).
(24) رواه الإمام مسلم كتاب الإمام ج:1-ص:69.
(25)سورة آل عمران: الاية :104.
(26) إحياء علوم الدين: للإمام الغزالي/ج:2-ص:65.
(27) سورة المائدة : الاية :79
(28) سنن أبي داوود السجستاني : كتاب الملاحم/ج:4-ص:122.
(29) أخرجه أحمد من حديث عدي بن عميرة و فيه مكن لم يسم، و الطبراني من حديث أخيه العرس بن عسير/ج:4-ص:192.
(30) سورة آل عمران / الاية:؛104.
(31) تفسير المنار :ج:4 (بتصرف)
(32) سورة الحج – الاية:41.
(33)ة التوبة- الاية:122
(34)ر المنار:ج4-ص:28 ( بتصرف (
(35)آل عمران: الاية :110
(36)ر المنار:ج4-ص:57 ( بتصرف)
(37)ر المنار:ج4-ص:61-64 ( بتصرف)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here